Same indexed hadith bihar-3133; it ends on this printed page after beginning on pages 67-94.
Show complete hadith text
تفسير : قال الطبرسي ; قوله تعالى : « هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام » : أي هل ينتظر هؤلاء المكذبون بآيات الله إلا أن يأتيهم أمر الله وما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب؟ وقيل : قطع من السحاب ، وهذا كما يقال : قتل الامير فلانا وضربه وأعطاه ، وإن لم يتول شيئا من ذلك بنفسه بل فعل بأمره ، وقيل : معناه : ما ينظرون إلا أن يأتيهم جلائل آيات الله غير أنه ذكر نفسه تفخيما للآيات ، كما يقال : دخل الامير البلد ويراد بذلك جنده ، وإنما ذكر الغمام ليكون أهول ، فإن الاهوال تشبه بظلل الغمام ، وقال الزجاج : معناه : يأيتهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب كما قال : وآتيهم الله من حيث لم يحتسبوا والملائكة أي يأتيهم الملائكة « وقضي الامر » أي فرغ من الامر وهو المحاسبة وإنزال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار « وإلى الله ترجع الامور » أي إليه ترد الامور في سؤاله عنها ومجازاته عليها. وفي قوله تعالى : « يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا » : اختلف في كيفية وجود العمل محضرا فقيل : تجد صحائف الحسنات والسيئات ، وقيل : ترى جزاء عملها من الثواب والعقاب ، فأما أعمالهم فهي أعراض قد بطلت لا يجوز عليها الاعادة فتستحيل أن ترى محضرة. وفي قوله : « أمدا بعيدا » : أي غاية بعيدة أي تود أنها لم تكن فعلتها. وفي قوله تعالى : « يأت بماغل يوم القيمة » : معناه أنه يأتي به حاملا على ظهره ، كما روي في حديث طويل : إلا لايغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء ، [١] ألا لا يغلن أحد فرسا فيأتي يوم القيامة به على ظهره له حمحمة فيقول : يا محمد يا محمد ، فأقول : قد بلغت قد بلغت قد بلغت ، فلا أملك لك من الله شيئا. وقال البلخي : يجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل كأن الله إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له وله صوت ، والاولى أن يكون معناه : ومن يغلل يوافى بما غل يوم القيامة ، فيكون حمل غلوله على عنقه أمارة يعرف بها وذلك حكم الله في كل من وافى يوم القيامة بمعصية لم يتب منها وأراد الله سبحانه أن يعامله بالعدل أظهر عليه من معصيته علامة تليق بمعصيته ليعلمه أهل القيامة بها ، ويعلموا سبب استحقاقه العقوبة ، وكذا كل من وافى القيامة بطاعة فإنه سبحانه يظهر من طاعته علامة يعرف بها. وفي قوله تعالى : « ولقد جئتمونا » : قيل : هذا من كلام الله تعالى إما عند الموت أو البعث ، وقيل : من كلام الملائكة يؤدونه عن الله تعالى إلى الذين يقبضون أرواحهم [١]رغا البعير : صوت وضج ، ورغا الصبى : بكى أشد البكاء. « فرادى » أي وحدانا لا مال لهم ولا خول [١] ولا ولد ولا حشم ، وقيل : واحدا واحدا على حدة ، وقيل : كل واحد منهم منفرد من شريكه في الغي « كما خلقناكم أول مرة » أي في بطون امهاتكم فلا ناصر لكم ولا معين ، وقيل : معناه ما روي عن النبي 9 أنه قال : يحشرون حفاة عراتا غرلا والغرل : هم الغلف. وروي أن عائشة قالت لرسول الله 9 حين سمعت ذلك : واسوأتاه! أينظر بعضهم إلى سوأة بعض من الرجال والنساء؟ فقال 7 : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ويشغل بعضهم عن بعض. و قال الزجاج : معناه : كما بدأناكم أول مرة أي يكون بعثكم كخلقكم « وتركتم ما خولناكم » أي ملكناكم في الدنيا « وراء ظهوركم » أي خلف ظهوركم في الدنيا « وما نرى معكم شفعائكم » أي ليس معكم من كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم عند الله يوم القيامة وهي الاصنام « الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء » معناه : زعمتهم أنهم شركاؤنا فيكم وشفعاؤكم ، وهذا عام في كل من عبد غير الله تعالى أو اعتمد غيره يرجو خيره و يخاف ضيره في مخالفة الله تعالى « لقد تقطع بينكم » أي وصلكم وجمعكم ، ومن قرأ بالنصب فمعناه : لقد تقطع الامر بينكم أو تقطع وصلكم بينكم « وضل عنكم ما كنتم تزعمون » أي ضاع وتلاشى ، ولا تدرون أين ذهب من جعلتم شفعاءكم من آلهتكم ولم تنفعكم عبادتها ، وقيل : ما تزعمون من عدم البعث والجزاء. وفي قوله تعالى : « إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار » : أي إنما يؤخر مجازاتهم إلى يوم القيامة وهو اليوم الذي يكون فيه الابصار شاخصة عن مواضعها ، لا تغمض لهول ما ترى في ذلك اليوم ولا تطرف ، وقيل تشخص أبصارهم إلى إجابة الداعي حين يدعوهم « مهطعين » أي مسرعين ، وقيل : يريد دائمي النظر إلى ما يرون لا يطرفون « مقنعي رؤسهم » أي رافعي رؤوسهم إلى السماء حتى لا يرى الرجل مكان قدمه [١]الخول جمع خولى : العبيد والاماء وغيرهم من الحاشية. من شدة رفع الرأس ، وذلك من هول يوم القيامة. وقال مورخ : هذا دلالة على أن أهل الآخرة غير مكلفين ، خلافا لما يقوله النجار وجماعة لانهم لو كانو مكلفين لما كان لقولهم : أخرنا إلى أجل قريب وجه ، ولكان ينبغي لهم أن يؤمنوا فيتخلصوا من العقاب إذا كانوا مكلفين « وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم و تبين لكم كيف فعلنا بهم » هذا توبيخ لهم وتعنيف أي وسكنتم ديار من كذب الرسل قبلكم فأهلكهم الله فعرفتم ما نزل بهم من البلاء والهلاك والعذاب « وضربنا لكم الامثال » وبينا لكم الاشباه وأخبرناكم بأحوال الماضين قبلكم لتعتبروا بها فلم تعتبروا ، وقيل : الامثال ما ذكر في القران مما يدل على أنه تعالى قادر على الاعادة كما أنه قادر على الانشاء. ، وقيل : هي الامثال المنبهة على الطاعة ، الزاجرة عن المعصية « وقد مكروا مكرهم » أي بالانبياء قبلك. ، وقيل : عني بهم كفار قريش الذين دبروا في أمر النبي 9 ، ومكروا بالمؤمنين « وعند الله مكرهم » أي جزاء مكرهم « وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال » أي أن مكرهم وإن بلغ كل مبلغ فلا يزيل دين الله « فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله » أي ما وعدهم به من النصر والظفر « إن الله عزيز » أي ممتنع بقدرته من أن ينال باهتضام « ذو انتقام » « يوم تبدل الارض غير الارض والسموات » قيل : فيه قولان : أحدهما أن المعنى : تبدل صورة الارض وهيئتها عن ابن عباس ، فقد روي عنه أنه قال : تبدل آكامها وآجامها وجبالها وأشجارها والارض على حالتها وتبقى أرضا بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة ، وتبدل السماوات فيذهب بشمسها وقمرها ونجومها ، وكان ينشد : فما الناس بالناس الذين عهدتهم * ولا الدار بالدار التي كنت أعرف ويعضده ما رواه أبوهريرة عن النبي 9 قال : يبدل الله الارض غير الارض والسماوات فيبسطها ويمدها مد الاديم العكاظي « لا ترى فيها عوجا ولا أمتا » ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الاولى : ما كان في بطنها كان في بطنها ، وماكان على ظهرها على ظهرها. والآخر أن المعنى : تبدل الارض وتنشأ أرض غيرها والسماوات كذلك تبدل بغيرها وتفنى هذه ، عن الجبائي وجماعة من المفسرين ، وفي تفسير أهل البيت : بالاسناد عن زرارة ومحمد بن مسلم وحمران بن أعين ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله 8 قالا : تبدل الارض خبزة نقية يأكل الناس منها. حتى يفرغ من الحساب قال الله تعالى « وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام » وهو قول سعيد بن جبير ومحمد بن كعب. وروى سهل بن سعيد الساعدي ، [١] عن النبي 9 قال : تحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لاحد. وروي عن ابن مسعود أنه قال : تبدل الارض بنار فتصير الارض كلها نارا يوم القيامة ، والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها ويلجم الناس العرق ولم يبلغوا الحساب بعد. وقال كعب : تصير السماوات جنانا وتصير مكان البحر النار وتبدل الارض غيرها. وروي عن أبي أيوب الانصاري قال : أتى رسول الله 9 حبر من اليهود فقال : أرأيت إذ يقول الله في كتابه : « يوم تبدل الارض غير الارض والسموات » فأين الخلق عند ذلك؟ فقال : أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه. وقيل : تبدل الارض لقوم بأرض [١]كذا في نسخة المصنف ، والصحيح : « سعد » وهو سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الحارث بن ساعدة بن كعب بن خزرج الساعدى الانصارى ، يكنى أبا العباس ، له ولابيه صحبة مشهورة ، كان يوم وفاة النبى 9 ابن خمس عشرة سنة ، و عمر حتى أدرك الحجاح وامتحن معه ، واختلف في وقت وفاته فقيل : توفى سنة ٨٨ ، وقيل ٩١ ، وقد بلغ مائة سنة ، ويقال : إنه آخر من بقى بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله ، عده الشيخ في رجاله من أصحاب النبي 9 وعلى 7 ، وترجمه ابن عبدالبر في الاستيعاب وابن حجر في التقريب. الجنة ، ولقوم بأرض النار. وقال الحسن : يحشرون على الارض الساهرة وهي أرض غير هذه وهي أرض الآخرة ، وفيها تكون جهنم ، وتقدير الكلام : وتبدل السماوات غير السماوات ، إلا أنه حذف لدلالة الظاهر عليه. « وبرزوا لله » أي يظهرون من قبورهم للمحاسبة لا يسترهم شئ ، وجعل ذلك بروزا لله تعالى لان حسابهم معه وإن كانت الاشياء كلها بارزة له « الواحد » الذي لا شبيه له ولا نظير « القهار » المالك الذي لا يضام يقهر عباده بالموت الزوام « وترى المجرمين » يعني الكفار « يومئذ » أي يوم القيامة « مقرنين في الاصفاد » أي مجموعين في الاغلال ، قربت أيديهم بها إلى أعناقهم ، وقيل : يقرن بعضهم إلى بعض ، وقيل : مشدودين في قرن أى حبل من الاصفاد والقيود ، وقيل : يقرن كل كافر مع شيطان كان يضله في غل من حديد « سرابيلهم » أي قميصهم « من قطران » [١] وهو مايطلى به الابل شئ أسود لزج منتن يطلون به فيصير كالقميص عليهم ، ثم يرسل النار فيهم ليكون أسرع إليهم وأبلغ في الاشتعال وأشد في العذاب ، وقرأ زيد عن يعقوب « من قطر آن » على كلمتين منونتين ، وهو قراءة أبي هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير والكلبي وقتادة و عيسى الهمداني والربيع ، قال ابن جني : القطر : الصفر والنحاس ، والآن : الذي بلغ غاية الحر ، وجوز الجبائي على القرائتين أن يسربلوا بسربالين : أحدهما من القطران ، والآخر من القطر الآني « وتغشى وجوههم النار » أي تصيب وجوههم النار لا قطران عليها. وفي قوله عزوجل : « تجادل عن نفسها » : أي تخاصمه الملائكة عن نفسها و تحتج بما ليس فيه حجة ، فيقول : « والله ربنا ما كنا مشركين » ويقول أتباعهم : « ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار » ويحتمل أن يكون المراد أنها تحتج عن نفسها بما تقدر به إزالة العقاب عنها. وفي قوله تعالى : « وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا » : معناه : وإنا مخربون [١]سيال دهنى يتخذ من بعض الاشجار كالصنوبر والارز. الارض بعد عمارتها ، وجاعلون ما عليها مستويا من الارض يابسا لا نبات عليه ، وقيل : بلاقع. وفي قوله تعالى : « ويسئلونك » : أي ويسألك منكروا البعث عند ذكر القيامة عن الجبال ما حالها؟ فقل : يا محمد : « ينسفها ربي نسفا » أي يجعلها ربي بمنزلة الرمل يرسل عليها الرياح فتذريها كتذرية الطعام من القشور والتراب فلا يبقى على وجه الارض منها شئ ، وقيل : يصيرها كالهباء ، وقيل : إن رجلا من ثقيف سأل النبي 9 : كيف تكون الجبال يوم القيامة مع عظمها؟ فقال : إن الله يسوقها بأن يجعلها كالرمال « ثم يرسل عليها الرياح » فتفرقها « فيذرها » أي فيدع أماكنها من الارض إذا نسفتها « قاعا » أي أرضا ملسا ، وقيل : منكشفة « صفصفا » أي أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر ، وقيل : القاع والصفصف بمعنى واحد وهو المستوي من الارض الذى لا نبات فيه ، عن ابن عباس ومجاهد « لا ترى فيها عوجا ولا أمتا » أي ليس فيها مرتفع ولا منخفض قال الحسن : العوج : ما انخفض من الارض ، والامت ما ارتفع من الروابي « يومئذ يتبعون الداعي » أي يوم القيامة يتبعون صوت داعي الله الذي ينفخ في الصور « لا عوج له » أي لدعاء الداعي ، ولا يعدل عن أحد ، بل يحشرهم جميعا ، وقيل : معناه لا عوج لهم عن دعائه ولا يعدلون عن ندائه ، بل يتبعونه « سراعا وخشعت الاصوات للرحمن » أي خضعت الاصوات بالسكوت لعظمة الرحمن « فلا تسمع إلا همسا » وهو صوت الاقدام أي لا تسمع من صوت أقدامهم إلا صوتا خفيا كما يسمع من وطئ الابل ، وقيل : الهمس : إخفاء الكلام ، وقيل : معناه أن الاصوات العالية بالامر والنهي في الدنيا تنخفض وتذل أصحابها فلا تسمع منها إلا الهمس. « يومئذ لا تنفع الشفاعة » أي لا تنفع ذلك اليوم شفاعة أحد في غيره إلا شفاعة من أذن الله له في أن يشفع ورضي قوله فيها : من الانبياء والاولياء والصالحين والصديقين والشهداء « يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم » والضمير راجع إلى الذين يتبعون الداعي أي يعلم سبحانه منهم جميع أقوالهم وأفعالهم قبل أن يخلقهم وبعد أن خلقهم وما كان في حياتهم وبعد مماتهم ، لا يخفى عليه شئ من امورهم تقدم أو تأخر ، وقيل : يعلم ما بين أيديهم من أحوال الآخرة وما خلفهم من أحوال الدنيا « ولا يحيطون به علما » أي لا يحيطون هم بالله علما ، أي بمقدرواته ومعلوماته ، أو بكنه عظمته في ذاته وأفعاله « وعنت الوجوه للحي القيوم » أي خضعت وذلت حضوع الاسير في يد من قهره ، والمراد أرباب الوجوه ، وقيل : المراد بالوجوه الرؤساء والقادة والملكوك « وقد خاب » عن ثواب الله « من حمل ظلما » أي شركا « ومن يعمل من الصالحات » أي شيئا من الطاعات وهو مؤمن مصدق بما يجب التصديق به « فلا يخاف ظلما » بأن يزاد في سيئاته « ولا هضما » بأن ينقص من حسناته ، والهضم : النقص. وفي قوله : عزوجل : « يوم نطوي السماء » [١] : المراد بالطي ههنا هو الطي المعروف فإن الله سبحانه يطوي السماء بقدرته ، وقيل : إن طي السماء ذهابها « كطي السجل للكتب » السجل : صحيفة فيها الكتب ، عن ابن عباس وغيره ، وقيل : إن السجل ملك يكتب أعمال العباد ، عن أبي عمرو والسدي ، وقيل هو ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه ، عن عطاء ، وقيل : هو اسم كاتب كان للنبي 9 « كما بدأنا أول خلق نعيده » أي حفاة عراتا غرلا ، وقيل : معناه : نهلك كل شئ كما كان أول مرة. وفي قوله تعالى سبحانه : « يا أيها الناس اتقوا ربكم » : أي عذابه « إن زلزلة الساعة » أي زلزلة الارض يوم القيامة ، والمعنى أنها تقارن قيام الساعة وتكون معها ، [١]قال السيد الرضى 2 في