Same indexed hadith bihar-15037; it began on pages 362-396.
Show complete hadith text
١٠٦٣ - ما وجدت الأحاديث الثلاثة فيما عندي من أمالي الشيخ، ولكن لها أسانيد ومصادر أخر كثيرة. مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق زنديق . وبالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain
لما نزلت (وتعيها أذن واعية) [١٢ / الحاقة] قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سألت ربي أن يجعلها أذنك يا علي . وبالإسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما رمدت عيني ولا صدعت منذ سلم رسول الله صلى الله عليه وآله إلي راية خيبر . فائدة مهمة شافية وافية في دفع شبه الفرقة الطاغية الغاوية إعلم [أنه] قد اختلف المسلمون في أنه هل كان يسوغ للنبي صلى الله عليه وآله الاجتهاد فيما لا نص فيه أم لا؟ ثم على تقدير الجواز، هل كان مقصورا على أمور الدنيا وما لا تعلق لها بالدين؟ أم يتعدى إلى غيرها؟ وعلى تقدير التعدي، هل يخص الحروب أم يتجاوزها؟ ثم القائلون بالجواز اختلفوا في الوقوع، فأثبته طائفة ومنعه آخرون وتوقف قوم. ثم القائلون بالوقوع، اختلفوا في أنه هل كان يجوز عليه الخطأ في وأيضا رواه الشيخ الطوسي بسند آخر في الحديث: (٣) من الجزء العاشر من أماليه ص ٢٦٤. الاجتهاد أم لا؟ وعلى الجواز، هل يقر على خطئه أم يرد عنه؟ فذهب إلى كل فريق إلا إقراره على الخطأ، فإن الظاهر من كلامهم أنه لم يقل به أحد وجعلوا رده عن الخطأ وجه الفرق بينه وبين سائر المجتهدين. وقد ادعى العلامة في شرحه لمختصر ابن الحاجب الإجماع على أنه لا يقر على الخطأ، ويظهر من كلام الآمدي وبعض شراح صحيح مسلم أيضا ذلك. فاختار الجبائي وأبو هاشم أنه [صلى الله عليه وآله] لم يتعبد في الشرعيات بالاجتهاد، ولم يقع منه فيها، وكان متعبدا به في الحروب. وحكي عن الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي يوسف تعبده به مطلقا. وذهبت طائفة - ومنهم القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري - إلى أنه يجوز ذلك من غير قطع به. ونفاه أصحابنا قاطبة رضوان الله عليهم رأسا، ولم يجوزوه في أمور الدين والدنيا أصلا. ثم لا يخفى أن جواز الاجتهاد ووقوعه منه صلى الله عليه وآله لا يستلزم جواز مخالفته، إذ يجوز أن يكون في أحكامه ما أدى إليه اجتهاده، ومع ذلك لا يجوز لأحد خلافه لإيجاب الله تعالى طاعته مطلقا. ونظير ذلك أن الأمة يجوز أن تجتمع على حكم بالاجتهاد، ومع ذلك لا يسع أحد مخالفتها أصلا عندهم، والمجتهد في فروع الأحكام يحكم باجتهاده ولا يسوغ لمقلده مخالفته، وإن جاز عليه الخطأ في حكمه. ولما كان المعقل الحصين للمخالفين في دفع المطاعن عن أئمتهم المضلين التمسك بجواز مخالفة الرسول الأمين عليه السلام، كما فعلوا ذلك في مخالفتهم له في تجهيز جيش أسامة وغيرها، أردنا أن نختم هذا المجلد المشتمل على مطاعنهم بما يدل على فساد أحد الأمرين: أعني جواز الاجتهاد عليه صلى الله عليه وآله، أو وقوعه منه، وجواز مخالفته في شئ من أحكامه وإن كان عن اجتهاد، لاستلزام كل منهما ما هو المقصود، والتوكل في جميع الأمور على الرب الودود. فنقول: يدل على ذلك وجوه: الأول قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) [٣ / النجم: ٥٣] نفى سبحانه كون نطقه صلى الله عليه وآله عن الهوى، وحصره في كونه وحيا، ولو كان بعض أقواله عن اجتهاد لما صح الحصر. ولو قلنا بكون الهوى متناولا للاجتهاد بقرينة المقابلة، لاقتضائها كون المراد بالهوى ما ليس بوحي والاجتهاد ليس بوحي لدل الجزء الأول على المدعى أيضا. وأورد عليه بأن المراد بالآية نفي ما كانوا يقولونه في القرآن أنه افتراه، فانتفى العموم، ولئن سلمنا فلا نسلم أنه ينفي الاجتهاد، لأنه إذا كان متعبدا بالاجتهاد بالوحي، لم يكن نطقه عن الهوى، بل كان قولا عن الوحي. والجواب عن الأول: أن الآية غير معلوم نزولها في رد قولهم المذكور، فلا يجوز تخصيص القرآن به، وإنما يجوز [التخصيص] بالمعلوم وما في حكمه، ولو سلم فخصوص السبب لا يخصص العموم كما هو المشهور، ولا دليل من الخارج على التخصيص. وعن الثاني من وجوه. منها: أنهم يقابلون الوحي بالاجتهاد في كثير من كلامهم. ومنها: أن الوحي هو الكلام الذي يسمع بسرعة، وليس الاجتهاد كذلك، وإنما يستند حجيته إلى الوحي، والمستند إلى الوحي في أمر غير الوحي، والدليل عليه صحة التقسيم بأن يقال: أهو وحي أم مستنبط من الوحي ومستند إليه؟ وقد قال سبحانه: (إن هو إلا وحي يوحى) [٤ / النجم: ٥٣] وقد اعترف البيضاوي بما ذكرنا حيث قال بعد نقل الجواب: وفيه نظر، لأن ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي. ومنها: أنا نخصص الكلام باجتهاد يجوز فيه الخطأ، ولا ننازع الآن في اجتهاد يؤمن معه الخطأ ولا يجوز مخالفته، ويكون من قبيل القاطع، ولا يتعلق غرضنا في هذا المقام بأن النبي صلى الله عليه وآله هل يقول ما يقوله عن الوحي النازل بخصوص كل قول؟ أو يقول من طريق عام ويأخذه عن ضابطة كلية لا يأتيها الباطل من بين يديها ومن خلفها؟ فنقول: قال الله تبارك وتعالى: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وقد اتفق المفسرون على أن الآية مسوقة لنفي الضلال وإثبات الوحي، إنما هو لنفي الضلال المذكور في الآية، والضلال لا يختص بالأصول، بل يكون في الفروع في جميع أقسام الأحكام، وإلا لم يكن لاستدلال القوم على حجية الإجماع في الفروع حتى الحروب والولايات بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: " لا تجتمع أمتي على الضلالة ". وما يحذو حذوه معنى. فقد ثبت إذن أن الوحي لا يتناول اجتهادا يجوز الخطأ فيه، وإلا لم يلزم من كونه وحيا نفي الضلال عنه كما هو المقصود، وهذا القدر يكفينا، ويدل عليه ما روي أنه صلى الله عليه وآله نزل منزلا فقيل [له]: إن كان ذلك عن وحي فالسمع والطاعة، وإن كان عن رأي فليس ذلك بمنزل مكيدة، والمشهور أن المنزل كان ب " بدر "، والقائل [هو] حباب بن المنذر. فدل ذلك على أن الوحي لا يجوز فيه الخطأ، وقد قرره النبي صلى الله عليه وآله، ولم يسمع بأحد يطعن على قائل هذا القول ويقول: تقسيمه هذا باطل. وأي ملازمة بين كونه وحيا، ووجوب السمع والطاعة، لا في زمن الصحابة ولا في زمن التابعين إلى عصرنا هذا، مع تكرر ذلك النقل في كتب السير والتواريخ، وفي كتب الأصول في مقام الاستدلال على مسائل من الاجتهاد المتعلقة بالنبي صلى الله عليه وآله؟ ولولا أن الوحي لا يجوز فيه الخطأ ولا يطلق شرعا على ما لا يؤمن معه الغلط، ويجوز مخالفته، لاستحال عادة أن لا ينكر أحد على هذا القول، ولا يقدح فيه، مع توفر الدواعي على القدح والرد عليه، حيث استدل به على محل النزاع في مسائل كثيرة قد طال لخصام فيها، وذلك مما يقطع به في عادات الناس، خصوصا الممارسين لمباحث الحجاج والنظر ومسائل الخلاف، وقد رأيناهم يرتكبون تأويلات بعيدة وتكلفات باردة. فأين كانوا عن القدح المذكور؟ وبالجملة، ما ذكرناه دليل على أنهم علموا صحة ذلك التقسيم، إما بتقرير النبي صلى الله عليه وآله، أو بدليل آخر، فلا يتوهم أن ما ذكرناه ثانيا راجع إلى الأول. [الوجه] الثاني: قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) [٦٣ / الأحزاب: ٣٣]. والمراد، قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله، ونسبته إليه تعالى للتنبيه على أن قضاءه صلى الله عليه وآله قضاء الله كما ذكره المفسرون، وكل ما قاله النبي صلى الله عليه وآله ولو بالاجتهاد، فمما قضى به، فلا يجوز العدول عنه ومخالفته، وتخصيص الخيرة بما يكون بمجرد التشهي لا عن اجتهاد، وكذا المعصية لا وجه له، وإنما هو مجرد تشهي التأويل، والانصراف عن الظاهر، ومعصية لسنة الأخذ بظواهر الكتاب والسنة بلا قرينة تقتضيه وشاهد يشهد له. [الوجه] الثالث: قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [٦٥ / النساء: ٤] تقريره أن المسألة الخلافية بين الأمة يصدق عليها أنها مما شجر بينهم فيجب في كل مسألة خلافية أن يحكموه صلى الله عليه وآله، ويرجع إلى قوله ويسلموا ويركنوا إليه، ومخالفته صلى الله عليه وآله بالاجتهاد ضد ذلك. فظهر أن المسألة الخلافية، لا يجوز مخالفة ما يظهر من قوله صلى الله عليه وآله فيها، سواء كان بالاجتهاد أو غيره، والمسائل الإجماعية وما لم يسبق إليه أحد بنفي أو إثبات أولى من ذلك. أما الإجماعية فظاهر، وأما ما لم يسبق إليه أحد، فلأن اتباعه إذا وجب فيما تحقق قوله طائفة من المسلمين وشبهة شرعية بخلافه، ولم يمنع ذلك من وجوب اتباعه، ففيما لا يتحقق فيه ذلك الذي يتوهم مانعا أولى. وأيضا لا قائل بالفصل، فإن الأمة بين قائل بجواز مخالفته في الخلافيات وغيرها، وبين ناف له فيهما جميعا. وبهذا يندفع توهم أن قوله صلى الله عليه وآله، ربما كان مما أجمع على خلافه على أنه قبل الإجماع على خلافه، كان مما لم يسبق إليه قول بنفي ولا إثبات، أو كان مما وقع فيه الخلاف. فإن قلت: هاهنا احتمال آخر ذهب إليه جماعة، وهو أن يخطئ صلى الله عليه وآله وينبه بالوحي على خطئه وما ذكرت لا ينفيه. قلنا: هذا لا ينفع فيما نحن فيه، فإن الغرض أنه صلى الله عليه وآله لا يجوز مخالفته والعدول عن قوله بالاجتهاد، وأما أن ينبه بالوحي عليه، فكلام لا يسمن ولا يغني من جوع في جواز إبطال قوله صلى الله عليه وآله، وتخطئة رأيه وتصحيح ما صنعه جماعة من أصحابه خلافا لأمره، وردا عليه حكمه فيما لا وحي يدل على خطئه، بل قرره الله تعالى وأمضاه على رأيه. [الوجه] الرابع: قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [٣١ / آل عمران: ٣] مفهوم الشرط إن لا تتبعوني لا يحبكم الله ولا يغفر لكم ذنوبكم، وما كان موجبا لعدم محبة الله وعدم مغفرة الذنوب، كان حراما. فإن قلت: كل ما هو مستحب كان موجبا لمحبة الله، وربما كان سببا للمغفرة أيضا، ويصح استعمال الشرط فيه ويكون مفهومه حينئذ: إن لا تفعلوه تفوت المحبة المترتبة عليه، والمغفرة المسببة منه، فلا يدل على الوجوب. قلنا: أولا: إن رجحان الاتباع كاف لنا، فإن من لا يجوز الاجتهاد عليه صلى الله عليه وآله، يجعل أمره واجبا ما دام لم يدل دليل آخر على خلافه أقوى منه، ومن يجوزه يجعل تركه ومخالفته واجبا أو مندوبا أو مباحا حسب ما أدى إليه اجتهاده، ولا يجعل اتباع أمره مندوبا أيضا في أكثر الأمر. فالقول بأن اتباع أمره مندوب لا محالة، خلاف الإجماع المركب. وثانيا: إن مفهوم الشرط يقتضي انتفاء الجزاء مطلقا، لا الجزاء المقيد بالشرط المقارن له، وإلا لم يصح الاستدلال بمفهوم الشرط في شئ من المواضع. ولا يتوهم أن الأمر بالاتباع مطلق لا عام، فيصير حينئذ حاصل المفهوم: إن لا تتبعوني في شئ لا يحبكم الله أصلا، لا [أن المفهوم] إن لا تتبعوني ولو في أمر واحد لا يحبكم الله، لأن الاتفاق منا ومن الخصم حاصل على أن المراد به الأمر بالاتباع في جميع الأوامر، ولهذا استدلوا به في مسألة التأسي. فتدبر. [الوجه] الخامس: قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) [٧ / الحشر:] وجه الدلالة أمور: أحدها: أمره تعالى بالأخذ بما أمر به الرسول صلى الله عليه وآله. وثانيها: أمره [تعالى] بالانتهاء عما نهى عنه، فإن كان نهى عن خلاف ما أمر به فذاك، وإلا فالأمر بالشئ، نهي عن ضده عند أكثر علماء الأصول، وفي النهي بعكس الأمر. وثالثها: تعقيبه الكلام بالوعيد الشديد والعقاب العظيم. وأيضا: [في] أمره بالتقوى بعد ذلك، إشعار بأن الأخذ والانتهاء المذكورين هما التقوى، وأن تاركه مسلوب عنه اسم التقوى مع [أن] النصوص الدالة على الأمر به وحرمة تركه أدلة على الوجوب. السادس: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) [١ / الحجرات: ٤٩] وجه الدلالة أنه متى كان قول الرسول صلى الله عليه وآله موجودا، ثم قدمنا اجتهادنا عليه لزم التقدم بين يدي الله ورسوله. وقد دلت صحاح أخبارهم على أن الآية نزلت في مماراة أبي بكر وعمر، في تأمير الأقرع بن حابس والقعقاع بن معبد، وقد كان ما تنازعا فيه من الأمور المتعلقة بالحروف، ولم يكن سبق من رسول الله صلى الله عليه وآله فيه أمر، وإنما أشار كل واحد من الرجلين ما رأى في تأميره من المصلحة بزعمه، وإذا كان مثل ذلك من التقديم المنهي عنه الموجب للتوبيخ الظاهر من سياق الآية، فالأمر في الاجتهاد فيما سبق فيه أمر منه صلى الله عليه وآله، وكان أشد تعلقا بالدين أولى وأظهر. [الوجه] السابع: قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) [٥٩ / المائدة: ٤] والرد إلى الله ورسوله معناه إما التوقف إلى أن يعلم حكمه بنص الكتاب والسنة على ما هو الحق، أو المراد به القياس على الحكم الذي في الكتاب والسنة. وعلى التقدير الأول يدل على بطلان القياس مطلقا، وعلى الثاني يدل على بطلان القياس فيما وجد فيه نص من الكتاب والسنة على ما شرح في التفاسير. وعلى التقديرين يبطل القياس في مقابلة النص وإذا بطل القياس في مقابلة النص ولم يجز العمل به فيما وجد فيه نص من الرسول صلى الله عليه وآله، لم يجز الاجتهاد والعمل به مخالفة لقول الرسول صلى الله عليه وآله، لأن كل من قال بعدم جوازه بالقياس، قال بعدم جوازه مطلقا. على أن الآية عامة في كل متنازع فيه، سواء كان مما يؤخذ حكم طرفي النزاع، أو أحدهما من الكتاب والسنة، أولا. وقد حكم [فيها] بأنه يجب أن يرجع فيه إلى قول الله ورسوله ولا يحكم بأحد الطرفين، فعند مخالفة النبي صلى الله عليه وآله بالاجتهاد ولو بالاستنباط الظني من النص، يصدق أنه مما يجب الرجوع فيه إلى النص، فلا يجوز الاجتهاد على خلافه. بقي الكلام في أنه ربما كانت المسألة إجماعية فلا يصدق أنها متنازع فيها، أو كانت مما لم يسبق إليه قول. والجواب عنها قد سبق في تقرير الاستدلال بقوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون) الآية. الثامن: قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) [٦١ / النساء] ذمهم على صدهم عن الرسول صلى الله عليه وآله مطلقا، فدل على أن هذا الفعل ممن كان وبأي طريق كان مذموما غير سائغ، فلا يجوز مخالفته في شئ، لأنه نوع من الصد. التاسع: قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) قالوا: تقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع، كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته، ومن كان كذلك كان كافرا مستوجبا للقتل. وهذا الكلام منهم يدل على أنهم فهموا منه عموم الإطاعة في جميع الأوامر، بمعنى أن الإرسال للإطاعة في جميع الأوامر والنواهي لا يجوز أن يخالف في شئ منها، لأن المقصود من إعلام أن الغرض من الإرسال هو الإطاعة، إيجاب الإطاعة على المرسل إليهم، لا مجرد أن الغرض هو الإطاعة. وقال الفخر الرازي: إن ظاهر اللفظ يوهم العموم، ولعلهم إنما فهموا ذلك، لأن المضارعة تفيد الاستمرار الزماني، ولا قائل بأن إطاعة النبي في كل زمان واجب وإن لم يجب في جميع الأوامر، لكن ذلك لا يوجب أن يكون ظاهر اللفظ ذلك، وإنما يستلزم وجوب الإطاعة على وجه العموم في الواقع. أو يقال: نزل الأوامر الجزئية منزله في أجزاء الزمان. فأريد بما يدل على عموم الثاني عموم الأول، كما أنه يراد بالدوام والأبدية عموم الأفراد وبما يدل على تبعيض الأوقات تبعيض الأفراد. وفيه أن ذلك مجاز غير ظاهر، ودعوى ظهوره بعيد. والتحقيق أن الطاعة ضد المعصية، والمعصية المضافة إلى الأمر تصدق بمخالفته ولو من وجه، والمضافة إلى الشخص الآمر تصدق بمخالفة أمر واحد من أوامره، فالطاعة للأمر هو عدم مخالفته بوجه من الوجوه، وللشخص الآمر هو عدم مخالفته في شئ من أوامره، ولهذا كانوا يكتفون في إعطاء القيادة للأمراء والتسليم لهم بأنا سامعون لك مطيعون من غير تعميم لمطلق الطاعة. وقولهم: أطعناه في الأمر الفلاني دون غيره، مجاز خلاف الظاهر. ويؤيده أنهم استدلوا بقوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) [٥٩ / المائدة: ٥]. وبقوله تعالى: (فاتبعوني يحببكم الله) [٣١ / آل عمران: ٣] على مسألة التأسي، ولولا العموم لم يصح هذا الاستدلال. العاشر: قوله تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى ي إلي) [١٥ / يونس: ١٠] وتقرير الاستدلال به على نمط الاستدلال بقوله تعالى: (إن هو إلا وحي يوحى) [٣ / النجم: ٥٣. كما سبق [في الوجه الأول]. الحادي عشر: قوله عز وجل: (قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى) [٩ / الأحقاف: ٤٦] وتقريره ما علم سابقا. الثاني عشر: قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين) [٦٩ / النساء: ٤] دل على أن طاعة الرسول في أي أمر كان سبب للكون مع النبيين والصديقين، ولو كان النبي صلى الله عليه وآله مخطئا في اجتهاده وعلم ذلك، لم يكن طاعته في ذلك الأمر سببا لما ذكر، فدل على عدم الخطأ في الاجتهاد. الثالث عشر: قوله تعالى: (ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) [٤ / الأحقاف: ٤٦] دل على أن المأثور عن الأنبياء الأولين لا يحتمل الخطأ، وإلا لم يكن بين إتيانهم بالأثارة وعدمه فرق. ويمكن المناقشة [فيه] بوجهين: الأول: أنا لا نسلم أنه يدل على عدم الخطأ في الأثارة، وإنما يدل على عدم الصدق بدونها: يعني أنهم لا يقدرون على الإتيان بالأثارة الدالة على الشرك، وما لم يأتوا بها لا يكونون صادقين في دعواهم، لأن ذلك ليس مما يعلم بالعقل المحض، فإن علم، فإنما يعلم بالنقل، ولا نقل هاهنا، ولا ينافي هذا أن لا يكفي النقل المذكور في الشرك. والثاني: أن ذلك من الأصول، ونحن لا نخالف في عدم جواز مخالفة النبي صلى الله عليه وآله فيما قاله في أصول الدين، وأنما نجوز مخالفته في الفروع. وكلتاهما خلاف الظاهر فلا ينافي التمسك بظاهره. الرابع عشر: الآيات الدالة على النهي عن اتباع الظن والاقتصار على العلم، وقول النبي صلى الله عليه وآله معلوم أنه حكم الله ولو ظاهرا، ويجوز اتباعه بل يجب، واجتهاد الأمة إذا كان مخالفا له، ليس بمعلوم أنه يجوز اتباعه لتحقق الخلاف في ذلك، فمخالفته ترك للمعلوم الواجب المأمور، باتباعه بالمظنون المنهي عن اتباعه. الخامس عشر: قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) [٨٠ / النساء: ٤] وجه الاستدلال أن من عرف اللسان لا يرتاب في أن مفاد الآية هو أن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله ليس إلا طاعة الله عز وجل، فكما أن من خالف نص الله سبحانه بالاجتهاد ضال غاو، فكذلك من خالفه صلى الله عليه وآله بالاجتهاد، ومن جوز مخالفته، لأنه يقول عن اجتهاد لزمه القول باجتهاده تعالى وجواز مخالفته. وقد فسر الله تعالى ضد الطاعة في الآية التالية لهذه الآية بإضمار غير ما يقول صلى الله عليه وآله، قال سبحانه: (ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) [٨١ / النساء: ٤] وقد استدل الفخر الرازي في التفسير بهذه الآية على عصمته صلى الله عليه وآله في جميع أقواله وأفعاله ثم قال: [و] قال الشافعي: في باب فرض طاعة الرسول صلى الله عليه وآله: إن قوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [٨٠ / النساء: ٤] يدل على أن كل تكليف كلف الله عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن، فحينئذ لا سبيل إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وآله، وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله، هذا كلام الشافعي. انتهى. ولا يخفى أن في هذه الكلمات اعترافا بأن الاجتهاد بخلاف أمره صلى الله عليه وآله قطعي البطلان، واجتهاد بخلاف أمر الله عز وجل، فلو فرضنا تعبده صلى الله عليه وآله بالاجتهاد، لم يجز مخالفته على حال من الأحوال. السادس عشر: قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره ن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [٦٣ / النور: ٢٤]. جعل عامة المفسرين الضمير راجعا إلى الرسول صلى الله عليه وآله. وقول أبي بكر الرازي إنه راجع إلى الله سبحانه، لا عبرة به، على أنه لو صح لكان بناء الكلام على ادعاء أن مخالفة أمره مخالفته سبحانه، حتى تتلاءم أجزاء الآية، وحينئذ يتم المقصود بوجه أتم. وإذا كان مخالفة أمره صلى الله عليه وآله موضعا للحذر عن الفتنة والعذاب الأليم، ظهر فساد الاجتهاد في خلافه. أما إذا جعل موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقا واجب القبول على ما زعمه البعض، فظاهر. وأما إذا جعل بمعنى الإتيان بما أمر به على وجهه، فلأنه إذا كان مخالفة أمره بهذا المعنى مظنة للعذاب والفتنة، كان الاجتهاد بخلاف ما أمر به باطلا، وهو المدعى. [الوجه] السابع عشر: الأوامر المطلقة في إيجاب طاعة الرسول صلى الله عليه وآله مفردة ومقرونة بإيجاب طاعة الله سبحانه كقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) [١٣٢ / آل عمران: ٣] وقوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) [٥٤ / النور: ٢٤] وهي في الكتاب الكريم أكثر من عشرين موضعا، والاجتهاد بخلاف أمره صلى الله عليه وآله تصويب لمخالفة أمر الله عز وجل في إيجاب طاعة رسوله صلى الله عليه وآله، وبطلانه واضح، وإفادة أمثال تلك الأوامر للعموم قد تبين في الأدلة السابقة. الثامن عشر: مما يدل على بطلان الاجتهاد على الوجه الذي يجوز مخالفته، أن أبا بكر وعمر كانا يقولان بأن حكمهما ربما كان خطأ، وربما كان صوابا، ويلتمسان من الصحابة وسائر من حضرهما أن ينبهوهما على الخطأ، ولا يقرروا ولا يداهنوا، ولقد كانت المداهنة من القوم في شأنهما والإغضاء على خطئهما أقل بالنسبة إليه صلى الله عليه وآله، والاحتشام منهم لهما دون الاحتشام له صلى الله عليه وآله، وتوهم تحتم الصواب ووجوب الصحة في قوله تعالى وفعله صلى الله عليه وآله أكثر، لا سيما بعد ما تقرر وتكرر أنه صلى الله عليه وآله لا يفعل عن شهوة، ولا يقول عن هوى، وإنما كلامه صلى الله عليه وآله حكم، ونطقه فصل، وقوله عدل، وشهدت له بذلك الآيات المنزلة والسور المتلوة، ولم يكن التوهم ي شأنهما بهذه المثابة ولا لهما هذه الأسباب والدواعي، كيف وفي حقه صلى الله عليه وآله نزل (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [٧ / الحشر: ٥٩] ونهى عن معصيته وأوعد على مشاقته ومحاقته، ولا شئ من ذلك فيهما ولا لهما، فكان النبي صلى الله عليه وآله أحق وأحرى بأن ينبه على أن قوله ربما يباين الصواب، ويخطئ من إصابة الحق، وكيف أهمل صلى الله عليه وآله طول هذه المدة المديدة وأضاع في تلك الأزمنة المتطاولة أن يجنب أمته اتباع الباطل، ويحذرهم الاقتداء بغير الحق، ويصونهم عن الإصرار على ما لا ينبغي ويخالف حكم الله، وقد وفق له أبو بكر وعمر واهتديا إليه السبيل. ولو قال قائل: إن هذا التنبيه والإيماء كان أولى ولم يكن واجبا، كان الدليل قائما والحجة مستقيمة أيضا، لأن ترك النبي صلى الله عليه وآله هذا الأولى والأليق والشفقة على الأمة والنظر لها، واختصاصهما بهذه المنزلة وانفرادهما بهذه الفضيلة وإصرارهما على هذا القول الذي يرويه الناس في معرض مدحهما ويعدونه من فضائلهما، مما تأباه القريحة السليمة، أفلا قال صلى الله عليه وآله: إنما أنا مثلكم أخطئ وأصيب، كما آكل وأشرب وأمشي في الأسواق!؟ ومن علم عادته وتتبع سيرته صلى الله عليه وآله لم يثنه ريب ولم يختلجه شك في أنه لو كان ما قالوا مما له مساغ في طريق الصدق، لم يهمل النبي صلى الله عليه وآله أمره، ولا أغفل عن أن يهدي الناس إليه، لكن الإنصاف ارتحل من البين، والعصبية أرخت سدول الغشاوة على العين. [الوجه] التاسع عشر: مما يدل على ذلك احتجاج أبي بكر على الأنصار يوم السقيفة كما رووه بقوله: (الأئمة من قريش ". وتسليم الأنصار الأمر إليه، وانكسارهم بذلك عن سورتهم، فما بالهم لم يقابلوا حجته بأن يقولوا: أي دليل في هذا لك وقد علمت أنه صلى الله عليه وآله ربما يقول القول عن رأي واجتهاد وطالما أخطأ ورجع فلا حجة في ذلك ولا يصلح؟! خصوصا فيما يتعلق بالولاية والزعامة، فإنه قلما يكون عن وحي سماوي وتنزيل إلهي، مع شدتهم في أمرهم ووصيتهم فيما بينهم بأن شدوا على أيديكم ولا تملكوا أمركم أحدا. حتى أن حبابا كان قد قبض على قبيعة سيفه، وكان سعد طول حياته يعترض ويصرح ببطلان أمرهما ويلمح بالتغلب والعدوان إليهما ويتلظى كبده عليهما، وجميع الأنصار كان شأنهم ذلك وحالهم هذا إلا قليلا منهم، وما قالوا في هذا الباب وحفظ عنهم من النظم والنثر مشهور، وفي السير والتواريخ مذكور. وكيف غفلوا عن هذا التوهين القوي لحجتهم؟ هب أنهم عن آخرهم أخذتهم الغرة، وغشيتهم الغفلة في أول الوهلة وبادي الأمر، فهلا استدركوا ثانيا واحتجوا مرة أخرى؟ العشرون: قول أبي بكر: " أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان ". فإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله أسوة أبي بكر في جواز الخطأ عليه، لم يكن لهذه التبرئة والتنزيه وجه. الحادي والعشرون: ما روي عن ابن مسعود أنه قال: في المفوضة: " أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان ". وهذا التفصيل قاطع للشركة، وهاتان الروايتان مشهورتان، أوردهما العلماء في كتب الأصول واستدلوا بهما على مسائل من أحكام الاجتهاد، ومن جملتها كتاب الأحكام للآمدي. الثاني والعشرون: قول عمر ن الخطاب: " أيكم يرضى أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله " أو ما في معناه كما سبق. وقوله [الآخر]: " رضيك لأمر ديننا أفلا نرضاك لأمر دنيانا ". ولا يخفى أن الصلاة إما من الأحكام والأمور التي يجوز فيها الاجتهاد ويحتمل الخطأ، أو مما يكون بوحي إلهي لابد منه. فعلى الأول لا وجه للاستدلال به، لأن لهم حينئذ أن يقولوا: نحن قد اجتهدنا ورأينا أن الصواب في ضد ما فعله صلى الله عليه وآله، وأن الأوفق بالمصلحة خلاف ما رآه، ولا يمتنع ذلك عليه ولا نرضى بذلك، وأي استبعاد في هذا الرضا؟ وإنما يصح هذا الاستبعاد فيما لا يجوز فيه الخطأ ولا يتطرق إليه البطلان. ولئن قيل: إن الغالب عليه الصواب وإن جاز الخطأ أحيانا، وما يغلب عليه الصواب ينبغي أن يحترز ويجتنب تركه، والمركوز في العقول التباعد عن مخالفة مثله، لأن الخطأ مظنون فيها. قلنا: إما أن يكون الأنصار نازعت أبا بكر وادعت الإمامة لنفسها بدون متمسك واجتهاد، أو رأته كذلك وقالت ما قالت عن شبهة تعتقدها دليلا أو تظنها حجة، والأول مما لا يقدم عليه مثل الأنصار الذين آووا ونصروا، وهم كبار الصحابة وأعلام المسلمين وخيار الناس وأعيان أهل الدين، [و] كيف يقدم مثلهم على هذا الفسق الواضح!؟ أفلا كان في الأمة من يطعن عليهم بالفسق والعصيان؟ ولو كان، لنقل إلينا وهذا النوع من الاستدلال قد شاع بين القوم التمسك به. وأيضا أجمعت الأمة إجماعا مركبا على أن كل من قال في الإمامة بالرأي، ودان فيها بالاجتهاد فاسق، أو أنهم أتوا بأفضل عبادة وأثيبوا وإن لم يصيبوا. وأما أن بعضهم أصاب الحق واليقين وآخرون فسقوا عن الدين، فمنفي إجماعا، فتعين أن يكون الأنصار ومن يحذو حذوها قالت ما قالت عن شبهة، فكان الواجب على عمر أن يتمسك برجحان اجتهاده صلى الله عليه وآله على اجتهادهم بواحد من الوجوه التي تصلح للترجيح من الأمور المقررة في الأصول. وعلى الثاني، كان عليه أن يثبت بدليل أنه صادر عن الوحي لا عن الاجتهاد، ويأتي بحجة تعين كونه من أحد القسمين دون الآخر. وأيضا لا معنى لقياس ما يجوز فيه الاجتهاد ويسوغ عليه الخطأ، كأمر الإمامة والرئاسة على ما يجب استناده إلى الوحي والتوقيف، وكيف شبه أحدهما بالآخر مع هذا الفارق الجلي الواضح!؟. الثالث والعشرون: قول عمر حين قال بعض المرتابين في جيش أسامة لرسول الله صلى الله عليه وآله: " أتؤمر علينا هذا الشاب الحدث ونحن جلة مشيخة قريش!؟ ": دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقد نافق. وهذا يدل على أنه يلزم بمجرد مخالفة النبي صلى الله عليه وآله النفاق والكفر، ولا يجوز مخالفته صلى الله عليه وآله، سواء كان قوله عن اجتهاد أو لا، وسواء كان في الولايات والحروب أو غيرهما، وإلا فمن أين يلزم نفاقه وكفره ويحل ضرب عنقه!؟ وكيف قرره صلى الله عليه وآله على هذا الرأي الفاسد والزعم الباطل!؟ ولم ينكر هو عليه ولا أحد من الصحابة والتابعين؟ وأين كان أعداؤه المتتبعون لعثراته وزلاته، الطالبون لخطاياه وأغلاطه عن هذا الخطأ الظاهر!؟ وكيف لم يطعن الفقهاء عليه طول هذه المدة ولم يعترض عليه؟ حتى أن الذين كانوا على رأي الروافض في الصدر الأول عطشى الأكباد لأدنى هفوة من هفواته، كهشام بن الحكم، ومحمد بن النعمان الأحول، وغيرهم ممن عرفوا بهذه الخصلة وعدوا من أصحاب المقالات والنحل، لم يطعنوا عليه هذا الطعن مع حرصهم على الإزراء به، وولوعهم على تشهير مساويه ومثالبه!؟ ولولا أن هذا كان في الزمن السالف إجماعيا غير مختلف فيه ما أغمضوا عليه و [لا] تغافلوا عنه. وإن ما ذكرناه أقوى في باب العادات، والمعلوم من أحوال الناس من جميع ما يذكرونه في هذا النمط ويستدلون عليه بها، وإنما هذا القول البديع والإفك المفترى، شهادة زور وأماني غرور اختلقها جماعة من المتأخرين، ترويجا لبعض ما ينتحلونه، وترميما لأفعال شيوخهم وأئمتهم، وهيهات هيهات! وأنى لهم بذلك وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون؟ الرابع والعشرون: قول عمر أيضا يوم بدر - حين قال أبو حذيفة في بعض ما كلم به النبي صلى الله عليه وآله، وقد كان صلى الله عليه وآله يوصي أن لا يقتل أحد من بني هاشم، لأنهم استكرهوا ولم يخرجوا طائعين [فقال أبو حذيفة:] " أنقتل آباءنا وإخواننا ونترك بني هاشم؟ فلو أني لقيت عم النبي صلى الله عليه وآله لأضربن خياشمه بالسيف - حيث قال [عمر]: " إن أبا حذيفة قد نافق ". واستئماره النبي صلى الله عليه وآله بقوله: " دعني أضرب عنق هذا المنافق ". ولم ينكر النبي صلى الله عليه وآله على عمر قوله، ولو كان الأمر على ما زعموه لكان الحري بالهادي المهدي الراشد المرشد المبعوث للدلالة والهداية أن يقول له: أي رابطة زعمت بين إنكار قولي وبين النفاق. بل هو طاعة لله، فإن كان صوابا فله أجران، وإلا فأجر واحد، خصوصا في الحروب وتدبير أمر الجيوش والمغازي، سيما يوم بدر الذي كان المسلمون فيه في غاية القلة ونهاية الضعف، ولم يشتد ساعد الإسلام بعد، وكانت إثارة الإحن مجلبة للمحن، فلو لا أن عمر كان مصيبا في ذلك لما تغافل عنه النبي صلى الله عليه وآله ولم يعتذر بأنه يحب الله ورسوله، ولم يذهب في إصلاح ما بدا منه في الظاهر إلى أمر الباطن، ومن المعلوم أن الظاهر إذا لم يفسد، لم يجز العدول في جواب قدح القادح فيه إلى أن باطنه على خلاف ما يوهمه ظاهره، فإن ذلك كلام من يسلم من خصمه صحة مقدماته التي ادعاها، ولكن ذلك القدر لا يكفي في المطلوب، بل العمدة أمر الباطن وهو ملاك الأمر. ولو كان الأمر كما زعمه القوم لكان النبي صلى الله عليه وآله يقول صادعا بالحق: أن لا غائلة في قول أبي حذيفة ولا قدح، وإنما ذلك أسوة سائر الكلمات التي يسوغ لكل أحد أن يكلمني، ولو لم يكن عبادة فلا أقل من أن يكون مباحا، ولم يكن يعرض بأمر باطنه وصحة عقيدته، ولا يحيل على أمر غير ظاهر للناس خفي عن الأبصار. الخامس والعشرون: أن الناس اجتمعوا على عثمان زارين عليه طاعنين فيه بمخالفته رسول الله صلى الله عليه وآله والعدول عن سنته، وعددوا عليه أمورا، فلو جاز لأحد أن يخالفه بالاجتهاد لكان لعثمان أن يجيب خصمه بذلك ويناظرهم عليه، أو يرشدهم إليه، وما رأيناه فعل ذلك مع كثرة المواقف التي واقفوه فيها كما مر بعضها، ولو فعل لنقل إلينا، ولقد كان كثير من الصحابة الذين طعنوا عليه واجهوه بما يسوؤه، وعابوه حين غابوا، وزجروه إذ حضروا عنده، ولم يعتل هو بأني اجتهدت ورأيت أن الصواب في خلاف ما قاله وفعله، وقد علمتم أنه كثيرا ما كان يقول شيئا ويخالفه الناس لخطأ في رأيه، و [ما قال] أنا اليوم إمام القوم أولى منهم بذلك، ولو ساغ ما قلتم، استحال أن يتغافل عنه عثمان أو غفل هو وأتباعه والمصححون لما فعله في عصره، ولو احتج واعتل بذلك، استحال في العادة أن لا ينقل إلينا ولم ينقل. [الوجه] السادس والعشرون: أنه لما كلم عثمان أبا بكر وعمر في رد الحكم، أغلظا له القول وزبراه وقال له عمر: يخرجه رسول الله صلى الله عليه وتأمرني أن أدخله!؟ والله لو أدخلته لم آمن أن يقول قائل: غير عهد رسول الله صلى عليه، والله لئن أشق باثنتين كما تشق الآبلة - وهو خوص المقل - أحب إلي من أن أخالف لرسول الله صلى الله عليه أمرا، وإياك يا ابن عفان أن تعاودني فيه بعد اليوم. ولو جاز مخالفته صلى الله عليه وآله بالاجتهاد، لم يكن لعمر أن يرد قول عثمان ويدفعه بأنه مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله، وأن شقه باثنتين أحب إليه منها، بل كان ينبغي أن يناظره ويحجه بطريق الاجتهاد وسنة النظر ومراعاة المصالح والمفاسد، ويرى عثمان وجه خطئه، وأنه في أي موضع من مقدمات الاجتهاد وقعت له الغفلة وحصل منه الإهمال، وما نراه فعل هو ذلك ولا أبو بكر. السابع والعشرون: قول عمر بعد ما سمع الخبر في دية الجنين: " لو لم نسمع لقضينا فيه بغير هذا ". وروي أنه قال: " نقضي فيه برأينا ". فدل على أنه كان يترك الرأي بخبر الواحد، ولم ينكر على عمر أحد قوله وكان يرى التفاوت في دية الأصابع، فرجع عن رأيه بخبر عمرو بن حزم، أن في كل إصبع عشرة. الثامن والعشرون: حديث أبي الدرداء حيث روى نهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع أواني الذهب والفضة بأكثر من وزنها. فقال معاوية: لا أرى بذلك بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية! أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وآله ويخبرني عن رأيه؟ لا أساكنك بأرض أبدا. دل كلام [أبي الدرداء هذا] على أن مقابلة النص بالرأي غير مشروع، ولم يخصص في إنكاره بالأحكام، بل أطلقه بحيث يتناول الحروب وغيرها، ولو كان هناك فرق بين خبر وخبر ورأي ورأي، لما صح له الإطلاق. التاسع والعشرون: أن عمر كان يرى أن الدية للورثة ولم يملكها الزوج فلا ترث الزوجة منها، فأخبر أن الرسول صلى الله عليه وآله أمر بتوريثه منها، وهو خبر الضحاك بن سفيان بأنه كتب النبي بتوريثها من الدية. قال الآمدي: ترك [عمر] اجتهاده في منع ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الواحد وقال: أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا كثيرا. وهذا، وإن كان مورده الميراث إلا أن فحوى الكلام هجر الرأي بخبر الواحد مطلقا، وهذه الأخبار مما استدل به العلماء في كتب الأصول على أحكام خبر الواحد. الثلاثون: ما روي أن عمر جاء رسولا إلى أبي بكر من قبل أعيان الجيش، فاستأذنه في رجوع أسامة متعللا بأن معه من وجوه الناس، ولا نأمن على خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وحرمه وحرم المسلمين أن يتخطفهم المشركون حول المدينة. فقال أبو بكر: لو تخطفني الكلاب والذئاب لم أرد قضاءا قضى به رسول الله صلى الله عليه. ولما أدى إليه [عمر] رسالة الأنصار وسؤالهم أن يولي عليهم أحدا أقدم سنا من أسامة وثب من مكانه - وكان جالسا - وأخذ بلحية عمر بن الخطاب فجرها وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله وتأمرني أن أنزعه!؟ وقد كان وجه المصلحة فيما رأوه باجتهادهم ظاهرا، فلو لا أن مخالفة النبي بالاجتهاد غير سائغ لما ساغ لأبي بكر أن يجيبه بالرد من عرض الخلافة عليه أولا، وأفضى بها إليه أخيرا وأن يزري بقدره ويستخف به ويستهزء ذلك الاستهزاء الذي لا يفعله الجلف الجافي بسوقي ساقط المحل. وكيف ساغ له أن يأخذ بلحيته الكثيفة ويخاطبه بالثكل والويل وهو غير مستحق لذلك، سوى أنه تحمل رسالة كلها أجر وثواب، وجلها صدق وصواب بزعمهم، وقد صدرت عن اجتهاد جماعة من المسلمين هم ذروة الأمر وسنامه وأساس الإسلام وقوامه؟ وهل يغضب ذو الدين على الحاكي طاعة جماعة من المسلمين وعبادتهم، ويفعل فعل من لا صبر له، واستشاط غيظا وتلهب غضبا، فلولا أن الأمر بمخالفة النبي صلى الله عليه وآله - ولو كان عن اجتهاد - كان فظيعا شنيعا لما ظهر منه ذلك الصنيع مع اتفاق كان بينهما في النفاز وإتحادهما في الإلحام واجتماعهما على ترويح الباطن؟ وهذا آخر ما أردنا إيراده من الأدلة في هذا الباب وفيها كفاية لأولي الألباب. ولنشر إلى بعض شبه المخالفين: الأولى: قوله سبحانه: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) [٣ / التوبة: ٩] قالوا: عاتبه على الإذن [لمن أراد أن يتخلف عنه] والعتاب لا يكون إلا عن خطأ والخطأ لا يكون في الوحي بل في الاجتهاد؟ وقال: (عفا الله عنك) والعفو لا يكون إلا عن ذنب. والجواب عنه: أما أولا فبأنا قد روينا عن أهل بيت العصمة عليهم السلام - كما مر مرارا - أن القرآن نزل ب [طريقة قولهم:] " إياك أعني واسمعي يا جارة "، وهي مروية في كتبهم أيضا عن ابن عباس، [و] في معناه عن طرقنا أخبار كثيرة، فلعل ذلك كان بإشارة الأصحاب الذين تقول فيهم ما تقول، ونزلت الآية عتابا لهم وردا عليهم لقلة نصحهم وسوء صنيعهم. وقد مر في هذا الكتاب أشباهها من قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: (لئن أشركت ليحبطن عملك) [٦٥ / الزمر: ٣٩] وقوله سبحانه مخاطبا لعيسى عليه السلام: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) [١١٦ / المائدة: ٥] وللتعريض باب عريض، فلا يستبعد كون المراد بالآية المذكورة تعريضا وتوبيخا لمن حمله عليه السلام على الإذن وألجأه إليه وصنع ما انقلبت معه المصلحة عن وجهها وانعكس أمرها وانحصرت في الإذن إلى غير ذلك. ثم نقول لهؤلاء القوم: لا يخلو النبي صلى الله عليه وآله في إذنه لهم من جهة الخطأ في الاجتهاد من أن يكون آثما أو تاركا للأولى، أو لا هذا ولا هذا، بل إما مثابا مأجورا أو فاعلا مباحا والأول خلاف الإجماع، ولم يظهر قائل بالثاني أيضا بل المشهور هو الثالث. فإن كان استعمل لفظ العفو والمعاتبة معه صلى الله عليه وآله، من جهة أنه ترك الأولى، فقد خرجنا وهؤلاء الخصوم رأسا برأس، فإن المشهور عند أصحابنا الإمامية حمل هذه الآية وأمثالها على ترك الأولى بدون أن يكون خطأ في الاجتهاد، بل يكون تعمدا لترك الأولى عندهم، كما يحملون خطيئة آدم عليه السلام مع ما وقع عليها من المعاتبات وغيرها على ترك الأولى، فلا ترجيح معهم. وإن كان من جهة الخطأ في الاجتهاد بدون أن يكون هناك ترك للأولى، بل إما أن يكون فعل فعلا مباحا أو أتى بنافلة وعمل بمندوب وأطاع الله فيما أمره به وأقام وظيفة عبادته، فلينصفوا حينئذ من أنفسهم، ولينظر اللبيب في أنه هل يكون استعمال لفظ العفو وإيقاع المعاتبة في صورة ترك الأولى عمدا أحسن موقعا أم استعماله في خطأ وقع أثناء الاجتهاد؟ مع أنه لم يفعل فعلا مرجوحا بل إما مباحا، ولعل من له أدنى حظ من الإدراك لا يرتاب في أن تأويل الإمامة أقرب بمراتب وأولى بدرجات كثرة. ومما ينبغي أن يعلم أن قوله صلى الله عليه وآله وإذنه لهم من حيث إنه قول وحكم لا يوصف بأنه ترك الأولى، لأن الحكم من حيث إنه حكم كان أمرا مطابقا للواقع من جملة أحكامه عليه السلام، فكان القعود لهم جائزا بحسب الواقع، وإنما كان ترك الأولى في إظهاره لهم وعدم منعهم من القعود. ويحتمل أن يقال: لم يكن قعودهم جائزا في الواقع، بل كان الواجب عليهم أن يخرجوا إلى الجهاد، لكن كان الأولى له أن يمنعهم ولا يأذن لهم. ولا استبعاد في أن يكون قعودهم محرما وإذنه عليه السلام بحسب ما يظهرونه من الأعذار ويتعللون بالعلل جائزا، فرب أمر كان في الواقع حراما والإذن فيه من حيث الظاهر جائزا، كما سيأتي أن أمير المؤمنين عليه السلام، سلم من شهد عليه شاهدان بالسرقة إليهما ليقطعاه فأرسلاه وفرا، مع أن قطعه كان محرما عليهما، وأن النبي صلى الله عليه وآله أذن لأهل الذمة أن يقروا على مذهبهم ويستمروا على دينهم مع أنه محرم عليهم. وأذن لعثمان في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، مع أنه كان على عثمان أن لا يستأذنه صلى الله عليه وآله وأن لا يؤمنه. وأذن أمير المؤمنين عليه السلام [ل] طلحة والزبير في الخروج إلى العمرة، مع أنه كان يعلم أنه محرم عليهما وكان يتظاهر بذلك. غاية ما في الباب، أن يكون عدم الإذن فيما نحن فيه أولى، وإذنه تركا للأولى، فإذا جاز أن يكون الإذن في المحرم جائزا مباحا فأولى أن يكون تركا لأولى. [الشبهة] الثانية: قوله تعالى: (ما كان للنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) [٦٧ - ٦٨ / الأنفال: ٨]. قالوا: لولا أنه أخطأ في أخذ الفدية لما عوتب على ذلك. وقد يقال إن مدلول هذه الآية نهي عن الأسر وقد وقع الأسر بلا شبهة. وأيضا قد أمر بالقتل والأسر ضده، وقد روي أن عمر بن الخطاب دخل على رسول الله فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن أجد بكاء بكيت. فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة [وأشار] بشجرة قريبة منه. والبكاء ونزول العذاب قريبا دليلان على الخطأ. وهذا أقصى ما قالوه في تقرير هذه الشبهة فنقول [في جواب هذه الشبهة]: أما الأسر فلعله كان منهيا عنه ولم يأسر رسول الله صلى الله عليه وآله أحدا، وإنما أمر بالقتل فخالفوه على ما ذكره السيد [المرتضى] رضي الله عنه في كتاب تنزيه الأنبياء. ويرد على ذلك أن أمير المؤمنين أسر عمرو بن أبي سفيان أخا معاوية على ما جاءت به الرواية، وأشار عليه السلام إليه في كتابه إلى معاوية، فلو كان الأسر منهيا عنه لم يفعله علي عليه السلام. ويمكن أن يكون الأسر [في الواقع كان] منهيا عنه بالنسبة إلى كل أحد مقيدا بالغاية المذكورة في الآية، وإذا انتهى الرجل إلى الغاية صح منه الأسر، وقد كان علي عليه السلام