Same indexed hadith bihar-29836; it ends on this printed page after beginning on pages 196-203.
Show complete hadith text
Show clickable narrator chain
سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " اعلم أن الاحباط في عرف المتكلمين عبارة عن إبطال الحسنة بعدم ترتب ما يتوقع منها عليها، ويقابله التكفير وهو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضاها عليها فهو في المعصية نقيض الاحباط في الطاعة والحبط والتكفير وإطلاقهما بهذين اللفظين ربما يساوقهما كثير من الآيات والاخبار، وقد اشتهر بين المتكلمين أن الوعيدية من المعتزلة وغيرهم يقولون: بالاحباط والتكفير، دون من سواهم من الأشاعرة وغيرهم، وهذا على إطلاقه غير صحيح، فان أصل الاحباط والتكفير مما لا يمكن إنكاره لاحد من المسلمين كما ظهر مما تلونا عليك، فلابد أن يحرر مقصود كل طائفة ليتبين ما هو الحق فنقول: لا خلاف بين من يعتد به من أهل الاسلام في أن كل مؤمن صالح يدخل الجنة خالدا فيها حقيقة، وكل كافر يدخل النار خالدا فيها كذلك، وأما المؤمن الذي خلط عملا صالحا بعمل غير صالح، فاختلفوا فيه فذهب بعض المرجئة إلى أن الايمان يحبط الزلات، فلا عقاب على زلة مع الايمان كما لاثواب لطاعة مع الكفر، وذهب الآخرون إلى ثبوت الثواب والعقاب في حقه أما المعتزلة فبعنوان الاستحقاق المعلوم عقلا باعتبار الحسن والقبح العقليين وشرعا باعتبار الآيات الدالة عليه من الوعد والوعيد وأما الأشاعرة فبعنوان الانتفاء في كتب الكلام، كالتجريد وغيره، لكن بعد التأمل والتحقيق يظهر أن الذي ينفونه منهما لا ينافي ظواهر الآيات والاخبار، كثيرا، بل يرجع إلى مناقشة لفظية لأنهم قائلون بأن التوبة ترفع العقاب، وأن الموت على الكفر تبطل ثواب جميع الأعمال، لكن الأكثر يقولون: ليس هذا بالاحباط، بل باشتراط الموافاة على الايمان في استحقاق الثواب على القول بالاستحقاق، وفي الوعد بالثواب على القول بعدم الاستحقاق، وكذا يمكنهم القول بأحد الامرين في المعاصي التي وردت أنها حابطة لبعض الحسنات، من غير قول بالحبط، بأن يكون الاستحقاق أو الوعد مشروطا بعدم صدور تلك المعصية وأما التوبة والأعمال المكفرة فلا حاجة إلى ارتكاب أمثال ذلك فيها، إذ في تجويز التفضل والعفو، كما هو مذهبنا غنى عنها، وأيضا لا نقول باذهاب كل معصية كل طاعة وبالعكس كما ذهب إليه المعتزلة، بل نتبع في ذلك النصوص الواردة في ذلك، فكل معصية وردت في الكتاب أو في الآثار الصحيحة أنها ذاهبة أو منقصة لثواب جميع الحسنات أو بعضها نقول به وبالعكس، تابعين للنص في جميع ذلك ومن أصحابنا من لم يقل بالموافاة، ولا بالاحباط، بل يقول: كل من الايمان والكفر يتحقق بتحقق شروطه المقارنة، وليس شئ من استحقاق الثواب والعقاب مشروطا بشرط متأخر، بل إن تحقق الايمان تحقق استحقاق الثواب وإن تحقق الكفر تحقق معه استحقاق العقاب، فان كفر بعد الايمان كان كفره اللاحق كاشفا عن أنه لم يكن مؤمنا سابقا ولم يكن مستحقا للثواب عليه وإطلاق المؤمن عليه بمحض اللفظ، وبحسب الظاهر، وإن آمن أحد بعد الكفر زال كفره الأصلي بالايمان اللاحق، وسقط استحقاقه العقاب لعفو الله تعالى لا بالاحباط ولا لعدم الموافاة، كما يقول الآخرون وتفصيل هذا المطلب وتنقيحه يحتاج إلى إيراد مقاصد الأول: أن النافين للحسن والقبح، لا يثبتون استحقاق شئ من الثواب والعقاب بشئ من الأعمال، بل المالك للعباد عندهم قادر على الثواب والعقاب، ومالك للتصرف