المجازات : ص ١٤٧ : هذه استعارة ، والمراة بها على احد القولين ابطال السماء ونقض بنيتها واعدام جملتها من قولهم : طوى الدهر آل فلان إذا اهلكهم وعفى آثارهم ، وعلى القول الاخر يكون الطى ههنا على حقيقته فيكون المعنى : ان عرض السماء يطوى حتى يجمع بعد انتشاره ويتقارب بعد تباعد اقطاره فيصير كالسجل المطوى ، وهو ما يكتب فيه من جلد او قرطاس او ثوب او ما يجرى مجرى ذلك ، والكتاب ههنا مصدر كقولهم : كتب كتابا وكتابة وكتبا ، فيكون المعنى : يوم نطوى السماء كطى السجل ليكتب فيه ، فكانه قال : كطى السجل للكتابه ، لان الاغلب في هذه الاشياء التى اومأنا اليها أن تطوى قبل ان تقع الكتابة فيها ، لان الطى ابلغ في التمكن منها. وقيل : إن هذه الزلزلة قبل قيام الساعة وإنما أضافها إليها لانها من أشراطها « شئ عظيم » أي أمر هائل لا يطاق ، وقيل : إن معناه أن شدة يوم القيامة أمر صعب « يوم ترونها » أي الزلزلة أو الساعة « تذهل كل مرضعة عما أرضعت » أي تشغل عن ولدها وتنساه. وقيل : تسلو عن ولدها [١] « وتضع كل ذات حمل حملها » أي تضع الحبالى ما في بطونهن وفي هذا دلالة على أن الزلزلة في الدنيا ، قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام ، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام ، ومن قال : المراد به القيامة قال : إنه تهويل لامر القيامة وشدائدها ، أي لو كان ثم مرضعة لذهلت ، أو حامل لوضعت « وترى الناس سكارى » من شدة الفزع « وما هم بسكارى » من الشراب « ولكن عذاب الله شديد » فمن شدته يصيبهم ما يصيبهم. وفي قوله تعالى : « يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار » : أراد يوم القيامة تتقلب فيه أحوال القلوب والابصار وتنتقل من حال إلى حال ، فتلفحها النار ، ثم تنضجها ثم تحرقها ، وقيل : تتقلب فيه القلوب والابصار بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك ، وتتقلب الابصار يمنة ويسرة من أين تؤتى كتبهم ، ومن أين يؤخذ بهم ، أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال؟ وقيل : تتقلب القلوب ببلوغها الحناجر ، والابصار بالعمى بعد البصر ، وقيل : معناه : تنتقل القلوب من الشك إلى اليقين والايمان ، والابصار عما كانت تراه غيا فتراه رشدا ، فمن كان شاكا في دنياه أبصر في آخرته ، ومن كان عالما ازداد بصيرة وعلما. وفي قوله تعالى : « يقسم المجرمون » : أي يحلف المشركون « ما لبثوا في القبور غير ساعة » واحدة ، عن الكلبي ومقاتل ، وقيل : يحلفون ما مكثوا في الدنيا غير ساعة لاستقلالهم مدة الدنيا ، وقيل : يحلفون ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر غير ساعة ، عن الجبائي ، ومتى قيل : كيف يحلفون كاذبين مع أن معارفهم في الآخرة ضرورية؟ قيل : فيه أقوال : أحدها : أنهم حلفوا على الظن ولم يعلموا لبثهم في القبور فكأنهم قالوا [١]سلى عنه : نسيه. طابت نفسه عنه وذهل عن ذكره وهجره. ما لبثنا غير ساعة في ظنوننا ، وثانيها : أنهم استقلوا الدنيا لما عاينوا من أمر الآخرة فكأنهم قالوا : ما الدنيا في الآخرة إلا ساعة ، وثالثها ، أن ذلك يجوز أن يقع منهم قبل إكمال عقولهم « كذلك كانوا يؤفكون » في دار الدنيا أي يكذبون ، وقيل : يصرفون صرفهم جهلهم عن الحق في الدارين ، ومن استدل بهذه الآية على نفي عذاب القبر فقد أبعد لما بينا أنه يجوز أن يريدوا أنهم لم يلبثوا بعد عذاب الله إلا ساعة « وقال الذين اوتوا العلم والايمان لقد لبثتم » أي مكثتم « في كتاب الله » معناه أن لبثكم ثابت في كتاب الله أثبته الله فيه وهو قوله : « ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون » وهذا كما يقال : إن كل ما يكون فهو في اللوح المحفوظ أي هو مثبت فيه ، والمراد : لقد لبثتم في قبوركم إلى يوم البعث ، وقيل : إن الذين اوتوا العلم والايمان هم الملائكة ، وقيل : هم الانبياء ، وقيل : المؤمنون ، وقيل : إن هذا على التقديم وتقديره : وقال الذين اوتوا العلم في كتاب الله وهم الذين يعلمون كتاب الله والايمان لقد لبثتم إلى يوم البعث فهذا يوم البعث الذي كنتم تنكرونه في الدنيا ، ولكنكم كنتم لا تعلمون وقوعه في الدنيا ، فلا ينفعكم العلم به الآن ، ويدل على هذا المعنى قوله : « فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا أنفسهم بالكفر معذرتهم » فلا يمكنون من الاعتذار ، ولو اعتذروا لم يقبل عذرهم « ولا هم يستعتبون » أي لا يطلب منهم الاعتاب والرجوع إلى الحق. وفي قوله : سبحانه « لينذر » : أي النبي بما اوحي إليه « يوم التلاق » يلتقي في ذلك اليوم أهل السماء وأهل الارض ، وقيل : يلتقي فيه الاولون والآخرون والخصم والمخصوم والظالم والمظلموم ، وقيل : يلتقي الخلق والخالق يعني أنه يحكم بينهم ، وقيل : يلتقي المرء وعمله ، والكل مراد « يوم هم بارزون » من قبورهم ، وقيل : يبرز بعضهم لبعض فلا يخفى على أحد حال غيره لانه ينكشف له ما يكون مستورا « لا يخفى على الله منهم شئ » أي من أعمالهم وأحوالهم « ويقول » الله في ذلك اليوم : « لمن الملك اليوم » فيقر المؤمنون والكافرون بأنه « لله الواحد القهار » وقيل : إنه سبحانه هو القائل لذلك وهو المجيب لنفسه ، ويكون في الاخبار بذلك مصلحة للمكلفين ، قال محمد بن كعب القرطي [١] : يقول الله تعالى ذلك بين النفختين حين يفني الخلائق كلها ثم يجيب نفسه لانه بقي وحده ، والاول أصح لانه بين أنه يقول ذلك يوم التلاق يوم يبرز العباد من قبورهم ، وإنما خص ذلك اليوم بأن له الملك فيه لانه قد ملك العباد بعض الامور في الدنيا ، ولا يملك أحد شيئا ذلك اليوم. فإن قيل : أليس يملك الانبياء والمؤمنون في الآخرة الملك العظيم؟ فالجواب أن أحدا لا يستحق إطلاق الصفة بالملك إلا الله تعالى ، لانه يملك جميع الامور من غير تمليك مملك ، وقيل : إن المراد به يوم القيامة قبل تمليك أهل الجنة ما يملكهم « اليوم تجزى كل نفس ما كسبت » يجزى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ، وفي الحديث : إن الله تعالى يقول : أنا الملك ، أنا الديان ، لا ينبغي لاحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا لاحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصه منه ، ثم تلا هذه الآية : « لا ظلم اليوم » أي لا ظلم لاحد على أحد ، ولا ينقص من ثواب أحد ولا يزاد في عقاب أحد « إن الله سريع الحساب » لا يشغله محاسبة واحد عن محاسبة غيره « وأنذرهم يوم الآزفة » أي الدانية ، وهو يوم القيامة لان كل ما هو آت دان قريب ، وقيل : يوم دنو المجازاة « إذ القلوب لدى الحناجر » وذلك أنها تزول عن مواضعها من الخوف حتى تصير إلى الحنجرة « كاظمين » أي مغمومين مكروبين ممتلين غما ، قد أطبقوا أفواههم على ما في قلوبهم من شدة الخوف « ما للظالمين من حميم » يريد : ما للمشركين والمنافقين من قريب ينفعهم « ولا شفيع يطاع » فيهم فتقبل شفاعته « يعلم خائنة الاعين » أي خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه « وما تخفي الصدور » ويعلم [١]كذا في نسخة المصنف ، والصحيح « القرظى » بالمعجمة ، قال ابن الاثير في اللباب : هذه النسبة إلى قريظة وهو اسم رجل نزل أولاده حصنا بقرب المدينة ، وقريظة والنضير أخوان من أولاد هارون النبي 7 ، والمنتسب إلى قريظة جماعة : منهم كعب بن