بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 48, Page 202
Same indexed hadith bihar-20912; it began on pages 197-203.
ك : الهمداني وابن ناتانة معا ، عن علي عن أبيه ، عن ابن أبي عمير عن علي الاسواري قال :
كان ليحيى بن خالد مجلس في دار يحضره المتكلمون من كل فرقة وملة ، يوم الاحد ، فيتناظرون في أديانهم ، ويحتج بعضهم على بعض فبلغ ذلك الرشيد فقال ليحيى بن خالد : يا عباسي ماهذا المجلس الذي بلغني في منزلك يحضره المتكلمون؟ فقال : يا أمير المؤمنين ماشئ مما رفعني به أمير المؤمنين وبلغ من الكرامة والرفعة أحسن موقعا عندي من هذا المجلس ، فانه يحضره كل قوم مع اختلاف مذاهبهم ، فيحتج بعضهم على بعض ، ويعرف المحق منهم ، ويتبين لنا فساد كل مذهب من مذاهبهم. [١]قرب الاسناد ص ٢٢٥. قال له الرشيد : فأنا احب أن أحضر هذا المجلس ، وأسمع كلامهم من غير أن يعلموا بحضوري ، فيحتشمون ولايظهرون مذاهبهم قال : ذلك إلى أمير المؤمنين متى شآء قال : فضع يدك على رأسي ولا تعلمهم بحضوري ، ففعل ، وبلغ الخبر المعتزلة فتشاوروا فيما بينهم ، وعزموا أن لايكلموا هشاما إلا في الامامة ، لعلمهم بمذهب الرشيد وإنكاره على من قال بالامامة. قال : فحضروا وحضر هشام ، وحضر عبدالله بن يزيد الاباضي وكان من أصدق الناس لهشام بن الحكم ، وكان يشاركه في التجارة فلما دخل هشام سلم على عبدالله ابن يزيد من بينهم ، فقال يحيى بن خالد لعبد الله بن يزيد : ياعبدالله كلم هشاما فيما اختلفتم فيه من الامامة فقال هشام : أيها الوزير ليس لهم علينا جواب ولا مسألة هؤلاء قوم كانوا مجتمعين معنا على إمامة رجل ثم فارقونا بلا علم ولا معرفة ، فلا حين كانوا معنا عرفوا الحق ، ولا حين فارقونا علموا على ما فارقونا؟ فليس لهم علينا مسألة ولا جواب. فقال بيان وكان من الحرورية : أنا أسألك ياهشام ، أخبرني عن أصحاب علي يوم حكموا الحكمين أكانوا مؤمنين؟ أم كافرين؟ قال هشام : كانوا ثلاثة أصناف ، صنف مؤمنون ، وصنف مشركون ، وصنف ضلال. فأما المؤمنون : فمن قال مثل قولي ، الذين قالوا : إن عليا إمام من عند الله ومعاوية لايصلح لها فآمنوا بما قال الله عزوجل في علي وأقروا به. وأما المشركون : فقوم قالوا : علي إمام ، ومعاوية يصلح لها ، فأشركوا إذ أدخلوا معاوية مع علي. وأما الضلال : فقوم خرجوا على الحمية والعصبية للقبائل والعشائر ، لم يعرفوا شيئا من هذا ، وهم جهال. قال : وأصحاب معاوية ماكانوا؟ قال : كانوا ثلاثة أصناف : صنف كافرون وصنف مشركون ، وصنف ضلال. فأما الكافرون : فالذين قالوا : إن معاوية إمام ، وعلي لا يصلح لها ، فكفروا من جهتين أن جحدوا إماما من الله ، ونصبوا إماما ليس من الله. وأما المشركون فقوم قالوا : معاوية إمام ، وعلي يصلح لها ، فأشركوا معاوية مع علي 7. وأما الضلال فعلى سبيل اولئك خرجوا للحمية والعصبية للقبائل والعشائر. فانقطع بيان عند ذلك. فقال ضرار : فأنا أسألك ياهشام في هذا؟ فقال هشام : أخطأت قال : ولم؟ قال : لانكم مجتمعون على دفع إمامة صاحبي ، وقد سألني هذا عن مسألد وليس لكم أن تثنوا بالمسألة علي حتى أسألك ياضرار عن مذهب في هذا الباب قال ضرار : فسل قال : أتقول إن الله عدل لايجور؟ قال : نعم ، هو عدل لايجور ، تبارك وتعالى قال : فلو كلف الله المقعد المشي إلى المساجد ، والجهاد في سبيل الله ، وكلف الاعمى قراءة المصاحف والكتب ، أتراه كان عادلا أم جائرا؟ قال ضرار : ماكان الله ليفعل ذلك قال هشام : قد علمنا أن الله لايفعل ذلك ، ولكن على سبيل الجدل والخصومة ، أن لو فعل ذلك أليس كان في فعله جائرا؟ وكلفه تكليفا لا يكون له السبيل إلى إقامته وأدائه. قال : لو فعل ذلك لكان جائرا قال : فأخبرني عن الله عزوجل كلف العباد دينا واحدا لا اختلاف فيه لايقبل منهم إلا أن يأتوا به كما كلفهم؟ قال : بلى قال : فجعل لهم دليلا على وجود ذلك الدين؟ أو كلفهم مالا دليل على وجوده؟ فيكون بمنزلة من كلف الاعمى قراءة الكتب ، والمقعد المشي إلى المساجد والجهاد؟ قال : فسكت ضرار ساعة ثم قال : لابد من دليل ، وليس بصاحبك ، قال : فضحك هشام وقال : تشيع شطرك وصرت إلى الحق ضرورة ، ولا خلاف بيني وبينك إلافي التسمية قال : ضرار : فإني أرجع إليك في هذا القول قال : هات ، قال ضرار : كيف تعقد الامامة؟ قال هشام : كما عقد الله النبوة؟ قال : فاذا هو نبي؟ قال هشام : لا لان النبوة يعقدها أهل السماء ، والامامة يعقدها أهل الارض ، فعقد النبوة بالملائكة ، وعقد الامامة بالنبي ، والعقدان جميعا بإذن الله عزوجل. قال : فما الدليل على ذلك؟ قال هشام : الاضطرار في هذا قال ضرار : وكيف ذلك؟ قال هشام : لايخلو الكلام في هذا من أحد ثلاثة وجوه : إما أن يكون الله عزوجل رفع التكليف عن الخلق بعد الرسول 9 فلم يكلفهم ولم يأمرهم ولم ينههم ، وصاروا بمنزلة السباع والبهائم التي لاتكليف عليها ، أفتقول هذا ياضرار أن التكليف عن الناس مرفوع بعد رسول الله 9؟ قال : لا أقول هذا. قال هشام : فالوجه الثاني ينبغي أن يكون الناس المكلفون قد استحالوا بعد الرسول علماء ، في مثل حد الرسول في العلم ، حتى لايحتاج أحد إلى أحد فيكونوا كلهم قد استغنوا بأنفسهم ، وأصابوا الحق الذي لا اختلاف فيه أفتقول هذا أن الناس قد استحالوا علماء حتى صاروا في مثل حد الرسول في العلم حتى لايحتاج أحد إلى أحد ، مستغنين بأنفسهم عن غيرهم في إصابة الحق؟ قال : لا أقول هذا ، ولكنهم يحتاجون إلى غيرهم. قال : فبقي الوجه الثالث لانه لابد لهم من علم يقيمه الرسول لهم لايسهو ولا يغلط ، ولا يحيف ، معصوم من الذنوب ، مبرأ من الخطايا ، يحتاج إليه ولا يحتاج إلى أجد. قال : فما الدليل عليه؟ قال هشام : ثمان دلالات أربع في نعت نسبه ، وأربع في نعت نفسه. فأما الاربع التي في نعت نسبه : بأن يكون معروف الجنس ، معروف القبيلة معروف البيت ، وأن يكون من صاحب الملة والدعوة إليه إشارة ، فلم ير جنس من هذا الخلق أشهر من جنس العرب ، الذين منهم صاحب الملة والدعوة ، الذي ينادى باسمه في كل يوم خمس مرات على الصوامع ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فتصل دعوته إلى كل بر وفاجر ، وعالم وجاهل ، ومقر ومنكر ، في شرق الارض وغربها ، ولو جاز أن يكون الحجة من الله على هذا الخلق في غير هذا الجنس لاتى على الطالب المرتاد دهر من عصره لايجده ، ولو جاز أن يطلبه في أجناس هذا الخلق من العجم وغيرهم لكان من حيث أراد الله أن يكون صلاحا يكون فسادا ، ولا يجوز هذا في حكم الله تبارك وتعالى وعدله ، أن يفرض على الناس فريضة لا توجد. فلما لم يجز ذلك لم يجز إلا أن يكون إلا في هذا الجنس لاتصاله بصاحب الملة