بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 28, Page 109
Same indexed hadith bihar-13034; it began on pages 86-116.
ارشاد القلوب : بحذف الاسناد قال : لما استخلف عثمان بن هذه تتسلم لنا بعد التعمق في ماجرى في السقيفة ، حيث قام الشيخان يعرض كل منهما البيعة لصاحبه من دون تشاور مع الصحابة ومن دون حضور العترة الطاهرة من بنى هاشم ، أبوعبيدة بن الجراح يدعو الناس اليهما ، وهكذا نتفاهم ذلك من قول عمر حيث يقول : « لو أن سالما مولى أبى حذيفة وابا عبيدة كانا حيين ، لما تخالجنى فيهما شك أن أولى أحدهما » فلما لم يكن أحد من أصحاب الصحيفة هذه حيا جعله شورى على شريطة لا يشك أحد معها في أن الخلافة انما تثبت لعثمان دون غيره. وسيجئ الكلام في ذلك مستوفى في شرح السقيفة في محله انشاء الله تعالى. عفان ، آوى إليه عمه الحكم بن العاص ، وولده مروان ، والحارث بن الحكم ، و وجه عماله في الامصار ، وكان فيمن وجه عمر بن سفيان بن المغيرة بن أبى العاص ابن امية إلى مشكان ، والحارث بن الحكم إلى المداين ، فأقام فيها مدة يتعسف أهلها ويسئ معاملتهم ، فوفد منهم إلى عثمان وفد شكوا إليه ، وأعلموه بسوء ما يعاملهم به ، وأغلظوا عليه في القول ، فولى حذيفة بن اليمان عليهم وذلك في آخر أيامه ، فلم ينصرف حذيفة بن اليمان من المدائن إلى أن قتل عثمان ، واستخلف علي بن أبي طالب 7 فأقام حذيفة عليها وكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله على أمير المؤمنين 7 إلى حذيفة بن اليمان ، سلام عليك فاني وليتك ما كنت تليه لمن كان قبل من حرف المداين ، وقد جعلت إليك أعمال الخراج والرستاق وجباية أهل الذمة ، فاجمع إليك ثقاتك ومن أحببت ممن ترضى دينه وأمانته ، و مولانا على بما هذا لفظه ، فقال له : « أيها الفتى انه أخذو الله بأسماعنا وأبصارنا ، و كرهنا الموت وزينت عندنا الحياة الدنيا وسبق علم الله [ بامرة الظالمين ] ونحن نسأل الله التغمد لذنوبنا والعصمة فيما بقى من آجالنا فانه مالك ذلك » وسيأتى نصه في ص ٩٤ بلفظه. وهكذا رواه السيد بن طاوس في كتاب الاقبال ٤٥٤ ـ ٤٥٩ ، نقلا عن كتاب النشر والطى بتقديم وتأخير في سرد القصص. وكيف كان ، فالغرض من نقل هذا الحديث بطوله الاشارة إلى تلك الصحيفة الملعونة التى كتبوها وتعاقدوا بها فيما بينهم « ان أمات الله محمدا ـ أو قتل ـ لا نرد هذا الامر إلى أهل بيته » وأما ساير الواقعات التى تقدمها أو تأخرها ، فانما نقلها المؤلف العلامة ليتبين أنه كيف تآمروا بذلك وكيف عملوا على منهاج صحيفتهم ، ولذلك أضربنا عن تخريج هذه الواقعات المشهورة كحجة الوداع وحديث الثقلين وغدير خم وأمثالها مما ذكر في الحديث تبعا وسردا ، فانها مما تبين في محالها من هذا الكتاب الجامع بحار الانوار بما لا مزيد عليه ، وبعضها الاخر كتخلفهم عن جيش أسامة وصلاة أبى بكر بالناس ووقعة الجمل ، سيأتى أبحاثها في محالها انشاء الله تعالى. استعن بهم على أعمالك ، فان ذلك أعز لك ولوليك ، وأكبت لعدوك. وإنى آمرك بتقوى الله وطاعته في السر والعلانية ، فاحذر عقابه في المغيب والمشهد ، وأتقدم إليك بالاحسان إلى المحسن ، والشدة على المعاند ، وآمرك بالرفق في امورك ، واللين والعدل في رعيتك ، فانك مسؤول عن ذلك ، وإنصاف المظلوم ، والعفو عن الناس ، وحسن السيرة ما استطعت ، فالله يجزي المحسنين وآمرك أن تجبى خراج الارضين على الحق والنصفة ، ولا تتجاوز ما تقدمت به إليك ، ولا تدع منه شيئا ، ولا تبتدع فيه أمرا ، ثم اقسمه بين أهله بالسوية والعدل ، واخفض لرعيتك جناحك ، وواس بينهم في مجلسك ، وليكن القريب والبعيد عندك في الحق سواء ، واحكم بين الناس بالحق وأقم فيهم بالقسط ، ولا تتبع الهوى و لا تخف في الله لومة لائم ، فان الله مع الذين اتقوا والذينهم محسنون. وقد وجهت إليك كتابا لتقرأه على أهل مملكتك ليعلموا رأينا فيهم وفي جميع المسلمين ، فأحضرهم واقرأ عليهم ، وخذ البيعة لنا على الصغير والكبير منهم إنشاء الله تعالى. فلما وصل عهد أمير المؤمنين 7 إلى حذيفة جمع الناس فصلى بهم ثم أمر بالكتاب فقرى عليهم وهو : بسم الله الرحمن الرحيم من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين ، سلام عليكم فانى أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأسأله أن يصلي على محمد وآله ، فأما بعد ، فان الله تعالى اختار الاسلام دينا لنفسه و ملائكته ورسله وإحكاما لصنعه وحسن تدبيره ، ونظرا منه لعباده ، وخص منه من أحب من خلقه ، فبعث إليهم محمدا 9 فعلمهم الكتاب والحكمة إكراما وتفضلا لهذه الامة ، وأدبهم لكى يهتدوا ، وجمعهم لئلا يتفرقوا ، وفقههم لئلا يجوروا فلما قضى ما كان عليه من ذلك مضى إلى رحمة ربه حميدا محمودا. ثم إن بعض المسلمين أقاموا بعده رجلين رضوا بهديهما وسيرتهما ، قاما ما شاء الله ، ثم توفاهما الله عزوجل ، ثم ولوا بعدهما الثالث فأحدث أحداثا و وجدت الامة عليه فعالا ، فاتفقوا عليهم ثم نقموا منه فغيروا ، ثم جاؤنى كتتابع الخيل ، فبايعوني فأنا أستهدي الله بهداه وأستعينه على التقوى ، ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة نبيه ، والقيام بحقه ، وإحياء سنته ، والنصح لكم بالمغيب والمشهد ، وبالله نستعين على ذلك ، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وقد وليت أموركم حذيفة بن اليمان ، وهو ممن أرتضى بهداه ، وأرجو صلاحه ، وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم ، والشدة على مريبكم ، والرفق بجميعكم ، أسأل الله لنا ولكم حسن الخيرة والاحسان ، ورحمته الواسعة في الدنيا والاخرة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال : ثم إن حذيفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبى وآله ، ثم قال : الحمد لله الذي أحيا الحق وأمات الباطل ، وجاء بالعدل ، وأدحض الجور ، وكبت الظالمين ، أيها الناس إنما وليكم الله ورسوله وأمير المؤمنين حقا حقا ، وخير من نعلمه بعد نبينا محمد رسول الله ، وأولى الناس بالناس ، وأحقهم بالامر ، و أقربهم إلى الصدق ، وأرشدهم إلى العدل وأهداهم سبيلا وأدناهم إلى الله وسيلة وأمسهم برسول الله 9 رحما أنيبوا إلى طاعة أول الناس سلما ، وأكثرهم علما وأقصدهم طريقا وأسبقهم إيمانا ، وأحسنهم يقينا ، وأكثرهم معروفا ، وأقدمهم جهادا ، وأعزهم مقاما ، أخى رسول الله وابن عمه وأبي الحسن والحسين و زوج الزهراء البتول سيدة نساء العالمين ، فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله وسنة نبيه 9 فان لله في ذلك رضى ، ولكم مقنع وصلاح ، والسلام. فقام الناس بأجمعهم فبايعوا أمير المؤمنين 7 أحسن بيعة ، وأجمعها. فلما استتمت البيعة ، قام إليه فتى من أبناء العجم وولاة الانصار لمحمد بن عمارة بن التيهان أخو أبوالهيثم بن التيهان يقال له مسلم ، ومتقلدا سيفا ، فناداه من أقصى الناس أيها الامير إنا سمعناك تقول : « إنما وليكم الله ورسوله وأمير ـ المؤمنين حقا حقا » تعريضا بمن كان قبله من الخلفاء أنهم لم يكونوا أمراء المؤمنين حقا ، فعرفنا ذلك أيها الامير رحمك الله ولا تكتمنا ، فانك ممن شهد وعاين ونحن مقلدون ذلك أعناقكم ، والله شاهد عليكم فيما تأتون به من النصحية لامتكم وصدق الخبر عن نبيكم 9. فقال حذيفة : أيها الرجل أما إذا سألت وفحصت هكذا فاسمع وافهم ما أخبرك به أما من تقدم من الخلفاء قبل على بن أبى طالب 7 ممن تسمى أمير المؤمنين فانهم تسموا بذلك فسماهم الناس بذلك ، وأما علي بن أبى طالب 7 فان جبرئيل 7 سماه بهذا الاسم عن الله تعالى ، وشهد له رسول الله (ص) عن سلام جبرئيل 7 له بامرة المؤمنين ، وكان أصحاب رسول الله (ص) يدعونه في حياة رسول الله 9 بامرة المؤمنين. قال الفتى : خبرنا كيف كان ذلك يرحمك الله؟ قال حذيفة : إن الناس كانوا يدخلون على رسول الله 9 قبل الحجاب إذا شاوا فنهاهم رسول الله 9 أن يدخل أحد إليه وعنده دحية بن خليفة الكلبى وكان رسول الله 9 يراسل قيصرا ملك الروم وبنى حنيفة وملوك بنى غسان على يده ، وكان جبرئيل 7 يهبط على صورته ، ولذلك نهى رسول الله (ص) أن يدخل المسلمون عليه إذا كان عنده دحية. قال حذيفة : وإنى أقبلت يوما لبعض أمورى إلى رسول الله 9 مهجرا رجاء أن ألقاه خاليا ، فلما صرت بالباب ، فاذا أنا بالشملة قد سدلت على الباب ، فرفعتها وهممت بالدخول ، وكذلك كنا نصنع ، فاذا أنا بدحية قاعد عند رسول الله والنبى نائم ورأسه في حجر دحية فلما رأيته انصرفت فلقيني علي بن أبي طالب 7 في بعض الطريق فقال : يا ابن اليمان من أين أقبلت؟ قلت من عند رسول الله 9 ، قال : و ماذا صنعت عنده؟ قلت أردت الدخول عليه في كذا وكذا فذكرت الامر الذي جئت له فلم يتهيأ لي ذلك ، قال : ولم؟ قلت : كان عنده دحية الكلبى ، وسألت عليا 7 معونتي على رسول الله 9 في ذلك ، قال : فارجع معي فرجعت معه. فلما صرنا إلى باب بالدار جلست بالباب ورفع على الشملة ودخله وسلم فسمعت دحية يقول : وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، ثم قال : اجلس فخذ رأس أخيك وابن عمك من حجري فانت أولى الناس به ، فجلس علي 7 وأخذ رأس رسول الله 9 فجعله في حجره وخرج دحية من البيت ، فقال على : ادخل يا حذيفة فدخلت وجلست فلما كان بأسرع أن انتبه رسول الله (ص) فضحك في وجه علي 7 ثم قال : يا أبا الحسن من حجر من أخذت رأسى؟ فقال : من حجر دحية الكلبى ، فقال : ذلك جبرئيل 7 ، فما قلت له حين دخلت؟ وما قال لك؟ قال : دخلت فسلمت فقال لي : وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله و بركاته ، فقال رسول الله (ص) يا علي سلمت عليك ملائكة الله وسكان سمواته بامرة المؤمنين من قبل أن يسلم عليك أهل الارض ، يا علي إن جبرئيل 7 فعل ذلك من أمر الله تعالى ، وقد أوحى إلى عن ربى عزوجل من قبل دخولك أن أفرض ذلك على الناس ، وأنا فاعل ذلك إنشاءالله تعالى. فلما كان من الغد بعثني رسول الله 9 إلى ناحية فدك في حاجة فلبثت أياما فقدمت فوجدت الناس يتحدثون أن رسول الله 9 أمر الناس أن يسلموا على على 7 بإمرة المؤمنين ، وأن جبرئيل 7 أتاه بذلك عن الله عزوجل ، فقلت : صدق رسول الله (ص) وأنا قد سمعت جبرئيل 7 يسلم على علي 7 بامرة المؤمنين ، وحدثتهم الحديث ، فسمعني عمر بن الخطاب وأنا أحدث الناس في المسجد ، فقال لي أنت رأيت جبرئيل وسمعته؟ اتق القول ، فقد قلت قولا عظيما أو قد خولط بك ، فقلت نعم أنا سمعت ذلك ورأيته ، فأرغم الله أنف من رغم فقال يا أبا عبدالله لقد رأيت وسمعت عجبا. قال حذيفة : وسمعنى بريدة بن الحصيب الاسلمي وأنا احدث ببعض [١]حديث التسليم على على بامرة المؤمنين قد مر باسناد كثيرة في تاريخ مولانا أمير المؤمنين ج ٣٧ ـ الباب ٥٤ ، وينص على ذلك ما أخرجه عن كتاب كشف اليقين ٧٥ ـ ٧٦نقلا من كتاب المعرفة تأليف عباد بن يعقوب الرواجنى باسناده عن بريدة بن ما رأيت وسمعت فقال لى : والله يا ابن اليمان لقد أمرهم رسول الله 9 بالسلام على على بإمرة المؤمنين ، قلت : يا بريدة أكنت شاهدا ذلك اليوم؟ فقال : نعم من أوله إلى آخره ، فقلت له : حدثني به يرحمك الله تعالى فانى كنت عن ذلك اليوم غايبا فقال بريدة : كنت أنا وعمار أخي مع رسول الله 9 في نخيل بنى النجار فدخل علينا علي بن أبي طالب 7 فسلم فرد 7 رسول الله (ص) وردنا ، ثم قال له : يا على اجلس هناك ، فجلس ، ودخل رجال فأمرهم رسول الله 9 بالسلام على على بإمرة المؤمنين فسلموا وماكادوا. ثم دخل أبوبكر وعمر ، فسلما فقال لهما رسول الله (ص) : سلما على علي 7 بامرة المؤمنين ، فقالا إن الامر من الله ورسوله؟ فقال : نعم ، ثم دخل طلحة و وسعد بن مالك فسلما فقال لهما رسول الله (ص) سلما على علي بامرة المؤمنين فقالا أمر من الله ورسوله؟ فقال : نعم ، قالا سمعنا ، وأطعنا ، ثم دخل سلمان الفارسى وأبوذر الغفاري 2ما فسلما فرد 8 ثم قال : سلما على علي بامرة المؤمنين فسلما ولم يقولا شيئا ، ثم دخل خزيمة بن ثابت وأبوالهيثم التيهان فسلما فرد 8 ثم قال : سلما على علي بامرة المؤمنين فسلما ولم يقولا شيئا ، ثم دخل عمار والمقداد فسلما فرد 8 ، وقال : سلما على علي بامرة المؤمنين ، ففعلا ولم يقولا شيئا ، ثم دخل عثمان وأبوعبيدة فسلما فرد 8 ثم قال : سلما على علي بامرة المؤمنين ، قالا عن الله ورسوله؟ قال نعم. ثم دخل فلان وفلان وعد جماعة من المهاجرين والانصار ، كل ذلك يقول رسول الله (ص) سلموا وعلى على بامرة المؤمنين ، فبعض يسلم ولا يقول شيئا ، وبعض يقول للنبي أعن الله ورسوله؟ فيقول نعم : حتى غص المجلس بأهله ، وامتلات الحجرة وجلس بعض على الباب ، وفي الطريق ، وكانوا يدخلون فيسلمون ويخرجون ، ثم قال لي ولاخي : قم يا بريدة أنت وأخوك فسلما على علي 7 بامرة المؤمنين ، الحصيب الاسلمى راجعه ان شئت وسيأتى نصه في باب احتجاج سلمان وأبى بن كعب وغيرهما على القوم انشاء الله. فقمنا وسلمنا ، ثم عدنا إلى مواضعنا ، قال : ثم أقبل رسول الله (ص) عليهم جميعا فقال اسمعوا وعوا إني أمرتكم أن تسلموا على علي بامرة المؤمنين ، وإن رجالا سألوني « أذ لك عن أمر الله وأمر رسوله » ماكان لمحمد أن يأتي أمرا من تلقاء نفسه ، بل بوحى ربه ، وأمره ، أفرايتم والذي نفسي بيده لان أبيتم ونقضتموه لتكفرن ، ولتفارقن ما بعثنى به ربى ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. قال بريدة : فلما خرجنا سمعت بعض أولئك الذين امروا بالسلام على على بإمرة المؤمنين يقول لصاحبه وقد التفت بهما طائفة من الجفاة البطاء عن الاسلام من قريش ، أما رأيت ما صنع محمد (ص) بابن عمه من علو المنزلة والمكان ، و لو يستطيع والله لجعله نبيا من بعده ، فقال له صاحبه : أمسك لا يكبرن عليك ، هذا [ الامر ] فلو أنا فقدنا محمدا لكان فعله هذا تحت أقدامنا. فقال حذيفة : ومضى بريدة إلى بعض طرق الشام ورجع ، وقد قبض رسول الله 9 وبايع الناس أبابكر ، فأقبل بريدة وقد دخل المسجد وأبوبكر على المنبر وعمر دونه بمرقاة فناداهما من ناحية المسجد : يا أبابكر ويا عمر ، قالا : ومالك يا بريده أجننت؟ فقال لهما : والله ما جننت ، ولكن أين سلامكما بالامس على علي 7 بامرة المؤمنين؟ فقال له أبوبكر : يابريدة ، الامر يحدث بعده الامر ، وإنك غبت وشهدنا ، والشاهد يرى ما لا يرى الغايب ، فقال لهما : رأيتما مالم يره الله ورسوله ، ووفى لك صاحبك بقوله : « لو فقدنا محمدا لكان قوله هذا تحت أقدامنا » ألا إن المدينة حرام علي أن أسكنها أبدا حتى أموت ، فخرج بريدة بأهله و ولد ، فنزل بين قومه بني أسلم فكان يطلع في الوقت دون الوقت ، فلما أفضى الامر إلى أمير المؤمنين 7 سار إليه ، وكان معه حتى قدم العراق ،فلما أصيب أمير المؤمنين 7 صار إلى خراسان فنزلها ، ولبث هناك إلى أن مات برحمة الله تعالى. قال حذيفة : فهذا نبأ ما سألتني عنه ، فقال الفتى : لا جزى الله الذين شهدوا رسول الله 9 وسمعوه يقول : هذا القول في علي خيرا ، فقد خانوا الله ورسوله وأزوالوا الامر[١] عن وصي رسول الله 9 وأقروه فيمن لم يره الله ولا رسوله لذلك أهلا ، لا جرم والله لن يفلحوا بعدها أبدا. فنزل حذيفة من منبره فقال : يا أخا الانصار إن الامر كان أعظم مما تظن أنه عزب والله البصر ، وذهب اليقين ، وكثر المخالف ، وقل الناصر لاهل الحق فقال له الفتى : فهلا انتضيتم أسيافكم ، ووضعتموها على رقابكم ، وضربتم بها الزائلين عن الحق قدما