Same indexed hadith bihar-30675; it began on pages 252-259.
Show complete hadith text
Show clickable narrator chain
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كذب على مصلح ثم تلا " أيتها العير إنكم لسارقون " ثم قال: والله ما سرقوا وما كذب ثم تلا " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " ثم قال: والله ما فعلوه وما كذب . تكملة: قال بعض المحققين: اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه، بل لما فيه من الضرر على المخاطب، أو على غيره، فان أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشئ على خلاف ما هو به، فيكون جاهلا، وقد يتعلق به ضرر غيره، ورب جهل فيه منفعة ومصلحة. فالكذب تحصيل لذلك الجهل، فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا كما لو كان في الصدق قتل نفس بغير حق. فنقول: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب، جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح، إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا كما إن عصمة دم المسلم واجبة. فمهما كان في الصدق سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب، فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز عنه ما يمكن، لأنه إذا فتح على نفسه باب الكذب فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه، وإلى ما لم يقتصر فيه على حد الواجب ومقدار الضرورة، فكان الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة. والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يرخص في شئ من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول يريد الاصلاح والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها. وقالت أيضا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو نما خيرا. وقالت أسماء بنت يزيد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما. وروى عن أبي كاهل قال: وقع بين رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كلام حتى تصادما فلقيت أحدهما فقلت: مالك ولفلان فقد سمعته يحسن الثناء عليك، ولقيت الاخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت: أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين، فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا أبا كاهل أصلح بين الناس ولو بالكذب. وقال عطاء بن يسار: قال رجل للنبي: أكذب أهلي؟ قال: لا خير في الكذب قال: أعدها وأقول لها؟ قال: لا جناح عليك. وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار؟ كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب فان الحرب خدعة أو يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها. وقال علي عليه السلام: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فلان أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خدعة. فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره، أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكر أو يأخذ السلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله ارتكبها فله أن ينكرها، ويقول ما زنيت ولا شربت، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، وذلك لان إظهار الفاحشة فاحشة أخرى. فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا. وأما عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين [اثنين وأن يصلح بين] الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه، أو كانت امرأته لا نطيعه إلا بوعد ما لا يقدر عليه فيعدها الحال تطييبا لقلبها أو يعتذر إلى انسان بالكذب وكان لا يطيب قلبه إلا بانكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به. ولكن الحد فيه أن الكذب محذور. ولكن لو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر، ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب، فله الكذب وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق، وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما، وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى، لان الكذب مباح بضرورة أو حاجة مهمة فإذا شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه. ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الانسان من الكذب ما أمكنه، وكذلك مهما كانت الحاجة له، فيستحب أن يترك أغراضه ويهجر الكذب، فأما إذا تعلق بغرض غيره. فلا يجوز المسامحة بحق الغير والاضرار به وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم، ثم هو لزيادات المال والجاه ولأمور ليس فواتها محذورا حتى أن المرأة ليحكي من زوجها ما تتفاخر به وتكذب لأجل مراغمة الضرات وذلك حرام. قالت أسماء: سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: إن لي ضرة وأنا أتكثر من زوجي بما لا يفعل اضارها بذلك فهل لي فيه شئ؟ فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، وقال النبي صلى الله عليه وآله: من تطعم بما لم يطعم، وقال لي وليس له، وأعطيت ولم يعط، كان كلابس ثوبي زور يوم القيامة، ويدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحققه، ورواية الحديث الذي ليس يثبت فيه، إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه، فهو لذلك يستنكف من أن يقول: لا أدري وهذا حرام ومما يلتحق بالنساء الصبيان فان الصبي إذا كان لا رغبة له في المكتب إلا بوعد ووعيد وتخويف، كان ذلك مباحا. نعم، روينا في الاخبار أن ذلك يكتب كذبة، ولكن الكذب المباح أيضا يكتب ويحاسب عليه، ويطالب لتصحيح قصده فيه، ثم يعفى عنه، لأنه إنما أبيح بقصد الاصلاح، ويتطرق إليه غرور كثيرة، فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه، وإنما يتعلل ظاهرا بالاصلاح، فلهذا يكتب. وكل من أتى بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب له هل هو أهم في الشرع من الصدق أو لا، وذلك