Same indexed hadith bihar-3204; it began on pages 141-171.
Show complete hadith text
ثالثها : نجعل في وجوههم الشعر كوجوه القرود. فإن قيل : على القول الاول كيف أوعد الله سبحانه ولم يفعل؟ فجوابه أن هذا الوعيد كان متوجها إليهم لولم يؤمن واحد منهم ، فلما آمن منهم جماعة رفع عن الباقين ، أو أن الوعيد يقع بهم في الآخرة. وفي قوله سبحانه : « هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم » :
Show clickable narrator chain
يعني ما صدقوا فيه في دار التكليف ، وقيل : إنه الصدق في الآخرة ، وإنه ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله فالمراد به صدقهم في الشهادة لانبيائهم بالبلاغ. بضم الشين وكسرها : ضرب من الحيات. وقال البيضاوي في قوله تعالى « أين شركاؤكم » : أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله « الذين كنتم تزعمون » أي تزعمونهم شركاء فحذف المفعولان ، والمراد من الاستفهام التوبيخ ، ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها ، ويحتمل أن يشاهدوهم ولكن لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم « ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا » أي كفرهم ، والمراد عاقبته ، وقيل : معذرتهم التي يتوهمون أن يتخلصوا بها ، من فتنت الذهب : إذا خلصته ، وقيل : جوابهم. وإنما سماه فتنة لانه كذب ، أو لانهم قصدوا بها الخلاص « والله ربنا ما كنا مشركين » يكذبون ويحلفون عليه مع علمهم أنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة كما يقولون : « ربنا أخرجنا منها » وقد أيقنوا بالخلود ، وقيل : معناه : ما كنا مشركين عند أنفسنا ، وهو لا يوافق قوله : « انظر كيف كذبوا على أنفسهم » أي بنفي الشرك عنها ، وحمله على كذبهم في الدنيا تعسف « وضل عنهم ما كانوا يفترون » من الشركاء. وفي قوله تعالى : « ولو ترى إذ وقفوا على النار » : جوابه محذوف ، أي لو تراهم حين يوقفون على النار حتى يعاينوها ، أو يطلعون عليها ، أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمرا شنيعا « فقالوا ياليتنا نرد » تمنيا للرجوع إلى الدنيا « ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين » استيناف كلام منهم على وجه الاثبات كقولهم : دعني ولا أعود أي أنا لا أعود تركتني أو لم تتركني ، أو عطف على « نرد » أو حال من الضمير فيه فيكون في حكم المتمني ، وقوله : « وإنهم لكاذبون » راجع إلى ماتضمنه التمني من الوعد ، ونصبهما حمزة ويعقوب وحفص على الجواب بإضمار أن بعد الواو إجراءا لها مجرى الفاء ، وقرأ ابن عامر برفع الاول على العطف ونصب الثاني على الجواب « بل بدالهم ما كانوا يخفون من قبل » الاضراب عن إرادة الايمان المفهوم من التمني ، والمعنى أنه ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم وقبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجرا لا عزما على أنهم لو ردوا لآمنوا « ولوردوا » إلى الدنيا بعد الظهور والوقوف « لعادوا لما نهوا عنه » من الكفر والمعاصي « وإنهم لكاذبون » فيما وعدوا من أنفسهم ، « وقالوا » عطف على « لعادوا » أو على « إنهم لكاذبون » أو على « نهوا » أو استيناف بذكر ما قالوه في الدنيا « إن هي إلا حيوتنا الدنيا » الضمير للحياة « وما نحن بمبعوثين » « ولو ترى أذ وقفوا على ربهم » مجاز عن الحبس للسؤال والتوبيخ ، وقيل : معناه : وقفوا على قضاء ربهم وجزائه ، أو عرفوه حق التعريف « قال أليس هذا بالحق » كأنه جواب قائل قال : ماذا قال ربهم حينئذ؟ والهمزة للتقريع على التكذيب والاشارة إلى البعث وما يتبعه من الثواب والعقاب « قالوا بلى وربنا » إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الامر غاية الجلاء « قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون » بسبب كفركم ، أو ببدله « قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله » إذ فاتتهم النعم واستوجبوا العذاب المقيم ، ولقا الله : البعث وما يتبعه « حتى إذا جاءتهم الساعة » غاية « لكذبوا » لا الخسران ، لان خسرانهم لا غاية له « بغتة » فجأة ونصبها على الحال أو المصدر فإنها نوع من المجئ « قالوا يا حسرتنا » أي تعالي فهذا أوانك « على مافرطنا » قصرنا « فيها » في الحياة الدنيا ، أو في الساعة يعني في شأنها والايمان بها « وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم » تمثيل لاستحقاقهم آثار الآثام « ألا ساء ما يزرون » بئس شيئا يزرونه وزرهم. وفي قوله عزوجل : « ويوم يحشرهم جميعا » نصب بإضمار اذكر ، أو نقول ، و الضمير لمن يحشر من الثقلين ، وقرأ حفص عن عاصم وروح ويعقوب بالياء « يا معشر الجن » يعني الشياطين « قد استكثرتم من الانس » من إغوائهم وإضلالهم ، أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم ، كقولهم : استكثر الامير من الجنود « وقال أولياؤهم من الانس » الذين أطاعوهم « ربنا استمتع بعضنا ببعض » أي انتفع الانس بالجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها ، والجن بالانس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم ، وقيل : استمتاع الانس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز وعند المخاوف ، واستمتاعهم بالانس اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم « وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا » أي البعث ، وهو اعتراف بما فعلوا من طاعة الشيطان واتباع الهوى وتكذيب البعث ، وتحسر على حالهم « قال النار مثويكم » منزلكم ، أوذات مثويكم « خالدين فيها » حال ، والعامل فيها « مثويكم » إن جعل مصدرا ، ومعنى الاضافة إن جعل مكانا « إلا ماشاء الله » إلا الاوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير ، وقيل : إلا ماشاء الله قبل الدخول ، كأنه قيل : النار مثواكم أبدا إلا ما أمهلكم « إن ربك حكيم » في أفعاله « عليم » بأعمال الثقلين وأحوالهم « وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا » نكل بعضهم إلى بعض ، أو نجعل بعضهم يتولى بعضا فيغويهم ، أو أولياء بعض وقرناءهم في العذاب كما كانوا في الدنيا « بما كانوا يكسبون » من الكفر والمعاصي « يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم » الرسل من الانس خاصة ، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك ، وتعلق بظاهره قوم وقالوا : بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم ، وقيل : الرسل من الجن رسل الرسل إليهم لقوله : « ولوا إلى قومهم منذرين » « يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا » يعني يوم القيامة « قالوا شهدنا على أنفسنا » بالجرم والعصيان ، وهو اعتراف منهم بالكفر واستيجاب العذاب. وقال الطبرسي ; في قوله تعالى : « إلا ماشاء الله » : وجوه : أحدها : ما روي عن ابن عباس أنه قال : كان وعيد الكفار مبهما غير مقطوع به ثم قطع به بقوله سبحانه : « إن الله لا يغفر أن يشرك به ». وثانيها : أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة لان قوله : « يوم يحشرهم جميعا » هو يوم القيامة : فقال : خالدين فيها مذ يوم يبعثون إلا ماشاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم عن الزجاج ، قال : وجائز أن يكون المراد : إلا ماشاء الله أن يعذبهم به من أصناف العذاب. وثالثها : أن الاستثناء راجع إلى غير الكفار من عصاة المسلمين الذين هم في مشية الله إن شاء عذبهم بذنوبهم بقدر استحقاقهم عدلا ، وإن شاء عفا عنهم فضلا. ورابعها : أن معناه : إلا ماشاء الله ممن آمن منهم. وقال البيضاوي في قوله سبحانه : « هل ينظرون » : هل ينتظرون « إلا تأويله » إلا مايؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد « يقول الذين نسوه » أي تركوه ترك الناسي. وفي قوله سبحانه : « للذين أحسنوا الحسنى » المثوبة : الحسنى « وزيادة » وما يزيده على مثوبته تفضلا ، لقوله : « ويزيدهم من فضله » وقيل : الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف وأكثر ، وقيل : الزيادة مغفرة من الله ورضوان « ولا يرهق وجوههم » ولا يغشاها « قتر » غبرة فيها سواد « ولا ذلة » هوان ، والمعنى : لايرهقهم ما يرهق أهل النار ، أولا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوء حال « ما لهم من الله من عاصم » ما من أحد يعصمهم من سخط الله ، أو من جهة الله ، أو من عنده كما يكون للمؤمنين « كأنما اغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما » لفرط سوادها وظلمتها ، ومظلما حال من الليل « اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » مما يحتج به الوعيدية ، والجواب أن الآية في الكفار لاشتمال السيئات على الشرك والكفر ، ولان الذين أحسنوا يتناول أصحاب الكبيرة من أهل القبلة فلا يتناولهم قسيمه « و يوم نحشرهم جميعا » يعني الفريقين جميعا « ثم نقول للذين أشركوا مكانكم » ألزموا مكانكم حتى تنظروا ما يفعل بكم « أنتم » تأكيد للضمير المنتقل إليه من عامله « و شركاؤكم » عطف عليه « فزيلنا بينهم » ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم « وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون » مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم فإنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم ، لانها الآمرة بالاشراك لا ما أشركوا به ، وقيل : ينطق الله الاصنام فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي توقعوا منها ، وقيل : المراد بالشركاء الملائكة والمسيح ، وقيل : الشياطين « إن كنا عن عبادتكم لغافلين » « إن » هي المخففة من المثقلة ، واللام هي الفارقة « هنالك » في ذلك المقام « تبلو كل نفس ما أسلفت » تختبر ما قدمت من عمل فتعاين نفعه وضره « وردوا إلى الله » إلى جزائه إياهم بما أسلفوا « موليهم الحق » ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة ، لا ما اتخذوه مولى « وضل عنهم » وضاع عنهم « ما كانوا يفترون » من أنهم آلهتهم تشفع لهم ، أو ما كانوا يدعون أنها آلهة. وفي قوله تعالى : « ولو أن لكل نفس ظلمت » بالشرك أو التعدي على الغير « ما في الارض » من خزائنها وأموالها « لافتدت به » لجعلته فدية لها من العذاب من قولهم : افتداه بمعنى فداه « وأسروا الندامة لما رأوا العذاب » لانهم بهتوا بما عاينوا « مما لم يحتسبوا » من فظاعة الامر وهوله فلم يقدروا أن ينطقوا ، وقيل : أسروا الندامة : أخلصوها ، لان إخفاءها إخلاصها ، أو لانه يقال سر الشئ لخالصته من حيث إنها تخفى وتضن بها ، وقيل : أظهروها من قولهم : سر الشئ وأسره : إذا أظهره. وقال الطبرسي ; في قوله عزوجل : « ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم » بين سبحانه أن المطيعين لله الذين تولوا القيام بأمره ، وتولاهم سبحانه بحفظه وحياطته ، « لا خوف عليهم » يوم القيامة من العقاب « ولا هم يحزنون » أي لا يخافون ، واختلف في أولياء الله فقيل : هم قوم ذكرهم الله بما هم عليه من سيماء الخير والاخبات ، وقيل : هم المتحابون في الله ، ذكر ذلك في خبر مرفوع ، وقيل : هم الذين آمنوا وكانوا يتقون قد بينهم في الآية التي بعدها ، وقيل : إنهم الذين أدوا فرائض الله ، وأخذوا بسنن رسول الله ، وتورعوا عن محارم الله ، وزهدوا في عاجل هذه الدنيا ، ورغبوا فيما عند الله ، واكتسبوا الطيب من رزق الله لمعائشهم ، لا يريدون به التفاخر والتكاثر ، ثم أنفقوه فيما يلزمهم من حقوق واجبة ، فاولئك الذين يبارك الله لهم فيما اكتسبوا ويثابون على ما قدموا منه لآخرتهم وهو المروي عن علي بن الحسين 8 ، وقيل : هم الذين توالت أفعالهم على موافقة الحق « الذين آمنوا » أي صدقوا بالله واعترفوا بوحدانيته « وكانوا يتقون » مع ذلك معاصيه « لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة » فيه أقوال : أحدها أن البشرى في الحياة الدنيا هي ما بشرهم الله به في القرآن ، وثانيها أن البشارة في الحياة الدنيا بشارة الملائكة للمؤمنين عند موتهم بأن لا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة ، وثالثها أنها في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ، « وفي الآخرة » بالجنة وهي ما تبشرهم الملائكة عند خروجهم من القبور ، وفي القيامة إلى أن يدخلوا الجنة يبشرونهم بها حالا بعد حال وهو المروي عن أبي جعفر 7 ، وروي ذلك في حديث مرفوع عن النبي 9 « لا تبديل لكلمات الله » أي لا خلف لما وعد الله تعالى من الثواب. وفي قوله سبحانه : « للذين استجابوا لربهم الحسنى » : أي الخصلة الحسنى و الحالة الحسنى ، وهي صفة الثواب والجنة « والذين لم يستجيبوا له » أي لله ، فلم يؤمنوا به « لو أن لهم ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به » أي جعلوا ذلك فدية أنفسهم من العذاب ولم يقبل ذلك منهم « اولئك لهم سوء الحساب » فيه أقوال : أحدها أن سوء الحساب أخذهم بذنوبهم كلها من دون أن يغفر لهم شئ منها ، ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث : من نوقش الحساب عذب ، فيكون سوء الحساب المناقشة. ، والثاني : هو أن يحاسبوا للتقريع والتوبيخ فإن الكافر يحاسب على هذا الوجه ، والمؤمن يحاسب ليسر بما أعد الله له ، والثالث : هو أن لا يقبل لهم حسنة ولا يغفر لهم سيئة ، وروي ذلك عن أبي عبدالله 7 ، والرابع أن سوء الحساب هو سوء الجزاء فسمي الجزاء حسابا لان فيه إعطاء المستحق حقه « ومأويهم جهنم » أي مصيرهم إلى جهنم وبئس المهاد أي وبئس ما مهدوا لانفسهم ، والمهاد : الفراش الذي يوطأ لصاحبه ، وسمي النار مهادا لانه في موضع المهاد لهم. وفي قوله سبحانه : « ليحملوا أوزارهم » : اللام للعاقبة « كاملة » أي تامة « يوم القيمة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم » أي ويحملون مع أوزارهم بعض أوزار الذين أضلوهم عن سبيل الله وهو وزر الاضلال والاغواء ولم يحملوا وزر غوايتهم وضلالتهم وقوله : « بغير علم » معناه : من غير علم منهم بذلك بل جاهلين به « ألا ساء ما يزرون » أي بئس الحمل حملهم في الآثام. وفي قوله سبحانه : « ثم يوم القيمة يخزيهم » : أي يذلهم ويفضحهم يوم القيامة على رؤوس الاشهاد ويهينهم بالعذاب ، يقول على سبيل التوبيخ لهم والتهجين : « أين شركائي » الذين كنتم تشركونهم معي في العبادة على زعمكم « الذين كنتم تشاقون » أي تعادون المؤمنين « فيهم قال الذين اوتوا العلم » بالله وبدينه وشرائعه من المؤمنين ، وقيل : هم الملائكة عن ابن عباس « إن الخزي اليوم السوء على الكافرين » أي إن الهوان اليوم والعذاب الذي يسوء على الجاحدين لنعم الله المنكرين لتوحيده وصدق رسله « الذين تتوفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم » أي الذين يقبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم ففارقوا الدنيا وهم ظالمون لانفسهم بإصرارهم على الكفر « فألقوا السلم » أي [١]قال الرضى رضوان الله عليه : هذه استعارة ، وليس هناك شئ يلقى على الحقيقة ، وانما المراد بذلك طلب المسالمة عن ذل واستكانة والتماس وشفاعة ، وقد يجوز أن يكون معنى « فألقوا السلم » أي استسلموا وسلموا فكانوا كمن طرح آلة المقارعة ونزع شكة المحاربة. استسلموا للحق وانقادوا حين لا ينفعهم الانقياد والاذعان « يقولون ما كنا نعمل » عند أنفسنا « من سوء » أي معصية فكذبهم الله تعالى وقال : « بلى » قد فعلتم « إن الله عليم بما كنتم تعملون » في الدنيا من المعاصي وغيرها ، وقيل : القائل المؤمنون الذين اوتوا العلم أو الملائكة « فادخلوا أبواب جهنم » أي طبقاتها ودركاتها. وفي قوله تعالى : « ويوم يقول » يريد : يوم القيامة يقول الله للمشركين وعبدة الاصنام : « نادوا شركائي الذين زعمتم » في الدنيا « أنهم شركائي » ليدفعوا عنكم العذاب « فدعوهم » يعني المشركين يدعون اولئك الشركاء « فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم » أي بين المؤمنين والكافرين « موبقا » وهو اسم واد عميق فرق الله به بين أهل الهدى وأهل الضلالة ، وقيل بين المعبودين وعبدتهم « موبقا » أي حاجزا عن ابن الاعرابي ، أي فأدخلنا من كانوا يزعمون أنهم معبودهم مثل الملائكة والمسيح الجنة ، وأدخلنا الكفار النار ، وقيل : معناه : جعلنا مواصلتهم في الدنيا موبقا أي مهلكا لهم في الآخرة عن الفراء وقتادة وابن عباس ، فالبين على هذا القول معناه التواصل ، وقيل : موبقا : عدواة عن الحسن ، وروي عن أنس أنه قال : الموبق واد في جهنم من قيح ودم « ورأى المجرمون النار » يعني المشركون رأوا النار وهي تتلظى حنقا عليهم عن ابن عباس ، وقيل : عام في أصحاب الكبائر « فطنوا أنهم مواقعوها » أي علموا أنهم داخلون فيها « ولم يجدوا عنها مصصرفا » أي معدلا وموضعا ينصرفون إليه ليتخلصوا منها. وفي قوله تعالى : « فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا » أي لا تستعجل لهم العذاب فإن مدة بقائهم قليلة فإنا نعد لهم الايام والسنين ، وقيل : معناه : نعد أنفاسهم ، وقيل : نعد أعمالهم « يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا » أي اذكر لهم يا محمد اليوم الذي نجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته واجتناب معاصيه « إلى الرحمن » أي إلى جنته ودار كرامته وفودا وجماعات ، وقيل : ركبانا يؤتون بنوق لهم ير مثلها ، عليها رحائل الذهب وأزمتها الزبرجد فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة عن أمير المؤمنين 7 وابن عباس « ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا » أي ونحث المجرمين على السير إلى جهنم عطاشا كالابل التي ترد عطاشا مشاة على أرجلهم ، وسمي العطاش وردا لانهم يردون لطلب الماء ، وقيل : الورد : النصيب أي هم نصيب جهنم من الفريقين ، والمؤمنون نصيب الجنة. وفي قوله سبحانه : « فإن له معيشة ضنكا » : أي عيشا ضيقا ، وقيل : هو عذاب القبر ، وقيل : هو طعام الضريع والزقوم في جهنم ونحشره يوم القيمة أعمى أي أعمى البصر ، وقيل : أعمى عن الحجة ، والاول هو الوجه ، قال الفراء : يقال : إنه يخرج من قبره بصيرا فيعمى في حشره ، وقد روي عن معاوية بن عمار قال : سألت أباعبدالله 7 عن رجل لم يحج وله مال ، قال : هو ممن قال الله تعالى : « ونحشره يوم القيمة أعمى » فقلت : سبحان الله أعمى؟ قال : أعماه الله عن طريق الحق. « قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها » هذا جواب من الله سبحانه ومعناه : كما حشرناك أعمى جاءك محمد والقرآن والدلائل فأعرضت عنها وتعرضت لنسيانها فإن النسيان ليس من فعل الانسان فيؤاخذ عليه « وكذلك اليوم تنسى » أي تصير بمنزلة من ترك كالمنسي بعذاب لا يفنى. وفي قوله سبحانه : « لا يحزنهم الفزع الاكبر » : أي الخوف الاعظم وهو عذاب النار إذا اطبقت على أهلها ، وقيل : هو النفحة الاخيرة لقوله تعالى : « يوم نفخ في الصور ففزع ممن في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله » وقيل : هو حين يؤمر بالعبد إلى النار ، وقيل : هو حين يذبح الموت على صورة كبش أملح وينادى : يا أهل الجنة خلود ولا موت ، ويا أهل النار خلود ولا موت. وروى أبوسعيد الخدري ، عن النبي 9 قال : ثلاثة على كثبان من مسك لا يحزنهم الفزع الاكبر ولا يكترثون للحساب : رجل قرأ القرآن محتسبا ثم أم قوما محتسبا ، ورجل أذن محتسبا ، ومملوك أدى حق الله عزوجل وحق مواليه. « وتتلقيهم الملائكة » أي تستقبلهم الملائكة بالتهنئة يقولون لهم : « هذا يومكم الذى كنتم توعدون » في الدنيا فابشروا بالامن والفوز. وفي قوله عزوجل : « ويوم يحشرهم » : أي يجمعهم « وما يعبدون من دون الله » يعني عيسى وعزير ، أو الملائكة ، وقيل : يعني الاصنام ، فيقول الله لهؤلاء المعبودين : « ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل » أي طريق الجنة والنجاة « قالوا » يعني المعبودين من الملائكة والانس أو الاصنام إذا أحياهم الله سبحانه وأنطقهم : « سبحانك » أي تنزيها لك عن الشريك « ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء » أي ليس لنا أن نوالي أعداءك بل أنت ولينا من دونهم ، وقيل : معناه : ما كان يجوز لنا وللعابدين وما كان يحق لنا أن نأمر أحدا بأن يعبدنا ، فإنا لو أمرناهم بذلك لكنا واليناهم ، ونحن لا نوالي من يكفر بك « ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر » معناه : ولكن طولت أعمارهم وأعمار آبائهم وأمددتهم بالاموال والاولاد بعد موت الرسل حتى نسوا الذكر المنزل على الانبياء وتركوه « وكانوا قوما بورا » أي هلكى فاسدين ، هذا تمام الحكاية عن قول المعبودون ، فيقول الله سبحانه « فقد كذبوكم » أي كذبكم المعبودون ، أيها المشركون « بما تقولون » أي بقولكم أنهم آلهة شركاء لله ، ومن قرأ بالياء فالمعنى : فقد كذبوكم بقولهم : « سبحانك ما كان ينبغي لنا » الآية « فما يستطيعون صرفا » أي فما يستطيع المعبودون صرف العذاب عنكم ولا نصركم بدفع العذاب عنكم ، ومن قرأ بالتاء فالمعنى : فما تستطيعون أيها المتخذون الشركاء صرف العذاب عن أنفسكم ولا أن تنصروها. وفي قوله عزوجل : « يوم يرون الملائكة » : يعني يوم القيامة « لا بشرى يومئذ للمجرمين » أي لا بشارة لهم بالجنة والثواب ، والمراد بالمجرمين هنا الكفار « ويقولون حجرا محجورا » أي ويقول الملائكة لهم حراما محرما عليكم سماع البشرى ، وقيل : معناه : ويقول المجرمون للملائكة كما كانوا يقولون في الدنيا إذا لقوا من يخافون منه القتل : حجرا محجورا دماؤنا ، قال الخليل : كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الاشهر الحرم فيقول : حجرا محجورا أي حرام عليك حرمتي في هذا الشهر فلا يبدؤه بشر ، فإذا كان يوم القيامة رأوا الملائكة فقالوا ذلك ظنا منهم أنهم ينفعهم ، وقيل : معناه : حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال : لا إله إلا الله عن عطاء عن ابن عباس ، وقيل : يقولون حجرا محجورا عليكم أن تتعوذوا وإلا فلا معاذ لكم « وقدمنا إلى ما عملوا من عمل » أي قصدنا وعمدنا إلى ما عمله الكفار في الدنيا مما رجوا به النفع والاجر وطلبوا به الثواب والبر « فجعلناه هباء منثورا » وهو الغبار يدخل الكوة في شعاع الشمس ، وقيل : هو رهج[١] الدواب ، وقيل : هو ما تسفيه الرياح [١]الرهج بفتح الراء والهاء وسكون الثانى : ما اثير من الغبار. وتذريه من التراب ، وقيل : هو الماء المهراق والمنثور المتفرق ، وهذا مثل ، والمعنى : يذهب أعمالهم باطلا فلم ينتفعوا بها من حيث عملوها لغير الله ، ثم ذكر سبحانه فضل أهل الجنة على أهل النار فقال : « أصحاب الجنة يومئذ » يعني يوم القيامة « خير مستقرا » أي أفضل منزلا في الجنة « وأحسن مقيلا » أي موضع قائلة ، قال الازهري : القيلولة عند العرب : الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم ، والدليل على ذلك أن الجنة لا نوم فيها ، وقال ابن عباس وابن مسعود : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، قال البلخي : معنى « خير وأحسن » هنا أنه خير في نفسه وحسن في نفسه لا بمعنى أنه أفضل من غيره « ويوم تشقق السماء بالغمام » أي تتشقق السماء وعليها غمام ، كما يقال : ركب الامير بسلاحه ، وقيل : تتشقق السماء عن الغمام الابيض ، وإنما تتشقق لنزول الملائكة وهو قوله : « ونزل الملائكة تنزيلا » وقال ابن عباس : تتشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الارض من الجن والانس ، ثم تتشقق السماء الثانية فننزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا ومن الجن والانس ، ثم كذلك حتى تتشقق السماء السابعة ، وأهل كل سماء يزيدون على أهل كل سماء التي قبلها « الملك يومئذ الحق للرحمن » إي الملك الذي هو الملك حقا ملك الرحمن يوم القيامة ويزول ملك سائر الملوك فيه « وكان يوما على الكفارين عسيرا » لشدته ومشقته عليهم ، و يهون على المؤمنين كأنهم في صلاة صلوها في دار الدنيا « ويوم يعض الظالم على يديه » ندما وتأسفا ، وقيل : هو عقبة بن أبي معيط ، وتذهبان إلى المرفقين ثم تنبتان ولا يزال هكذا كلما نبتت يده أكلها ندامة على ما فعل « يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا » أي ليتني اتبعت محمدا واتخذت معه سبيلا إلى الهدى « يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا » يعني ابيا « خليلا » وقيل : أراد به الشيطان ، وإن قلنا أن المراد بالظالم ههنا جنس الظلمة فالمراد به كل خليل يضل عن الدين « لقد أضلني » أي صرفني وردني « عن