قدما حتى تموتوا أو تدركوا الامر الذي تحبونه من طاعة الله عزوجل وطاعة رسوله ، فقال له : أيها الفتى إنه اخذو الله بأسماعنا وأبصارنا ، وكرهنا الموت ، وزينت عندنا الدنيا ، وسبق علم الله بامرة الظالمين ، ونحن نسأل الله التغمد لذنوبنا ، والعصمة فيما بقي من آجالنا ، فانه مالك رحيم ، ثم انصرف حذيفة إلى منزله وتقرق الناس. قال عبدالله بن سلمة : فبينا أنا ذات يوم عند حذيفة أعوده في مرضه الذي مات فيه ، وقد كان يوم قدمت فيه من الكوفة من قبل قدوم علي 7 إلى العراق ، فبينما أنا عنده إذ جاء الفتى الانصاري فدخل على حذيفة فرحب به وأدناه وقربه من مجلسه ، وخرج من كان عند حذيفة من عواده ، وأقبل عليه الفتى فقال : يا أبا عبدالله سمعتك يوما تحدث عن بريدة بن الحصيب الاسلمي أنه سمع بعض القوم الذين أمرهم رسول الله 9 أن يسلموا على على بامرة المؤمنين يقول لصاحبه : أما رأيت القوم ما صنع محمد بابن عمه من التشريف وعلو المنزلة ، حتى لو قدر أن يجعله نبيا لفعل ، فأجابه صاحبه فقال : لا يكبرن عليك ، فلو فقدنا محمدا لكان قوله تحت أقدامنا ، وقد ظننت نداء بريدة لهما ، وهما على المنبر أنهما صاحبا القول قال حذيفة : أجل ، القائل عمر ، والمجيب أبوبكر ، فقال الفتى : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هلك والله القوم ، وبطلت أعمالهم ، قال حذيفة : ولم يزل القوم على ذلك الارتداد وما يعلم الله منهم أكثر. [١]وأزالوا الامر عمن رضى به الله ورسوله خ ل. قال الفتى : قد كنت أحب أن أتعرف هذا الامر من فعلهم ، ولكنى أجدك مريضا وأنا أكره أن أملك بحديثي ومسئلتي ، وقام لينصرف فقال حذيفة : لابل اجلس يا ابن أخى ، وتلق مني حديثهم ، وإن كربني ذلك ، فلا أحسبنى إلا مفارقكم إني لا أحب أن تغتر بمنزلتهما في الناس ، فهذا ما أقدر عليه من النصيحة لك ، ولاميرالمؤمنين 7 من الطاعة له ، ولرسول الله (ص) وذكر منزلته ، فقال : يا أبا عبدالله حدثنى بما عندك من امورهم ، لاكون على بصيرة من ذلك فقال حذيفة : إذا والله لاخبرنك بخبر سمعته ورأيته ، ولقد والله دلنا على ذلك من فعلهم على أنهم والله ما آمنوا بالله ولا برسوله طرفة عين. واخبرك أن الله تعالى أمر رسوله في سنة عشر من مهاجرته من مكة إلى المدينة أن يحج هو ويحج الناس معه ، فأوحى إليه بذلك « وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق »[١] فأمر رسول الله 9 المؤذنين فأذنوا في أهل السافلة والعالية : ألا إن رسول الله 9 قد عزم على الحج في عامه هذا ليفهم الناس حجهم ، ويعلمهم مناسكهم ، فيكون سنة لهم إلى آخر الدهر ، قال فلم يبق أحد ممن دخل في الاسلام إلا حج مع رسل الله 9 لسنة عشر ، ليشهدوا منافع لهم ، ويعلمهم حجهم ، ويعرفهم مناسكهم ، وخرج رسول الله 9 بالناس وخرج بنسائه معه ، وهي حجة الوداع فلما استتم حجهم وقضوا مناسكهم ، وعرف الناس جميع ما يحتاجون إليه ، وأعلمهم أنه قد أقام لهم ملة إبراهيم 7 ، وقد أزال عنهم جميع ما أحدثه المشركون بعده ، ورد الحجر [ الحج ] إلى حالته الاولى. ودخل مكة فأقام بها يوما واحدا ، فهبط جبرئيل 7 بأول سورة العنكبوت فقال : يا محمد اقرأ « بسم الله الرحمن الرحيم الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ، وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ، أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون » فقال [١]الحج : ٢٧. رسول الله 9 : يا جبرئيل وما هذه الفتنة؟ فقال : يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول : إني ما أرسلت نبيا قبلك إلا أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف على امته من بعده من يقوم مقامه ، ويحيى لهم سنته وأحكامه ، فالمطيعون لله فيما يأمرهم به رسول الله هم الصادقون ، والمخالفون على أمره هم الكاذبون ، وقد دنا يا محمد مصيرك إلى ربك وجنته ، وهو يأمرك أن تنصب لامتك من بعدك علي بن أبي طالب 7 وتعهد إليه فهو الخليفة القائم برعيتك وأمتك إن أطاعوه وإن عصوه ، وسيفعلون ذلك وهي الفتنة التي تلوت الاى فيها ، وإن الله عزوجل يأمرك أن تعلمه جميع ما علمك ، وتستحفظه جميع ما حفظك واستودعك ، فانه الامين المؤتمن يا محمد إني اخترتك من عبادي نبيا ، واخترته لك وصيا. قال : فدعا رسول الله (ص) عليا 7 يوما فخلابه يوم ذلك وليلته ، واستودعه العلم والحكمة التي آتاه إياها ، وعرفه ما قال جبرئيل 7 ، وكان ذلك في يوم عائشة بنت أبي بكر ، فقالت : يا رسول الله لقد طالت استخلاؤك بعلي 7 منذ اليوم؟ قال : فأعرض عنها رسول الله 9 فقالت : لم تعرض عنى يا رسول الله بأمر لعله يكون لى صلاحا ، فقال : صدقت وأيم الله إنه لامر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والايمان به ، وقد أمرت بدعاء الناس جميعا إليه ، وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس. قالت : يا رسول الله ولم لا تخبرني به الان لاتقدم بالعمل به والاخذ بما فيه الصلاح ، قال : سأخبرك به فاحفظيه إلى أن اومر بالقيام به في الناس جميعا ، فانك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والاجلة جميعا ، وكانت لك الفضيلة بالسبقة والمسارعة إلى الايمان بالله ورسوله وإن أضعته وتركت رعاية ما القى إليك منه كفرت بربك ، وحبط أجرك ، وبرئت منك ذمة الله وذمة رسوله ، وكنت من الخاسرين ، ولن يضر الله ذلك ولا رسوله. فضمنت له حفظه ، والايمان به ورعايته ، فقال : إن الله تعالى أخبرني أن عمري قد انقضى ، وأمرني أن أنصب عليا للناس علما ، وأجعله فيهم إماما ، وأستخلفه كما استخلف الانبياء من قبلي أوصياءهم ، واني صاير إلى أمر ربى ، وآخذ فيه بأمره ، فليكن الامر منك تحت سويداء قلبك إلى أن يأذن الله بالقيام به ، فضمنت له ذلك ، وقد اطلع الله نبيه على ما يكون منها فيه ومن صاحبتها حفصة وأبويهما فلم تلبث أن أخبرت حفصة وأخبرت كل واحدة منهما أباها فاجتمعا وأرسلا إلى جماعة الطلقاء والمنافقين فخبراهم بالامر ، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا إن محمدا يريد أن يجعل هذا الامر في أهل بيته كسنة كسرى وقيصر إلى آخر الدهر ، ولا والله مالكم في الحياة من حظ إن أفضى هذا الامر إلى علي بن أبي طالب 7 وإن محمدا عاملكم على ظاهركم ، وإن عليا يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم ، فأحسنوا النظر لانفسكم في ذلك ، وقدموا رأيكم فيه. ودار الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب وأجالوا الرأي فاتفقوا على أن ينفروا بالنبى 9 ناقته على عقبة هرشى[١] وقد كانوا عملوا مثل ذلك في غزوة تبوك فصرف الله الشر عن نبيه (ص) فاجتمعوا في أمر رسول الله 9 من القتل والاغتيال وإسقاء السم على غير وجه ، وقد كان اجتمع أعداء الله رسول الله (ص) [١]هرشى بالفتح ثم السكون والقصر ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة ترى من البحر ، ولها طريقان ، فكل من سلك واحدا منها أفضى به إلى موضع واحد. من الطلقاء من قريش والمنافقين من الانصار ومن كان في قلبه الارتداد من العرب في المدينة وما حولها ، فتعاقدوا وتحالفوا على أن ينفروا به ناقته ، وكانوا أربعة عشر رجلا. وكان من عزم رسول الله 9 أن يقيم عليا 7 وينصبه للناس بالمدينة إذا قدم فسار رسول الله 9 يومين وليلتين فلما كان في اليوم الثالث أتاه جبرئيل 7 بآخر سورة الحجر فقال اقرء : « فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون * فاصدع بما تؤمرو أعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين »[١] قال : ورحل رسول الله 9 وأغذ السير مسرعا على دخوله المدينة ، لينصب عليا 7 علما للناس ، فلما كانت الليلة الرابعة هبط جبرئيل في آخر الليل فقرأ عليه « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس ، إن الله لا يهدي القوم الكافرين » وهم الذين هموا برسول الله (ص) فقال رسول الله 9 : أما ترانى يا جبرئيل أغذ السير مجدا فيه لادخل المدينة فأفرض ولايته على الشاهد والغايب؟ فقال له جبرئيل : إن الله يأمرك أن تفرض ولايته غدا إذا نزلت منزلك ، فقال رسول الله 9 : نعم يا جبرئيل غدا أفعل إنشاء الله. وأمر رسول الله 9 بالرحيل من وقته ، وسار الناس معه حتى نزل بغدير خم وصلى بالناس وأمرهم أن يجتمعوا إليه ودعا عليه عليا السلام ورفع رسول الله (ص) يد علي اليسرى بيده اليمنى ، ورفع صوته بالولاء لعلي 7 على الناس أجمعين وفرض طاعته عليهم ، وأمرهم أن لا يتخلفوا عليه بعده ، وخبرهم أن ذلك عن أمر الله عزوجل ، وقال لهم : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى يا رسول الله ، قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، ثم أمر الناس أن يبايعوه فبايعه الناس [١]الحجر : ٩٢ ـ ٩٥. جميعا ولم يتكلم منهم أحد. قد كان أبوبكر وعمر تقدما إلى الجحفة ، فبعث وردهما ثم قال لهما النبى 9 متهجما : يا ابن أبى قحافة ويا عمر بايعا عليا بالولاية من بعدي فقالا أمر من الله ومن رسوله؟ فقال : وهل يكون مثل هذا عن غير أمر الله ، ونعم أمر من الله ومن رسوله ، فقال : وبايعا ثم انصرفا ، وسار رسول الله 9 باقي يومه و ليلته حتى إذا دنوا من عقبة هر شى تقدمه القوم ، فتواروا في ثنية العقبة ، وقد حملوا معهم دبابا ، وطرحوا فيها الحصا. فقال حذيفة : فدعاني رسول الله 9 ودعا عمار بن ياسر وأمره أن يسوقها وأنا أقودها ، حتى إذا صرنا رأس العقبة ، ثار القوم من ورائنا ، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة ، فذعرت وكادت أن تنفر برسول الله 9 ، فصاح بها النبى (ص) أن اسكنى ، وليس عليك بأس. فأنطقها الله تعالى بقول عربي مبين فصيح ، فقالت : والله ، يا رسول الله 9 لا أزلت يدا عن مستقر يد ، ولا رجلا عن موضع رجل ، وأنت على ظهرى ، فتقدم القوم إلى الناقة ليدفعوها فأقبلت أنا وعمار نضرب وجوههم بأسيافنا ، وكانت ليلة مظلمة فزالوا عنا وأيسوا مما ظنوا ، وقد روا [ ودبروا ]. فقلت : يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون ما ترى؟ فقال 9 : يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والاخرة ، فقلت : ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطا فيأتوا برؤسهم؟ فقال إن الله أمرني أن أعرض عنهم ، فأكره أن تقول الناس إنه دعا اناسا من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا ، فقاتل بهم حتى إذا ظهر على عدوه ، أقبل عليهم فقتلهم ، ولكن دعهم يا حذيفة ، فان الله لهم بالمرصاد ، وسيمهلهم قليلا ثم يضطر هم إلى عذاب غليظ. فقلت : ومن هؤلاء القوم المنافقون يا رسول الله 9 أمن المهاجرين أم من الانصار؟ فسماهم لي رجلا رجلا حتى فرغ منهم ، وقد كان فيهم أناس أنا كاره أن يكونوا فيهم ، فأمسكت عند ذلك ، فقال رسول الله 9 يا حذيفة كأنك شاك في بعض من سميت لك ، ارفع رأسك إليهم فرفعت طرفي إلى القوم ، وهم وقوف على الثنية ، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا ، وثبتت البرقة حتى خلتها شمسا طالعة فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلا رجلا ، فاذا هم كما قال رسول الله 9 ، و عدد القوم أربعة عشر رجلا ، تسعة من قريش ، وخمسة من ساير الناس ، فقال له الفتى : سمهم لنا يرحمك الله تعالى! قال حذيفة : هم والله أبوبكر ، وعمر ، وعثمان وطلحة ، وعبدالرحمن بن عوف ، وسعد بن أبى وقاص ، وأبوعبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، هؤلاء من قريش ، وأما الخمسة الاخر فأبو موسى الاشعرى[١] والمغيرة بن شعبة الثقفي ، وأوس بن الحدثان البصري ، [١]وهو ممن شهد العقبة بتبوك على ما شهد بذلك حذيفة بن اليمان روى جرير بن عبدالحميد الضبى عن الاعمش عن شقيق أبى وائل قال : قال حذيفة : والله ما في أصحاب رسول الله أحد أعرف بالمنافقين منى وأنا أشهد أن أبا موسى الاشعرى منافق ، أخرجه ابن جرير من أصحابنا في المسترشد : ١٣ ، وفضل بن شاذان في الايضاح ٦١. وهو الذين كنى عنه أصحاب الحديث حيث رووا عن أبى الطفيل أنه كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال : أنشدك الله كم كان أصحاب العقبة؟ قال : فقال له القوم أخبره اذ سألك ، فقال : كنا نخبر أنهم أربعة عشر ، قال : فان كنت منهم ( فيهم ) فقد كان القوم خمسة عشر وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد ، وعذر ثلاثة قالوا ما سمعنا منادى رسول الله ولا علمنا بما أراد القوم ، راجع صحيح مسلم ج ٨ ص ١٢٣ ، ومسند أحمد ج ٥ ص ٣٩٠ ـ ٣٩١. فقوله « فان كنت منهم » الخ يعنى أن القوم لم يكونوا أربعة عشر بل كنت فيهم وكانوا خمسة عشر ، الا ان ثلاثة منهم كانوا معذورين حيث لم يسمعوا منادى رسول الله « لا يطلع العقبة أحد ، لا يطلع العقبة أحد » ولا علموا بما أراد القوم من تنفير ناقته ص ، فاذلم تكن أنت أحد الثلاثة المعذورين ، فلابد وأن كنت من الاثنى عشر الذين كانوا حربا لله ولرسوله. وهكذا شهد بنفاقه وكونه من أصحاب العقبة عمار بن ياسر حيث قال أبوموسى في وأبوهريرة ، وأبوطلحة الانصاري. قال حذيفة : ثم انحدرنا من العقبة ، وقد طلع الفجر فنزل رسول الله صلى الله عليه آله فتوضأ وانتظر أصحابه حتى انحدروا من العقبة واجتمعوا ، فرأيت القوم بأجمعهم وقد دخلوا مع الناس وصلوا خلف رسول الله (ص) ، فلما انصرف من صلاته التفت فنظر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة يتناجون فأمر مناديا فنادى في الناس لا تجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون فيما بينهم بسر ، وارتحل رسول الله 9 بالناس من منزل العقبة. فلما نزل المنزل الاخر رأى سالم مولى حذيفة أبابكر وعمر وأبا عبيدة يسار بعضهم بعضا ، فوقف عليهم ، وقال أليس قد أمر رسول الله 9 أن لا تجتمع ثلاثة نفر من الناس على سر واحد ، والله لتخبرونى فيما أنتم ، وإلا أتيت رسول الله 9 حتى اخبره بذلك منكم ، فقال أبوبكر : يا سالم عليك عهد الله وميثاقه لئن خبرناك بالذي نحن فيه وبما اجتمعنا له ، إن أحببت أن تدخل معنا فيه دخلت وكنت رجلا منا ، وإن كرهت ذلك كتمته علينا ، فقال سالم : لكم ذلك وأعطاهم بذلك عهده وميثاقه ، وكان سالم شديد البغص والعداوة لعلي بن أبي طالب 7 وقد عرفوا ذلك منه. فقالوا له إنا قد اجتمعنا على أن نتحالف ونتعاقد على أن لا نطيع محمدا فيما فرض علينا من ولاية علي بن أبي طالب بعده فقال لهم سالم : عليكم عهد الله وميثاقه إن في هذا الامر كنتم تخوضون وتتناجون؟ قالوا أجل علينا عهد الله وميثاقه أنا إنما كنا في هذا الامر بعينه لا في شئ سواه ، قال سالم : وأنا والله أول من يعاقدكم على هذا الامر ، ولا يخالفكم عليه ، إنه والله ما طلعت الشمس على أهل بيت أبغض إلى من بني هاشم ولا في بني هاشم أبغض إلى ولا أمقت من علي بن أبي طالب فاصنعوا في كلام له لعمار « لا تفعل ودع عتابك لى فانما أنا أخوك ، فقال له عمار : ما أنا لك بأخ ، سمعت رسول الله يلعنك ليلة العقبة وقد هممت مع القوم بما هممت » وسيجئ تمام الكلام في باب بدو قصة التحكيم تحت الرقم ٣. هذا الامر ما بدا لكم فاني واحد منكم ، فتعاقدوا من وقتهم على هذا الامر ثم تفرقوا. فلما أراد رسول الله 9 المسير أتوه فقال لهم : فيما كنتم تتناجون في يومكم هذا وقد نهيتكم من النجوى؟ فقالوا : يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا ، فنظر إليهم النبى 9 مليا ثم قال لهم : « أنتم أعلم أم الله ، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون »[١]. ثم سار حتى دخل المدينة واجتمع القوم جميعا وكتبوا صحيفة بينهم على ذكر ما تعاهدوا عليه في هذا الامر ، وكان أول ما في الصحيفة النكث لولاية علي بن أبي طالب 7 وأن الامر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم معهم ، ليس بخارج منهم ، وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلا : هؤلاء أصحاب العقبة وعشرون رجلا آخر ، واستودعوا الصحيفة أبا عبيدة بن الجراح وجعلوه أمنيهم عليها. قال : فقال الفتى يا أبا عبدالله يرحمك الله هبنا نقول إن هؤلاء القوم رضوا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة لانهم من مشيخة قريش ، فما بالهم رضوا بسالم وهو ليس من قريش ولا من المهاجرين ولا من الانصار وإنما هو عبد لامرءة من الانصار؟ قال حذيفة : يا فتى إن القوم أجمع تعاقدوا على إزالة هذا الامر عن علي بن أبي طالب 7 حسدا منهم له وكراهة لامره ، واجتمع لهم مع ذلك ماكان في قلوب قريش من سفك الدماء ، وكان خاصة رسول الله 9 وكانوا يطلبون الثأر الذي أوقعه رسول الله بهم من على من بني هاشم ، فانما كان العقد على إزالة الامر عن علي 7 من هؤلاء الاربعة عشر ، وكانوا يرون أن سالما رجل منهم. فقال الفتى : فخبرني يرحمك الله عما كتب جميعهم في الصحيفة لاعرفه ، فقال حذيفة حدثتني بذلك أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة أبي بكر أن القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر فتآمروا في ذلك ، وأسماء تسمعهم وتسمع جميع ما يد برونه في ذلك ، حتى اجتمع رأيهم على ذلك فأمروا سعيد بن العاص الاموي [١]البقرة : ١٤٠. فكتب هو الصحيفة باتفاق منهم ، وكانت نسخة الصحيفة : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما انفق عليه الملاء من أصحاب محمد رسول الله 9 من المهاجرين والانصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيه 9 ، اتفقوا جميعا بعد أن أجهدوا في رأيهم ، وتشاوروا في أمرهم ، وكتبوا هذه الصحيفة نظرا منهم إلى الاسلام وأهله على غابر الايام ، وباقي الدهور ، ليقتدي بهم من يأتي من المسلمين من بعدهم. أما بعد فان الله بمنه وكرمه بعث محمدا 9 رسولا إلى الناس كافة بدينه الذي أرتضاه لعباده ، فأدى من ذلك ، وبلغ ما أمره الله به ، وأوجب علينا القيام بجميعه حتى إذا أكمل الدين ، وفرض الفرائض ، وأحكم السنن ، اختار الله له ما عنده فقبضه إليه مكرما محبورا من غير أن يستخلف أحدا من بعده ، وجعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لانفسهم من وثقوا برأيه ونصحه لهم ، وإن للمسلمين في رسول الله أسوة حسنة ، قال الله تعالى « لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الاخر »[١] وإن رسول الله 9 لم يستخلف أحدا لئلا يجري ذلك في أهلبيت واحد ، فيكون إرثا دون سائر المسلمين ، ولئلا يكون دولة بين الاغنياء منهم ، ولئلا يقول المستخلف إن هذا الامر باق في عقبه من والد إلى ولد إلى يوم القيامة. والذي يجب على المسلمين عند مضى خليفة من الخفاء أن يجتمع ذو والرأي والصلاح فيتشاوروا في امورهم ، فمن رأوه مستحقا لها ولوه أمورهم ، وجعلوه القيم عليهم ، فانه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم للخلافة. فان ادعى مدع من الناس جميعا أن رسول الله 9 استخلف رجلا بعينه نصبه للناس ونص عليه باسمه ونسبه ، فقد أبطل في قوله ، وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله 9 ، وخالف على جماعة المسلمين. وإن ادعى مدع أن خلافة رسول الله 9 إرث ، وأن رسول الله 9 [١]الاحزاب : ٢١. يورث ، فقد أحال في قوله ، لان رسول الله قال : نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة. وإن ادعى مدع أن الخلافة لا تصلح إلا لرجل واحد من بين الناس وأنها مقصورة فيه ، ولا تنبغى لغيره ، لانها تتلو النبوة ، فقد كذب لان النبى 9 قال : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ». وإن ادعى مدع أنه مستحق للخلافة والامامة بقربه من رسول الله 9 ثم هي مقصورة عليه وعلى عقبه ، يرثها الولد منهم عن والده ، ثم هي كذلك في كل عصر وزمان لا تصلح لغيرهم ، ولا ينبغي أن يكون لاحد سواهم إلى أن يرث الله الارض ومن عليها ، فليس له ولا لولده ، وإن دنا من النبي نسبه ، لان الله يقول ـ وقوله القاضي على كل أحد : « إن أكرمكم عند الله أتقيكم » وقال رسول الله 9 : « إن ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وكلهم يد على من سواهم ». فمن آمن بكتاب الله وأقر بسنة رسول الله 9 فقد استقام وأناب ، وأخذ بالصواب ، ومن كره ذلك من فعالهم فقد خالف الحق والكتاب ، وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه ، فان في قتله صلاحا للامة ، وقد قال رسول الله 9 من جاء إلى امتي وهم جميع ففرقهم فاقتلوه ، واقتلوا الفرد كائنا من كان من الناس ، فان الاجتماع رحمة ، والفرقة عذاب ، ولا تجتمع أمتي على الضلال أبدا ، وإن المسلمين يد واحدة على من سواهم ، وأنه لا يخرج من جماعة المسلمين إلا مفارق ومعاند لهم ، ومظاهر عليهم أعداءهم فقد أباح الله ورسوله دمه وأحل قتله. وكتب سعيد بن العاص باتفاق ممن أثبت اسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في المحرم سنة عشرة من الهجرة ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ثم دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح فوجه بها إلى مكة فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أو ان عمر بن الخطاب ، فاستخرجها من موضعها ، وهي الصحيفة التي تمنى أمير المؤمنين 7 لما توفي عمر فوقف به وهو مسجى ثبوبه ، قال : ما أحب إلى أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجى[١]. ثم انصرفوا وصلى رسول الله 9 بالناس صلاة الفجر ،ثم جلس في مجلسه يذكر الله تعالى حتى طلعت الشمس ، فالتفت إلى أبي عبيدة بن الجراح فقال له : بخ بخ من مثلك وقد أصبحت أمين هذه الامة؟ ثم تلا « فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند البه ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون » لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الامة « يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ». [١]هذا الحديث رواه احمد في المسند ج ١ ص ١٠٩ ولفظه « رحمة الله عليك أبا حفص! فوالله ما بقى بعد رسول الله أحد أحب إلى أن ألقى الله تعالى بصحيفته منك » ومعلوم أن لفظ الرواية حرفت عن وجهه ، فان أحدا من المسلمين لا يجسر أن يتمنى على الله أن يلقاه بصحيفة النبى الاعظم ولا بمثل صحيفته ص ، واذا كان في المسلمين أحد يناسبه باخلاصه و طهارته وعدم سجوده لصنم قط وجهاده وفضله وعلمه ومؤازرته للنبى ص ومؤاخاته ووصايته و ... وبالاخرة كونه كنفس النبى ص ـ أن يتمنى ذلك ، فلا يكون يتمنى بعد ذلك أن يلقى الله بصحيفة اعمال عمر وهو هو ، وقد كان مشركا في شطر من عمره ، وهو الذى كان يقول لابى موسى الاشعرى « لوددت أن ذلك برد لنا وأن كل شئ عملناه بعد رسول الله نجونا منه كفافا رأسا برأس » كما عرفت نصه ص ٣٣ فيما سبق ) إلى غير ذلك من المثالب التى رويت له فاما أن يكون لفظ الحديث محرفا كما قلنا ، أو يكون 7 قد تعرض بذلك ليعرفه أهل المعرفة. ثم قال لقد أصبح في هذه الامة في يومي هذا قوم ضاهوهم في صحيفتهم التى كتبوها علينا في الجاهلية وعلفوها في الكعبة[١] وإن الله تعالى يمتعهم ليبتليهم ، ويبتلى من يأتى بعدهم ، تفرقة بين الخبيث والطيب ، ولو لا أنه سبحانه أمرني بالاعراض عنهم للامر الذي هو بالغه لقد متهم فضربت أعناقهم. قال حذيفة : فوالله لقد رأينا هؤلاء النفر عند قول رسول الله 9 هذه المقالة وقد أخذتهم الرعدة فما يملك أحد منهم من نفسه شيئا ولم يخف على أحد ممن حضر مجلس رسول الله (ص) ذلك اليوم أن رسول الله 9 إياهم عنى بقوله ، ولهم ضرب تلك الامثال بما تلا من القرآن. قال : ولما قدم رسول الله 9 من سفره ذلك ، نزل منزل أم سلمة زوجته فأقام بها شهرا لا ينزل منزلا سواه من منازل أزواجه كما كان يفعل قبل ذلك ، قال فشكت عايشة وحفصة ذلك إلى أبويهما ، فقالا لهما إنا لنعم لم صنع ذلك ولاي شئ هو ، امضيا إليه فلا طفاه في الكلام ، وخادعاه عن نفسه ، فانكما تجدانه حييا القول » يعنى فلانا وفلانا وأبا عبيدة بن الجراح. كريما ، فلعلكما تسلان ما في قلبه ، وتستخرجان سخيمته. قال : فمضت عايشة وحدها إليه فأصابته في منزل ام سلمة وعنده علي بن أبي طالب 7 فقال لها النبي : ما جاء بك يا حميراء؟ قالت : يا رسول الله أنكرت تخلفك عن منزلك هذه المرة وأنا أعوذ بالله من سخطك يا رسول الله ، فقال : لو كان الامر كما تقولين لما أظهرت سرا أوصيتك بكتمانه ، لقد هلكت وأهلكت أمة من الناس. قال : ثم أمر خادمة سلمة فقال : اجمعي هؤلاء يعني نساءه فجمعتهن في منزل أم سلمة ، فقال لهن : اسمعن ما أقول لكن ، وأشار بيده إلى علي بن أبي طالب 7 فقال لهن : هذا أخي ووصيي ووارثي والقائم فيكن وفي الامة من بعدي فأطعنه فيما يأمركن به ، ولا تعصينه فتهلكن بمعصيته ، ثم قال : يا علي أوصيك بهن فأمسكهن ما أطعن الله وأطعنك ، وأنفق عليهن من مالك ، ومرهن بأمرك وانههن عما يريبك ، وخل سبيلهن إن عصينك ، فقال علي 7 : يا رسول الله إنهن نساء وفيهن الوهن وضعف الرأي ، فقال : ارفق بهن ما كان الرفق أمثل بهن فمن عصاك منهن فطلقها طلاقا يبرأ الله ورسوله منها ، قال : وكل نساء النبي قد صمتن فلم يقلن شيئا فتكلمت عايشة فقالت : يا رسول الله ماكنا لتأمرنا بشئ فنخالفه بما سواه ، فقال لها : بلى : يا حميراء قد خالفت أمري أشد خلاف ، وأيم الله لتخالفين قولى هذا ولتعصنه بعدي ، ولتخرجن من البيت الذي اخلفك فيه متبرجة قد حف بك فئام من الناس ، فتخالفينة ظالمة له عاصية لربك ولتنبحنك في طريقك كلاب الحوأب ، ألا إن ذلك كائن ، ثم قال : قمن فانصرفن إلى منازلكن قال فقمن فانصرفن. قال : ثم إن رسول الله 9جمع أولئك النفرومن مالاوهم على علي 7 وطابقهم على عداوته ، ومن كان من الطلقاء والمنافقين ، وكانوا زهاء أربعة آلاف رجل ، فجعلهم تحت يدي اسامة بن زيد مولاه ، وأمره عليهم ، وأمره بالخروج إلى ناحية من الشام ، فقالوا : يا رسول لله إنا قدمنا من سفرنا الذي كنا فيه معك ، ونحن نسألك أن تأذن لنا في المقام لنصلح من شأننا ما يصلحنا في سفرنا ، قال : فأمرهم أن يكونوا في المدينة ريث ما يحتاجون إليه ، وأمر اسامة بن زيد فعسكر بهم على اميال من المدينة فأقام بمكانه الذي حد له رسول الله 9 منتظرا للقوم أن يوافوه إذا فرغوا من أمورهم وقضاء حوائجهم ، وإنما أراد رسول الله 9 بما صنع من ذلك أن تخلو المدينة منهم ، ولا يبقى بها أحد من المنافقين. قال : فهم على ذلك من شأنهم ورسول الله 9 رائب يحثهم ويأمرهم بالخروج والتعجيل إلى الوجه الذي ندبهم إليه ، إذ مرض رسول الله 9 مرضه الذي توفي فيه ، فلما رأوا ذلك تباطؤا عما أمرهم رسول الله 9 من الخروج ، فأمر قيس بن عبادة وكان سباق[١] رسول الله 9 والحباب بن المنذر في جماعة من الانصار يرحلوا بهم إلى عسكرهم ، فأخرجهم قيس بن سعد والحباب بن المنذر حتى ألحقاهم بعسكرهم ، وقالا لاسامة إن رسول الله لم يرخص لك في التخلف ، فسر من وقتك هذا ليعلم رسول الله 9 ذلك ، فارتحل بهم اسامة وانصرف قيس والحباب إلى رسول الله 9 فأعلماه برحلة القوم ، فقال لهما : إن القوم غير سائرين. قال : فخلا أبوبكر وعمر وأبوعبيدة باسامة وجماعة من أصحابه فقالوا إلى أين ننطلق ونخلي المدينة ونحن أحوج ما كنا إليها وإلى المقام بها؟ فقال لهم : وما ذلك؟ قالوا إن رسول الله قد نزل به الموت ، ووالله لئن خلينا المدينة لتحدثن بها امور لا يمكن إصلاحها ، ننظر ما يكون من أمر رسول الله 9 ثم المسيربين أيدينا ، قال : فرجع القوم إلى المعسكر الاول وأقاموا به وبعثوا رسولا يتعرف لهم أمر رسول الله (ص) فأتى الرسول إلى عائشة فسألها عن ذلك سرا ، فقالت امض إلى أبي وعمر ومن معهما وقل لهما : إن رسول الله 9 قد ثقل فلا يبرحن أحد منكم وأنا أعلمكم بالخبر وقتا بعد وقت. واشتدت علة رسول الله 9 فدعت عائشة صهيبا فقالت : امض إلى أبي [١]سياف خ ل. بكر وأعلمه أن محمدا في حال لا يرجى ، فهلم إلينا أنت وعمر وأبوعبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم ، وليكن دخولكم في الليل سرا ، قال : فأتاهم الخبر فأخذوا بيد صهيب فأدخلوه إلى اسامة فأخبروه الخبر ، وقالوا له كيف ينبغي لنا أن نتخلف عن مشاهدة رسول الله (ص) واستأذنوه في الدخول ، فأذن لهم وأمرهم أن لا يعلم بدخولهم أحد ، وإن عوفي رسول الله رجعتم إلى عسكركم ، وإن حدث حادث الموت عرفونا ذلك لنكون في جماعة الناس. فدخل أبوبكر وعمر وأبوعبيدة ليلا المدينة ، ورسول الله 9 قد ثقل فأفاق بعض الافاقة فقال : لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شر عظيم ، فقيل له : وما هو يا رسول الله؟ فقال : إن الذين كانوا في جيش اسامة قد رجع منهم نفر يخالفون عن أمرى ، ألا إني إلى الله منهم برئ ، ويحكم نفذوا جيش اسامة ، فلم يزل يقول ذلك حتى قالها مرات كثيرة ، قال : وكان بلال مؤذن رسول الله 9 يؤذن بالصلاة في كل وقت [ صلاة ] فان قدر على الخروج تحامل وخرج وصلى بالناس ، وإن هو لم يقدر على الخروج أمر علي بن أبي طالب 7 فصلى بالناس ، وكان علي بن أبى طالب 7 والفضل بن العباس لا يزايلانه في مرضه ذلك. فلما أصبح رسول الله 9 من ليلته تلك التى قدم فيها القوم الذين كانوا تحت يدي اسامة ، أذن بلال ثم أتاه يخبره كعادته ، فوجده قد ثقل ، فمنع من الدخول إليه ، فأمرت عائشة صهيبا أن يمضى إلى أبيها فيعلمه أن رسول الله 9 قد ثقل في مرضه ، وليس يطيق النهوض إلى المسجد ، وعلي بن أبي طالب 7 قد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس ، فاخرج أنت إلى المسجد فصل بالناس فانها حالة تهنئك وحجة لك بعد اليوم ، قال : فلم يشعر الناس وهم في المسجد ينتظرون رسول الله (ص) أو عليا 7 يصلى بهم كعادته التي عرفوها في مرضه ، إذ دخل أبوبكر المسجد وقال : إن رسول الله 9 قد ثقل ، وقد أمرنى أن أصلى بالناس ، فقال له رجل من أصحاب رسول الله (ص) وأنى لك ذلك وأنت في جيش اسامة ، ولا والله لا أعلم أحدا بعث إليك ولا أمرك بالصلاة. ثم نادى الناس بلال فقال : على رسلكم رحمكم الله لاستأذن رسول الله 9 في ذلك ، ثم أسرع حتى أتى الباب فدقه دقا شديدا فسمعه رسول الله 9 فقال : ما هذا الدق العنيف؟ فانظروا ما هو؟ قال : فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب فاذا بلال ، فقال : ما وراءك يا بلال؟ فقال : إن أبابكر قد دخل المسجد وقد تقدم حتى وقف في مقام رسول الله9،وزعم أن رسول الله9 أمره بذلك ، فقال : أو ليس أبوبكر مع جيش أسامة ، هذا هو والله الشر العظيم الذى طرق البارحة المدينة ، لقد أخبرنا رسول الله 9 بذلك ، ودخل الفضل وأدخل بلالا معه ، فقال : ما وراءك يا بلال؟ فأخبر رسول الله الخبر فقال : أقيموني أقيموني أخرجوابي إلى المسجد ، والذي نفسي بيده ، قد نزلت بالاسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن. ثم خرج معصوب الرأس يتهادى بين على والفضل بن العباس ، ورجلاه تجران في الارض حتى دخل المسجد وأبوبكر قائم في مقام رسول الله 9 وقد أطاف به عمرو أبوعبيدة وسالم وصهيب ، والنفر الذين دخلوا ، وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي بلال ، فلما رأى الناس رسول الله 9 قد دخل المسجد وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض ، أعظموا ذلك. وتقدم رسول الله 9 فجذب أبابكر من ورائه فنحاه عن المحراب وأقبل أبوبكر والنفر الذين كانوا معه فتواروا خلف رسول الله 9 وأقبل الناس فصلوا خلف رسول الله 9 وهو جالس ، وبلال يسمع الناس التكبير حتى قضى صلاته ثم التفت فلم ير أبابكر فقال أيها الناس ألا تعجبون من ابن أبي قحافة وأصحابه الذين أنفذتهم وجعلتهم تحت [ يدي ] اسامة ، وأمرتهم بالمسير إلى الوجه الذي وجهوا إليه فخالفوا ذلك ورجعوا إلى المدينة ابتغاء الفتنة ، ألا وإن الله قد أركسهم فيها ، اعرجوا بي إلى المنبر. فقام وهو مربوط حتى قعد على ادنى مرقاة فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إنى قد جاءني من أمر ربي ما الناس اليه صائرون ، وإني قد تركتكم على الحجة الواضحة ليلها كنهارها ، فلا تختلفوا من بعدي كما اختلف من كان قبلكم من بني اسرائيل أيها الناس إنه لا أحل لكم إلا ما أحله القرآن ، ولا احرم عليكم إلا ما حرمه القرآن ، وإني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ولن تزلوا : كتاب الله وعترتى أهل بيتي هما الخليفتان فيكم ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ، فأسائلكم بما ذا خلفتموني فيهما؟ وليذادن يومئذ رجال عن حوضى كما تذاد الغريبة من الابل ، فتقول رجال أنا فلان وأنا فلان ، فأقول أما الاسماء فقد عرفت ولكنكم ارتددتم من بعدي ، فسحقا لكم سحقا. ثم نزل عن المنبر وعاد إلى حجرته ، ولم يظهر أبوبكر ولا أصحابه حتى قبض رسول الله 9 ، وكان من الانصار وسعد من السقيفة ماكان ، فمنعوا أهل بيت نبيهم حقوقهم التي جعلها الله عزوجل لهم ، وأما كتاب الله فمزقوه كل ممزق ، وفيما أخبرتك يا أخا الانصار من خطب معتبر ، لمن أحب الله هدايته فقال الفتى : سم لي القوم الاخرين الذين حضروا الصحيفة ، وشهدوا فيها ، فقال حذيفة : أبوسفيان ، وعكرمة بن أبى جهل ، وصفوان بن امية بن خلف ، و سعيد بن العاص ، وخالد بن الوليد ، وعياش بن أبي ربيعة ، وبشير بن سعد ، و سهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان ، وأبوالاعور السلمي ، ومطيع بن الاسود المدري ، وجماعة من هؤلاء ممن سقط عني إحصاء عددهم. فقال الفتى : يا أبا عبدالله ما هؤلاء في أصحاب رسول الله 9 حتى قد انقلب الناس أجمعون بسببهم؟ فقال حذيفة : إن هؤلاء رؤس القبايل وأشرافها ، وما من رجل من هؤلاء إلا ومعه من الناس خلق عظيم ، يسمعون له ويطيعون ، واشربوا في قلوبهم من حب أبي بكر ، كما اشرب قلوب بنى اسرائيل من حب العجل والسامري حتى تركوا هارون واستضعفوه. قال الفتى : فاني اقسم بالله حقا حقا أني لا أزال لهم مبغضا ، وإلى الله منهم ومن أفعالهم متبرئا ، ولا زلت لامير المؤمنين 7 متواليا ولاعاديه معاديا ، ولا لحقن به وإني لاؤمل أن ارزق الشهادة معه وشيكا إنشاء الله تعالى. ثم ودع حذيفة وقال : هذا وجهى إلى أمير المؤمنين 7 فخرج إلى المدينة واستقبله وقد شخص من المدينة يريد العراق ، فسار معه إلى البصرة ، فلما التقى أمير المؤمنين 7 مع أصحاب الجمل كان ذلك الفتى أول من قتل من أصحاب أمير المؤمنين وذلك أنه لما صاف القوم واجتمعوا على الحرب أحب أمير المؤمنين 7 أن يستظهر عليهم بدعائهم إلى القرآن ، وحكمه ، فدعا بمصحف و قال : من يأخذ هذا المصحف يعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه فيحيى ما أحياه ، ويميت ما أماته؟ قال : وقد شرعت الرماح بين العسكرين حتى لو أراد امرؤ أن يمشي عليها لمشى ، قال فقام الفتى فقال : يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه ، قال : فأعرض عنه أمير المؤمين 7 ثم نادى الثانية من يأخذ هذا المصحف فيعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه؟ فلم يقم إليه أحد ، فقام الفتى وقال : يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى مافيه ، قال : فأعرض عنه أمير المؤمنين عليه اسلام ثم نادى الثالثة فلم يقم إليه أحد من الناس إلا الفتى وقال : أنا آخذه وأعرضه عليهم ، وأدعوهم إلى ما فيه ، فقال أمير المؤمنين 7 : إنك إن فعلت ذلك فانك لمقتول؟ فقال : والله يا أمير المؤمنين 7 ما شئ أحب إلى من أن ارزق الشهادة بين يديك ، وأن اقتل في طاعتك ، فأعطاه أمير المؤمنين 7 المصحف ، فتوجه به نحو عسكرهم فنظر إليه أمير المؤمنين 7 وقال : إن الفتى ممن حشى الله قلبه نورا وإيمانا ، وهو مقتول ، ولقد أشفقت عليه من ذلك ، ولن يفلح القوم بعد قتلهم إياه. فمضى الفتى بالمصحف حتى وقف بازاء عسكر عائشة وطلحة والزبير حيئنذ عن يمين الهودج وشماله ، وكان له صوت فنادى بأعلا صوته : معاشر الناس هذا كتاب الله فان أمير المؤمننين يدعوكم إلى كتاب الله والحكم بما أنزل الله فيه ، فأنيبوا إلى طاعة الله والعمل بكتابه ، قال : وكانت عائشة وطلحة والزبير يسمعون قوله ، فأمسكوا ، فلما رأى ذلك أهل عسكرهم بادروا إلى الفتى والمصحف في يمينه فقطعوا يده اليمنى ، فتناول المصحف بيده اليسرى وناداهم بأعلا صوته مثل ندائه أول مرة ، فبادروا اليه وقطعوا يده اليسرى ، فتناول المصحف واحتضنه ودماؤه تجرى عليه وناداهم مثل ذلك ، فشدوا عليه فقتلوه ، ووقع ميتا فقطعوه إربا اربا ، ، ولقد رأينا شحم بطنه أصفر. قال : وأمير المؤمنين 7 واقف يراهم ، قأفبل على أصحابه وقال اني والله ماكنت في شك ولا لبس من ضلالة القوم وباطلهم ، ولكن أحببت أن يتبين لكم جميعا ذلك من بعد قتلهم الرجل الصالح حكيم بن جبلة العبدى في رجال صالحين معه ، وتضاعف ذنوبهم بهذا الفتى وهو يدعوهم إلى كتاب الله ، والحكم به ، و العمل بموجبه ، فثاروا إليه فقتلوه ، ولا يرتاب بقتلهم مسلم ، ووقدت الحرب واشتدت. فقال أمير المؤمنين 7 : احملوا بأجمعكم عليهم بسم الله حم لا ينصرون ، و حمل هو بنفسه والحسنان وأصحاب رسول الله 9 معه ، فغاص في القوم بنفسه فوالله ما كان الا ساعة من نهار حتى رأينا القوم كله شلايا يمينا وشمالا صرعى تحت سنابك الخيل ، ورجع أمير المؤمنين 7 مؤيدا منصورا وفتح الله عليه ومنحه أكتافهم ، وأمر بذلك الفتى ، وجميع من قتل معه ، فلفوا في ثيابهم بدمائهم لم تنزع عنهم ثيابهم وصلى عليهم ودفنهم ، وأمرهم أن لا يجهزوا على جريح ، ولا يتبعوا لهم مدبرا ، وأمر بما حوى العسكر فجمع له ، فقسمه بين أصحابه وأمر محمد بن أبي بكر أن يدخل اخته البصرة ، فيقيم بها أياما ثم يرحلها إلى منزلها بالمدينة. قال عبدالله بن سلمة : كنت ممن شهد حرب أهل الجمل ، فلما وضعت الحرب أوزارها ، رأيت أم ذلك الفتى واقفة عليه ، فجعلت تبكى عليه وتقبله وأنشأت يقول : يارب إن مسلما أتاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم يأمرهم بالامر من مولاهم فخضبوا من دمه قناهم وامهم قائمة تراهم تأمرهم بالغي لا تنهيهم[١] توضيح قوله 7 : « من حرف المدائن » في بعض النسخ بالحاء المهملة أي من كسب المداين ، من قولهم حرف لعياله أي كسب أو هو بمعنى الطرف والذروة ، لكونه في جانب من بلاد العراق أو من أعالي البلاد ، وفي بعضها بالجيم ، قال في القاموس : الجرف المال من الناطق والصامت الخصب والكلاء الملتف ، وبالكسر وقد يضم المكان الذي لا يأخذه السيل ، وبالضم ما تجر فته السيول وأكلته من الارض ، ولا يخفى مناسبة أكثرها للمقام ويقال : « كبت الله العدو » أي صرفه وأذله قوله 7 : « أحمد إليكم الله » ولعله ضمن معنى الانهاء أي أحمد الله