Same indexed hadith bihar-3003; it ends on this printed page after beginning on pages 270-280.
Show complete hadith text
دعوات الراوندى : قال أمير المؤمنين 7 : ليس بيننا وبين الجنة أو النار إلا الموت. فذلكة : اعلم أن الذي ظهر من الآيات لكثيرة والاخبار المستفيضته والبراهين القاطعة هو أن النفس باقية بعد الموت ، إما معذبة إن كان ممن محض الكفر ، أو منعمة إن كان ممن محض الايمان ، إو يلهى عنه إن كان من المستضعفين ، ويرد إليه الحياة في القبر إما كاملا إو إلى بعض بدنه كما مر في بعض الاخبار ، ويسأل بعضهم عن بعض العقائد وبعض الاعمال ، ويثاب ويعاقب بحسب ذلك ، وتضغط أجساد بعضهم ، وإنما السؤال والضغطة في الاجساد الاصلية ، وقد يرتفعان عن بعض المؤمنين كمن لقن كما سيأتي ، أو مات في ليلة الجمعة أو يومها أو غير ذلك مما مر وسيأتي في تضاعيف أخبار هذا الكتاب ، ثم تتعلق الروح بالاجساد المثالية اللطيفة الشبيهة بأجسام الجن و الملائكة ، المضاهية في الصورة للابدان الاصلية فينعم ويعذب فيها ، ولا يبعد أن يصل إليه الآلام ببعض ما يقع على الابدان الاصلية لسبق تعلقه بها ، وبذلك يستقيم جميع ما ورد في ثواب القبر وعذابه واتساع القبر وضيقه ، وحركة الروح وطيرانه في الهواء وزيارته لاهله ، ورؤية الائمة : بأشكالهم ، ومشاهدة أعدائهم معذبين ، وسائر ما ورد في أمثال ذلك مما مر وسيأتي ، فالمراد بالقبر في أكثر الاخبار ما يكون الروح فيه في عالم البرزخ ، وهذا يتم على تجسم الروح وتجرده ، وإن كان يمكن تصحيح بعض الاخبار بالقول بتجسم الروح أيضا بدون الاجساد المثالية ، لكن مع ورود الاجساد المثالية في الاخبار المعتبرة المؤيدة بالاخبار المستفيضة لا محيص عن القول بها ، وليس هذا من التناسخ الباطل في شئ ، إذ التناسخ لم يتم دليل عقلي على امتناعة إذ أكثرها عليلة مدخولة ولو تمت لا تجري أكثرها فيما نحن فيه كما لا يخفى على من تدبر فيها ، والعمدة في نفيه (١ ) ضرورة الدين وإجماع المسلمين ، وظاهر أن هذا غير داخل فيما انعقد الاجماع والضرورة على نفيه ، كيف وقد قال به كثير من المسلمين كشيخنا المفيد قدس الله روحه وغيره من علمائنا المتكلمين والمحدثين؟ بل لا يبعد القول بتعلق الروح بالاجساد المثالية عند النوم أيضا كما يشهد به ما يرى في المنام ، وقد وقع في الاخبار تشبيه حالة البرزخ وما يجري فيها بحالة الرؤيا وما يشاهد فيها كما مر ، بل يمكن أن يكون للنفوس القوية العالية أجساد مثالية كثيرة كأئمتنا صلوات الله عليهم حتى لا نحتاج إلى بعض التأويلات والتوجيهات في حضورهم عند كل ميت ، وسائر ما سيأتي في كتاب الامامة في غرائب أحوالهم من عروجهم إلى السماوات كل ليلة جمعة وغير ذلك. ثم اعلم أن عذاب البرزخ وثوابه مما اتفقت عليه الامة سلفا وخلقا ، وقال به [١]العمدة في نفى التناسخ لزوم رجوع الشئ بعد الفعلية إلى القوة وهو من الممتنعات بالضرورة لكنها لا تجرى الا في البدن العنصرى دون المثالى الذى هو من شؤون النفس ومراتبها ولوازم وجودها. ط أكثر أهل الملل ولم ينكره من المسلمين إلا شرذمة قليلة لا عبرة بهم ، وقد انعقد الاجماع على خلافهم سابقا ولاحقا ، والاحاديث الواردة فيه من طرق العامة والخاصة متواترة المضمون ، وكذا بقاء النفوس بعد خراب الابدان مذهب أكثر العقلاء من المليين و الفلاسفة ، ولم ينكره إلا فرقة قليلة كالقائلين بأن النفس هي المزاج وأمثاله ممن لا يعبأ بهم ولا بكلامهم ، وقد عرفت ما يدل عليه من الاخبار الجلية وقد اقيمت عليه البراهين العقلية ، ولنذكر بعض كلمات علماء الفريقين في المقامين. قال نصير الملة والدين قدس الله روحه في التجريد : عذاب القبر واقع لامكانه وتواتر السمع بوقوعه. وقال العلامة الحلي نور الله ضريحه في شرحه : نقل عن ضرار أنه أنكر عذاب القبر ، والاجماع على خلافه. وقال الشيخ المفيد رحمه الله في أجوبة المسائل السروية ـ حيث سئل : ما قوله أدام الله تأييده في عذاب القبر وكيفيته؟ ومتى يكون؟ وهل ترد الارواح إلى الاجساد عند التعذيب أم لا؟ وهل يكون العذاب في القبر أو يكون بين النفختين؟ ـ الجواب : الكلام في عذاب القبر طريقه السمع دون العقل. وقد ورد عن أئمة الهدى : أنهم قالوا : ليس يعذب في القبر كل ميت ، وإنما يعذب من جملتهم من محض الكفر محضا ، ولا ينعم كل ماض لسبيله ، وإنما ينعم منهم من محض الايمان محضا ، فأما ما سوى هذين الصنفين فإنه يلهى عنهم ، وكذلك روي أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصة ، فعلى ما جاء به الاثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه ، فأما عذاب الكافر في قبره ونعيم المؤمنين فيه فإن الخبر أيضا قد ورد بأن الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا في جنة من جناته ينعمه فيها إلى يوم الساعة ، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي بلي في التراب وتمزق ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف ، وأمر به إلى جنة الخلد ، فلا يزال منعما ببقاء الله عزوجل غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا ، بل تعدل طباعه ، وتحسن صورته ، فلا يهرم مع تعديل الطباع ، ولا يمسه نصب في الجنة ولا لغوب ، والكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا في محل عذاب يعاقب به ، ونار يعذب بها حتى الساعة ، ثم انشئ جسده الذي فارقه في القبر ويعاد إليه ، ثم يعذب به في الآخرة عذاب الابد ، ويركب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه ، وقد قال الله عزوجل اسمه : « النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب » وقال في قصة الشهداء : « ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون » فدل على أن العذاب والثواب يكونان قبل يوم القيامة وبعدها ، والخبر وارد بأنه يكون مع فراق الروح الجسد من الدنيا ، والروح ههنا عبارة عن الفعال الجوهر البسيط ، وليس بعبارة عن الحياة التي يصح معها العلم والقدرة لان هذه الحياة عرض لا يبقى ولا يصح الاعادة فيه فهذا ما عول عليه بالنقل وجاء به الخبر على ما بيناه. ثم سئل رحمه الله : ما قوله أدام الله تمكينه في معنى قول الله تعالى : « ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون » أهم أحياء في الحقيقة على ما تقتضيه الآية أم الآية مجاز؟ وأن أجسادهم الآن في قبورهم أم في الجنة؟ فإن المعتزلة من أصحاب أبي هاشم يقولون : إن الله تعالى ينزع من جسد كل واحد منهم أجزاءا قدر ما يتعلق به الروح ، وأنه تعالى يرزقهم على ما نطقت به الآية ، وما سوى هذا من أجزاء أبدانهم فهي في قبورهم كأجساد سائر الموتى. الجواب : هذا المحكي عن أصحاب أبي هاشم لان المحفوظ عنه الانسان المخاطب المأمور المنهي هو البنية التي لا تصح الحياة إلا بها وما سوى ذلك من الجسد ليس بإنسان ولا يتوجه إليه أمر ولا نهي ولا تكليف ، وإن كان القوم يزعمون أن تلك البنية لا تفارق ما جاورها من الجسد فيعذب أو ينعم فهو مقال يستمر على أن البنية التي ذكروها هو المكلف المأمور المنهي ، وباقي جسده في القبر ، إلا أنهم لم يذكروا كيف يعذب من عذب ويثاب من اثيب؟ أفي دار غير الدنيا أم فيها؟ وهل يحيى بعد الموت أو تفارق الجملة في الدنيا فلا يلحقه موت؟ ثم لم يحك عنهم في أي محل يعذبون ويثابون؟ وفيما قالوه من ذلك فليس به أثر ولا يدل عليه العقل ، وإنما هو يخرج منهم على الظن والحساب ، ومن بنى مذهبه على الظن في مثل هذا الباب كان بمقالته مفتريا ، ثم الذي يفسد قولهم من بعد مادل على أن الانسان المأمور المنهي هو الجوهر البسيط ، وأن الاجزاء المؤلفة لا يصح أن تكون فعالة ، ودلائل ذلك يطول بإثباتها الكتاب ، وفيما أومأنا إليه منها كفاية فيما تعلق به السؤال وبالله التوفيق. وسئل عنه قدس الله روحه في المسائل العكبرية عن قول الله تعالى : « ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله » الآية ، هل يكون الرزق لغير جسم؟ وما صورة هذه الحياة؟ فإنا مجمعون على أن الجواهر لا تبلى شيئا ، فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمن والكافر؟ فأجاب رحمه الله بأن الرزق لا يكون عندنا إلا للحيوان ، والحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل ذوات اخرجوا في هذه الدار إلى الاجساد ، وتعذر عليهم كثير من الافعال إلا بها ، فإن اغنوا عنها بعد الوفات جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا يحصل لهم به اللذات ، وإن افتقروا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء ، فأما قوله : ما صورة هذه الحياة؟ فالحياة لا صورة لها لانها عرض من الاعراض وهي تقوم بالذات الفعالة دون الاجساد التي تقوم بها حياة النمو دون الحياة التي هي شرط في العلم والقدرة ونحوهما من الاعراض ، وقوله : إنا مجمعون على أن الجواهر لا تبلى شيئا فليس ذلك كما ظن ، ولو كان كما توهم لم يمتنع أن توجد الحياة لبعض الجواهر وترفع عن بعض ، كما توجد حياة النمو لبعض الاجساد وترفع من بعض بالاتفاق ، ولو قلنا : إن الحياة بعد النقلة من هذه الدار تعم أهل الكفر والايمان لم يفسد ذلك علينا أصلا في الدين ، فكانت الحياة لاهل الايمان شرطا في وصول اللذات إليهم ، والحياة لاهل الكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب انتهى. وقال شارح المقاصد : اتفق الاسلاميون على حقيقة سؤال منكر ونكير في القبر وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه ، ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة ، قال بعض المتأخرين منهم : حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو ، وإنما نسب إلى المعتزلة ـ وهم برآء منه ـ لمخالطة ضرار إياهم ، وتبعه قوم من السفهاء من المعاندين للحق و نحوه ، قال في المواقف : وقال المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية : عذاب القبر للمؤمن والفاسق والكافر حق لقوله تعالى : « النار يعرضون عليها غدوا وعشيا » الآية ، وقوله : « ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين » ولقوله 9 : إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى نبعثك يوم القيامة. وقوله 9 : استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه. وقوله 9 : القبر إما روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران. ونقل العلامة التفتازاني عن السيد أبي الشجاع أن الصبيان يسألون وكذا الانبياء :. وقيل : إن الانبياء لا يسألون لان السؤال على ما ورد في الحديث عن ربه وعن دينه وعن نبيه ، ولا يعقل السؤال عن النبي 9 من نفس النبي ، وأنت خبير بأنه لا يدل على عدم السؤال مطلقا بل عدم السؤال عن نبيه فقط ، وذلك أيضا في الذي لا يكون على ملة نبي آخر. واختلف الناس في عذاب القبر فأنكره قوم بالكلية وأثبته آخرون ، ثم اختلف هؤلاء فمنهم من