أثخن في الأرض حتى أنه قتل ما يقرب من نصف عدد القتلى، وغيره ما كان بلغ معشار ما بلغ صلوات الله عليه. أو يقال: لعل الإثخان كان حاصلا حين أسر علي عليه السلام من أسر ولم يكن حاصلا حين أسر غيره. وقد قال السيد [المرتضى]: قدس سره: إنهم لما تباعدوا عن العريش وعن مرائه صلى الله عليه وآله، أسروا من أسروا من المشركين بغير علمه صلى الله عليه وآله ولا يبعد أن يكون هو عليه السلام لم يأسر حتى في الكفار وانهزموا وتباعدوا وانتهى الأمر إلى آخره ووضعت الحرب أوزارها، فحينئذ أسر من أسر. ويمكن أن يكون هذا الأسر مستثنى من العام لحكمة تعلقت به، وقد افتكوا به رجلا من الأنصار، وكان حبسه أبو سفيان بابنه وكان الغرض من الأسر هو هذا، والقرينة على أن مثله مخصوص من العام أن التوبيخ في الآية تعلق بإرادة الدنيا وحطامها وأعراضها، ولو لم يكن المقصود من الأسر العرض الأدنى والنصيب الأخس والمطلب الأركس لم يكن داخلا في النهي. واعلم أن حديث الأسر وكونه منهيا عنه ساقط فيما نحن فيه من الاجتهاد وكونه واقعا على وجه الخطأ، وإنما يتجه التمسك به في نفي العصمة، فإن القائل بأن الاجتهاد وقع خطأ، لا يقول بأنه وقع مخالفة للنص وعلى وجه المعصية حتى يكون مما يستحق عليه العذاب العظيم والذي يتمسك به في معصية النبي صلى الله عليه وآله لا يقول بأنه وقع على سبيل الخطأ في الاجتهاد. ويمكن أن يوجه بأن النهي إنما حصل بهذه الآية ولم يكن نهي صريح سابقا كيف والاتفاق حاصل على أنه لم يكن هناك نهي ونص. وأما الأمر بالقتل في قوله تعالى: (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان) [١٢ / الأنفال: ٨] فالمراد به الكثرة لا محالة، لا عموم [ضرب] أعناق الكفار بلا خلاف، فالقتل المدلول عليه بالآية لا ينافي الأسر. ومما يدل على أن المراد به الكثرة، هذه الآية، فإنها كالمفسرة لتلك، وكذلك قوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق) [٤ / محمد: ٤٧]. فلعله عليه السلام علم المراد قبل نزول هاتين الآيتين أو بواحدة منهما أو بغيرهما، فقد ظهر أن القتل المأمور به هو الإثخان فيه والإكثار منه وهذا غير صريح في النهي عن الأسر. ولما دل الدليل على عدم صدور المعصية منه عليه السلام، تعين الحمل على ذلك. وقد حصل التوبيخ له صلى الله عليه وآله والعتاب في هذه الآية ولا وجه له حينئذ سوى أنه اجتهد وأخطأ في الاجتهاد. وهذا تقريره على وجه ينطبق على ما نحن فيه. وأنت خبير بأن الخطأ في الاجتهاد إما أن يكون ناشئا عن تفريط وتقصير يعد ذنبا ومعصية، أولا، بل يقع موجبا للثواب ومقتضيا للأجر الجميل، وعلى الأول فقد بطل استدلاله، إذ لو كان ذنب لا محالة لازما فأي دلالة في الآية على الاجتهاد والخطأ فيه. وعلى الثاني، لم يصح ترتب العقاب على الفعل المندوب لا محالة، الموجب للأجر والثواب، ولا قائل بأن المخطئ في الاجتهاد تارك للأولى غير مستحق للثواب، ولا بأنه مع عدم تفريطه مستحق للعقاب إلا شرذمة قليلة لا يعبؤ بهم، ولم يبق أحد منهم على أن الكلام معهم هو الكلام على الاحتمال الأول. وقول الفخر الرازي: إن الخطأ في الاجتهاد وإن كان حسنة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلذلك حسن ترتب العقاب عليه، فيه نظر لأنه بعد تسليم صحة ترتب العقاب على الحسنة بناء على أن هاهنا ما هو أحسن منها، فلم لا يجوز أن لا يكون هاهنا خطأ في الاجتهاد؟ بل أصاب في اجتهاد وعلم الحسن والأحسن، واختار الحسن على علم منه. أفترى أنه يمتنع من النبي صلى الله عليه وآله ترك الأحسن والعمل بالحسن، إذا كان علمهما وميز بينهما؟ وإنما لا يمتنع إذا لم يعلمهما وحسبهما متساويين، فلا توجب الأصلح والأحسن على الله سبحانه وتوجبه على النبي صلى الله عليه وآله. وقد زعمت أن ترك الأحسن. والعمل بالحسن مما تكرر منه صلى الله عليه وآله، فقد رويتم أنه صلى الله عليه وآله عبس في وجه ابن أم مكتوم فعاتبه الله على ذلك، كما مر، وعندكم أنه محمول على ترك الأفضل أو الصغيرة. و [رويتم أيضا أنه صلى الله عليه وآله] حرم مارية [القبطية] على نفسه، وعند أصحاب هذا القائل أنه صلى الله عليه وآله أذنب وأن قوله تعالى: (والله غفور رحيم) إيماء على العفو عن هذه الزلة، وأن قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي) [١١٧ / التوبة:] ٩] وأمره بالاستغفار في قوله: (واستغفر لذنبك) وما روي أنه صلى الله عليه وآله كان يستغفر في اليوم والليلة سبعين مرة، محمول على الذنب. أو على ترك الأفضل والأولى. ونظائر ذلك كثيرا، فما الذي كان باعثا على أن الله تعالى خالف عادته في ترك النكير عليه، وبهذا يعلم أن هذا العتاب والإنكار ليس مبنيا على ترك الأحسن، سواء أنشئ عن اجتهاد أو غيره. وبما ذكرنا، يعلم جواب عن قولهم إنه صلى الله عليه وآله كان مأمورا بالقتل والأسر ضده وليس لأحد أن يقول: إن الأمر تناول حال الحرب وما بعده، ولو كان بغير اختيار النبي صلى الله عليه وآله، فلا ريب في أن إبقاءهم بعد الحرب كان باختياره، وهو مناف للأمر بالقتل لأنا نقول: الأمر بالقتل كان مقيدا بحال المحاربة كما هو المتبادر من قوله [تعالى]: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) [٤ / محمد: ٤٧] فإن الظاهر من الأمر بضرب الرقاب وقت اللقاء وهو حال الحرب، ولا يسمى ما بعد الحرب وحصول الأسرى مكتوفين بأيدي الخصوم وتبدد شملهم وزوال فئتهم عن مراكزهم، لقاء. وأيضا المتبادر من مثل هذه العبارة حدثان ذلك الفعل وفواتحه، لا أواخره، وإن دام على أن ضرب الأطراف الذي فسر به ضرب البنان غير معهود من صاحب الشرع في الأسير، فإنه يجري مجرى المثلة، وإنما يجوز وقت التحام الحرب وحين المسايفة. وربما قيل: إن الأسر أضيف إلى النبي صلى الله عليه وآله حيث قال عز من قائل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) [٦٧ / الأنفال: ٨] ولولا أن الأسر وقع بأمره وإذنه، ما كان يضاف إليه صلى الله عليه وآله. وأجاب عنه السيد [المرتضى] رضي الله عنه بأن الأصحاب إنما أسروهم ليكونوا في يده صلى الله عليه وآله، فهم أسراؤه صلى الله عليه وآله ومضافون إليه وإن كان لم يأمرهم بأسرهم. انتهى. ونظيره قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) [١ / الطلاق: ٦٥] مع أن المطلق لغير العدة كان عبد الله بن عمر، ولم يأمره صلى الله عليه وآله بذلك الطلاق، وقد أضيف إليه الطلاق وخص بالخطاب. ومما يدل على أن إبقاء الأسرى لم يكن إثما، ما روى الواقدي عن علي عليه السلام أنه كان يحدث ويقول: أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر فخيره في الأسرى بين أن يضرب أعناقهم، أو يأخذ منهم الفداء ويستشهد من المسلمين في قابل عدتهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه وقال: هذا جبرئيل يخيركم في الأسرى بين أن يضرب أعناقهم، أو تؤخذ منهم الفدية ويستشهد منكم قابلا عدتهم بأحد. قالوا: بل نأخذ الفدية