منهيا إليكم نعمه ، قال في النهاية : في كتابه 9 أما بعد فاني أحمد إليك الله أي أحمده معك فأقام إلى مقام مع ، وقيل معناه أحمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها انتهى ، والادحاض الابطال ، والتهجير والتهجر السير في الهاجرة ، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر ، والشملة كساء يشتمل به. قوله : « وماكادوا » أي ما كادوا يفعلون ذلك لعسره عليهم كما قال تعالى : « فذبحوها وماكادوا يفعلون » ويحتمل أن يكون من الكيد أي لم يسألوا شيئا كما سأل المنافقون بعد ذلك كيدا ومكرا ، وبطؤككرم ضد أسرع كأبطأ ، فالبطاء جمع الباطي ، ويقال مللته ، ومنه أي سئمته وأملني ، وأمل علي أبرمني ، وكربه الغم [١]ارشاد القلوب ٢ / ١١٢ ـ ١٣٥ ، وقولها « وأمهم قائمة تراهم » تعنى عائشة ام المؤمنين روى ذلك الشيخ المفيد في كتابه الجمل : ١٨١ ولفظه فأقبل الغلام حتى وقف بازاء الصفوف ونشر المصحف ، وقال : هذا كتاب لله ، وأمير المومنين يدعوكم إلى مافيه ، فقالت عائشة : « اشجروه بالرماح فقبحه الله » فتبادروا اليه بالرماح فطعنوه من كل جانب وروى القصة الطبرى في ج ٤ ص ٥١١ ، وسيأتى في باب الجمل. أحزنه ، وقال الجزري ، فيه ذكر العالية والعوالي في غير موضع وهي أماكن بأعلا أراضى المدينة على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية. قوله تعالى « فليعلمن الله » أي علما حاليا متعلقا بالموجود ، وبه يكون الثواب و العقاب. قوله تعالى : « أن يسبقونا » أي يفوتونا ، فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم وقال الجوهري حفظته الكتاب حملته على حفظه واستحفظته سألته أن يحفظه ، قوله : وأغذ بالمعجمتين أي أسرع قال القاموس وأغذ السير وفيه أسرع ، وقال جهمه ، استقبله بوجه كريه كتجهمه ، وقال : هر شى كسكرى ثنية قرب الجحفة والحبرة النعمة الحسنة ، والدولة بالضم ماتتداوله الاغنياء وتدور بينهم ، وأبطل أتى بالباطل وتكلم به كأحال أي أتى بالمحال. قوله : يسعى بها أدناهم : أي يجب على المسلمين إمضاء أمان أدناهم لاحاد المشركين ، قوله « وكلهم يد » أي هم مجتمعون على دفع أعدائهم لا يسع التخاذل بينهم بل يعاون بعضهم بعضا على جميع الاديان والملل ، كأنه جعل أيديهم يدا واحدة ، وفعلهم فعلا واحدا. قوله : « أحب أن ألقى الله » أي أحب أن اخاصمه عند الله بسبب صحيفته التي كتبها ، وفي بعض النسخ ما أحب إلى أن ألقى الله بصيغة التعجب والمسجى بالتشديد على بناء المفعول المغطى بثوب ، والرعدة بالكسر والفتح الاضطراب ، وفي النهاية والرأب لجمع والشد ، يقال رأب الصدع إذا شعبه ، ورأب الشئ إذا جمعه وشده برفق ، والرسل بالكسر الهنيئة والتأني يقال افعل كذا على رسلك أي اتئد فيه وقال في الحديث « إنه خرج في مرضه يتهادى بين رجلين » أي يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله ، من تهادت المرأة في مشيتها إذا تمايلت ، وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه ، قوله : « وهو مربوط » أي مشدود الرأس معصوب والتمزيق التخريق ، والممزق أيضا مصدر والحضن بالكسر ما دون الابط إلى الكشح ، أو الصدر والعضدان وما بينهما ، وحضن الشئ واحتضنه جعله في حضنه ، قوله فشدوا أي حملوا عيه ، والارب بالكسر العضو ، واللبس بالضم الشبهة. قوله : ووقدت الحرب كوعد أي التهبت نار الحرب ، وقال الجزري في حديث الجهاد « إن أبيتم فقولوا حم لا ينصرون » قيل معناه اللهم لا ينصرون ، و يريد به الخبر لا الدعاء ، لانه لو كان دعاء لقال لا ينصروا مجزوما فكأنه قال : والله لا ينصرون ، وقيل إن السور التى أولها « حم » سور لها شأن فنبه أن ذكرها لشرف منزلتها مما يستظهر به على استنزال النصر من الله ، وقوله : « لا ينصرون » كلام مستأنف كأنه حين قال : قولوا حم ، قيل ماذا يكون إذا قلناها؟ فقال : لا ينصرون. وفي القاموس الشلو بالكسر العضو والجسد من كل شئ ، كالشلا ، وكل مسلوخ أكل منه شئ وبقيت منه بقية ، والجمع أشلاء والشلية الفدرة[١] وبقية المال انتهى قوله : « ومنحه أكتافهم » لعله كناية عن تسلطه 7 ، كأنه ركب أكتافهم ، أو عن انهزامهم وتعاقب عسكره 7 لهم كما مر في حديث بدر « وإلا فاركبوا أكتافهم » أي اتبعوهم أو عن الظفر عليهم مكتوفين ، قولها « قناهم » هي جمع القناة وهي الرمح.
[١]هذا الحديث رواه العلامة الحلى قدس الله أسراره في كتابه كشف اليقين ( : ١٣٧ ) نقلا من الكتاب المسمى حجة التفضيل تأليف ابن الاثير عن محمد بن الحسين الواسطى عن ابراهيم بن سعيد عن الحسن بن زياد الانماطى عن محمد بن بعيد الانصارى ، عن أبى هارون العبدى ، عن ربيعة السعدى ، قال : كان حذيفة واليا لعثمان على المدائن ، فلما صار على أمير المؤمنين كتب لحذيفة عهدا يخبره بما كان من أمره وبيعة الناس اياه ... والحديث ملخص نحو خمسة وعشرين أبياتا ثم قال : قال السيد ( يعنى ابن طاوس في كتابه اليقين ) : ورأيت هذا ـ حديث حذيفة ـ أبسط وأكثر من هذا في تسمية على بأمير المؤمنين ، وهو باسناد هذا لفظه : حدثنى عمى السعيد الموفق أبوطالب حمزة بن محمد بن أحمد بن شهريار الخازن بمشهد مولانا أمير ـ المؤمنين قال : حدثنى خالى السعيد أبوعلى الطوسى عن والده المصنف عن الحسين بن عبيدالله وأحمد بن عبدون وأبى طالب بن عزور وأبى الحسن الصقال عن أبى المفضل قال : حدثنا المحاربى عن الحضرمى عن ابن أسباط عن ابراهيم بن أبى البلاد عن فرات ابن أحنف عن الجملى عن عبيدالله ابن سلمة. قال : ومقدار هذه الرواية أكثر من خمس وثلاثين قائمة بقالب الثمن. وفيه أن حذيفة بن اليمان اعتذر إلى الشاب في سكونهم عن الانكار للتقدم على.ص 86
[٢]قد مر عن كشف اليقين أن اسم الراوى هو عبيد الله بن سلمة.ص 94
[٢]حديث قصة العقبة في غزوة تبوك ، رواه المؤلف العلامة في ج ٢١ ص ١٨٥ ـ ٢٥٢ ، وترى نص أسمائهم ص ٢٢٢ نقلا من كتاب الخصال ، وروى القصة عن كتاب دلائل النبوة للبيهقى ص ٢٤٧ ، وأخرجها الهيتمى في مجمع الزوائد ج ١ ص ١١٠ ، قال رواه الطبرانى في الكبير وج ٦ ص ١٩٥ عن أحمد وقال رجاله رجال الصحيح ( راجع مسند احمد ج ٥ ص ٣٩٠ و ٤٥٣ ). وأقول : طرف من هذه القصة مذكور في صحيح مسلم كتاب المنافقين الرقم ١١ و أخرجه ابن الاثير في الجامع ج ١٢ ص ١٩٩ وقال بعد ذلك : هؤلاء قوم عرضوا لرسول الله في عقبة صعدها لما قفل من غزوة تبوك ، وقد كان أمر مناديا ، فنادى لا يطلع العقبة أحد فلما أخذها النبى عرضوا له وهم ملثمون لئلا يعرفوا أرادوا به سوءا ، فلم يقدرهم الله تعالى.ص 97
[٢]المائدة : ٦٧.ص 98
[٢]البقرة : ٧٩.ص 105
[٣]النساء : ١٨٠ ، وفى هذه الاية روى الكلينى في الكافى ج ٨ ص ٣٣٤ عن سليمان الجعفرى قال : سمعت أبا الحسن 7 يقول في قول الله تعالى : « اذ يبيتون مالا يرضى منص 105
[١]وفى كتاب النشر والطى ، أن تعاهدهم ذلك كان بعد ما قام رسول الله ص بمسجد الخيف ووصى المسلمين بالتمسك بالثقلين : كتاب الله وعترته. ولفظه : فاجتمع قوم وقالوا : يريد محمد أن يجعل الامامة في أهل بيته ، فخرج منهم أربعة ودخلوا إلى مكة ودخلوا الكعبة وكتبوا فيما بينهم « ان أمات الله محمدا أو قتل ، لا نرد هذا الامر في اهل بيته » فأنزل الله : « أم أبرموا أمرا فانا مبرمون ، أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون » ثم ذكر بعد ذلك مشهد الغدير ثم قعودهم على العقبة ليقتلوا رسول الله ص وسرد أسماءهم ، ثم ذكر أنه بعد نا نزل رسول الله من هبوط العقبة قال : ما بال أقوام تحالفوا في الكعبة ان أمات الله محمدا أو قتل لا نرد هذا الامر إلى أهل بيته ، ثم هموا بما هموابه؟ فجاؤا إلى رسول الله يحلفون أنهم لم يهموا بشئ ... الحديث.ص 106