الذكر » أي القرآن والايمان به « بعد إذ جاءني » مع الرسول ، ثم قال الله تعالى : « وكان الشيطان للانسان خذولا » لانه يتبرأ منه في الآخرة ويسلمه إلى الهلاك ولا يغني عنه شيئا « وقال الرسول » يعني محمدا 9 « يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا » يعني هجروا القرآن وهجروني وكذبوني ، وقيل : إن « قال » معناه : « ويقول ». وفي قوله سبحانه نقلا عن إبراهيم 7 : « ولا تخزني » : أي لا تفضحني ولا تعيرني بذنب يوم يبعثون ، وهذا الدعاء كان منه 7 على وجه الانقطاع إلى الله ، لما بينا أن القبيح لا يجوز وقوعه من الانبياء : ، ثم فسر ذلك اليوم بأن قال : « يوم لا ينفع مال ولا بنون » إذ لا يتهيؤ لذي مال أن يفتدي من شدائد ذلك اليوم به ، ولا يتحمل من صاحب البنين بنوه شيئا من معاصيه « إلا من أتى الله بقلب سليم » من الشرك و الشك ، وقيل : من الفساد والمعاصي ، وإنما خص القلب بالسلامة لانه إذا سلم القلب سلم سائر الجوارح من الفساد من حيث إن الفساد بالجارحة لا يكون إلا عن قصد بالقلب الفاسد. وروي عن الصادق 7 أنه قال : هو القلب الذي سلم من حب الدنيا « و ازلفت الجنة للمتقين » أي قربت لهم ليدخلوها « وبرزت الجحيم للغاوين » أي اظهرت وكشفت الغطاء عنها للضالين عن طريق الحق والصواب « وقيل لهم » على وجه التوبيخ : « أين ما كنتم تعبدون من دون الله » من الاصنام والاوثان وغيرهما ، « هل ينصرونكم » بدفع العذاب عنكم « أوينتصرون » لكم إذا عوقبتم؟ وقيل : ينتصرون أي يمتنعون من العذاب « فكبكبوا فيها » أي جمعوا وطرح بعضهم على بعض ، وقيل : نكسوا فيها على وجوههم « هم » يعني الآلهة « والغاوون » أي والعابدون « وجنود إبليس أجمعون » أي وكبكب معهم جنود إبليس ، يريد من اتبعه من ولده وولد آدم « قالوا وهم فيها يختصمون » أي قال هؤلاء وهم في النار يخاصم بعضهم بعضا « تالله إن كنا لفي ضلال مبين » « إن » هي المخففة « إذ نسويكم برب العالمين » أي عدلناكم به في توجيه العبادة إليكم « وما أضلنا إلا المجرمون » الذين اقتدينا بهم : وقيل : إلا الشياطين « فما لنا من شافعين » يشفعون لنا ويسألون في أمرنا « ولا صديق حميم » أي ذي قرابة يهمه أمرنا وذلك حين يشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون. وفي الخبر المأثور عن جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله 9 يقول : إن الرجل يقول في الجنة : ما فعل صديقي فلان؟ ـ وصديقه في الجحيم ـ فيقول الله تعالى : أخرجوا له صديقه إلى الجنة ، فيقول من بقي في النار : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم. وروى العياشي بالاسناد عن حمران بن أعين ، عن أبي عبدالله 7 قال : والله لنشفعن لشيعتنا حتى يقول الناس : فما لنا من شافعين إلى قوله : فنكون من المؤمنين. وفي رواية اخرى : حتى يقول عدونا. ثم قالوا : « فلوا أن لنا كرة » أي رجعة إلى الدنيا « فنكون من المؤمنين » المصدقين لتحل لنا الشفاعة. وفي قوله عزوجل : « من جاء بالحسنة » : أي بكلمة التوحيد والاخلاص ، و قيل : بالايمان « فله خير منها » قال ابن عباس : أي فمنها يصل الخير إليه ، والمعنى : فله من تلك الحسنة خير يوم القيامة وهو الثواب والامان من العقاب ، فخير ههنا إسم و ليس بالذي هو بمعنى الافضل ، وقيل : معناه : فله أفضل منها في عظم النفع لانه يعطى بالحسنة عشرا « وهم من فزع يومئذ آمنون » قال الكلبي : إذا اطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها ، وأهل الجنة آمنون من ذلك الفزع « ومن جاء بالسيئة » أي بالمعصية الكبيرة التي هي الكفر والشرك ، عن ابن عباس وأكثر المفسرين « فكبت وجوههم في النار » أي القوا في النار منكوسين « هل تجزون إلا ما كنتم تعملون » يعني أن هذا جزاء فعلكم وليس بظلم ، حدثنا السيد مهدي بن نزار ، عن أبي القاسم عبيد الله الحسكاني ، عن محمد بن عبدالله بن أحمد ، عن محمد بن أحمد بن محمد ، عن عبدالعزيز بن يحيى بن أحمد ، عن محمد بن عبدالرحمن بن الفضل ، عن جعفر بن الحسين ، عن محمد بن زيد بن علي ، عن أبيه قال : سمعت أباجعفر 7 يقول : دخل أبوعبدالله الجدلي [١] على أميرالمؤمنين 7 فقال له : يا عبدالله ألا اخبرك بقول الله عزوجل [١]أسماه الشيخ في رجاله بعبيد بن عبد ، وعده من رجال أمير المؤمنين 7 وعده البرقى من خواصه من مضر ، وقال ابن حجر في التقريب « ص ٥٦٧ » : أبوعبدالله الجدلى اسمه عبد أو عبد الرحمن بن عبد ثقة ، رمى بالتشيع ، من كبار الثالثة انتهى. والجدلى بفتح الاولين منسوب إلى جديلة وهم بطن من قيس عيلان ، وهم : « فهم وعدوان » ابنا عمرو بن قيس عيلان ، امهم جديلة ، قاله ابن الاثير في اللباب « ج ١ ص ٢١٤ ». « من جاء بالحسنة فله خير منها » ـ إلى قوله ـ : « تعملون »؟ قال : بلى جعلت فداك ، قال : الحسنة حبنا أهل البيت والسيئة بغضنا. وفي قوله سبحانه ، « أفمن وعدناه وعدا حسنا » من ثواب الجنة ونعيمها « فهو لاقيه » أي واصل إليه « كمن متعناه متاع الحيوة الدنيا » من الاموال وغيرها « ثم هو يوم القيمة من المحضرين » للجزاء والعقاب ، وقيل : من المحضرين في النار « ويوم يناديهم » أي واذكروا يوم ينادي الله الكفار وهو يوم القيامة ، وهذا نداء تقريع وتبكيت ، فيقول : « أين شركائي الذي كنتم تزعمون » أنهم شركائي في الالهية وتعبدونهم و تدعون أنهم ينفعونكم « قال الذين حق عليهم القول » أي حق عليهم الوعيد بالعذاب من الجن والشياطين والذين أغووا الخلق من اللانس : « ربنا هؤلاء الذين أغوينا » يعنون أتباعهم « أغويناهم كما غوينا » أي أضللناهم عن الدين بدعائنا إياهم إلى الضلال كما ضللنا نحن أنفسنا « تبرأنا إليك » منهم ومن أفعالهم « وما كانوا إيانا يعبدون » أي لم يكونوا يعبدوننا بل كانوا يعبدون الشياطين الذين زينوا لهم عبادتنا ، وقيل : معناه : لم يعبدونا باستحقاق وحجة « وقيل ادعوا شركائكم » أي ويقال للاتباع : ادعوا الذين عبدتموهم من دون الله لينصروكم ويدفعوا عنكم عذاب الله « فدعوهم فلم يستجيبوا لهم » أي فيدعونهم فلا يجيبونهم إلى ملتمسهم « ورأوا العذاب » أي يرون العذاب « لو أنهم كانوا يهتدون » جواب « لو » محذوف أي لما اتبعوهم ، وقال البيضاوي : وقيل : « لو » للتمني أي تمنوا أنهم كانوا مهتدين. وقال الطبرسي ; « ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين » : أي ما كان جوابكم لمن ارسل إليكم من النبيين ، وهذا سؤال تقدير للذنب ، وهو نداء يجمع العلم والعمل ، فإن الرسل يدعون إلى العلم والعمل جميعا ، فكأنه قيل لهم : ماذا علمتم وماذا عملتم؟ « فعميت عليهم الانباء يومئذ » أي خفيت وأشبهت عليهم طرق الجواب فصاروا كالاعمى ، وقيل : معناه : فالتسبت عليهم الحجج ، وسميت حججهم أنباءا لانها أخبار يخبر بها وهم لا يحتجون ولا ينطقون بحجة لان الله تعالى أدحض حجتهم وأكل ألسنتهم فسكتوا ، فذلك قوله : « فهم لا يتسائلون » أي لايسأل بعضهم بعضا عن الحجج ، وقيل : لايسأل بعضهم بعضا عن حاله لشغله بنفسه ، أولا يسأل بعضهم بعضا عن العذر الذي يعتذر به في الجواب فلا يجيبون ، وقيل : لا يتسائلون بالانساب و القرابة كما في الدنيا ، وقيل : لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل ذنوبه عنه. وفي قوله تعالى : « يبلس المجرمون » : أي ييأس الكافرون من رحمة الله ونعمه التي يفيضها على المؤمنين وقيل : يتحيرون وتنقطع حجتهم بظهور جلائل آيات الآخرة التي تقع عندها علم الضرورة « وكانوا بشركائهم كافرين » أي يتبرؤون عن الاوثان وينكرون كونها آلهة « يومئذ يتفرقون » فيصير المؤمنون أصحاب اليمين والمشركون أصحاب الشمال ، فيتفرقون تفرقا لايجتمعون بعده ، وقال الحسن : لئن كانوا اجتمعوا في الدنيا ليتفرقن يوم القيامة هؤلاء في أعلى عليين وهؤلاء في أسفل السافلين « فهم في روضة يحبرون » أي في الجنة ينعمون ويسرون سرورا يتبين أثره عليهم ، وقال ابن عباس : أي يكرمون ، وقيل : يلذذون بالسماع « فاولئك في العذاب محضرون » أي فيه محصلون ، ولفظة الاحضار لا يستعمل إلا فيما يكرهه الانسان ، كما يقال : احضر فلان مجلس القضاء. وفي قوله تعالى : « ولو ترى » يا محمد أو أيها الانسان « إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم » أي يوم القيامة حين يكون المجرمون مطأطئي رؤوسهم ومطرقيها حياءا وندما وذلا « عند ربهم » أي عندما يتولى الله سبحانه حساب خلقه « يقولون ربنا أبصرنا و سمعنا » أي أبصرنا الرشد وسمعنا الحق ، وقيل : معناه : أبصرنا صدق وعدك وسمعنا منك تصديق رسلك ، وقيل : معناه : إنا كنا بمنزلة العمى فأبصرنا وبمنزلة الصم فسمعنا « فارجعنا » أي فارددنا إلى دار التكليف « نعمل صالحا إنا موقنون » اليوم لا نرتاب شيئا من الحق والرسالة. وقال البيضاوي في قوله عزوجل : « ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم » أي في موضع المحاسبة « يرجع بعضهم إلى بعض القول » يتحاورون ويتراجعون القول « يقول الذين استضعفوا » يقول الاتباع « للذين استكبروا » للرؤساء « لولا أنتم » لولا إضلالكم وصدكم إيانا عن الايمان « لكنا مؤمنين » باتباع الرسول « قال الذين استكبروا » الآية ، أنكروا أنهم كانوا صادين لهم عن الايمان ، وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم حيث أعرضوا عن الهدى وآثروا التقليد عليه « وقال الذين استضعفوا » الآية إضراب عن إضرابهم أي لم يكن أجرامنا الصد بل مكركم لنا دائبا ليلا ونهارا حتى أغرتم علينا رأينا « وأسروا الندامة » أي وأضمر الفريقان الندامة على الضلال و الاضلال وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير ، أو أظهروها فإنه من الاضداد ، إذ الهمزة تصلح للاثبات والسلب كما في أشكيته. وفي قوله عزوجل : « ويوم نحشرهم جميعا » : المستكبرين والمستضعفين « ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون » تقريعا للمشركين وتبكيتا لهم[١] وإقناطا لهم عما يتوقعون من شفاعتهم ، وتخصيص الملائكه لانهم أشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم ، ولان عبادتهم مبدء الشرك وأصله ، وقرأ حفص بالياء فيهما « قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم » أنت الذي نواليه من دونهم ، لاموالاة بيننا وبينهم كأنهم بينوا بذلك براءتهم من الرضا بعبادتهم ، ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم : « بل كانوا يعبدون الجن » أي الشياطين ، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله ، وقيل : كانوا يتمثلون ويخيلون إليهم أنهم الملائكة فيعبدونهم « أكثرهم بهم مؤمنون » الضمير الاول للانس أو للمشركين والاكثر بمعنى الكل ، والثاني للجن. وفي قوله سبحانه : « ولو ترى إذ فزعوا » : عند الموت ، أوالبعث ، أو يوم بدر ، وجواب « لو » محذوف لرأيت أمرا فظيعا « فلا فوت » فلا يفوتون الله بهرب أو تحصن « واخذوا من مكان قريب » من ظهر الارض إلى بطنها ، أو من الموقف إلى النار ، أو من صحراء بدر إلى القليب « وقالوا آمنا به » بمحمد « وأنى لهم التناوش » ومن أين لهم أن يتناولوا الايمان تناولا سهلا؟ « من مكان بعيد » فإنه في حيز التكليف ، وقد بعد عنهم ، وهو تمثيل حالهم في الاستخلاص بالايمان بعد ما فات وبعد عنهم بحال من يريد أن يتناول الشئ من غلوة تناوله من ذراع « وقد كفروا به » بمحمد أو بالعذاب « من قبل » من قبل ذلك [١]التقريع والتبكيت : التعنيف. أو ان التكليف « ويقذفون بالغيب » ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول 9 من المطاعن ، أو في العذاب من البت على نفيه « من مكان بعيد » من جانب بعيد من أمره ، وهي الشبه التي تمحلوها في أمر الرسول ، أو حال الآخرة ، كما حكاه من قبل « وحيل بينهم وبين ما يشتهون » من نفع الايمان والنجاة من النار « كما فعل بأشياعهم من قبل » بأشباههم من كفرة الامم الدارجة « إنهم كانوا في شك مريب » موقع في الريبة ، أو ذا ريبة. وفي قوله عزوجل : « وامتازوا اليوم أيها المجرمون » : وانفردوا عن المؤمنين وذلك حين يسار بهم إلى الجنة ، وقيل : اعتزلوا من كل خير أو تفروقوا في النار : فإن لكل كافر بيتا ينفرد به لا يرى ولا يرى « ألم أعهد إليكم » من جملة ما يقال لهم تقريعا وإلزما للحجة ، وعهده إليهم ما نصب لهم من الدلائل العقلية والسمعية الآمرة بعبادته ، الزاجرة عن عبادة غيره وجعلها عبادة الشياطين لانه الآمر بها المزين لها « هذا صراط مستقيم » إشارة إلى ماعهد إليهم أوإلى عبادته ، والجبل : الخلق « اليوم نختم على أفواههم » نمنعها عن الكلام « وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون » بظهور آثار المعاصي عليها ودلالتها على أفعالها ، أو بإنطاق الله إياها ، وفي الحديث : إنهم يجحدون ويخاصمون فيختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم. وفي قوله سبحانه : « احشروا الذين ظلموا » : أمر الله للملائكة ، أو أمر بعضهم لبعض بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف ، وقيل : منه إلى الجحيم « وأزواجهم » وأشباههم عابد الصنم مع عبدة الصنم ، وعابد الكوكب مع عبدته ، أو نساؤهم اللاتي على دينهم أو قرناؤهم من الشياطين ، وما كانوا يعبدون من دون الله من الاصنام وغيرها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم وهو عام مخصوص بقوله : « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى » الآية ، وفيه دليل على أن الذين ظلموا المشركون « فاهدوهم إلى صراط الجحيم » فعرفوهم طريقها ليسلكوها « وقفوهم » احسبوهم في الموقف « إنهم مسئولون » عن عقائدهم وأعمالهم ، والواو لايوجب الترتيب مع جواز أن تكون موقفهم. وقال الطبرسي : وقيل : مسؤولون عن ولاية علي بن أبي طالب 7 عن أبي سعيد الخدري وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا حدثناه عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بالاسناد. ثم قال البيضاوي : « مالكم لا تناصرون » لا ينصر بعضكم بعضا بالتخليص ، وهو توبيخ وتقريع ، بل هم اليوم مستسلمون منقادون لعجزهم وانسداد الحيل عليهم ، و أصل الاستسلام طلب السلامة ، أو متسالمون كأنه يسلم بعضهم بعضا ويخذله وأقبل « بعضهم على بعض يتساءلون » يسأل بعض بعضا بالتوبيخ ، ولذا فسر بيتخاصمون ، « قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمن » عن أقوى الوجوه وأيمنها ، أو عن الدين ، أو عن الخير ، كأنكم تنفعوننا نفع السانح [١] فتبعناكم وهلكنا ، مستعار من يمين الانسان الذي هو أقوى الجانبين وأشرفه وأنفعه ، ولذلك سمي يمينا ، ويتيمن بالسانح ، أو عن القوة والقهر فتقسروننا على الضلال ، أو عن الحلف فإنهم كانوا يحلفون لهم أنهم على الحق « قالوا بل لم تكونوا مؤمنين » الآية ، أجابهم الرؤساء أولا بمنع إضلالهم بأنهم كانوا ضالين في أنفسهم ، وثانيا بأنهم ما أجبروهم على الكفر إذ لم يكن لهم عليهم تسلط وإنما جنحوا إليه لانهم كانوا قوما مختارين للطغيان. وقال الطبرسي ; « فحق علينا قول ربنا » : أي وجب علينا قول ربنا بأنا لا نؤمن ونموت على الكفر ، أو وجب علينا العذاب الذي نستحقه على الكفر و الاغراء. وقال في قوله عزوجل : « وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون » : أي ظهر لهم يوم القيامة من صنوف العذاب ما لم يكونوا ينتظرونه ولا يظنونه واصلا إليهم ولم يكن في حسبانهم ، وقال السدي : ظنوا أعمالهم حسنات فبدت لهم سيئات « وبدا لهم [١]السانح : الذي يأتي من جانب اليمين ، ويقابله البارح وهو الذى ياتى من جانب اليسار والعرب تتيمن بالاول وتتشاءم بالثانى. سيئات ما كسبوا » أي جزاء أعمالهم « وحاق بهم » أي نزل بهم « ما كانوا به يستهزؤن » هو كل ما ينذرهم النبي 9 مما كانوا ينكرونه ويكذبون به. وفي قوله تعالى : « أن تقول » أي خوف أن تقول ، أو حذر من أن تقول « نفس يا حسرتى على فرطت في جنب الله » أي يا ندامتى على ما ضيعت من ثواب الله ، وقيل : قصرت في أمر الله ، قال الفراء : الجنب : القرب أي في قرب الله وجواره ، وقال الزجاج من حدث عنا بحديث فنحن مسائلوه عنه يوما ، فإن صدق علينا فإنما يصدق على الله وعلى رسوله ، وإن كذب علينا فإنما يكذب على الله وعلى رسوله ، لانا إذا حدثنا لا نقول : قال فلان ، وقال فلان ، إنما نقول : قال الله وقال رسوله ، ثم تلا هذه الآية : « ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله » الآية ، ثم أشار خيثمة إلى اذنيه فقال : صمتا إن لم أكن سمعته. وروى سورة بن كليب [١] قال : سألت أباجعفر 7 عن هذه الآية فقال : كل إمام انتحل إمامة ليست له من الله ، قلت : وإن كان علويا؟ قال : وإن كان علويا ، قلت : وإن كان فاطميا؟ قال : وإن كان فاطميا « وينجي الله الذين اتقوا » معاصيه خوفا من عقابه « بمفازتهم » أي بمنجاتهم من النار « لا يمسهم السوء » أي لا يصيبهم المكروه والشدة « ولا هم يحزنون » على ما فاتهم من لذات الدنيا. وفي قوله سبحانه : « وسيق الذين كفروا » : أي يساقون سوقا في عنف « إلى جهنم زمرا » أي فوجا بعد فوج « حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها » وهي سبعة أبواب « وقال لهم خزنتها » الموكلون بها على وجه التهجين والانكار : « ألم يأتكم رسل منكم » أي من أمثالكم من البشر « يتلون عليكم آيات ربكم » أي حججه وما يدلكم على معرفته ووجوب عبادته « وينذرونكم لقاء يومك هذا » أي يخوفونكم من مشاهدة هذا اليوم وعذابه؟ « قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين » أي وجب العذاب على من كفر بالله لانه أخبر بذلك وعلم من يكفر ويوافي بكفره فقطع على عقابه ولم يكن يقع شئ على خلاف ما علمه « قيل » أي فيقول عند ذلك خزنة جهنم : « ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها » لا آخر لعقابكم « فبئس مثوى المتكبرين » عن الحق وقبوله جهنم « وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا » إي يساقون مكرمين زمرة بعد زمرة ، وإنما ذكر السوق على وجه المقابلة حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها [١]بفتح السين فسكون الواو وفتح الراء ، وكليب وزان زبير ، هو سورة بن كليب بن معاوية الاسدى عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الصادقين 8 ، وأورده العلامة في القسم الاول من الخلاصة ، وله رواية في الكشى يظهر منها حسن حاله وكونه ممن يصلح لان يسأل عنه زيد بن على. قبل مجيئهم وهي ثمانية « وقال لهم خزنتها » عند استقبالهم « سلام عليكم » سلامة من الله عليكم ، يحيونهم بالسلامة ليزدادوا بذلك سرورا ، وقيل : هو دعاء لهم بالسلامة والخلود أي سلمتم من الآفات « طبتم » أي بالعمل الصالح في الدنيا وطابت أعمالكم الصالحة وزكت ، وقيل : معناه : طابت أنفسكم بدخول الجنة ، وقيل : إنهم طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة ، واقتص لبعضهم من بعض ، فلما هذبوا وطيبوا قال لهم الخزنة ، طبتم ، وقيل : أي طاب لكم المقام ، وقيل : إنهم إذا قربوا من الجنة يردون على عين من الماء فيغتسلون بها ويشربون منها فيطهر الله أجوافهم فلا يكون بعد ذلك منهم حدث وأذى ولا تتغير ألوانهم فتقول الملائكة : طبتم فادخلوها خالدين « وقالوا » أي ويقول أهل الجنة إذا دخلوها اعترافا منهم بنعم الله عليهم « الحمد لله الذي صدقنا وعده » الذي وعدناه على ألسنة الرسل « وأورثنا الارض » أي أرض الجنة « نتبوء من الجنة » أي نتخذ من الجنة مبوءا ومأوى « حيث نشاء » وهذا إشارة إلى كثيرة قصورهم ومنازلهم وسعة نعمتهم « فنعم أجر العاملين » أي نعم ثواب المحسنين الجنة والنعيم فيها « وتري الملائكة حافين من حول العرش » معناه : ومن عجائب امور الآخرة أنك ترى الملائكة محدقين بالعرش « يسبحون بحمد ربهم » أي ينزهون الله تعالى عما لايليق به ويذكرونه بصفاته التي هو عليها ، وقيل : يحمدون الله تعالى حيث دخل الموحدون الجنة ، وقيل : إن تسبيحهم في ذلك الوقت على سبيل التلذذ والتنعم لا على وجه التعبد ، إذ ليس هناك تكليف وقد عظم الله سبحانه أمر القضاء في الآخرة بنصب العرش وقيام الملائكة حوله معظمين له سبحانه ومسبحين ، كما أن السلطان إذا أراد الجلوس للمظالم قعد على سريره وأقام جنده حوله تعظيما لامره ، وإن استحال كونه عزوجل على العرش « وقضي بينهم بالحق » أي وفصل بين الخلائق بالعدل « وقيل الحمدلله رب العالمين » قيل : من كلام أهل الجنة يقولون ذلك شكرا لله على النعمة التامة ، وقيل : إنه من كلام الله فقال في ابتداء الخلق : « الحمد الله الذي خلق السموات والارض » وقال بعد إفناء الخلق ثم بعثهم واستقرار أهل الجنة في الحنة : « الحمد لله رب العالمين » فوجب الاخذ بأدبه في ابتداء كل أمر بالحمد وختمه بالحمد. وفي قوله سبحانه : « ويوم يقوم الاشهاد » : جمع شاهد وهم الذين يشهدون بالحق للمؤمنين وعلى المبطلين والكافرين يوم القيامة ، وفي ذلك سرور للمحق وفضيحة للمبطل في ذلك الجمع العظيم ، وقيل : هم الملائكة والانبياء والمؤمنون ، وقيل : هم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ ، وعلى الكفار بالتكذيب ، وقيل : هم الانبياء وحدهم يشهدون للناس وعليهم. وفي قوله سبحانه : « قالوا آذناك ما منا من شهيد » : أي يقولون : أعلمناك ما مناشاهد بأن لك شريكا ، يتبرؤون من أن يكون مع الله شريك « وظنوا » أي أيقنوا « مالهم من محيص » إي من مهرب وملجأ. وفي قوله عزوجل : « ويقولون هل إلى مرد » أي رجوع ورد إلى الدنيا « من سبيل » تمنيا منهم لذلك « وتريهم يعرضون عليها » أي على النار قبل دخولهم « خاشعين من الذل » أي ساكنين متواضعين في حال العرض « ينظرون من طرف خفي » أي خفي النظر لما عليهم من الهوان يسارقون النظر إلى النار خوفا منها وذلة في نفوسهم ، وقيل : خفي ذليل ، عن ابن عباس ومجاهد ، وقيل : من عين لا تفتح كلها ، وإنما نظروا ببعضها إلى النار « وقال الذين آمنوا » لما رأوا عظيم ما نزل بالظالمين « إن الخاسرين » في الحقيقة « هم الذين خسروا أنفسهم » بأن فوتوها الانتفاع بنعيم الجنة « وأهليهم » أي وأولادهم وأزواجهم وأقاربهم لا ينتفعون بهم يوم القيامة لما حيل بينهم وبينهم ، وقيل : وأهليهم من الحور العين في الجنة لو آمنوا « ألا إن الظالمين في عذاب مقيم » هذا من قول الله تعالى ، والمقيم : الدائم الذي لا زوال له « وما كان لهم من أولياء » أي أنصار « ينصرونهم من دون الله » ويدفعون عنهم عقابه « ومن يضلل الله فماله من سبيل » يوصله إلى الجنة « استجيبوا لربكم » أي أجيبوا داعيه يعني محمدا 9 « من قبل أن يأتي يوم مرد له من الله » أي لا رجوع بعده إلى الدنيا ، أو لا يقدر أحد على رده ودفعه وهو يوم القيامة ، أو لايرد ولا يؤخر عن وقته وهو يوم الموت « مالكم من ملجأ يومئذ » أي معقل يعصمكم من العذاب « ومالكم من نكير » أي إنكار وتغيير للعذاب ، وقيل : من نصير منكر لما يحل بكم. وفي قوله عزوجل : « ومن يعش عن ذكر الرحمن » : أي يعرض عنه ، وقيل : معناه : ومن يعم عنه « نقيض له شيطانا فهو له قرين » أي نخل بينه وبين الشيطان الذي يغويه فيصير قرينه ، وقيل : معناه : نقرن به شيطانا في الآخرة يلزمه فيذهب به إلى النار ، كما أن المؤمن يقرن به ملك فلا يفارقه حتى يصير به إلى الجنة ، وقيل : أراد به شياطين الانس نحو علماء السوء ورؤساء الضلالة « وإنهم ليصدونهم » أي يصرفون هؤلاء الكفار « عن السبيل » أي عن طريق الحق « ويحسبون أنهم معتدون » أي يحسب الكفار أنهم على الهدى فيتبعونهم « حتى إذا جاءنا » قرأ أهل العراق غير أبي بكر « جاءنا » على الواحد ، والباقون « جاءانا » على الاثنين ، فعلى الثاني فالمعنى : جاءنا الشيطان و من أغواه يوم القيامة ، وعلى الاول فالمعنى : حتى إذا جاءنا الكافر وعلم ما يستحقه من العقاب « قال » لقرينه الذي أغواه : « يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين » يعني المشرق والمغرب فغلب أحدهما ، والمراد : يا ليت بيني وبينك هذا البعد مسافة فلم أرك ولا اغتررت بك « فبئس القرين » كنت لي في الدنيا ، فبئس القرين أنت لي اليوم ، فإنهما يكونان مشدودين في سلسلة واحدة زيادة عقوبة وغم ، عن ابن عباس ، ويقول الله سبحانه في ذلك اليوم للكفار : « ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون » أي لا يخفف الاشتراك عنكم شيئا من العذاب لان لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الاوفر من العذاب ، وقيل : معناه أنه لا تسلي لهم عماهم فيه بما يرونه بغيرهم من العذاب ، لانه قد يتسلى الانسان عن المحنة إذا رأى أن عدوه في مثلها ، وقال البيضاوي « ولن