ونستعين بها ويستشهد منا من يدخل الجنة، فقبل منهم الفداء، وقتل من المسلمين قابلا عدتهم. وطعن من طعن في هذا الحديث بأنه ينافي العتاب على أخذ الفداء من باب الطعن بالمجهول على المعلوم. مع أن ابن حجر ذكر في شرحه لصحيح البخاري أن الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم رووه عن علي عليه السلام بإسناد صحيح. ويدل عليه أيضا، أن إبقاء الأسرى قد كان بإذنه وما كان يسع المرؤوس، إذا أذن الرئيس وأمر أن خالف ويختار، [لا] سيما في مثل هذا الخطب الجليل والشأن العظيم، خصوصا بعد ما أبرم مرائر أمر أتباعه وطاعته، وأوعد على معصيته في الكتاب الكريم، فكانت التبعة على الآذن المطاع والآمر الواجب الاتباع، ولكان هو المستحق لتوجه العتاب والتقريع ولم يقع الأمر كذلك، بل خصوا بالعتاب والتهديد دونه صلى الله عليه وآله، وغاية الأمر أن يعمه صلى الله عليه وآله معهم، وكذلك استشارة النبي صلى الله عليه وآله أصحابه في أمر الأسارى وأخذ الفداء منهم، دليل على أنه لم يكن النص تناوله، ولو كان خاصا أو عاما تناوله، فكيف غفل النبي صلى الله عليه وآله عنه مع طول مدة المشورة والبحث عن أمرهم؟ حتى روي أن أبا بكر وعمر كلماه متناوبين متعاقبين مرارا عديدة، وأن النبي صلى الله عليه وآله دخل خيمته ثم بعد أمة خرج واستأنف أمر المشورة، وكان الناس يخوضون في كلامهما ويقول قائل: القول ما قال أبو بكر. وقائل: القول ما قال عمر. ورووا أنه تمثل لهما بالملائكة وحالهم وحال عدة من الأنبياء عليه السلام، وتلا عدة من الآيات أفلم يخطر بباله تلك الآية النازلة في الواقعة التي هو بصددها. وتذكر الآيات النازلة في شأن الأنبياء عليهم السلام ووقائعهم، حتى تمثل بها لأبي بكر وعمر. وكيف لم يذكر أبو بكر هذه الآية حتى يتوقف مما كان فيه ويرتدع من استبقاء الأسارى؟ وما الذي دهم الخائضين في كلامهما، حتى ضربوا صفحا عن ذكر الآية التي أهمهم أمر ما نزلت فيه؟ ثم هلم إلى عمر وذهوله عن الآية، مع أن له فيها غرضا عظيما وحظا جسيما لشدة ولوعه بقتل الأسرى، خصوصا بني هاشم، لا سيما عباسا وعقيلا حتى صرح باسمهما وعين القاتل لهما. وبعد اللتيا والتي، لو كان استبقاؤهم باجتهاد غفلة عن النص، وذهولا عن أمر الله تعالى، كان المجتهد فيه مثابا ومأجورا، ولم يتوجه العتاب، إلى آخر ما علمت. وأما أخذ الفداء، فلا يتم الكلام فيه إلا بأن يثبت أن العتاب والتهديد وقع عليه وهو ممنوع، بل إنما وقع على الأسر الذي فعله المحاربون بدون إذن النبي صلى الله عليه وآله، وكان غرضهم من الأسر عرض الدنيا وكسب المال على ما دل عليه القرآن. وأيضا أخذ الفداء، كان للتقوي على الجهاد. على ما دلت عليه الرواية وهو مما يتعلق بأمر الآخرة والذم والعتاب، إنما توجه بالآية لي من كان يريد عرض الدنيا، فظهر أنه على غير هذا الأخذ وقع، وبما سواه تعلق كما قلنا أن الذم وقع على فعل الأصحاب المحاربين، ولعل غرضهم كان متعلقا بالحطام الدنيوي. ومما يدل على أن هذا الوعيد والعتاب لم يكن على أخذ الفداء ثانيا، الرواية التي ذكرنا في دخول عمر على رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن العذاب أضيف فيها إلى الأصحاب، والبكاء كان عليهم، ولم يذكر رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه في البكاء والعذاب، مع أنه هو الآذن الآمر لهم، ولا خيرة لهم مع أمره فما للعذاب ولهم!؟ نعم لو كان ينزل على أبي بكر خاصة لكان له وجه، لأنه هو المشير على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الرأي والمزين له. ومفهوم الاستثناء المذكور في روايتهم الأخرى، حيث قال: " لو نزل العذاب لما نجا منه إلا عمر ". يدل على أنه كان يتناوله صلى الله عليه وآله، فبين الروايتين نوع من التنافي. ومن ذلك ظهر أن الرواية بأن تكون دليلا على نقيض مدعاهم، أولى منها بأن تكون دليلا لهم، ولو صح البكاء، لكان رحمة عليهم لما ذكرنا من الأسر الواقع منهم. ومنه هاهنا ظهر أن بين ما تضمنته الرواية من تخصيص البكاء في العذاب بهم وجعله بإزاء أخذ الفداء تنافيا. وقول الفخر الرازي: " أن بكاءه صلى الله عليه وآله كان لخطأ في الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقربين " فيه نظر من وجهين. الأول: إنه لا معنى للبكاء على فعل الطاعة وما يوجب الثواب. والثاني: إنه لا وجه لبكائه صلى الله عليه وآله على الأصحاب لخطأ نفسه، وهل رأيت أحدا يبكي على غيره لذنب نفسه!؟ فهذا في غاية الظرافة. ولا يتوهم أن العذاب علق في الآية على الأخذ لا على الأسر، لأن الأخذ يستعمل في كل فعل ولا يختص بما يؤخذ، إلا إذا وصل بكلمة " من " الجارة، ولا صلة في الآية [الكريمة]. ولنكتف من رد شبههم بما تعلق بهاتين الآيتين الشريفتين، فإنهما عمدة تمسكوا به. وأما ما تمسكوا به من الأخبار، فجوابها أظهر من أن يتعرض له، مع أن أكثرها مما لم يثبت عندنا، ونحن في فسحة من ردها ومنع صحتها. [الباب السادس والثلاثون] باب آخر نادر في ذكر ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من الأشعار المناسبة لهذا المجلد وقد مر بعضها في الأبواب السابقة ١ - منها في الشكاية [من أهل الزمان ومعاصريه]: تغيرت المودة والإخاء * وقل الصدق وانقطع الرجاء وأسلمني الزمان إلى صديق * كثير الغدر ليس له رعاء سيغنيه الذي أغناه عني * فلا فقر يدوم ولا ثراء وليس بدائم أبدا نعيم * كذاك البؤس ليس له بقاء وكل مودة لله تصفو * ولا يصفو من الفسق الإخاء إذا أنكرت عهدا من حميم * وفي النفس التكرم والحياء وكل جراحة فلها دواء * وسوء الخلق ليس له دواء ورب أخ وفيت له وفي * ولكن لا يدوم له الوفاء يديمون المودة ما رأوني * ويبقى الود ما يبقى اللقاء أخلاء إذا استغنيت عنهم * وأعداء إذا نزل البلاء وإن غيبت عن أحد قلاني * وعاقبني بما فيه اكتفاء إذا ما رأس أهل البيت ولى * بدا لهم من الناس الجفاء الرعاء: الحفظ والرعاية. والثراء: كثرة المال والولد وغيرهما. وإنكار العهد: عدم معرفته أي تغيره. والحميم: القريب نسبا. وقوله: " وفي " بالجر صفة لأخ. والقلا: البغض. [و] قوله: " بما فيه اكتفاء ": أي في العقوبة. والمراد ب " رأس أهل البيت ": نفسه عليه السلام، أو النبي صلى الله عليه وآله.
الهوامش4
[١]هذا الحديث - ما عدا لفظة زنديق متواتر عن أمير المؤمنين عليه السلام.ص 363
[٢]وللحديث مصادر وأسانيد كثيرة جدا يجد الباحث أكثرها في تفسير الآية الكريمة من كتاب شواهد التنزيل.ص 363
[٣]ورواه أيضا ابن عساكر بأسانيد في الحديث: (٢٦٦) وما حوله من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج ١، ص ٢٢٢ ط ٢.ص 363
[١]في الآية: (٥٥) من سورة غافر: (٤٠) (فاصبر إن وعد الله حق وأستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك) وفي الآية: (١٩) من سورة محمد: (٤٧): (فاعلم أنه لا إله إلا هو وأستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات).ص 390