فيهم كيف شاء وليس من شأن فعله في خلقه استحقاق الذم، بل ولا المدح، وكلاهما اصطلاح ومواضعة من الشارع وأما المثبتون لهما فلا كلام عندهم في استحقاق العقاب، نعم ربما قيل: بعدم استقلال العقل فيه، ضرورة أو نظرا، وأما الثواب فعند بعضهم مما يستحقه العبد بطاعته، وإليه يذهب جماعة من أصحابنا ويحتجون لذلك بأن إلزام المشقة بدون التزام نفع في مقابله قبيح، وربما يوجه عليه أن التزام النفع في مقابله إنما يلزم لو لم تسبق النعم عليه، بما يحسن إلزام المشقة بإزائها، والفرق بين النفع المستقبل والنعمة الماضية تحكم، وربما كفى في إلزام المشقة حسن العمل الشاق ولم يحتج في حسن الالزام إلى أزيد منه، ولهذا ذهب بعض أصحابنا وغيرهم إلى أن الثواب تفضل ووعد منه تعالى بدون استحقاق للعبد وهو الظاهر من كلام أكثر أصحابنا رضوان الله عليهم، ويدل عليه كثير من الاخبار والأدعية الثاني أن الثواب والعقاب هل يجب دوامهما أم لا، فذهب المعتزلة إلى الأول وطريقه العقل عندهم، والصحيح عند أصحابنا أنه لا يجب عقلا. وأما شرعا فالثواب دائم وكذا عقاب الكفر إجماعا من المسلمين إلا ما نقل من شذاذ من المتصوفين الذين لا يعدون من المسلمين وأما عقاب المعاصي فمنقطع: ويكفي هنا عدم وجدان طريق عقلي إلى دوامهما وفي عبارة التجريد في هذا المطلب تناقض يحتاج إلى تكلف تام في دفعه الثالث أن الاحباط بالمعنى الذي ذكرناه من إفناء كل من الاستحقاقين للاخر أو المتأخر للمتقدم باطل عند أصحابنا، ومذهب أبي علي وهو بقاء المتأخر وفناء المتقدم مناف للنصوص الكثيرة المتضمنة لعدم تضييع العمل، وأما مذهب أبي هاشم فلا ينافي ظواهر النصوص لأنه إذا أفنى المتقدم المتأخر أيضا فليس بضايع ولامما لم يره العامل، لكن الظاهر أن ما ذهب إليه من إبطاله له من جهة المنافاة بينهما، فليس بصحيح إذ لا منافاة عقلا بين الثواب والعقاب واستحقاقهما، بل يكاد العقل يجزم بعدم مساواة من أعقب كثيرا من الطاعة بقليل من المعصية، مع من اكتفى بالفضل بينهما حسب، وعدم مساواة من أعقب أحدهما بما يساوي الاخر، مع من لم يفعل شيئا ثم إنه يمكن أن يسقط العقاب المتقدم عند الطاعة المتأخرة على سبيل العفو وهو إسقاط الله تعالى ما يستحقه على العبد من العقوبة، وهو الظاهر من مذاهب أصحابنا رضي الله عنهم وأما الثواب فلا يتصور فيه ذلك، ويمكن أن يكون الوعد بالثواب على الطاعة المتقدمة أو استحقاقه مشروطا بعدم معاقبة المعصية لها، كما يشترط ثواب الايمان والطاعات بالموافاة على الايمان، بأن يموت مؤمنا عند كثير من أصحابنا لكن ذلك الاشتراط ليس بعام لجميع المعاصي بل مخصوص بمقتضى النصوص ببعضها، وليس كل ما ورد بطلان الطاعة بسببه مما يقطع باشتراط الثواب به، لان كلا منها أخبار آحاد لا تفيد القطع نعم ربما حصل القطع بأن شيئا من تلك المعاصي يشترط استمرار انتفائه لاستحقاق الثواب، أو هو شرط في الوعد به، والفرق بين هذا وبين الاحباط ظاهر من وجوه: الأول أن إبطال الثواب في الاحباط من حيث التضاد عقلا بين الاستحقاقين وههنا من جهة اشتراطه شرعا بنفي المعصية الثاني أن المنافاة هناك بين الاستحقاقين، فلو لم يحصل استحقاق العقاب لانتفاء شرطه، لم يحصل الاحباط، وههنا بنفس المعصية ينتفي الثواب أو استحقاقه إن ثبت وكان مستمرا، وإن توقف أصل الاستحقاق على استمرار النفي لم يحصل أصلا وإنما يحصل في موضع الحصول بالموت ولا يختلف الحال باستحقاق العقاب على (تلك) المعصية، لاستجماع شرائطه وعدمه لفقد شئ منه، كمنع الله تعالى لطفا معلوما عن المكلف، وكما لو أعلم الله تعالى المكلف أنه يغفر له ويعفو عن جميع معاصيه، فكان مغريا له بالقبيح، وكما لو لم يقع فعل القبيح ولا الاخلال بالواجب عن المكلف على سبيل إيثاره على فعل الواجب والامتناع من القبيح، بل وقع لاعلى وجه الايثار، فان العاصي في جميع هذه الصور يستحق ذما ولا يستحق عقابا عند أبي هاشم ومن يحذو حذوه وعلى تقدير الاشتراط باستمرار انتفاء المعصية ينتفي استحقاق الثواب، وعلى تقدير الاحباط لا ينتفي الثالث أن التوبة على مذهب الاحباط يمنع من الاحباط، وعلى ما ذكرنا لا يمنع من الاحباط، نعم لو كان الشرط استمرار انتفاء المعصية، أو الموافاة بالتوبة من المعصية، دون استمرار انتفائها فقط، منع من الاحباط كمذهب القائلين به الرابع وهم البغداديون منهم إلى أنه قبيح عقلا والسمع أكده، والبصريون إلى جوازه عقلا وإنما المانع منه السمع، فمزيل العقاب عندهم منحصر في أمرين أحدهما التوبة والثاني التكفير بالثواب، وذلك عند من قال بأن التوبة إنما تسقط العقاب لكونه ندما على المعصية، وأما عند من قال إنه يسقط لكثرة الثواب، فالمزيل منحصر في أمر واحد هو الاحباط، فتوهم غير هذا باطل، ودعوى الاتفاق على العفو من الصغائر عند اجتناب الكبائر ومن الذنوب مطلقا عند التوبة كما وقع من الشارح الجديد للتجريد، مضمحل عند التحقيق، كما ذكره بعض الأفاضل قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " نمط ما تستحقونه من العقاب، في كل وقت على صغائر كم ونجعلها كأن لم تكن لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر، وصبركم عنها، على عقاب السيئات، وأما إسقاط التوبة للعقاب ففيه ثلاث مذاهب: الأول أنها تسقطه على سبيل الوجوب عند اجتماع شرائطها، لكونها ندما على المعصية، كما أن الندم على الطاعة يحبطها لكونه ندما عليها، مع قطع النظر عن استتباعها الثواب والعقاب الثاني أنها تسقطه على سبب الوجوب، لا لكونها ندما عليها، بل لاستتباعها ثوابا كثيرا الثالث أنها لا تسقطه، وإنما يسقط العقاب عندها، لأنها على سبيل العفو دون الاستحقاق، وهذه المذاهب مشهورة مسطورة في كتب الكلام وأقول: بهذا التفصيل الذي ذكر ارتفع التشنيع واللوم عن محققي أصحابنا رضوان الله عليهم، بمخالفتهم للآيات المتضافرة، والروايات المتواترة، وأن الاحباط والتكفير بالمعنى الذي هو المتنازع فيه بين أصحابنا وبين المعتزلة، نفيهما لا ينافي شيئا من ذلك وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام لأنه من مهمات المسائل الكلامية، و من تعرض لتحقيقه لم يستوف حقه والله الموفق
الهوامش3
[٣]الكافي ج ٢ ص ٨٢ص 196
[۳]فلهذا حكموا بأن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات فان الخلود الموعود مستلزم لذلك، هذا قول جمهورهم في أصل الاحباط ثم إن الجبائيين أبا على وابنه أبا هاشم منهم على ما نقل عنهما الآمدي ذهبا إلى اشتراط الكثرة في المحبط، بمعنى أن من زادت معاصيه على طاعته أحبطت معاصيه طاعاته، وبالعكس، لكنهما اختلفا فقال أبو علي: ينحبط الناقص برمته من غير أن ينتقص من الزائد شئ وقال أبو هاشم: بل ينتقص من الزايد أيضا بقدره ويبقي الباقي إذا عرفت هذا فاعلم أن ما ذكره أكثر أصحابنا من نفي الاحباط والتكفير مع ورود الآيات الكثيرة، والأخبار المستفيضة، بل المتواترة بالمعنى في كل منهما، مما يقضي منه العجب مع أنه ليس لهم على ذلك إلا شبه ضعيفة مذكورةص 198
[۳]النساء: ۱۴ص 198