بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 48, Page 183
Same indexed hadith bihar-20908; it began on pages 182-189.
مقاتل الطالبيين بأسانيده ، عن جماعة أنهم قالوا : إن يحيى بن عبدالله بن الحسن لما قتل أصحاب فخ كان في قبلهم فاستتر مدة يجول في البلدان ويطلب موضعا يلجأ إليه ، وعلم الفضل بن يحيى بمكانه في بعض النواحي فأمره بالانتقال
عنه ، وقصد الديلم وكتب له منشورا لايعرض له أحد ، فمضى متنكرا حتى ورد الديلم ، وبلغ الرشيد خبره وهو في بعض الطريق فولى الفضل بن يحيى نواحي المشرق وأمره بالخروج إلى يحيى ، فلما علم الفضل بمكان يحيى كتب إليه : إني اريد أن احدث بك عهدا ، وأخشى أن تبتلي بي وابتلى بك ، فكاتب صاحب الديلم فاني قد كاتبته لك لتدخل إلى بلاده فتمتنع به. ففعل ذلك يحيى ، وكان صحبه جماعة من أهل الكوفة ، وفيهم الحسن بن صالح بن حي ، كان يذهب مذهب الزيدية البترية في تفضيل أبي بكر ، وعمر وعثمان في ست سنين من إمارته ، وتكفيره في باقي عمره ، ويشرب النبيذ ، ويمسح على الخفين ، فكان يخالف يحيى في أمره ، ويفسد أصحابه ، فحصل بينهما بذلك تنافر ، وولى الرشيد الفضل جميع كور المشرق وخراسان ، وأمره بقصد يحيى والجد به ، وبذل الامان والصلة له إن قبل ذلك. فمضى الفضل فيمن ندب معه ، وراسل يحيى فأجابه إلى قبوله ، لما رأى من تفرق أصحابه وسوء رأيهم فيه ، وكثرة خلافهم عليه إلا أنه لم يرض الشرائط التي شرطت له ، ولا الشهود الذين شهدوا له ، وبعث الكتاب إلى الفضل فبعث به إلى الرشيد ، فكتب له على ما أراد وشهد له من التمس. [١]مقتضب الاثر ص ٥٥ طبع المطبعة العلوية في النجف الاشرف سنة ١٣٤٦ هـ فلما ورد كتاب الرشيد على الفضل وقد كتب الامان على مارسم يحيى ، و أشهد الشهود الذين التمسهم ، وجعل الامان على نسختين إحداهما مع يحيى والاخرى معه ، شخص يحيى مع الفضل حتى وافى بغداد ، ودخلها معاد له في عمارية على بغل ، فلما قدم يحيى أجازه الرشيد بجوائز سنية ، يقال إن مبلغها مائتا ألف دينار ، وغير ذلك من الخلع والحملان ، فأقام على ذلك مدة وفي نفسه الحيلة على يحيى ، والتتبع له ، وطلب العلل عليه وعلى أصحابه. ثم إن نفرا من أهل الحجاز تحالفوا على السعاية بيحيى ، وهم : عبدالله بن مصعب الزبيري ، وأبوالبختري وهب بن وهب ، ورجل من بني زهرة ، ورجل من بني مخزوم ، فوافوا الرشيد لذلك ، واحتالوا إلى ان أمكنهم ذكره له ، وأشخصه الرشيد إليه وحبسه عند مسرور الكبير في سرداب ، فكان في أكثر الايام يدعوه ويناظره إلى أن مات في حبسه ، واختلف كيف كانت وفاته؟ فقيل؟ إنه دعاه يوما وجمع بينه وبين ابن مصعب ليناظره فيما رفع إليه فجبهه ابن مصعب بحضرة الرشيد وقال : إن هذا دعاني إلى بيعته. فقال يحيى : يا أمير المؤمنين أتصدق هذا علي وتستنصحه؟ وهو ابن عبدالله ابن الزبير الذي أدخل أباك وولده الشعب ، وأضرم عليهم النار حتى تخلصهم أبو عبدالله الجدلي صاحب علي 7 ، وهو الذي بقي أربعين يوما لا يصلي على النبي 9 في خطبته حتى التاث عليه الناس فقال : إن له أهل بيت سوء إذا ذكرته اشرأبت نفوسهم إليه ، وفرحوا بذلك ، فلا احب أن اقر أعينهم بذلك وهو الذي فعل بعبد الله بن العباس مالاخفاء به عليك ، وطال الكلام بينهما حتى قال يحيى : ومع ذلك هو الخارج مع أخي على أبيك وقال في ذلك أبياتا منها : قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا إن الخلافة فيكم يابني حسن [١] [١]والابيات المشار اليها هى : ان الحمامة يوم الشعب من دثن هاجت فؤاد محب دائم الحزن انا لنأمل أن ترتد الفتنا بعد التدابر والبغضاء والاحن قال : فتغير وجه الرشيد عند سماع الابيات ، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ، وبأيمان البيعة أن هذا الشعر ليس له. فقال يحيى : والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره ، وما حلفت بالله كاذبا ولا صادقا قبل هذا وإن الله إذا مجده العبد في يمينه استحيا أن يعاقبه ، فدعني احلفه بيمين ماحلف بها أحد قط كاذبا إلا عوجل قال : حلفه قال : قل : برئت من حول الله وقوته ، واعتصمت بحولي وقوتي ، وتقلدت الحول والقوة من دون الله استكبارا على الله واستغناءا عنه ، واستعلاءا عليه إن كنت قلت هذا الشعر. فامتنع عبدالله منه فغضب الرشيد وقال للفضل بن الربيع : هنا شئ ماله لايحلف إن كان صادقا؟ فرفس الفضل عبدالله برجله وصاح به احلف ويحك ، وكان له فيه هوى فحلف باليمين ووجهه متغير وهو يرعد ، فضرب يحيى بين كتفيه ثم قال : يا ابن مصعب قطعت والله عمرك ، والله لاتفلح بعدها ، فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع ومات في اليوم الثالث ، فحضر الفضل جنازته ومشى معها ومشى الناس معه ، فلما وضعوه في لحده ، وجعلوا اللبن فوقه ، انخسف القبر به و خرجت منه غبرة عظيمة. حتى يثاب على الاحسان محسننا ويأمن الخائف المأخوذ بالدمن وتنقضى دولة أحكام قادتها فينا كأحكام قوم عابدى الوثن فطالما قد بروا بالجور أعظمنا برى الصناع قداح النبع بالسفن قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ان الخلافة فيكم يابنى الحسن لا عز ركنا نزار عند سطوتها ان أسلمتك ولا ركنا ذوى يمن ألست أكرمهم عودا اذا انتسبوا يوما وأطهرهم ثوبا من الدرن وأعظم الناس عند الناس منزلة وأبعد الناس من عيب ومن وهن وقد أخرج الابيات ابن عبد ربه في العقد الفريد ج ٥ ص ٨٧ طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر ونسبها إلى سديف مولى بنى هاشم ، وذكرها ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ٤ ص ٣٥٢ طبع مصر سنة ١٣٢٩ نقلا عن الاصبهاني. فصاح الفضل : التراب التراب ، فجعل يطرح وهو يهوي ، فدعا بأحمال شوك وطرحها فهوت ، فأمر حينئذ بالقبر ، فسقف بخشب وأصلحه ، وانصرف منكسرا. فكان الرشيد بعد ذلك يقول للفضل : رأيت ياعباسي ما أسرع ما اديل يحيى من ابن مصعب. ثم جمع له الرشيد الفقهاء وفيهم محمد بن الحسن [١] صاحب أبي يوسف ، و الحسن بن زياد اللؤلؤي وأبوالبختري فجمعوا في مجلس فخرج إليهم مسرور