سليم القرظى المدنى يروى عن على بن أبيطالب 2 ، روى عنه ابنه محمد بن كعب ، وابنه محمد بن كعب القرظى أبوحمزة ، يروى من ابن عباس وابن عمر وغيرهما وكان من فضلاء أهل المدينة ، توفى بها سنة ١٠٨ وقيل : سنة ١١٧ انتهى. وقال ابن حجر في التقريب : ص ٤٦٨ : كان قد نزل كوفة مدة ، ثقة عالم من الثالثة ، ولد سنة اربعين على الصحيح ، ومات سنة عشرين ، وقيل قبل ذلك. ما تضمره الصدور « والله يقضي بالحق » أي يفصل بين الخلائق بالحق « والذين يدعون من دونه » من الاصنام « لا يقضون بشئ » لانها جماد. وفي قوله تعالى : « يوم يدع الداع إلى شئ نكر » أي منكر غير معتاد ولا معروف بل أمر فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاما ، واختلف في الداعي فقيل : هو إسرافيل يدعو الناس إلى الحشر قائما على صخرة بيت المقدس ، وقيل : بل الداعي يدعوهم إلى النار ، و « يوم » ظرف ليخرجون ، ويجوز أن يكون التقدير : في هذا اليوم يقول الكافرون « خشعا أبصارهم » أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب ، وإنما وصف الابصار بالخشوع لان ذلة الذليل وعزة العزيز تتبين في نظره وتظهر في عينه « يخرجون من الاجداث » أي من القبور « كأنهم جراد منتشر » والمعنى : أنهم يخرجون فزعين يدخل بعضهم في بعض ويختلط بعضهم ببعض ، لا جهة لاحد منهم فيقصدها ، كما أن الجراد لا جهة لها فتكون أبدا متفرقة في كل جهة ، وقيل : إنما شبههم بالجراد في كثرتهم ، وفي هذه الآية دلالة على أن البعث إنما يكون لهذه البنية لانها الكائنة في الاجداث ، خلافا لمن زعم أن البعث يكون للارواح « مهطعين إلى الداع » أي مقبلين إلى صوت الداعي ، وقيل : مسرعين إلى إجابة الداعي ، وقيل : ناظرين قبل الداعي ، قائلين : « هذا يوم عسر » أي صعب شديد. وفي قوله تعالى : « يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا » : أي تخرجوا هاربين من الموت ، يقال نفذ الشئ من الشئ : إذا خلص منه ، كالسهم ينفذ من الرمية « من أقطار السماوات والارض » أي جوانبهما ونواحيهما « فانفذوا » أي فاخرجوا « لا تنفذون إلا بسلطان » أي حيث توجهتم فثم ملكي ولا تخرجون من سلطاني فأنا آخذكم بالموت ، وقيل : لا تنفذون إلا بقدرة من الله وقود يعطيكموها بأن يخلق لكم مكانا آخر سوى السماوات والارض ويجعل لكم قوة تخرجون بها إليه ، وقيل : المعنى : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والارض فاعلموا أنه لا يمكنكم ذلك « لا تنفذون إلا بسلطان » أي لا تعلمون إلا بحجة وبيان ، وقيل : « لا تنفذون إلا بسلطان » معناه : حيث ما نظرتم شاهدتم حجة الله وسلطانه الذي يدل على توحيده « يرسل عليكما شواظ من نار » هو اللهب الاخضر المنقطع من النار « ونحاس » هو الصفر المذاب للعذاب ، وقيل : النحاس : الدخان ، وقيل : المهل ، والمعنى : لا تنفذون ولو جاز أن تنفذوا وقدرتم عليه لارسل عليكم العذاب من النار المحرقة ، وقيل : معناه : إنه يقال لهم ذلك يوم القيامة « يرسل عليكما » أي على من أشرك منكما ، وقد جاء في الخبر : يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ، ثم ينادون : « يا معشر الجن والانس » إلى قوله : « شواظ من نار » وروى مسعدة بن صدقة ، عن كليب قال : كنا عند أبي عبدالله 7 فأنشأ يحدثنا فقال : إذا كان يوم القيامة جمع الله العباد في صعيد واحد وذلك إنه يوحي إلى السماء الدنيا : أن اهبطي بمن فيك ، فيهبط أهل السماء الدنيا بمثلي من في الارض من الجن والانس والملائكة ، ثم يهبط أهل السماء الثانية بمثل الجميع مرتين ، فلا يزالون كذلك حتى يهبط أهل سبع سماوات فيصير الجن والانس في سبع سرادقات من الملائكة ، ثم ينادي مناد : يا معشر الجن والانس « إن استطعتم » الآية فينظرون فإذا قد أحاط بهم سبع أطواق من الملائكة ، وقوله : « فلا تنتصران » أي فلا تقدران على دفع ذلك عنكما وعن غيركما « فإذا انشقت السماء » يعني يوم القيامة إذا انصدعت السماء وانفك بعضها من بعض « فكانت وردة » أي فصارت حمراء كلون الفرس الورد وهو الابيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة ، فيكون في الشتاء أحمر وفي الربيع أصفر وفي اشتداد البرد أغبر ، سبحانه خالقها والمصرف لها كيف يشاء ، والوردة واحدة الورد فشبه السماء يوم القيامة في اختلاف ألوانها بذلك ، وقيل : أراد به وردة النبات وهي حمراء وقد تختلف ألوانها ولكن الاغلب في ألوانها الحمرة لتصير السماء كالوردة في الاحمرار ، ثم تجري كالدهان ، وهو جمع الدهن عند انقضاء الامر وتناهي المدة ، قال الحسن : هي كالدهان التي تصب بعضها بألوان مختلفة ، قال الفراء : شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل ، وشبه الوردة في اختلافه بالدهن واختلاف ألوانه ، وقيل : الدهان : الاديم[١] الاحمر ، وقيل : هو عكر الزيت يتلون ألوانا « فيومئذ » يعني [١]الاديم : الجلد. يوم القيامة « لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان » أي لا يسأل المجرم عن جرمه في ذلك الموطن لمايلحقه من الذهول الذي تحار له العقول ، وإن وقعت المسألة في غير ذلك الوقت بدلالة قوله : « وقفوهم إنهم مسولون » وقيل : المعنى : لا يسألان سؤال الاستفهام ليعرف ذلك بالمسألة من جهته لان الله تعالى قد أحصى الاعمال وحفظها على العباد ، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ للمحاسبة ، وقيل : إن أهل الجنة حسان الوجوه وأهل النار سود الوجوه فلا يسألون من أي الحزبين هم ولكن يسألون سؤال تقريع. وروي عن الرضا 7 أنه قال. فيومئذ لا يسئل منكم عن ذنبه إنس ولا جان والمعنى أن من اعتقد الحق ثم أذنب ولم يتب في الدنيا عذب عليه في البرزخ ، ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه « يعرف المجرمون بسيماهم » أي بعلامتهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون ، وقيل : بأمارات الخزي ، « فيؤخذ بالنواصي والاقدام » فتأخذهم الزبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغل ، ثم يسحبون إلى النار ويقذفون فيها. وفي قوله تعالى : « إذا وقعت الواقعة » : أي إذا قامت القيامة ، سميت بها لكثرة ما يقع فيها من الشدة ، أو لشدة وقعتها « ليس لوقعتها كاذبة » [١] أي ليس لمجيئها و ظهورها كذب ، وقيل : أي ليس لوقعتها قضية كاذبة أي ثبت وقوعها بالسمع والعقل : « خافضة رافعة » أي تخفض ناسا وترفع آخرين ، وقيل : تخفض أقواما إلى النار وترفع أقواما إلى الجنة « إذا رجت الارض رجا » أي حركت حركة شديدة ، وزلزلت زلزالا شديدا ، وقيل : معناه : رجت بما فيها كما يرج الغربال بما فيه ، فتخرج من في بطنها من الموتى « وبست الجبال بسا » أي فتت فتا ، وقيل : أي كسرت كسرا ، وقيل : قلعت من أصلها ، وقيل : سيرت من وجه الارض تسييرا ، وقيل : بسطت بسطا كالرمل والتراب ، وقيل : جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة « فكانت هباء منبثا » [١]قال السيد الرضى في المجازات « ص ٢٣٩ » : وهذه استعارة ، والمراد انها إذا وقعت لم ترجع عن وقوعها ولم تعدل عن طريقها ، كما يقال : قد صدق فلان الحملة ولم يكذب ، أى ولم يرجع على عقبيه ويقف عن وجهة عزمه جبنا وضعفا ووجلا وخوفا ، وتلخيص المعنى : ليس لوقعتها كذب ولا خلف إه. أي غبارا متفرقا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة [١] « وكنتم أزواجا » أي أصنافا « ثلثة فأصحاب الميمنة » يعني اليمين وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم ، وقيل : الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، وقيل : هم أصحاب اليمن والبركة « ما أصحاب الميمنة » أي أي شئ هم؟ كما يقال : هم ما هم! « وأصحاب المشئمة » هم الذين يعطون كتبهم بشمالهم ، أو يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، وقيل : هم المشائم على أنفسهم « والسابقون السابقون » أي والسابقون إلى اتباع الانبياء الذين صاروا أئمة الهدى هم السابقون إلى جزيل الثواب عند الله ، وقيل : السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمته ، فالسابقون الثاني خبر الاول ، ويحتمل أن يكون تأكيدا للاول ، والخبر : « اولئك المقربون ». وفي قوله تعالى : « فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة » : وهي النفخة الاولى وقيل : الثانية « وحملت الارض والجبال » أي رفعت من أماكنها « فد كتا دكة واحدة » أي كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى يستوي ما عليها من شئ مثل الاديم الممدود ، وقيل : ضرب بعضها ببعض حتى تفتتت الجبال ، ونسفتها الرياح ، وبقيت الارض شيئا واحدا لا جبل فيها ولا رابية بل تكون قطعة مستوية ، وإنما قال : « دكتا » لانه جعل الارض جملة واحدة ، والجبال جملة واحدة « فيومئذ وقعت الواقعة » أي قامت القيامة « وانشقت السماء » أي انفرج بعضها من بعض « فهي يومئذ واهية » أي شديدة الضعف بانتقاض أبنيتها ، وقيل : هو أن السماء تنشق بعد صلابتها فتصير بمنزلة الصوف في الوهن والضعف « والملك على أرجائها » أي على أطرافها ونواحيها ، والملك اسم يقع على الواحد والجمع ، والسماء مكان الملائكة فإذا وهت صارت في نواحيها ، وقيل : إن الملائكة يومئذ على جوانب السماء تنتظر ما يؤمر به في أهل النار وأهل الجنة « ويحمل عرش ربك فوقهم » يعني فوق الخلائق ، يومئذ ثمانية من الملائكة. وروي عن النبي 9 : أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة [١]بفتح الكاف وضمها وفتح الواو المشددة : الخرق في الحائط. اخرى فيكونون ثمانية ، وقيل : ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله تعالى عن ابن عباس « يومئذ تعرضون » يعني يوم القيامة تعرضون معاشر المكلفين « لا تخفى منكم خافية » أي نفس خافية أو فعلة خافية ، وقيل : الخافية مصدر أي خافية أحد ، وروي في الخبر عن ابن مسعود وقتادة أن الخلق يعرضون ثلاث عرضات : ثنتان فيهما معاذير وجدال ، والثالثة تطير الصحف من الايدي ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله ، وليس يعرض الله الخلق ليعلم من حالهم ما لم يعلمه ، ولكن ليظهر ذلك لخلقه « فأما من اوتي كتابه بيمينه فيقول » لاهل القيامة : « هاؤم » أي تعالوا « اقرؤا كتابيه » إنما يقوله سرورا بهم لعلمه بأنه ليس فيه إلا الطاعات فلا يستحيي أن ينظر فيه غيره « إني طننت » أي علمت وأيقنت في الدنيا « أني ملاق حسابيه » والهاء لنظم رؤوس الآي وهي هاء الاستراحة ، والمعنى : أني كنت مستيقنا في دار الدنيا بأني القي حسابي يوم القيامة « فهو في عيشة راضية » أي حالة من العيش ذات رضى بمعنى مرضية « في جنة عالية » أي رفيعة القدر والمكان ، « قطوفها دانية » أي ثمارها قريبة ممن يتناولها ، قال البراء بن عازب : يتناول الرجل من الثمرة وهو نائم. وروي عن سلمان قال : قال رسول الله 9 : لايدخل الجنة أحد إلا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية. وقيل : معناه : لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد ولا شوك ، يقال لهم : « كلوا واشربوا في الجنة هنيئا بما أسلفتم » أي قدمتم من أعمالكم الصالحة « في الايام الخالية » أي الماضية في الدنيا ، ويعني بقوله : « هنيئا » أنه ليس فيه ما يؤذي فلا يحتاج فيه إلى إخراج فضل بغايط أو بول « وأما من اوتي كتابه » أي صحيفة أعماله « بشماله فيقول يا ليتني لم اوت كتابيه » لما يرى فيه من قبائح أعماله « ولم أدر ما حسابيه » أي ولم أدر أي شئ حسابي « يا ليتها كانت القاضية » الهاء في ليتها كناية عن الحال التي هم فيها ، وقيل : كناية عن الموتة الاولى ، والقاضية : القاطعة للحياة أي ليت الموتة الاولى لم نحي بعدها ، أو تمنى يومئذ الموت ولم يكن في الدنيا شئ أكره عنده من الموت « ما أغنى عني ماليه » أي ما دفع عني مالي من عذاب الله شيئا « هلك عني سلطانيه » أي ضل عني ما كنت أعتقده حجة ، أو هلك عني تسلطي وأمري ونهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطا عليه. ثم أخبر سبحانه أنه يقول للملائكة : « خذوه فغلوه » أي أوثقوه بالغل ، وهو أن تشد إحدى يديه أو رجليه إلى عنقه بجامعة [١] « ثم الجحيم صلوه » أي ثم أدخلوه النار العظيمة وألزموه إياها « ثم في سلسلة ذرعها » أي طولها « سبعون ذراعا فاسلكوه » أي اجعلوه فيها لانه يؤخذ عنقه فيها ثم يجر بها ، قال الضحاك : إنما تدخل في فيه وتخرج من دبره ، فعلى هذا يكون المعنى : ثم اسلكوا السلسلة فيه فقلب ، وقال نوف البكالي : كل ذراع سبعون باعا ، الباع : أبعد مما بينك وبين مكة ـ وكان في رحبة الكوفة ـ وقال الحسن : الله أعلم بأي ذراع هو ، وقال سويد بن نجيح : إن جميع أهل النار كانوا في تلك السلسلة ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب من حرها « إنه كان لا يؤمن بالله العظيم » أي لم يكن يوحد الله ولا يصدق به « ولا يحض على طعام المسكين » أي كان يمنع الزكاة والحقوق الواجبة « فليس له اليوم هيهنا حميم » أي صديق ينفعه « ولا طعام إلا من غسلين » وهو صديد أهل النار وما يجري منهم : وقيل : إن أهل النار طبقات فمنهم : من طعامه غسلين ، ومنهم من طعامه الزقوم ، ومنهم من طعامه الضريع لانه قال في موضع آخر : « ليس لهم طعام إلا من ضريع » وقيل : يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين « لا يأكله » أي هذا الغسلين « إلا الخاطئون » وهم [١]الجامعة : الغل. الجائزون عن طريق الحق عامدين ، والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن المخطئ قد يكون من غير تعمد ، والخاطئ : المذنب المتعمد الجائز عن الصراط المستقيم. وفي قوله سبحانه : « يوم تكون السماء كالمهل » : أي كدردي الزيت ، وقيل : كعكر القطران ، وقيل : مثل الفضة إذا اذيبت ، وقيل : مثل الصفر المذاب « وتكون الجبال كالعهن » أي كالصوف المصبوغ ، وقيل : كالصوف المنفوش ، وقيل : كالصوف الاحمر ، بمعنى أنها تلين بعد الشدة وتتفرق بعد الاجتماع ، وقال الحسن : إنها أولا تصير كثيبا مهيلا ، ثم تصير عهنا منفوشا ، ثم هباءا منثورا « ولا يسئل حميم حميما » لشغل كل إنسان بنفسه عن غيره وقيل : لا يسأله أن يتحمل من أوزاره ليأسه من ذلك في الآخرة ، وقيل : معناه أنه لا يحتاج إلى سؤاله لانه يكون لكل علامة يعرف بها ، فعلامة الكافرين سواد الوجوه وزرقة العيون ، وعلامة المؤمنين نضارة اللون وبياض الوجوه « يبصرونهم » أي تعرف الكفار بعضهم بعضا ساعة ، ثم لا يتعارفون ويفر بعضهم من بعض ، وقيل : يعرفهم المؤمنون فيشمتون بهم ويسرون بعذابهم ، وقيل : يعرف أتباع الضلالة رؤساءهم ، وقيل : إن الضمير يعود إلى الملائكة أي يعرفهم