غامض جدا، فالحزم في تركه إلا أن يصير واجبا لا يجوز تركه كما يؤدي إلى سفك دم أو ارتكاب معصية، كيف كان. وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الاخبار في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي، وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار، وهذا لا يترك إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا. إذ في الصدق مندوحة عن الكذب، ففيما ورد من الآيات والاخبار كفاية عن غيرها. وقول القائل: إن ذلك قد تكرر على الاسماع وسقط وقعها، وما هو جديد على الاسماع فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى الله تعالى، ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة [فلا يقاوم خير هذا بشره أصلا، فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله من الكبائر التي لا يقاومها شئ. ثم قال:] قد نقل عن السلف أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وعن ابن عباس وغيره أما في المعاريض ما يغني الرجل عن الكذب، وإنما أرادوا من ذلك إذا أضطر الانسان إلى الكذب، فأما إذا لم يكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا، ولكن التعريض أهون. ومثال المعاريض ما روي أن مطرفا دخل على زياد فاستبطاه فتعلل بمرض فقال: ما رفعت جنبي منذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله، وقال إبراهيم: إذا بلغ الرجل عنك شئ فكرهت أن تكذب فقل إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شئ، فيكون قوله " ما " حرف النفي عند المستمع وعنده للابهام. وكان النخعي لا يقول لابنته أشتري لك سكرا بل يقول أرأيت لو اشتريت سكرا فإنه ربما لا يتفق وكان إبراهيم إذا طلبه في الدار من يكرهه قال للجارية: قولي له اطلبه في المسجد، وكان لا يقول ليس ههنا لئلا يكون كاذبا، وكان الشعبي إذا طلب في البيت وهو يكرهه فيخط دائرة ويقول للجارية ضع الإصبع فيها وقولي ليس ههنا. وهذا كله في موضع الحاجة فأما مع عدم الحاجة فلا، لان هذا تفهيم للكذب، وإن لم يكن اللفظ كذبا، وهو مكروه على الجملة، كما روي عن عبد الله ابن عتبة قال: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز فخرجت وعلي ثوب فجعل الناس يقولون: هذا كساء أمير المؤمنين! فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرا، فقال لي يا بني اتق الكذب إياك والكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لان فيه تقريرا لهم على ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة. وهو غرض باطل، فلا فائدة فيه. نعم المعاريض مباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلى الله عليه وآله لا تدخل الجنة عجوز، وفي عين زوجك بياض، ونحملك على ولد البعير. وأما الكذب الصريح فكما يعتاده الناس من مداعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك، فإن كان فيه ضرر يؤديه إلى إيذاء قلب فهو حرام، وإن لم يكن إلا مطايبة فلا يوصف صاحبها بالفسق، ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يستكمل المرء الايمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه. وأما قوله صلى الله عليه وآله إن الرجل يتكلم بالكلمة يضحك بها الناس يهوي بها أبعد من الثريا أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب، دون محض المزاح. ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله قلت لك كذا مائة مرة، وطلبتك مائة مرة، فإنه لا يراد بها تفهيم المرات بعددها، بل تفهيم المبالغة، فإن لم يكن طلب إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن طلب مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة، فلا يأثم، وإن لم يبلغ مائة، وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب. وربما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال كل الطعام لاحد فيقول: لا أشتهيه وذلك منهي عنه، وهو حرام، إن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد: قالت أسماء بنت عميس: كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وآله ومعي نسوة قال: فوالله ما وجدنا عنده قوتا إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة قالت: فاستحييت الجارية فقلت: لا تردين يد رسول الله خذي منه، قالت: فأخذته على حياء فشربت منه ثم قال: ناولي صواحبك فقلن: لا نشتهيه، فقال: لا تجمعن جوعا وكذبا قالت: فقلت: يا رسول الله إن قالت أحدنا لشئ يشتهيه: لا نشتهيه أيعد ذلك كذبا؟ قال: إن الكذب ليكتب حتى يكتب الكذيبة كذيبة. وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب، قال الليث ابن سعد: كانت ترمص عينا سعيد بن المسيب حتى يبلغ الرمص خارج عينيه فيقال له: لو مسحت هذا الرمص فيقول: فأين قول الطبيب وهو يقول لي: لا تمس عينيك فأقول: لا أفعل، وهذه من مراقبة أهل الورع، ومن تركه انسل لسانه عن اختياره فيكذب ولا يشعر. وعن خوات التيمي قال: قد جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة إلى بني لي فانكبت عليه فقالت: كيف أنت يا بني، فجلس الربيع فقال: أرضعته؟ فقالت لا، قال: ما عليك لو قلت يا ابن أخي فصدقت. ومن العادة أن يقول " يعلم الله " فيما لا يعلمه قال عيسى: إن من أعظم الذنوب عند الله أن يقول العبد إن الله يعلم لما لا يعلم، وربما يكذب في حكاية المنام والاثم فيه عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينيه في المنام ما لم تريا أو يقول علي ما لم أقل، وقال صلى الله عليه وآله: من كذب في حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين.
الهوامش4
[١]يوسف: ٧٠.ص 252
[١]الأنبياء: ٦٣.ص 253
[٢]الكافي ج ٢ ص ٣٤٣. وقوله " ثم تلا " كلام الراوي، والضمير راجع إلى الصادق عليه السلام، أو كلام الامام والضمير راجع إلى الرسول صلى الله عليه وآله والأول أظهر وقد مر مثله تحت الرقم 4 في حديث الصيقل، منه رحمه الله.ص 253
[١]ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج ٢ ص ٣٢٩.ص 256