Same indexed hadith bihar-24896; it began on pages 320-330.
Show complete hadith text
توحيد المفضل: فكر يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر و الأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك، فجعل للذكر آلة ناشرة تمتد حتى تصل النطفة إلى الرحم، إذا كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في غيره. وخلق للأنثى وعاء قعر ليشتمل على المائين جميعا، ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم. أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف؟! سبحانه وتعالى عما يشركون. فكر يا مفضل في أعضاء البدن أجمع، وتدبير كل منها للإرب: فاليدان للعلاج والرجلان للسعي، والعينان للاهتداء، والفم للاغتذاء، والمعدة للهضم، والكبد للتخليص والمنافذ لتنفيذ الفضول، والأوعية لحملها، والفرج لإقامة النسل، وكذلك جميع الأعضاء إذا تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شئ منها قد قدر لشئ على صواب وحكمة. قال المفضل: فقلت: يا مولاي! إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة. فقال: سلهم عن هذه الطبيعة: أهي شئ له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق. فإن هذه صفته وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم، وأن الذي سموه طبيعة هو سنة في خلقه، الجارية على ما أجراها عليه. فكر يا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير، فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق واشجة بينهما قد جعلت كالمصفي للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شئ فينكأها، وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف، ثم إن الكبد ثقيلة، فيستحيل بلطف التدبير دما وينفذ إلى البدن كله في مجاري مهيأة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء حتى يطرد إلى الأرض كلها، وينفذ ما يخرج منه [من] الخبث والفضول إلى مغائض قد أعدت لذلك: فما كان منه من جنس المرة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة. فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها، وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا تنتشر في البدن فتقسمه وتنهكه. فتبارك من أحسن التقدير، وأحكم التدبير وله الحمد كما هو أهله ومستحقه. قال المفضل: [فقلت:] صف نشوء الأبدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال. فقال عليه السلام: أول ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشحم والمخ والعصب والعروق والغضاريف. فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمى بجميع أعضائه وهو ثابت على شكله وهيئته لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشده إن مد في عمره، أو يستوفي مدته قبل ذلك. هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة؟! يا مفضل انظر إلى ما خص به الانسان في خلقه تشريفا وتفضيلا على البهائم فإنه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الاعمال. انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خص بها الانسان في خلقه وشرف بها على غيره كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء، ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعرضها الآفات و تصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها. ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الأشياء. فلما لم يكن لها في شئ من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس، وهو بمنزلة الصومعة لها. فجعل الحواس خمسا تلقى خمسا لكيلا يفوتها شئ من المحسوسات: فخلق البصر ليدرك الألوان، فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن فيها منفعة، وخلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب، وكذلك سائر الحواس ثم هذا يرجع متكافئا: فلو كان بصرا ولم يكن ألوانا لما كان للبصر معنى، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع. فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا فجعل لكل حاسة محسوسا يعمل فيه، ولكل محسوس حاسة تدركه، ومع هذا فقد جعلت أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات لا يتم الحواس إلا بها كمثل الضياء والهواء، فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون. ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت. فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره أن مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضا وتهيئة أشياء أخربها تتم الحواس لا يكون إلا بعمد وتقدير من لطيف خبير؟ فكر يا مفضل في من عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في أموره، فإنه لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه، فلا يفرق بين الألوان وبين المنظر الحسن و القبيح، ولا يرى حفرة إن هجم عليها، ولا عدوا إن أهوى إليه بسيف، ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة، حتى أنه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى. وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة، فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة، ويعدم لذة الأصوات واللحون الشجية المطربة، ويعظم المؤنة على الناس في محاورته حتى يتبرموا به، ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم، حتى يكون كالغائب وهو شاهد، أو كالميت وهو حي. فأما من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم، بل يجهل كثيرا مما يهتدي إليه البهائم! أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال التي بها صلاح الانسان، والتي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل، يوافي خلقه على التمام حتى لا يفقد شيئا منها. فلم كان كذلك إلا لأنه خلق بعلم وتقدير. قال المفضل: فقلت: فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله في ذلك مثل ما وصفته يا مولاي؟ قال عليه السلام: ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ذلك به ولغيره بسببه، كما قد يؤدب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم. ثم إن للذين تنزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن شكروا و أنابوا لما يستصغرون معه ما ينالهم منها، حتى أنهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب. فكر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا وما في ذلك من الحكمة و التقدير والصواب في التدبير. فالرأس مما خلق فردا، ولم يكن للانسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد. ألا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الانسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه، لان الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد. ثم كان الانسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان، فإن تكلم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه ولا حاجة إليه، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر السامع بأي ذلك يأخذ، و [كان] أشباه هذا من الاختلاط. واليدان مما خلق أزواجا، ولم يكن للانسان خير في أن يكون له يد واحدة، لان ذلك كان يخل به في ما يحتاج إلى معالجته من الأشياء. ألا ترى أن النجار والبناء لو شلت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته، وإن تكلف ذلك لم يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل أطل الفكر يا مفضل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الأسنان. فالحنجرة كالأنبوبة لخروج الصوت، واللسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف والنغم. ألا ترى أن من سقطت أسنانه لم يقم السين، ومن سقطت شفته لم يصحح الفاء، ومن ثقل لسانه لم