الكبير بالامان فبدأ بمحمد بن الحسن فنظر فيه فقال : هذا أمان مؤكد لا حيلة فيه ، فصاح عليه مسرور : هاته ، فدفعه إلى الحسن بن زياد فقال بصوت ضعيف : هو أمان ، فاستلبه أبوالبختري وقال : هذا باطل منتقض ، قد شق العصا ، و سفك الدم ، فاقتله ودمه في عنقي. فدخل مسرور إلى الرشيد وأخبره فقال : اذهب وقل له : خرفه إن كان باطلا بيدك ، فجاء مسرور فقال له ذلك فقال : شقه أبا هاشم ، قال له مسرور : بل شقه أنت إن كان منتقضا فأخذ سكينا وجعل يشقه ويده ترتعد حتى صيره سيورا فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح ، ووهب لابي البختري ألف ألف وستمائة ألف ، وولاه قضاء القضاة ، وصرف الآخرين ، ومنع محمد بن الحسن [١]محمد بن الحسن كان الرشيد ولاه القضاء ، وخرج معه في سفره إلى خراسان فمات بالرى سنة ١٨٩ هـ لاحظ ترجمته في تاريخ بغداد ج ٢ ص ١٧٢ ١٨٢ ووفيات الاعيان ج ١ ص ٤٥٣ ٤٥٤. من الفتيا مدة طويلة ، وأجمع على إنفاذ ما أراد في يحيى. فروي عن رجل كان مع يحيى في المطبق قال : كنت منه قريبا فكان في أضيق البيوت وأظلمها ، فبينا نحن ذات ليلة كذلك إذ سمعنا صوت الاقفال ، وقد مضى من الليل هجعة ، فاذا هارون قد أقبل على برذون له فوقف ثم قال : أين هذا؟ يعني يحيى قالوا : في هذا البيت قال : علي به فادني إليه فجعل هارون يكلمه بشئ لم أفهمه فقال : خذوه ، فاخذ فضربه مائة عصا ، ويحيى يناشده الله والرحم والقرابة من رسول الله 9 ويقول : بقرابتي منك فيقول : مابيني وبينك قرابة. ثم حمل فرد إلى موضعه فقال : كم أجريتم عليه؟ قالوا : أربعة أرغفة وثمانية أرطال ماء قال : اجعلوه على النصف ، ثم خرج ومكث ليالي ثم سمعنا وقعا فاذا نحن به حتى دخل ، فوقف موقفه فقال : علي به فاخرج ففعل به مثل فعله ذلك ، وضربه مائة عصا اخرى ، ويحيى يناشده فقال : كم أجريتم عليه؟ قالوا : رغيفين وأربعة أرطال ماء قال : اجعلوه على النصف ، ثم خرج وعاود الثالثة ، وقد مرض يحيى وثقل. فلما دخل قال : علي به قالوا : هو عليل مدنف لمابه ، قال : كم أجريتم عليه؟ قالوا : رغيفا ورطلين ماء قال : اجعلوه على النصف ثم خرج ، فلم يلبث يحيى أن مات فاخرج إلى الناس فدفن. وعن إبراهيم بن رياح أنه بنى عليه اسطوانة بالرافقة [١] وهو حي. وعن علي بن محمد بن سليمان أنه دس إليه في الليل من خنقه حتى تلف قال : وبلغني أنه سقاه سما. [١]الرافقة : بلد متصل البناء بالرقة وهما على ضفة الفراب وبينهما مقدار ثلاثمائة ذراع .. قال ياقوت هكذا كانت أولا ، فأما الان فان الرقة خربت وغلب اسمها على الرافقة وصار اسم المدينة الرقة وهي من اعمال الجزيرة .. قال أحمد بن يحيى : لم يكن للرافقة أثر قديم انما بناها المنصور في سنة ١٥٥ على بناء مدينة بغداد ، ورتب بها حندأ من أهل خراسان الخ. وعن محمد بن أبي الحسناء أنه أجاع السباع ثم ألقاه إليها فأكلته. وعن عبدالله بن عمر العمري قال : دعينا لمناظرة يحيى بن عبدالله بحضرة الرشيد فجعل يقول له : يايحيى اتق الله وعرفني أصحابك السبعين لئلا ينتقض أمانك؟ ، وأقبل علينا فقال : إن هذا لم يسم أصحابه ، فكلما أردت أخذ إنسان يبلغني عنه شئ أكرهه ، ذكر أنه ممن أمنت. فقال يحيى : يا أمير المؤمنين أنا رجل من السبعين فما الذي نفعني من الامان أفتريد أن أدفع إليك قوما تقتلهم معي لا لا يحل في هذا قال : ثم خرجنا ذلك اليوم ودعانا له يوما آخر فرأيته أصفر اللوم متغيرا فجعل الرشيد يكلمه فلا يجيبه فقال : ألا ترون إليه لايجيبني!؟ فأخرج إلينا لسانه قد صار أسود مثل الحممة [١] يرينا أنه لايقدر على الكلام فاستشاط الرشيد وقال : إنه يريكم أني سقيته السم ووالله لو رأيت عليه القتل لضربت عنقه صبرا ، ثم خرجنا من عنده ، فما صرنا في وسط الدار حتى سقط على وجهه لآخر ما به. وعن إدريس بن محمد بن يحيى كان يقول : قتل جدي بالجوع والعطش في الحبس. وعن الزبير بن بكار عن عمه أن يحيى لما أخذ من الرشيد المأتي الالف الدينار قضى بها دين الحسين صاحب فخ ، وكان الحسين خلف مأتي ألف دينار دينا وقال : خرج مع يحيى عامر بن كثير السراج وسهل بن عامر البجلي ، و [١]الحممة : الفحم والرماد وكل ما احترق بالنار جمع حمم. يحيى ( بن عبدالله بن يحيى ) [١] بن مساور ، وكان من أصحابه علي بن هاشم بن البريد ، وعبدالله بن علقمة ، ومخول بن إبراهيم النهدي ، فحبسهم جميعا هارون في المطبق فمكثوا فيه اثنتي عشرة سنة. اقول : أوردت أحوال كثير من عشائره وأصحابه في باب معجزاته ، وباب مكارم أخلاقه ، وباب مناظراته ، وماجرى بينه وبين خلفاء زمانه ، وباب شهادته 7 وباب إبطال مذهب الواقفة. [١]مابين القوسين زيادة من المصدر. ٨ * ( باب ) * * « ( احتجاجات هشام بن الحكم في الامامة ) » * * ( وبدو أمره وما آل عاليه امره إلى وفاته ) * * ( صلوات الله عليه ) *
[٢]مقاتل الطالبيين ، والحديث منثور في عدة صفحات يتخلله أحاديث متفرقة لاحظ ص ٤٦٥ إلى ص ٤٨٥.ص 182
[٢]ولى القضاء في سنة ١٩٤ بعد وفاة القاضى حفص بن غياث ، وتوفى سنة ٢٠٤ ترجمه الخطيب البغدادى في تاريخه ج ٧ ص ٣١٤ ٣١٧.ص 185
[٣]هو وهب بن وهب القرشى المدنى روى عن الصادق 7 وكان كذابا وله أحاديث مع الرشيد في الكذب قال سعد : تزوج أبوعبدالله 7 بأمه ، وكان قاضيا عاميا الا أن له أحاديث عن جعفر بن محمد «ع» كلها لايوثق بها. وعن الفضل بن شاذان : كان أبوالبخترى من أكذب البرية ، ترجمه النجاشى والشيخ والعلامة من أصحابنا في كتبهم فلاحظ ، ولاه الرشيد القضاء بعسكر المهدى ثم عزله فولاه مدينة الرسول 9 بعد بكار بن عبدالله مات سنة ٢٠٠ ببغداد ترجمه الخطيب في تاريخه ج ١٣ ص ٤٨١ ٤٨٧.ص 185
[٢]عامر بن كثير السراج ذكره البرقى في رجاله ص ٨ من أصحاب الحسين السبط 7 وكان من دعاته وقد تبعه غيره في ذلك وذكره النجاشى والعلامة وانه زيدى كوفى وتوقف العلامة في روايته ، أقول لقدوهم البرقى في عده من أصحاب الحسين السبط «ع» والصواب انه من أصحاب الحسين صاحب فخ وربما يؤيد ذلك قوله : وكان من دعاته ، وقد صرح بصحابته للحسين صاحب فخ أبوالفرج في مقاتله ص ٤٨٤ فلاحظ.ص 187