أثبت التعذيب وأنكر الاحياء وهو خلاف العقل ، وبعضهم لم يثبت العذاب بالفعل بل قال : تجتمع الآلام في جسده فإذا حشر أحس بها دفعة ، وهذا إنكار لعذاب القبر حقيقة ، ومنهم من قال بإحيائه لكن من غير إعادة الروح ، ومنهم من قال بالاحياء وإعادة الروح ولا يلزم أن يرى أثر الحياة فيه حتى أن المأكول في بطن الحيوانات يحيى ويسأل وينعم ويعذب ولا ينبغي أن ينكر لان من أخفى النار في الشجر الاخضر قادر على إخفاء العذاب والنعيم. قال الامام الغزالي في الاحياء : اعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا : أحدها ـ وهو الاظهر والاصح ـ أن تصدق بأن الحية مثلا موجودة تلدغ الميت ولكنا لا نشاهد ذلك ، فإن ذلك العين لا يصلح لمشاهدة تلك الامور الملكوتية ، و كل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت ، أما ترى أن الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل 7 ، وما كانوا يشاهدونه ، ويؤمنون أنه (ص) يشاهده؟ فإن كنت لا تؤمن بهذا ، فتصحيح الايمان بالملائكة والوحي عليك أوجب ، وإن آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي 9 ما لا تشاهده الامة فيكف لا تجوز هذا في الميت؟. المقام الثانى أن تتذكر أمر النائم فإنه يرى في نومه حية تلدغه وهو يتألم بذلك حتى يرى في نومه يصيح ويعرق جبينه ، وقد ينزعج من مكانه ، كل ذلك يدرك من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان ، وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى في حواليه حية ، والحية موجودة في حقه ، والعذاب حاصل ، ولكنه في حقك غير مشاهد ، و إن كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد. المقام الثالث أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها هو السم ثم السم ليس هو الالم ، بل عذابك في الاثر الذي يحصل فيك من السم ، فلو حصل مثل ذلك من غير سم فكان ذلك العذاب قد توفر ، وقد لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة ، والصفات المهلكات تنقلب موذيات ومولمات في النفس عند الموت فتكون آلامها كآلام لدغ الحيات من غير وجود الحيات. فإن قلت : ما الصحيح من هذه المقامات الثلاثة؟ فاعلم أن من الناس من لم يثبت إلا الثالث ، وإنما الحق الذي انكشف لنا من طريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الامكان ، وأن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة الله وعجائب تدبيره منكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ولم يألفه ، وذلك جهل وقصور ، بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكن ، والتصديق بها واجب ، ورب عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الانواع الثلاثة ، هذا هو الحق فصدق به. ثم قال : وسؤال منكر ونكير حق لقوله 9 : إذا اقبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لاحدهما : منكر ، وللآخر : نكير ، يقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا فيقول : هو عبدالله ورسوله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، و أشهد أن محمدا رسول الله ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا ، ثم يفسح في قبره سبعين ذراعا في سبعين ذراعا ، ثم ينور له فيه ، ثم يقال له : نم ، فيقول : أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان : نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله ، حتى يبعثه الله من مضجعة ذلك ، وإن كان منافقا قال : سمعت الناس يقولون فقلت مثله ، لا أدري! فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول ذلك ، فيقال للارض : التئمي عليه ، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه ، فلا يزال فيه معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وأنكر الجبائي وابنه و البلخي تسمية الملكين منكرا ونكيرا ، وقالوا : إنما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سئل ، والنكير إنما هو تقريع الكافر ، وهو خلاف ظاهر الحديث ، والاحاديث الصحيحة الدالة على عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين أكثر من أن تحصر بحيث يبلغ قدره المشترك حد التواتر وإن كان كل منها خبر الآحاد ، واتفق عليه السلف الصالح قبل ظهور المخالف ، وأنكره مطلقا ضرار بن عمرو وأكثر متأخري المعتزلة ، وبعض الروافض متمسكين بأن الميت جماد فلا يعذب ، وما سبق حجة عليهم ، ومن تأمل عجائب الملك والملكوت وغرائب صنعه تعالى لم يستنكف عن قبول أمثال هذا ، فإن للنفس نشآت ، وفي كل نشأة تشاهد صورا تقتضيها تلك النشأة ، فكما أنها تشاهد في المنام امورا لم تكن تشاهد في اليقظة فكذا تشاهد في حال الانخلاع عن البدن امورا لم تكن تشاهد في الحياة ، وإلى هذا يشير من قال : الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا. انتهى كلامه. ولايخفى على أحد أن ما نسبه هو وغيره إلى الشيعة في هذا الباب فرية بلا مرية ، ولا يوجد من ذلك في كتبهم عين ولا أثر ، وقد سمعت بعض كلماتهم في ذلك ، ولعله رأى ذلك في بعض كتب الملاحدة من الاسماعيلية وغيرهم الملصقين بهذه الفرقة المحقة فنسب ذلك إليهم مجملا ، وهذا تدليس قبيح ولا سيما من الفضلاء. ثم اعلم أنه روى العامة في كتبهم عن أبي أمامة الباهلي أن النبي 9 قال : إذا مات أحدكم وسويتم عليه التراب فليقم أحدكم عند قبره ثم ليقل : يافلان بن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ، ثم ليقل : يافلان بن فلانة ـ الثانية ـ فيستوي قاعدا ، ثم ليقل : يا فلان بن فلانة ، فإنه يقول : أرشدنا رحمك الله ، فيقول : اذكر ما خرجت عليه من الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأنك رضيت بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبالقرآن إماما ، فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما فيقول : انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته؟ فقال : يارسول الله ، فإن لم يعرف امه؟ قال : فلينسبه إلى حواء. وقال الشيخ البهائي قدس الله روحه : قد يتوهم أن القول بتعلق الارواح بعد مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح اخر كما دلت عليه الاحاديث قول بالتناسخ ، وهذا توهم سخيف لان التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلق الارواح بعد خراب أجسادها بأجسام اخر في هذا العالم ، إما عنصرية كما يزعم بعضهم ويقسمه إلى النسخ والمسخ والفسخ والرسخ ، أو فلكية ابتداءا أو بعد ترددها في الابدان العنصرية على اختلاف آرائهم الواهية المفصلة في محلها ، وأما القول بتعلقها في عالم آخر بأبدان مثالية مدة البرزخ إلى أن تقوم قيامتها الكبرى فتعود إلى أبدانها الاولية بإذن مبدعها إما بجمع إجزائها المتشتتة أو بإيجادها من كتم العدم كما أنشأها أول مرة فليس من التناسخ في شئ ، وإن سميته تناسخا فلا مشاحة في التسمية إذا اختلف المسمى ، وليس إنكارنا على التناسخية وحكمنا بتكفيرهم بمجرد قولهم بانتقال الروح من بدن إلى آخر ، فإن المعاد الجسماني كذلك عند كثير من أهل الاسلام ، بل بقولهم بقدم النفوس وترددها في أجسام هذا العالم وإنكارهم المعاد الجسماني في النشأة الاخروية. قال