Same indexed hadith bihar-23522; it began on pages 98-102.
Show complete hadith text
توحيد المفضل: قال: قال الصادق عليه السلام: فكر يا مفضل في النجوم واختلاف مسيرها، فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك ولا تسير إلا مجتمعة، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج وتفترق في مسيرها، فكل واحد منها يسير سيرين مختلفين: أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق، كالنملة التي تدور على الرحى، فالرحى تدور ذات اليمين، والنملة تدور ذات الشمال، و النملة في تلك تتحرك حركتين مختلفين: إحديهما بنفسها فتتوجه أمامها والأخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها، فاسأل الزاعمين أن النجوم صارت على ما هي عليه بالاهمال من غير عمد ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلها راتبة أو تكون كلها متنقلة؟ فإن الاهمال معنى واحد فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير؟ ففي هذا بيان أن مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعهد وتدبير وحكمة وتقدير وليس بإهمال كما تزعمه المعطلة. فان قال قائل: ولم صار بعض النجوم راتبا وبعضها متنقلا؟ قلنا: إنها لو كانت كلها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدل بها من تنقل المتنقلة ومسيرها في كل برج من البروج، كما قد يستدل على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس والنجوم في منازلها، ولو كانت كلها متنقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يوقف عليه، لأنه إنما يوقف بمسير المتنقلة منها لتنقلها في البروج الراتبة، كما يستدل على سير السائر على الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها، ولو كان تنقلها بحال واحدة لاختلط نظامها وبطلت المآرب فيها، ولساغ لقائل أن يقول: إن كينونيتها على حال واحدة توجب عليها الاهمال من الجهة التي وصفنا، ففي اختلاف سيرها وتصرفها وما في ذلك من المآرب والمصلحة أبين دليل على العمد والتدبير فيها. فكر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السنة وتحتجب في بعضها كمثل ثريا والجوزاء، والشعريين، وسهيل، فإنها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم تكن لواحد فيها على حياله دلالات يعرفها الناس، ويهتدون بها لبعض أمورهم كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثور والجوزاء إذا طلعت، واحتجابها إذا احتجبت فصار ظهور كل واحد واحتجابه في وقت غير الوقت الآخر لينتفع الناس بما يدل عليه كل واحد منها على حدته، وكما جعلت الثريا وأشباهها تظهر حينا وتحجب حينا لضرب من المصلحة كذلك جعلت بنات النعش ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة، فإنها بمنزلة الاعلام التي يهتدي بها الناس في البر والبحر للطرق المجهولة، وذلك أنها لا تغيب ولا تتوارى فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاؤوا، وصار الأمران جميعا على اختلافهما موجهين نحو الإرب والمصلحة، وفيها مآرب أخرى: علامات ودلالات على أوقات كثيرة من الاعمال كالزراعة والغراس والسفر في البر والبحر، وأشياء مما يحدث في الأزمنة من الأمطار والرياح والحر والبرد، وبها يهتدي السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار الموحشة واللجج الهائلة، مع ما في ترددها في كبد السماء مقبلة ومدبرة ومشرقة ومغربة من العبر، فإنها تسير أسرع السير وأحثه، أرأيت لو كانت الشمس والقمر والنجوم بالقرب منا حتى يتبين لنا سرعة سيرها بكنه ما هي عليه ألم تكن ستخطف الابصار بوهجها وشعاعها، كالذي يحدث أحيانا من البروق إذا توالت واضطربت في الجو، وكذلك أيضا لو أن أناسا كانوا في قبة مكللة بمصابيح تدور حولهم دورانا حثيثا لحارت أبصارهم حتى يخروا لوجوههم، فانظر كيف قدر أن يكون مسيرها في البعد البعيد لكيلا تضر في الابصار، وتنكأ فيها، وبأسرع السرعة لكيلا تتخلف عن مقدار الحاجة في مسيرها، وجعل فيها جزء يسير من الضوء ليسد مسد الأضواء إذا لم يكن قمر ويمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة، كما قد يحدث الحارث على المرء فيحتاج إلى التجافي في جوف الليل، وإن لم يكن شئ من الضوء يهتدى به لم يستطع أن يبرح مكانه، فتأمل اللطف والحكمة في هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة ومدة لحاجة إليها، وجعل خلالها شئ من الضوء للمأرب التي وصفنا. فكر في هذا الفلك بشمسه وقمره ونجومه وبروجه تدور على العالم [في] هذا الدوران الدائم بهذا التقدير والوزن لما في اختلاف الليل والنهار وهذه الأزمان الأربعة المتوالية على الأرض وما عليها من أصناف الحيوان والنبات من ضروب المصلحة كالذي بينت ولخصت لك آنفا، وهل يخفى على ذي لب أن هذا تقدير مقدر وصواب وحكمة من مقدر حكيم؟ فإن قال قائل: إن هذا شئ اتفق أن يكون هكذا فما منعه أن يقول مثل هذا في دولاب تراه يدور ويسقي حديقة فيها شجر ونبات، فترى كل شئ من آلته مقدرا بعضه يلقى بعضا على ما فيه صلاح تلك الحديقة وما فيها وبم كان يثبت هذا القول لو قاله؟ وما ترى الناس كانوا قائلين له لو سمعوه منه؟ فينكر أن يقول في دولاب خشب مصنوع بحيلة قصيرة لمصلحة قطعة من الأرض أنه كان بلا صانع ومقدر، ويقدر أن يقول في هذا الدولاب الأعظم المخلوق بحكمة يقصر عنها أذهان البشر لصلاح جميع الأرض وما عليها أنه شئ اتفق أن يكون بلا صنعة ولا تقدير لو اعتل هذا الفلك كما تعتل الآلات التي تتخذ للصناعات وغيرها أي شئ كان عند الناس من الحيلة في إصلاحه. قوله عليه السلام (فإن الاهمال معنى واحد) يحتمل أن يكون المراد أن الطبيعة أو الدهر اللذين يجعلونهما أصحاب الاهمال مؤثرين كل منهما أمر واحد غير ذي شعور وإرادة، ولا يمكن صدور الامرين المختلفين عن مثل ذلك كما مر، أو المراد أن العقل يحكم بأن مثل هذين الامرين المتسقين الجاريين على قانون الحكمة لا يكون إلا من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم، أو المراد أن الاهمال أي عدم الحاجة إلى العلة وترجح الامر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر واحد حاصل فيهما فلم صارت إحديهما راتبة والأخرى متنقلة ولم لم يعكس الامر؟ والأول أظهر كما لا يخفى. قوله عليه السلام (لبطلت الدلالات) ظاهره كون الأوضاع النجومية علامات الحوادث. قوله عليه السلام (في البروج الراتبة)) يدل ظاهرا على ما أشرنا إليه من أنه عليه السلام راعى في انتقال البروج محاذاة نفس الاشكال، وإن أمكن أن يكون المراد بيان حكمة بطء الحركة ليصلح كون تلك الاشكال علامات للبروج ولو بقربها منها لكنه بعيد. قوله عليه السلام (والشعريين) قال الجوهري: الشعرى الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء وطلوعه في شدة الحر، وهما الشعريان: الشعرى العبور التي في الجوزاء، والشعرى القميصاء التي في الذراع، تزعم العرب أنهما أختا سهيل (انتهى) والقفار جمع قفر وهو الخلا من الأرض، وخطف البرق البصر: ذهب به. ووهج النار - بالتسكين -: توقدها، وقوله (حثيثا) أي مسرعا، وتجافى: أي لم يلزم مكانه، وبرح مكانه: زال عنه.
الهوامش2
[1]منها (خ).ص 99
[1]خسيس (خ).ص 101