الملائكة ، ويجعلون بصراء بهم فيسوقون فريقا إلى الجنة وفريقا إلى النار « يود المجرم » أي يتمنى العاصي « لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه » أي يتمنى سلامته من العذاب النازل به بإسلام كل كريم عليه من أولاده الذين هم أعز الناس عليه « وصاحبته » أي زوجته التي كانت سكنا له ، وربما آثرها على أبويه « وأخيه » الذي كان ناصرا له ومعينا « وفصيلته » أي وعشيرته « التي تؤويه » في الشدائد وتضمه ، ويأوي إليها في النسب « ومن في الارض جميعا » أي بجميع الخلائق « ثم ينجيه » ذلك الفداء « كلا » لا ينجيه ذلك « إنها لظى » يعني أن نار جهنم لظى أو القصة لظى « نزاعة للشوى » وسميت لظى لانها تتلظى أي تشتعل وتتلهب على أهلها ، وقيل : لظى اسم من أسماء جهنم ، وقيل : هي الدركة الثانية منها ، وهي « نزاعة للشوى » تنزع الاطراف فلا تترك لحما ولا جلدا إلا أحرقته وقيل : تنزع الجلد وام الرأس ، وقيل : تنزع الجلد واللحم عن العظم ، وقال الكلبي : يعني تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان ، وقال أبوصالح : الشوى : لحم الساق ، وقال سعيد بن جبير : العصب والعقب ، وقال أبوالعالية : محاسن الوجه « تدعو من أدبر وتولى » يعني النار تدعو إلى نفسها من أدبر عن الايمان وتولى عن طاعة الله وطاعة رسوله أي لا يفوتها كافر ، فكأنها تدعوه فيجيئها كرها ، وقيل : إن الله تعالى ينطق النار حتى تدعوهم إليها ، وقيل : معناه : تدعو زبانية النار ، وقيل : تدعو أي تعذب ، رواه المبرد عن الخليل قال : يقال : دعاك الله أي عذبك. وفي قوله : « كأنهم إلى نصب يوفضون » : أي كأنهم يسعون فيسرعون إلى علم نصب لهم ، وقيل : كأنهم إلى أوثانهم يسعون للتقرب إليها « ترهقهم ذلة » أي تغشاهم. وفي قوله سبحانه : « يوم ترجف الارض والجبال » : أي تتحرك باضطراب شديد « وكانت الجبال كثيبا مهيلا » أي رملا سائلا متناثرا عن ابن عباس ، وقيل : المهيل : الذي إذا وطأته القدم زل من تحتها ، وإذا أخذت أسفله انهار أعلاه ، والمعنى أن الجبال تنقلع من اصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل. وفي قوله : « يجعل الولدان شيبا » : هو جمع أشيب ، وهذا وصف لذلك اليوم و شدته ، كما يقال : هذا أمر يشيب منه الوليد وتشيب منه النواصي : إذا كان عظيما شديدا ، والمعنى : بأي شئ تتحصنون من عذاب ذلك اليوم إن كفرتم؟ وكيف تدفعون عنكم ذلك؟ « السماء منفطر به » الهاء يعود إلى اليوم ، والمعنى : أن السماء تنفطر وتنشق في ذلك اليوم من هوله ، وقيل : بسبب ذلك اليوم وهوله وشدته « كان وعده مفعولا » أي كائنا لا خلف فيه ولا تبديل. وفي قوله تعالى : « فإذا برق البصر » أي شخص البصر عند معاينة ملك الموت فلا يطرف من شدة الفزع ، وقيل : إذا فرع وتحير لما يرى من أهوال القيامة وأحوالها « وخسف القمر » أي ذهب نوره وضوؤه « وجمع الشمس والقمر » أي جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف ليتكامل ظلام الارض على أهلها حتى يراهما كل أحد بغير نور وضياء ، وقيل في طلوعهما من المغرب كالبعيرين القرينين « يقول الانسان » المكذب بالقيامة « يومئذ أين المفر » أين الفرار ، ويجوز أن يكون معناه : أين موضع الفرار « كلا لا وزر » أي لا مهرب ولا ملجأ لهم يلجؤون إليه ، والوزر : ما يتحصن به من جبل أو غيره « إلى ربك يومئذ المستقر » أي المنتهى أي ينتهي الخلق يومئذ إلى حكمه و أمره ، فلا حكم ولا أمر لاحد غيره وقيل : المستقر : المكان الذي يستقر فيه المؤمن والكافر ، وذلك إلى الله لا إلى العباد ، وقيل المستقر : المصير والمرجع « ينبؤ الانسان يومئذ بما قدم وأخر » أي يخبر الانسان يوم القيامة بأول عمله وآخره فيجازى به ، وقيل : معناه : بما قدم من العمل في حياته ، وما سنه فعمل به بعد موته من خير أو شر ، وقيل : بما قدم من المعاصي وأخر من الطاعات ، وقيل : بما أخذ و ترك ، وقيل : بما قدم من طاعة الله وأخر من حق الله وضيعه ، وقيل : بما قدم من ماله لنفسه ، وما خلفه لورثته بعده « بل الانسان على نفسه بصيرة ر » أي أن جوارحه تشهد عليه بما عمل ، قال القتيبي : أقام جوارحه مقام نفسه ولذلك أنث ، [١] وقيل : معناه أن الانسان بصير بنفسه وعمله ، وروى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله 7 قال : ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا أليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك؟ والله سبحانه يقول : « بل الانسان على نفسه بصيرة » إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية. « ولو ألقى معاذيره » أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك ، وقيل : معناه : ولو أرخى الستور وأغلق الابواب ، قال الزجاج : معناه : ولو أدلى بكل حجة عنده ، وجاء في التفسير : المعاذير : الستور ، واحدها معذار ، وقال المبرد : هي لغة طائية ، والمعنى على هذا القول : وإن أسبل الستور ليخفى ما يعمل ، فإن نفسه شاهد عليه. [١]وقال الكسائى : المعنى : بل على نفس الانسان بصيرة ، فجاء على التقديم والتأخير ، أي عليه من الملائكة رقيب يرقبه وحافظ يحفظ عمله. وقال أبوعبيدة : جاءت هذه الهاء في بصيرة والموصوف بها مذكر كما جاءت في علامة ونسابة وراوية وطاغية ، والمراد بها المبالغة في المعنى الذى وقع الوصف به. ووجه المبالغة في صفة الملك المحصى لاعمال المكلف بأنه بصيرة أن ذلك الملك يتجاوز علم الظواهر إلى علم السرائر بما جعل الله له على ذلك من الادلة وأعطاه من أسباب المعرفة. قاله الرضى في تلخيص البيان ص ٢٦٧. وفي قوله سبحانه : « إن هؤلاء يحبون العاجلة » : أي يؤثرون اللذات والمنافع العاجلة في دار الدنيا « ويذرون ورائهم » أي ويتركون أمامهم « يوما ثقيلا » أي عسيرا شديدا ، والمعنى : أنهم لا يؤمنون به ولا يعملون له ، وقيل : معنى « ورائهم » : خلف ظهورهم. وفي قوله تعالى : « فإذا النجوم طمست » : أي محيت آثارها واذهب نورها [١] « وإذا السماء فرجت » أي شقت وصدعت فصار فيها فروج « وإذا الجبال نسفت » أي قلعت من مكانها ، وقيل : أي اذهبت بسرعة حتى لا يبقى لها أثر في الارض « وإذا الرسل اقتت » أي جمعت لوقتها ، وهو يوم القيامة لتشهد على الامم ، وهو قوله : « لاي يوم اجلت » أي اخرت وضرب لهم الاجل لجمعهم تعجب العباد من ذلك اليوم ، وقيل : « اقتت » معناه : عرفت وقت الحساب والجزاء لانهم في الدنيا لا يعرفون متى تكون الساعة؟ وقيل : عرفت ثوابها في ذلك اليوم ، وقال الصادق 7 : « اقتت » أي بعثت في أوقات مختلفة ، ثم بين سبحانه ذلك اليوم فقال : « ليوم الفصل » أي يوم يفصل الرحمن بين الخلائق ، ثم عظم ذلك اليوم فقال : « وما أدريك ما يوم الفصل » ثم أخبر سبحانه عن حال من كذب به ، فقال : « ويل يومئذ للمكذبين ». وفي قوله تعالى : « هذا يوم لاينطقون » : فيه قولان : أحدهما أنهم لا ينطقون بنطق ينتفعون به فكأنهم لم ينطقوا ، والثاني أن في القيامة مواقف ففي بعضها يختصمون ويتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون. وعن قتادة قال : جاء رجل إلى عكرمة فقال : أرأيت قول الله تعالى : « هذا يوم لاينطقون » وقوله : « ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون »؟ قال : إنها مواقف ، فأما موقف منها فتكلموا و اختصموا ، ثم ختم على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم فحينئذ لاينطقون. [١]قال الرضى 1 في التلخيص « ص ٢٧٠ » : والمراد بطمس النجوم ـ والله أعلم – محو آثارها وإذهاب أنوارها ، وإزالتها عن الجهات التي يستدل بها ويهتدى بسمتها فصارت كالكتاب المطموس الذى اشكلت سطوره واستعجمت حروفه. والطمس في المكتوبات حقيقة ، وفى غيرها استعارة. وفي قوله تعالى : « إن يوم الفصل كان ميقاتا » : أي لما وعد الله من الجزاء و الحساب والثواب والعقاب « يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا » أي جماعة جماعة إلى أن تتكاملوا في القيامة ، وقيل : زمرا زمرا من كل مكان للحساب ، وكل فريق يأتي مع شكله ، وقيل : إن كل امة تأتي مع نبيها « وفتحت السماء » أي شقت لتزول الملائكة « فكانت أبوابا » أي ذات أبواب ، وقيل : صار فيها طرق ولم يكن كذلك من قبل « وسيرت الجبال » أي ازيلت عن أماكنها وذهب بها « فكانت سرابا » أي كالسراب يظن أنها جبال وليست إياها. وفي الحديث عن البراء بن عازب قال : كان معاذ بن جبل جالسا قريبا من رسول الله 9 في منزل أبي أيوب الانصاري فقال معاذ : يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى : « يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا » الآيات؟ فقال : يا معاذ سألت عن عظيم من الامر ثم أرسل عينيه ثم قال : تحشر عشرة أصناف من امتى أشتاتا قد ميزهم الله تعالى من المسلمين وبدل صورهم ، فبعضهم على صورة القردة ، و بعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون أرجلهم من فوق ووجوههم من تحت ثم يسحبون عليها ، وبعضهم عمي يترددون ، وبعضهم بكم لا يعقلون ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم يسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتنا من الجيف ، و بعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم ، فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس ، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت ، وأما المنكسون على رؤوسهم فآكلة الربا ، والعمي : الجائرون في الحكم ، والصم البكم : المعجبون بأعمالهم ، والذين يمضغون بألسنتهم فالعلماء والقضاة الذين خالفت أعمالهم أقوالهم ، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران ، والمصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، والذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله في أموالهم ، والذين يلبسون الجباب فإهل التجبر والخيلاء. وفي قوله تعالى : « لا يملكون منه خطابا » : أي لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه ، قال مقاتل : لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه « يوم يقوم الروح والملائكة صفا » اختلف في الروح فقيل : خلق الله على صورة بني آدم وليسوا بناس ولا بملائكة يقومون صفا والملائكة صفا ، وقيل : ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه ، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا ، وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا فيكون عظم خلقه مثل صفهم عن ابن عباس ، وقيل : إنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الارواح إلى الاجساد عن ابن عباس أيضا ، وقيل : إنه جبرئيل 7 ، وقال وهب : إن جبرئيل واقف بين يدي الله عزوجل ترعد فرائصه ، يخلق الله عزوجل من كل رعدة منه مائة ألف ملك ، فالملائكة صفوف بين يدي الله عز وجل منكسوا رؤوسهم ، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلا الله « وقال صوابا » أي لا إله إلا الله ، وعن الصادق 7 أنه ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل ، وقيل : إن الروح بنو آدم. وقوله : صفا : معناه مصطفين « لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن » وهم المؤمنون والملائكة « وقال » في الدنيا « صوابا » أي شهد بالتوحيد وقال : لا إله إلا الله ، وقيل : إن الكلام ههنا الشفاعة « ذلك اليوم الحق » الذي لا شك فيه يعني القيامة « فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا » أي مرجعا بالطاعة « إنا أنذرناكم عذابا قريبا » يعني العذاب في الآخرة « يوم ينظر المرء ما قدمت يداه » أي ينتظر جزاء ما قدمه من طاعة ومعصية ، وقيل : معناه : إن كل أحد ينظر إلى عمله في ذلك اليوم من خير وشر مثبتا عليه في صحيفته فيرجو ثواب الله على صالح عمله ويخاف العقاب على سوء عمله « ويقول الكافر » في ذلك اليوم « ياليتني كنت ترابا » أي يتمنى أن لو كان ترابا لا يعود ولا يحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم ، وقال عبدالله بن عمر : إذا كان يوم القيامة مدت الارض مد الاديم وحشر الدواب والبهائم والوحوش ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء [١] من الشاة القرناء التي نطحتها ، وقال مجاهد : يقاد يوم القيامة للمنطوحة من الناطحة ، وقال المقاتل : إن الله يجمع الوحوش والهوام والطير وكل شئ غير الثقلين فيقول : من ربكم؟ فيقولون : الرحمن الرحيم ، فيقول لهم الرب بعد [١]جمع الاجم : الكبش لا قرن له. ما يقضي بينهم حتى يقتص للجماء من القرناء : إنا خلقناكم وسخرناكم لبني آدم وكنتم مطيعين أيام حياتكم فارجعوا إلى الذي كنتم ، كونوا ترابا ، فتكون ترابا ، فإذا التفت الكافر إلى شئ صار ترابا يتمنى فيقول : يا ليتني كنت في الدنيا على صورة خنزير ، رزقي كرزقه وكنت اليوم أي في الآخرة ترابا ، وقيل : إن المراد بالكافر هنا إبليس عاب آدم بأن خلق من تراب وافتخر بالنار فيوم القيامة إذا رأى كرامة آدم وولده المؤمنين قال : يا ليتني كنت ترابا. وفي قوله تعالى : « فإذا جائت الطامة الكبرى » : هي القيامة لانها تطم على كل داهية هائلة أي تعلو وتغلب ، وقال الحسن : هي النفخة الثانية ، وقيل : هي الغاشية الغليظة المجللة التي تدفق الشئ بالغلظ ، وقيل : إن ذلك حين يساق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار « يوم يتذكر الانسان ما سعى » أي تجيئ الطامة في يوم يتذكر الانسان ما عمله من خير أو شر « وبرزت الجحيم » أي أظهرت النار « لمن يرى » فيراها الخلق مكشوفا عنها الغطاء ويبصرونها مشاهدة. وفي قوله تعالى : « فإذا جائت الصاخة » : يعني صيحة القيامة عن ابن عباس ، سميت بذلك لانها تصخ الآذان أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها ، وقيل : لانها يصخ لها الخلق أي يستمع « يوم يفر المرء من أخيه وامه وأبيه وصاحبته » أي زوجته « وبنيه » أي لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لعظم ما هو فيه وشغله بنفسه ، وإن كان في الدنيا يعتني بشأنهم ، وقيل : يفر منهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التبعات والمظالم ، وقيل : لعلمه بأنهم لا يشفعون له ولا يغنون عنه شيئا ، ويجوز أن يكون مؤمنا وأقرباؤه من أهل النار فيعاديهم ولا يلتفت إليهم ، أو يفر منهم لئلا يرى ما نزل بهم من الهوان « لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه » أي لكل إنسان منهم أمر عظيم يشغله عن الاقرباء ويصرفه عنهم « وجوه يومئذ مسفرة » أي مشرقة مضيئة « ضاحكة مستبشرة » من سرورها وفرحها بما اعد لها من الثواب ، وأراد بالوجوه أصحابها « و وجوه