ينفعكم اليوم » : أي ما أنتم عليه من التمني « إذ ظلمتم » إذ صح أنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا « أنكم في العذاب مشتركون » لان حقكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه. وقال الطبرسى ; في قوله سبحانه : « الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو » : معناه : إن الذين تخالوا وتواصلوا في الدينا يكون بعضهم أعداءا لبعض ذلك اليوم ، يعني يوم القيامة ، وهم الذين تخالوا على الكفر والمعصية ومخالفة النبي 9 لما يرى كل واحد منهم من العذاب بسبب تلك المصادقة ، ثم استثنى من جملة الاخلاء المتقين فقال : « إلا المتقين » من المؤمنين الموحدين الذين خال بعضهم بعضا على الايمان والتقوى ، فإن تلك الخلة تتأكد بينهم يوم القيامة « يا عباد لا خوف عليكم اليوم » أي يقال لهم وقت الخوف : لا خوف عليكم من العذاب اليوم « ولا أنتم تحزنون » من فوت الثواب. وفي قوله تعالى : « وتري كل امة جاثية » : أي وترى يوم القيامة أهل كل ملة باركة على ركبها ، عن ابن عباس ، وقيل : باركة مستوفزة على ركبها كهيئة قعود الخصوم بين يدي القضاة ، وقيل : إن الجثو للكفار خاصة ، وقيل : هو عام للكفار والمؤمنين ينتظرون الحساب « كل امة تدعى إلى كتابها » أي كتاب أعمالها ، وقيل : إلى كتابها المنزل على رسولها ليسألوا عما عملوا به « اليوم تجزون ما كنتم تعملون » أي يقال لهم ذلك « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق » أي يشهد عليكم بالحق ، والمعنى : نبينه بيانا شافيا حتى كأنه ناطق « إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون » أي نستكتب الحفظة ما كنتم تعملون في دار الدنيا ، الاستنساخ : الامر بالنسخ ، قوله تعالى : « في رحمته » أي في جنته وثوابه. قوله تعالى : « أفلم تكن آياتي تتلى عليكم » أي فيقال لهم ذلك « فاستكبرتم » أي تعظمتم عن قبولها « وكنتم وقوما مجرمين » أي كافرين كما قال : « أفنجعل المسلمين كالمجرمين » قوله تعالى : « اليوم ننساكم » أي نترككم في العقاب كما تركتم التأهب للقاء يومكم هذا ، وقيل : أي نحلكم في العذاب محل المنسي كما أحللتم هذا اليوم محل المنسي. قوله تعالى : « ولا هم يستعتبون » أي لا يطلب منهم العتبى والاعتذار لان التكليف قد زال ، وقيل : أي لا يقبل منهم العتبى. وفي قوله عزوجل : « يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم » [١] : أي على الصراط يوم القيامة وهو دليلهم إلى الجنة ، ويريد بالنور الضياء الذي يرونه ويمرون [١]قال الشريف الرضى قدس الله أسراره : هذه استعارة على أحد التأويلين ، وهو أن يكون المعنى : أن ايمانهم في القيامة هاد لهم ومطرق بين أيديهم ، وواصل لاجنحتهم ، فجرى مجرى النور الهادى في طريقهم ، بمعنى أنهم يسعون إلى الموقف غير عاثرين ولا متعتعين ولا مخوفين ولا مروعين كما يكون غيرهم من لا ايمان له ولا هدى معه ، فكانهم لكونهم على تلك الحال يسيرون بدليل مسكون إلى دلالته وفى ضياء موثوق بهدايته. فيه ، وقيل : نورهم هداهم ، وقال قتادة : [١] إن المؤمن يضيئ له نوره كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيئ له نوره إلا موضع قدميه ، وقال : عبدالله بن مسعود : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من نوره قدر الجبل ، وأدناهم نورا نوره على إبهامه يطفئ مرة ويقد اخرى ، وقال الضحاك ، « وبأيمانهم » يعني كتبهم التي اعطوها ، ونورهم بين أيديهم ، وتقول لهم الملائكة : « بشريكم اليوم » أي الذي يبشرون به فيه. قوله : « انظرونا نقتبس من نوركم » قال الكلبي : يستضيئ المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور ، فإذا سبقهم المؤمنون قالوا : انظرونا نقتبس من نوركم أي نستضيئ بنوركم ونبصر الطريق فنتخلص من هذه الظلمات ، وقيل : إنهم إذا خرجوا من قبورهم اختلطوا فيسعى المنافقون في نور المؤمنين ، فإذا ميزوا بقوا في الظلمة فيستغيثون ويقولون هذا القول « قيل » أي فيقال للمنافقين : « ارجعوا وراءكم » أي ارجعوا إلى المحشر حيث اعطينا النور « فالتمسوا نورا » فيرجعون فلا يجدون نورا ، عن ابن عباس وذلك أنه قال : يغشى الجميع ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا ، ويترك الكافر والمنافق. وقيل : معنى قوله : « ارجعوا وراءكم » : ارجعوا إلى الدنيا إن أمكنكم فاطلبوا النور منها ، فإنا حملنا النور منها بالايمان والطاعات ، وعند ذلك يقول المؤمنون : « ربنا أتم لنا نورنا » « فضرب بينهم بسور » أي ضرب بين المؤمنين والمنافقين سور ، و الباء مزيدة لان المعنى : حيل بينهم وبينهم بسور ، وهو حائط بين الجنة والنار عن قتادة ، وقيل : هو سور على الحقيقة « له باب » أي لذلك السور باب « باطنه فيه الرحمة [١] وظاهره من قبله العذاب » أي من قبل ذلك الظاهر وهو النار ، وقيل : « باطنه » أي باطن ذلك السور « فيه الرحمة » أي الجنة التي فيها المؤمنون « وظاهره » أي وخارج السور « من قبله » يأتيهم « العذاب » يعني أن المؤمنين يسبقونهم ويدخلون الجنة ، والمنافقين يجعلون في النار والعذاب ، وبينهم السور الذي ذكره الله « ينادونهم » أي ينادي المنافقون المؤمنين « ألم نكن معكم في الدنيا » نصوم ونصلي كما نصومون وتصلون ونعمل كما تعملون؟ « قالوا » أي المؤمنون : « بلى » كنتم معنا « ولكنكم فتنتم أنفسكم » أي استعملتموها في الكفر والنفاق ، وقيل : تعرضتم للفتنة بالكفر والرجوع عن الاسلام ، وقيل : معناه : أهلكتم أنفسكم بالنفاق « وتربصتم » بمحمد 9 الموت وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منه ، وقيل : تربصتم بالمؤمنين الدوائر « وارتبتم » أي شككتم في الدين « وغرتكم الاماني » التي تمنيتموها بأن تعود الدائرة على المؤمنين « حتى جاء أمر الله » أي الموت ، وقيل : إلقاؤهم في النار ، وقيل : جاء أمر الله في نصرة دينه و نبيه وغلبته عليكم « وغركم بالله الغرور » يعني الشيطان غركم بحلم الله وإمهاله وقيل : الغرور : الدنيا « فاليوم لا يؤخذ منكم فدية » أيها المنافقون ، أي بدل ، بأن تفدوا أنفسكم من العذاب : « ولا من الذين كفروا » مظهرين له « مأويكم النار » أي مقركم « هي مولاكم الكذب وغير الكذب « ويحسبون أنهم على شئ » في ذلك الموضع الذي يحلفون فيه بالكذب « ألا إنهم هم الكاذبون » في أيمانهم وأقوالهم في الدنيا ، وقيل : معناه : اولئك الخائبون ، كما يقال : كذب ظنه أي خاب أمله. وفي قوله سبحانه : « فلما رأوه زلفة » : أي فلما رأوا العذاب قريبا يعني يوم بدر ، وقيل : معاينة ، وقيل : إن اللفظ ماض والمراد به المستقبل ، والمعنى : إذا بعثوا ورأوا القيامة قد قامت ورأوا ما أعد الله لهم من العذاب ، وهذا قول أكثر المفسرين « سيئت وجوه الذين كفروا » أي اسودت وجوههم وعليها الكأبة يعني قبحت وجوههم بالسواد ، وقيل : معناه : ظهر على وجوههم آثار الغم والحسرة ونالهم السوء والخزي آ « وقيل » لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب : « هذا الذي كنتم به تدعون » قال الفراء : وذكر الوجوه والمراد أصحاب الوجوه ، وعلى الثانى المعنى : منتظرة لثواب ربها ، روي ذلك عن علي 7 ، أو مؤملة لتجديد الكرامة كما يقال : عيني ممدودة إلى الله تعالى أو إلى فلان ، أو أنهم قطعوا آمالهم وأطماعهم من كل شئ سوى الله تعالى ، وعلى هذا فإن هذا الانتظار متى يكون؟ فقيل : إنه بعد الاستقرار في الجنة ، وقيل : إنه قبل استقرار الخلق في الجنة والنار ، فكل فريق ينتظر ما هو له أهل ، وقد قيل في إضافة النظر إلى الوجوه : إن الغم والسرور إنما يظهران في الوجوه فبين الله سبحانه أن المؤمن إذا ورد القيامة تهلل وجهه ، وأن الكافر العاصي يخاف مغبة [١] أعماله القبيحة فيكلح وجهه وهو قوله : « ووجوه يومئذ باسرة » أي كالحة عابسة متغيرة « تظن أن يفعل بها فاقرة » أي تعلم وتستيقن أنه يعمل بها داهية تفقر ظهورهم أي تكسرها ، وقيل : إنه على حقيقة الظن أي يظنون حصولها جملة ولا يعلمون تفصيلها. وفي قوله سبحانه : « إنا نخاف من ربنا يوما » : أي عذاب يوم « عبوسا » أي مكفهرا تعبس فيه الوجوه ، ووصف اليوم بالعبوس توسعا لما فيه من الشدة ، قال ابن عباس : يعبس فيه الكافر حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران « قمطريرا » أي صعبا شديدا ، وقيل : القمطرير : الذي يقلص الوجوه ويقبض الجباه وما بين الاعين من شدته « فوقيهم الله شر ذلك اليوم » أي كفاهم الله ومنع منهم أهوال يوم القيامة ، « ولقيم نضرة وسرورا » أي استقبلهم بذلك. وفي قوله تعالى : « بما يوعون » أي يجمعون في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من التكذيب والشرك ، وقيل : بما يجمعون من الاعمال الصالحة والسيئة. قوله تعالى : « غير ممنون » : أي غير منقوص ولا مقطوع ، وقيل : غير منغص ولا مكدر بالمن. وفي قوله سبحانه : « هل أتيك حديث الغاشية » : أي قد أتاك حديث القيامة ، لانها تغشى الناس بأهوالها بغتة ، وقيل : الغاشية ، النار تغشى وجوه الكفار بالعذاب [١]المغبة : عاقبة الشئ. « وجوه يومئذ خاشعة » أي ذليلة بالعذاب الذي يغشاها والشدائد التي تشاهدها ، والمراد أرباب الوجوه ، وقيل : المراد بالوجوه الكبراء « عاملة » في النار « ناصبة » فيها ، فلما لم يعمل الله سبحانه في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل والاغلال ، قال الزجاج : يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار ، وقال الكلبي : يجرون على وجوههم في النار : وقيل : أي عاملة في الدنيا بالمعاصي ، ناصبة في النار يوم القيامة ، وقيل : أي عاملة ناصبة في الدنيا على خلاف ما أمرهم الله تعالى به ، وهم الرهبان و أصحاب الصوامع وأهل البدع والآراء الباطلة لا يقبل الله أعمالهم في البدعة والضلالة و تصير هبائا لا يثابون عليها. وقال أبوعبدالله 7 : كل ناصب لنا وإن تعبد واجتهد يصير إلى هذه الآية : « عاملة ناصبة » « تصلى نارا حامية » قال ابن عباس : قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله ، وقيل : إن المعنى أن هؤلاء يلزمون الاحراق بالنار التي في غاية الحرارة « تسقى من عين آنية » أي وتسقى أيضا من عين حارة قد بلغت اناها وانتهت حرارتها ، قال الحسن : قد اوقد عليهم مذخلقت فدفعوا إليها وردا عطاشا ، هذا شرابهم. ثم ذكر طعامهم فقال : « ليس لهم طعام إلا من ضريع » وهو نوع من الشوك يقال له : الشبرق ، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس وهو أخبث طعام وأبشعه لا ترعاه دابة. وعن ابن عباس قال : قال رسول الله 9 : الضريع : شئ يكون في النار يشبه الشوك ، أمر من الصبر ، وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار ، سماه الله الضريع. وقال أبوالدرداء والحسن : إن الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ماهم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة ، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون فيعطشهم الله ألف سنة ، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة ولا مريئة كلما أدنوها من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها ، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها ، فذلك قوله : « وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم » ولما نزلت هذه الآية قال المشركون : إن إبلنا لتسمن على الضريع ، وكذبوا في ذلك لان إلابل لا ترعاه ، فقال سبحانه تكذيبا لهم : « لا يسمن ولا يغني من جوع » أي لا يدفع جوعا ولا يسمن أحدا ، وقيل الضريع سم ، وقيل : هو بمعنى مضرع أي يضرعهم ويذلهم ، وقيل : هو الحجارة « ووجوه يومئذ ناعمة » أي منعمة في أنواع اللذات ، ظاهر عليها أثر النعمة والسرور ، مضيئة مشرقة « لسعيها » في الدنيا « راضية » حين اعطيت الجنة بعملها ، و المعنى : لثواب سعيها « في جنة عالية » أي مرتفعة القصور والدرجات ، وقيل : إن علو الجنة على وجهين : علو الشرف والجلالة ، وعلو المكان والمنزلة « لا تسمع فيها لاغية » أي كلمة ساقطة لا فائدة فيها ، وقيل : أي ذات لغو « فيها عين جارية » قيل : إنه اسم جنس ولكل إنسان في قصره عين جارية من كل شراب يشتهيه ، وفي العيون الجارية من الحسن واللذة مالا يكون في الواقفة ، ولذلك وصف بها عيون أهل الجنة ، وقيل : إن عيون الجنة تجري في غير اخدود ، وتجري كما يريد صاحبها « فيها سرر مرفوعة » قال ابن عباس : ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة مالم يجئ أهلها ، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ، ثم ترتفع إلى موضعها ، وقيل : إنما رفعت ليرى المؤمنون بجلوسهم عليها جميع ما حولهم من الملك « وأكواب موضوعة » على حافات العيون الجارية ، كلما أراد المؤمن شربها وجدها مملوءة ، وهي الاباريق ليس لها خراطيم ولا عرى تتخذ للشراب ، وقل هي أواني الشراب من الذهب والفضة والجواهر يتمتعون بالنظر إليها بين أيديهم ، ويشربون بها ما يشتهونه من الاشربة ويتمتعون بالنظر إليها لحسنها [١] « ونمارق مصفوفة » أي وسائد يتصل بعضها ببعض على هيئة مجالس الملوك في الدنيا « وزرابي مبثوثة » وهي البسط الفاخرة والطنافس المخملة. والمبثوثة : المبسوطة المنثورة ، ويجوز أن يكون المعنى أنها مفرقة في المجالس. وعن عاصم بن ضمرة ، عن علي 7 أنه ذكر أهل الجنة فقال : يجيئون فيدخلون ، فإذا أساس بيوتهم من جندل اللؤلؤ « وسرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة » ولولا أن الله قدرها لهم لالتمعت أبصارهم بما يرون [١]في المجمع المطبوع هكذا : وقيل : هى أوانى الشراب من الذهب والفضة والجواهر بين أيديهم ، ويشربون بها ما يشتهونه من الاشربة ، ويتمتعون بالنظر اليها لحسنها. ويعانقون الازواج ، ويقعدون على السرر ، ويقولون : الحمد لله الذي هدنا لهذا. وفي قوله تعالى : « وتواصوا بالصبر » : أي وصى بعضهم بعضا بالصبر على فرائض الله والصبر عن معصية الله « اولئك أصحاب الميمنة » يؤخذ بهم ناحية اليمين ويأخذون كتبهم بأيمانهم ، وقيل : هم أصحاب اليمن والبركة على أنفسهم ، وأصحاب المشئمة يقابلونهم من كل وجه « عليهم نار مؤصدة » أي مطبقة ، وقيل : يعني أن أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لهم باب ، ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الابد.
الهوامش · 6⌄
[١]يوم القيامة ، ثم تلا هذه الآية ، وقيل : معناه : يجعل في عنقه يوم القيامة طوق من نار ، وقيل : معناه : يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا من أموالهم ، وقيل : هو كقوله : « يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم » فمعناه أنه يجعل طوقا فيعذب بها ، وقيل ، معناه أنه يعود عليهم وباله فيصير طوقا لاعناقهم ، كقوله : « وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه » والعرب تعبر بالرقبة والعنق عن جميع البدن. وفي قوله تعالى : « من قبل أن نطمس وجوها »ص 141
[٢]القليب : البئر.ص 156
[٢]بضم السين وتشديد الدال نسبة إلى سدة الجامع بالكوفة ، والسدة : الباب ، والرجل هو إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كريمة السدي أبومحمد القرشى المفسر الكوفى المترجم في رجال الشيخ في باب أصحاب السجاد والباقر والصادق : ، وفى التقريب واللبات وغيرهما من كتب العامة والخاصة ، قال ابن حجر في التقريب « ص ٤٣ » : إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبى كريمة السدى بضم السين وتشديد الدال أبومحمد الكوفي ، صدوق ورمى بالتشيع ، من الرابعة ، مات سنة سبع وعشرين انتهى. قلت : أراد سنة ١٢٧ ، والرجل يعرف بالكبير ، والسدى الصغير هو محمد بن مروان ابن عبدالله بن إسماعيل الكوفى.ص 158
[١]هو قنادة بن دعامة بن قتادة السدوسى أبوالخطاب البصرى ، تابعى يروى عن أنس وابن المسيب والحسن البصرى وغيرهم ، وروى عنه سعيد بن أبي عروبة وغيره : وكان ثقة مدلسا! توفي سنة ١١٧ عن ٥٦ سنة ، قاله ابن الاثير في اللباب « ج ١ ص ٥٣٧ ».ص 165
[٢]منسوب إلى كلب بن وبرة بن قضاعة ، وهو محمد بن السائب الكلبى الكوفي أبوالنضر صاحب التفسير ، المتوفي سنة ٢٤٦ ، وابنه أبوالمنذر هشام بن محمد السائب توفى سنة أربع أو ست و مائتين ، وهما من مفاخر العرب في الاخبار والتاريخ والتفسير والنسب ، وكانا يختصان بالشيعة.ص 165
[٢]كلح وجهه : عبس وتكشر.ص 168