الفخر الرازي في نهاية العقول : إن المسلمين يقولون بحدوث الارواح و ردها إلى الابدان لا في هذا العالم ، والتناسخية يقولون بقدمها وردها إليها في هذا العالم ، وينكرون الآخرة والجنة والنار ، وإنما كفروا من أجل هذا الانكار انتهى كلامه ملخصا. فقد ظهر البون البعيد بين القولين ، انتهى كلامه زاد الله في إكرامه. ثم اعلم أن مقتضى قواعد العدلية وظواهر النصوص الماضية والآتية أنه إنما يسأل في القبر المكلفون الكاملون لا الاطفال والمجانين والمستضعفون ، وأما الانبياء والائمة : وإن كان المفهوم من فحوى عدم سؤال من لقن وأمثالهم وما مر أنه يسأل وهو مضغوط على بعض محتملاته وغيره مما يدل على رفعة شأنهم عدم السؤال عنهم ، لكن لما لم نر فيه نصا صريحا فالاولى عدم التعرض ليه نفيا وإثباتا ، ولذا لم يتعرض له علماؤنا رضوان الله عليهم. قال صاحب المحجة البيضاء في مذهب آل العباء : اختلف أهل السنة في أن الانبياء : هل يسألون في القبر أم لا؟ وكذا في الاطفال ، فقيل : الاصح أن الانبياء (ع) لا يسألون. وقال الصفار : ليس في هذا نص ولا خبر ولا دليل فانتفي ذلك عنهم ، وما روي عنه 9 من الاستعاذة عن عذاب القبر فذلك للمبالغة في إظهار الافتقار إلى الله تعالى ، وقيل : هو تحكم محض لجواز أن يقال : آمن الرسول بما انزل إليه من ربه فكما جاز أن يسأل المؤمن عما آمن به فيقال : من ربك وما دينك؟ فكذا الرسول يسأل عما آمن به ، فعلم أن حمل الاستعاذة على المبالغة تحكم بغير دليل ، ولان النبي 9 صاحب عهدة عظيمة لانه إنما بعث لبيان الشرائع وصرف القلوب إلى الله تعالى فلم لا يجوز أن يسأل عما كان في عهدته؟ حتى قيل : وسؤالهما الانبياء بهذه العبارة : على ماذا تركتم امتكم؟ والحق أن الائمة كالانبياء صلوات الله عليهم أجمعين في هذه الامور كلها ، ولم أر في كتب الامامية هذه المسألة لا نفيا ولا إثباتا ، والذي يطمئن إليه قلبي أنهم مع الائمة سلام الله عليهم مستثنون من هذه الاحكام. انتهى. وقال الصدوق رحمه الله في رسالة العقائد : اعتقادنا في المسألة في القبر أنها حق لابد منها ، فمن أجاب بالصواب فإذا بروح وريحان في قبره وبجنة نعيم في الآخرة ومن لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره وتصليه جحيم في الآخرة ، وأكثر ما يكون عذاب القبر من النميمة وسوء الخلق والاستخفاف بالبول ، وأشد ما يكون عذاب القبر على المؤمن مثل اختلاج العين أو شرطة حجام ، ويكون ذلك كفارة لما بقي عليه من الذنوب التي تكفرها الهموم والغموم والامراض وشدة النزف عند الموت ، فإن رسول الله (ص) كفن فاطمة بنت أسد في قميصه بعدما فرغت النساء من غسلها ، وحمل جنازتها على عاتقه حتى أوردها قبرها ، ثم وضعها ودخل القبر واضطجع فيه ثم قام فأخذها على يديه ووضعها في قبرها ، ثم انكب عليها يناجيها طويلا ويقول لها : ابنك ابنك ، ثم خرج وسوى عليها التراب ، ثم انكب على قبرها فسمعوه وهو يقول : اللهم إني أودعتها إياك ، ثم انصرف ، فقال له المسلمون : يارسول الله إنا رأيناك صنعت اليوم شيئا لم تصنعه قبل اليوم ، فقال : اليوم فقدت بر أبي طالب إنها كانت يكون عندها الشئ فتؤثرني به على نفسها وولدها ، وإني ذكرت القيامة وأن الناس يحشرون عراة فقالت واسوأتاه! فضمنت لها أن يبعثها الله تعالى كاسية ، وذكرت ضغطة القبر فقالت : واضعفاه! فضمنت لها أن يكفيها الله تعالى ذلك فكفنتها بقميصى واضطجعت في قبرها لذلك وانكببت عليها فلقنتها ما تسأل عنه ، وإنما سئلت عن ربها فقالت : الله ، وسئلت عن نبيها فأجابت ، وسئلت عن وليها وإمامها فارتج عليها ، فقلت لها : ابنك ابنك.