والدعوة ، ولم يجز أن يكون من هذا الجنس إلا في هذه القبيلة لقرب نسبها من صاحب الملة وهي قريش ، ولما لم يجز أن يكون من هذا الجنس إلا في هذه القبيلة لم يجز أن يكون من هذه القبيلة إلا في هذا البيت لقرب نسبه من صاحب الملة والدعوة ، ولما كثر أهل هذا البيت ، وتشاجروا في الامامة لعلوها وشرفها ادعاها كل واحد منهم ، فلم يجز إلا أن يكون من صاحب الملة والدعوة إليه إشارة بعينه واسمه ونسبه لئلا يطمع فيها غيره. وأما الاربع التي في نعت نفسه : أن يكون أعلم الناس كلهم بفرائض الله وسننه ، وأحكامه ، حتى لايخفى عليه منها دقيق ولا جليل ، وأن يكون معصوما من الذنوب كلها ، وأن يكون أشجع الناس ، وأن يكون أسخى الناس ، قال : من أين قلت : إنه أعلم الناس؟ قال : لانه إن لم يكن عالما بجميع حدود الله وأحكامه وشرائعه وسننه ، لم يؤمن عليه أن يقلب الحدود ، فمن وجب عليه القطع حده ، و من وجب عليه الحد قطعه ، فلا يقيم لله حدا على ما أمر به ، فيكون من حيث أراد الله صلاحا يقع فسادا. قال : فمن أين قلت : إنه معصوم من الذنوب؟ قال : لانه إن لم يكن معصوما من الذنوب ، دخل في الخطاء فلا يؤمن أن يكتم على نفسه ، ويكتم على حميمه وقريبه ، ولا يحتج الله عزوجل بمثل هذا على خلقه. قال : فمن أين قلت : إنه أشجع الناس؟ قال : لانه فئة للمسلمين الذين يرجعون إليه في الحروب وقال الله عزوجل « ومن لولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله » [١] فان لم يكن شجاعا فر فيبوء بغضب من الله ، فلا يجوز أن يكون من يبوء بغضب من الله حجة لله على خلقه. قال : فمن أين قلت : إنه أسخى الناس؟ قال : لانه خازن المسلمين ، فان لم يكن سخيا تاقت نفسه إلى أموالهم فأخذها ، فكان خائنا ، ولا يجوز أن يحتج الله على خلقه بخائن ، فقال عند ذلك ضرار : فمن هذا بهذه الصفة في هذا الوقت؟ فقال : صاحب العصر أمير المؤمنين وكان هارون الرشيد : قد سمع الكلام كله فقال عند ذلك : أعطانا والله من جراب النورة ، ويحك ياجعفر وكان جعفر بن يحيى جالسا معه في الستر من يعني بهذا؟ قال : يا أمير المؤمنين يعني موسى بن جعفر قال : ماعنى بها غير أهلها ، ثم عض على شفته ، وقال : مثل هذا حي ويبقى لي ملكي ساعة واحدة؟! فوالله للسان هذا أبلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف. وعلم يحيى أن هشاما قد اتي فدخل الستر فقال : ويحك ياعباسي من هذا الرجل؟ فقال : يا أمير المؤمنين تكفى تكفى ، ثم خرج إلى هشام فغمزه ، فعلم هشام أنه قد اتى فقام يريهم أنه يبول أو يقضي حاجة ، فلبس نعليه وانسل ، ومر ببنيه وأمرهم بالتواري ، وهرب ، ومر من فوره نحو الكوفة ، ونزل على بشير النبال وكان من حملة الحديث من أصحاب أبي عبدالله 7 فأخبره الخبر ، ثم اعتل علة شديدة فقال له بشير : آتيك بطبيب؟ قال لا : أنا ميت. فلما حضره الموت قال لبشير : إذا فرغت من جهازي فاحملني في جوف الليل وضعني بالكناسة ، واكتب رقعة وقل هذا هشام بن الحكم الذي طلبه أمير المؤمنين مات حتف أنفه ، وكان هارون قد بعث إلى إخوانه وأصحابه ، فأخذ الخلق به فلما أصبح أهل الكوفة رأوه ، وحضر القاضي ، وصاحب المعونة ، والعامل والمعدلون بالكوفة ، وكتب إلى الرشيد بذلك فقال : الحمد لله الذي كفانا أمره [١]سورة الانفال الاية : ١٦. فخلى عمن كان اخذ به [١].