يفصح الراء. وأشبه شئ بذلك المزمار الأعظم، فالحنجرة يشبه قصبة المزمار، والرئة يشبه الزق الذي ينفخ فيه لتدخل الريح، والعضلات التي تقبض [على] الرئة ليخرج الصوت كالأصابع التي تقبض على الزق حتى تجري [4] الريح في المزمار، والشفتان والأسنان التي تصوغ الصوت حروفا ونغما كالأصابع التي تختلف في [فم] المزمار، فتصوغ صفيره ألحانا، غير أنه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف، فإن المزمار بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت. قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام وإقامة الحروف. وفيها مع الذي ذكرت لك مآرب أخرى. فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرئة فتروح عن الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الذي لو حبس شيئا يسيرا لهلك الانسان وباللسان تذاق الطعوم، فيميز بينها، ويعرف كل واحد منها: حلوها من مرها، وحامضها من مزها، ومالحها من عذبها، وطيبها من خبيثها. وفيه مع ذلك معونة على إساغة الطعام والشراب. والأسنان تمضغ الطعام حتى يلين ويسهل إساغته، وهي مع ذلك كالسند للشفتين تسمكهما وتدعمهما من داخل الفم. واعتبر ذلك بأنك ترى من سقطت أسنانه مسترخى الشفة ومضطربها، وبالشفتين يترشف الشراب، حتى يكون الذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر، لا يثج ثجا فيغص به الشارب أو ينكأ في الجوف. ثم هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الانسان إذا شاء ويطبقهما إذا شاء. ففي ما وصفنا من هذا بيان أن كل واحد من هذه الأعضاء يتصرف وينقسم إلى وجوه من المنافع كما تتصرف الأداة الواحدة في أعمال شتى، وذلك كالفأس يستعمل في النجارة والحفر وغيرهما من الاعمال. لو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لف بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الاعراض وتمسكه فلا يضطرب، ولرأيت عليه الجمجمة بمنزلة البيضة كيما يفته هد الصدمة والصكة التي ربما وقعت في الرأس. ثم قد جللت الجمجمة بالشعر حتى صار بمنزلة الفرو للرأس تستر من شدة الحر والبرد فمن حصن الدماغ هذا التحصين إلا الذي خلقه وجعله ينبوع الحس والمستحق للحيطة والصيانة لعلو منزلته من البدن وارتفاع درجته وخطر مرتبته؟! [تأمل] يا مفضل الجفن على العين كيف جعل كالغشاء، والأشفار كالأشراج، وأولجها في هذا الغار، وأظلها بالحجاب وما عليه من الشعر! [فكر] يا مفضل من غيب الفؤاد في جوف الصدر وكساه المدرعة التي هي غشاؤه وحصنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب لئلا يصل إليه ما ينكأه؟ من جعل في الحلق منفذين: أحدهما لمخرج الصوت وهو الحلقوم المتصل بالرئة، والآخر منفذ للغذاء وهو المرئ المتصل بالمعدة، الموصل الغذاء إليها، وجعل على الحلقوم طبقا يمنع الطعام أن يصل إلى الرئة فيقتل؟ من جعل الرئة مروحة الفؤاد لا تفتر ولا تخل لكيلا تتحيز الحرارة في الفؤاد فتؤدي إلى التلف؟ من جعل لمنافذ البول والغائط أشراجا تضبطهما لئلا يجريا جريانا دائما فيفسد على الانسان عيشه؟ فكم عسى أن يحصي المحصي من هذا! بل الذي لا يحصى منه ولا يعلمه الناس أكثر. من جعل المعدة عصبانية شديدة وقدرها لهضم الطعام الغليظ؟ ومن جعل الكبد رقيقة ناعمة لقبول الصفو اللطيف من الغذاء، ولتهضم وتعمل ما هو ألطف من عمل المعدة إلا الله القادر؟ أترى [من] الاهمال يأتي بشئ من ذلك؟ كلا بل هو تدبير من مدبر حكيم قادر عليم بالأشياء قبل خلقه إياها لا يعجزه شئ وهو اللطيف الخبير. فكر يا مفضل لم صار المخ الرقيق محصنا في أنابيب العظام؟ هل ذلك إلا ليحفظه ويصونه؟ لم صار الدم السائل محصورا في العروق بمنزلة الماء في الظروف إلا لتضبطه فلا يفيض؟ لم صارت الأظفار على أطراف الأصابع إلا وقاية لها ومعونة على العمل؟ لم صار داخل الاذن ملتويا كهيئة اللولب [2] إلا ليطرد فيه الصوت حتى ينتهي إلى السمع وليكسر حمة الريح فلا ينكأ في السمع؟ لم حمل الانسان على فخذيه وأليتيه هذا اللحم إلا ليقيه من الأرض فلا يتألم من الجلوس عليها كما يألم من نحل جسمه وقل لحمه إذا لم يكن بينه وبين الأرض حائل يوقيه صلابتها؟ من جعل الانسان ذكرا وأنثى إلا من خلقه متناسلا؟ ومن خلقه متناسلا إلا من خلقه مؤملا؟ ومن أعطاه آلات العمل إلا من خلقه عاملا ومن خلقه عاملا إلا من جعله محتاجا؟ ومن جعله محتاجا إلا من ضربه بالحاجة؟ ومن ضربه بالحاجة إلا من توكل بتقويمه؟ من خصه بالفهم إلا من أوجب له الجزاء؟ من وهب له الحيلة إلا من ملكه الحول؟ ومن ملكه الحول إلا من ألزمه الحجة؟ من يكفيه مالا تبلغه حيلته إلا من لم يبلغ [3] مدى شكره؟ فكر وتدبر ما وصفته، هل تجد الاهمال على هذا النظام والترتيب؟! تبارك الله عما يصفون. أصف لك الآن يا مفضل الفؤاد. اعلم أن فيه ثقبا موجهة نحو الثقب التي في الرئة تروح عن الفؤاد، حتى لو اختلفت تلك الثقب فتزايل بعضها عن بعض لما وصل الروح إلى الفؤاد ولهلك الانسان، فيستجير ذو فكر وروية أن يزعم أن مثل هذا يكون بالاهمال، ولا يجد شاهدا من نفسه ينزعه عن هذا القول. لو رأيت فردا من مصراعين فيه كلوب [2] أكنت تتوهم أنه جعل كذلك بلا معنى؟ بل كنت تعلم ضرورة أنه مصنوع يلقى فردا آخر فتبرزه ليكون في اجتماعهما ضرب من المصلحة. وهكذا تجد الذكر من الحيوان كأنه فرد من زوج مهيأ [3] من فرد أنثى فيلتقيان لما فيه من دوام النسل وبقائه. فتبا وخيبة وتسعا لمنتحلي الفلسفة كيف عميت قلوبهم عن هذه الخلقة العجيبة حتى أنكروا التدبير والعمد فيها! لو كان فرج الرجل مسترخيا كيف [كان] يصل إلى قعر الرحم حتى يفرغ النطفة فيه، ولو كان منعظا أبدا كيف كان الرجل يتقلب في الفراش ويمشي بين الناس و شئ شاخص أمامه! ثم يكون في ذلك مع قبح المنظر تحريك الشهوة في كل وقت من الرجال والنساء جميعا. فقدر الله - جل اسمه - أن يكون أكثر ذلك لا يبدو للبصر في كل وقت، ولا يكون على الرجال منه مؤنة، بل جعل فيه القوة على الانتصاب وقت الحاجة إلى ذلك لما قدر أن يكون فيه من دوام النسل وبقائه. اعتبر الآن يا مفضل بعظم النعمة على الانسان في مطعمه ومشربه وتسهيل خروج الأذى. أليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها؟ فهكذا جعل الله سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الانسان في أستر موضع منه فلم يجعله بارزا من خلقه ولا ناشرا من بين يديه، بل هو مغيب في موضع غامض من البدن مستور محجوب يلتقي عليه الفخذان وتحجبه الأليتان بما عليهما من اللحم فيواريانه. فإذا احتاج الانسان إلى الخلاء وجلس تلك الجلسة ألفي ذلك المنفذ منصبا مهيأ لانحدار الثفل. فتبارك [الله] من تظاهرت آلاؤه، ولا تحصى نعماؤه. فكر يا مفضل في هذه الطواحن التي جعلت للانسان، فبعضها حداد لقطع الطعام وقرضه، وبعضها عراض لمضغه ورضه، فلم ينقص واحد من الصفتين إذا كان محتاجا إليهما جميعا. تأمل واعتبر بحسن التدبير في خلق الشعر والأظفار، فإنهما لما كانا مما يطول ويكثر حتى يحتاج إلى تخفيفه أولا فأولا جعلا عديمي الحس لئلا يؤلم الانسان الاخذ منهما. ولو كان قص الشعر وتقليم الأظفار مما يوجد له مس ذلك لكان الانسان من ذلك بين مكروهين: إما أن يدع كل واحد منهما حتى يطول فيتثقل عليه، وإما أن يخففه بوجع وألم يتألم منه. قال المفضل: فقلت: فلم لم يجعل ذلك خلقة لا تزيد فيحتاج الانسان إلى النقصان منه؟ فقال عليه السلام: إن لله تبارك وتعالى في ذلك على العبد نعما لا يعرفها فيحمد عليها. اعلم أن آلام البدن وأدواءه تخرج بخروج الشعر في مسامه وبخروج الأظفار من أناملها. ولذلك امر الانسان بالنورة وحلق الرأس وقص الأظفار في كل أسبوع ليسرع الشعر والأظفار في النبات فتخرج الآلام والأدواء بخروجهما. وإذا طالا تحيزا وقل خروجهما فاحتبست الآلام والأدواء في البدن فأحدثت عللا وأوجاعا، ومنع مع ذلك الشعر من المواضع التي يضر بالإنسان ويحدث عليه الفساد والضرر: لو نبت الشعر في العين ألم يكن سيعمى البصر؟ ولو نبت في الفم ألم يكن سينغص على الانسان طعامه وشرابه؟ ولو نبت في باطن الكف ألم يكن سيعوقه عن صحة اللمس وبعض الاعمال؟ ولو نبت في فرج المرأة وعلى ذكر الرجل ألم يكن سيفسد عليهما لذة الجماع؟ فانظر كيف تنكب الشعر هذه المواضع لما في ذلك من المصلحة. ثم ليس هذا في الانسان فقط، بل تجده في البهائم والسباع وسائر المتناسلات، فإنك ترى أجسامهن مجللة بالشعر، وترى هذه المواضع خالية منه لهذا السبب بعينه. فتأمل الخلقة كيف تتحرز وجوه الخطاء والمضرة وتأتي بالصواب والمنفعة. إن المنانية وأشباهم حين اجتهدوا في عيب الخلقة والعمد عابوا الشعر النابت على الركب والإبطين ولم يعلموا أن ذلك من رطوبة تنصب إلى هذه المواضع فينبت فيها الشعر كما ينبت العشب في مستنقع المياه. أفلا ترى إلى هذه المواضع أستر وأهيأ لقبول تلك الفضلة من غيرها. ثم إن هذه تعد مما يحمل الانسان من مؤنة هذا البدن وتكاليفه لماله في ذلك من المصلحة، فإن اهتمامه بتنظيف بدنه وأخذ ما يعلوه من الشعر مما يكسر به شرته، ويكف عاديته، ويشغله عن بعض ما يخرجه إليه الفراغ من الأشر والبطالة. تأمل الريق وما فيه من المنفعة، فإنه جعل يجري جريانا دائما إلى الفم ليبل الحلق واللهوات فلا يجف، فإن هذه المواضع لو جعلت كذلك، كان فيه هلاك الانسان ثم كان لا يستطيع أن يسيغ طعاما إذا لم يكن في الفم بلة تنفذه، تشهد بذلك المشاهدة واعلم أن الرطوبة مطية الغذاء، وقد تجري من هذه البلة إلى موضع آخر من المرة فيكون في ذلك صلاح تام للانسان، ولو يبست المرة لهلك الانسان ولقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التمييز وقصور العلم: لو كان بطن الانسان كهيئة القباء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه، ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه، ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر واليد لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول وحس العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة حتى ربما كان ذلك سببا للموت؟ فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا كان أول ما فيه أنه كان يسقط عن الانسان الوجل من الأمراض والموت وكان يستشعر البقاء ويغتر بالسلامة، فيخرجه ذلك إلى العتو والأشر. ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلب فيفسد على الانسان مقعده ومرقده وثياب بذلته وزينته، بل كان يفسد عليه عيشه. ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها الله محتبسة في الجوف، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه لوصل برد الهواء إلى الجوف، فمازج الحرارة الغريزية وبطل عمل الأحشاء، فكان في ذلك هلاك الانسان. أفلا ترى أن كل ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل!.
الهوامش18
[1]إلى غيره (خ).ص 320
[2]صنعته (خ).ص 320
[3]تراد (خ).ص 320
[1]وعروق دقاق (خ).ص 321
[2]في (خ).ص 321
[3]جمع " مغيض " المكان الذي يغيض فيه الماء، وفى بعض النسخ " مفائض " أي المجاري.ص 321
[1]أي يتضجروا.ص 323
[2]ما (خ).ص 323
[1]الأنبوبة - كالأرجوزة -: ما بين العقدتين من القصب أو الرمح، وأنابيب الرئة مخارج النفس منها.ص 324
[2]تشبه (ظ) [4] تخرج (خ) [3] تشبه (ظ) [4] تخرج (خ)ص 324
[1]ثج الماء: سال.ص 325
[2]حد (خ) - [3] الصكة الضربة الشديدة، واللطمة.ص 325
[1]صار الأظفار (خ) [2] اللولب آلة من خشب أو حديد ذات دوائر ناتئة - وهو الذكر - أو داخلة - وهو الأنثى - وفي أكثر نسخ الكتاب " الكوكب " والظاهر أنه تصحيف، ويمكن أن يكون بمعنى المحبس أو ينبوع البئر.ص 326
[3]لا يبلغ (خ)ص 326
[1]وتزايل (خ) [2] الكلوب: خشبة في رأسها عقافة منها أو من حديد.ص 327
[3]مهنأ (خ)ص 327
[1]واحدا (خ).ص 328
[1]في بعض النسخ " المنابة " بتقديم الموحدة التحتانية على المثناة الفوقانية، وفى بعضها " المانوية ".ص 329