يومئذ عليها غبرة » أي سواد وكأبة للهم « ترهقها » أي تعلوها وتغشاها قترة أي سواد وكسوف عند معاينة النار ، وقيل : الغبرة : ما انحطت من السماء إلى الارض ، والقترة : ما ارتفعت من الارض إلى السماء. وفي قوله سبحانه : « إذا الشمس كورت » : أي إذا ذهب ضوؤها فاظلمت و اضمحلت ، وقيل : القيت ورمي بها ، وقيل : جمع ضوؤها ولفت كما تلف العمامة ، و المعنى أن الشمس تكور بأن تجمع نورها حتى تصير كالكارة الملقاة ويذهب ضوؤها ويحدث الله تعالى للعباد ضياءا غيرها « وإذا النجوم انكدرت » أي تساقطت وتناثرت ، يقال : انكدر الطائر من الهواء : إذا انقض ، وقيل : تغيرت من الكدورة ، والاول أولى لقوله : « واذا الكواكب انتثرت » إلا أن يقال : يذهب ضوؤها ثم تتناثر « وإذا الجبال سيرت » عن وجه الارض فصارت هباءا منبثا وسرابا « وإذا العشار » وهي النوق الحوامل أتت عليها عشرة أشهر ، وبعد الوضع تسمى عشارا أيضا وهي أنفس مال عند العرب « عطلت » أي تركت هملا بلا راع ، وقيل : العشار : السحاب يعطل فلا يمطر « وإذا الوحوش حشرت » أي جمعت حتى يقتص بعضها من بعض فيقتص للجماء من القرناء ويحشر الله سبحانه الوحوش ليوصل إليها ما تستحقه من الاعواض على الآلام التي نالتها في الدنيا وينتصف لبعضها من بعض ، فإذا وصل إليها ما استحقته من الاعواض فمن قال : إن العوض دائم قال : تبقى منعمة إلى الابد ، ومن قال : باستحقاقها العوض منقطعا فقال بعضهم : يديمه الله لها تفضلا لئلا يدخل على المعوض غم بانقطاعه ، وقال بعضهم : إذا فعل الله بها ما استحقته من الاعواض جعلها ترابا « وإذا البحار سجرت » أي ارسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها حتى امتلات ، وقيل : إن المعنى : فجر بعضها في بعض فصارت البحور كلها بحرا واحدا ويرتفع البرزخ ، وقيل : أى أوقدت فصارت نارا تضطرم عن ابن عباس ، وقيل : يسبت وذهبت ماؤها فلم يبق فيها قطرة ، وقيل : ملئت من القيح والصديد الذي يسيل من أبدان أهل النار في النار وأراد بحار جهنم لان بحور الدنيا قد فنيت عن الجبائي « وإذا النفوس زوجت » أي قرن كل واحد منها إلى شكله وضم إليها من أهل النار وأهل الجنة ، وقيل : أي ردت الارواح إلى الاجساد ، وقيل : يقرن الغاوي بمن أغواه من إنسان أو شيطان ، وقيل : أي قرنت نفوس الصالحين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بالشياطين « وإذا الموؤدة سئلت » يعني الجارية المدفونة حيا ، وكانت المرأة إذاحان وقت ولادتها حفرت حفرة وقعدت على رأسها فإن ولد بنتا رمت بها في الحفرة ، وإن ولدت غلاما حبسته « بأي ذنب قتلت » أي يقال لها : بأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها لانها تقول : قتلت بغير ذنب ، وقيل : إن معنى سئلت : طولب قاتلها بالحجة في قتلها ، فكأنه قيل : سئل قاتلها بأي ذنب قتلت هذه؟ ونظير قوله : « إن العهد كان مسئولا » أي مسؤولا عنه. « وإذا الصحف نشرت » يعني صحف الاعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال أهلها من خير وشر تنشر ليقرأها أصحابها ، ولتظهر الاعمال فيجازوا بحسبها « وإذا السماء كشطت » أي ازيلت عن موضعها كالجلد يزال عن الجزور ثم يطويها الله ، وقيل : معناه : قلعت كما يقلع السقف ، وقيل : كشفت عمن فيها ، ومعنى الكشط : رفعك شيئا عن شئ قد غطاه كما يكشط الجلد عن السنام « وإذا الجحيم سعرت » أوقدت واضرمت حتى از دادت شدة على شدة ، وقيل : سعرها غضب الله وخطايا بنى آدم « وإذا الجنة ازلفت » أي قربت من أهلها بدخول ، وقيل : قربت بما فيها من النعيم فيزداد المؤمن سرورا ويزداد أهل النار حسرة « علمت نفس ما أحضرت » أي إذا كانت هذه الاشياء التي تكون في القيامة علمت في ذلك الوقت كل نفس ما وجدت حاضرا من عمله ، كما قالوا : أحمدته : وجدته محمودا ، وقيل : علمت ما أحضرته من خير وشر ، وإحضار الاعمال مجاز لانها لا تبقى ، والمعنى : أنه لا يشذ عنها شئ فكان كلها حاضرة ، وقيل : إن المراد صحائف الاعمال. وفي قوله سبحانه : « إذا السماء انفطرت » : أي انشفت وتقطعت « وإذا الكواكب انتثرت » أي تساقطت وتهافتت ، قال ابن عباس : سقطت سودا لا ضوء لها « وإذا البحار فجرت » أي فتح بعضها في بعض : عذبها في ملحها وملحها في عذبها فصارت بحرا واحدا وقيل : معناه : ذهب ماؤها « وإذا القبور بعثرت » أي قلبت ترابها وبعثت الموتى التي فيها ، وقيل : معناه : بحثت عن الموتى فاخرجوا منها ، يريد عند البعث ، عن ابن عباس « علمت نفس ما قدمت وأخرت » عن ابن مسعود قال : ما قدمت من خير أو شر وما أخرت من سنة حسنة استن بها بعده فله أجر من أتبعه من غير أن ينقص من اجورهم شئ ، أو سنة سيئة عمل بها بعده فعليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شئ. « يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم » أي أي شئ غرك بخالقك وخدعك و سول لك الباطل حتى عصيته وخالفته؟ وروي أن النبي 9 لما تلا هذه الآية قال : غره جهله ، وقيل للفضيل بن عياض : لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه فقال : ما غرك بربك الكريم ماذا كنت تقول؟ قال :
الهوامش · 16⌄
[٢]حمحم البرذون أوالفرس : ردد صوته في طلب علف ، أو إذا رأى من يأنس به.ص 68
[٢]الغرل : جمع الاغرل وهو الاغلف.ص 69
[٣]قال الشريف الرضى في مجازات القرآن ص ٣٧ : على قراءة من قرأ برفع النون « من بينكم » وهذه استعارة لانه لا وصال هناك على الحقيقة فتوصف بالتقطع ، وإنما المراد : لقد زال ماكان بينكم من شبكة المودة وعلاقة الالفة التى تشبه لاستحكامها بالحبال المحصدة والقرائن المؤكدة.ص 69
[٢]في النهاية : العفرة : بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفر الارض وهو وجهها ، ومنه الحديث : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء.ص 72
[٣]المعلم : ما جعل علامة للطرق والحدود مثل اعلام الحرم.ص 72
[٤]كواعب : فتيات تكعبت ثديهن ، أى نتأت وبرزت ، مفردها كاعب أى ناهد ، وهى الجارية التى تفلك ثديها واستدار.ص 72
[٥]جمع كوب وهو كوز لا عروة ولا خرطوم له.ص 72
[٢]قال الرضى قدس الله روحه : المراد بزلزلة الساعة رجفان القلوب من خوفها ، واضطراب الاقدام من روعة موقعها ، ويشهد بذلك قوله سبحانه من بعد : « وترى الناس سكارى وما هم بسكارى » يريد تعالى من شدة الخوف والوجل والذهول والوهل.ص 75
[٢]لفح النار او السموم بحرها فلانا : أصابت وجهه وأحرقته.ص 76
[٢]عكر : ضد الصافى ، وهو دردى الزيت.ص 80
[٢]الرابية : ما ارتفع من الارض.ص 82
[٢]قال ابن الاثير في اللباب « ج ١ ص ١٣٧ » : البكالى : بكسر الباء الموحدة وفتح الكاف المخففة وفي آخرها اللام ، هذه النسبة إلى بنى بكال وهو بطن من حمير ينسب إليه أبوزيد نوف بن فضالة البكالى.ص 84
[٣]الصديد : القيح والدم. وهو ما يسيل من جوف أهل جهنم.ص 84
[٤]الزقوم : شجرة في جهنم منها طعام أهل انار ، نبات بالبادية له زهر كزهر الياسمين ، كل طعام يقتل.ص 84
[٥]الضريع : قيل : هو نوع من الشوك لا تأكله الدواب لخبثه ، وقيل : نبات أحمى منتن الريح يرمى به البحر ، فكيفما كان فاشارة إلى شئ منكر ، وروى عن رسول الله 9 أن الضريع : شئ يكون في النار يشبه الشوك أمر من الصبر وانتن من الجيفة وأشد حرا من النار.ص 84
[٢]أدلى بحجته أى أحضرها واحتج بها.ص 87