Same indexed hadith bihar-30829; it began on pages 10-16.
Show complete hadith text
Show clickable narrator chain
مر عيسى بن مريم عليه السلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما إنهم لم يموتوا إلا بسخطة، ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته ادع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها. فدعا عيسى عليه السلام ربه فنودي من الجو أن نادهم، فقام عيسى عليه السلام بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب لبيك يا روح الله وكلمته، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم؟ قال: عبادة الطاغوت وحب الدنيا، مع خوف قليل، وأمل بعيد، في غفلة ولهو ولعب، فقال: كيف كان حبكم للدنيا؟ قال: كحب الصبي لامه، إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا، وإذا أدبرت عنا بكينا وحزنا، قال: كيف كانت عبادتكم للطاغوت؟ قال: الطاعة لأهل المعاصي، قال: كيف كانت عاقبة أمركم؟ قال: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية، فقال: وما الهاوية؟ قال: سجين، قال: وما سجين؟ قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة قال: فما قلتم وما قيل لكم؟ قال: قلنا ردنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل لنا: كذبتم قال: ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم؟ قال: يا روح الله وكلمته إنهم ملجمون بلجام من نار، بأيدي ملائكة غلاظ شداد، وإني كنت فيهم ولم أكن عنهم، فلما نزل العذاب عمني معهم، فأنا معلق بشعرة على شفير جهنم، لا أدري أكبكب فيها أم أنجو منها. فالتفت عيسى عليه السلام إلى الحواريين فقال: يا أولياء الله أكل الخبز اليابس بالملح الجريش، والنوم على المزابل، خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة . وقال بعض العلماء: إنهم لم يكونوا قصارين على الحقيقة، وإنما أطلق هذا الاسم عليهم رمزا إلى أنهم كانوا ينقون نفوس الخلائق من الأوساخ والأوصاف الذميمة والكدورات، ويرفعونها إلى عالم النور من عالم الظلمات. " يا روح الله " أقول: في تسميته روحا أقوال أحدها أنه إنما سماه روحا لأنه حدث عن نفخة جبرئيل عليه السلام في درع مريم بأمر الله تعالى، وإنما نسبه إليه لأنه كان بأمره، وقيل إنما أضافه إليه تفخيما لشأنه كما قال: الصوم لي وأنا أجزي به وقد يسمى النفخ روحا، والثاني أن المراد به يحيى به الناس في دينهم كما يحيون بالأرواح، والثالث أن معناه إنسان أحياه الله بتكوينه بلا واسطة من جماع ونطفة كما جرت العادة بذلك، الرابع أن معناه: ورحمة منه، والخامس أن معناه روح من الله خلقها فصورها ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها فصيرها الله سبحانه عيسى عليه السلام، السادس سماه روحا لأنه كان يحيي الموتى كما أن الروح يصير سببا للحياة. وكذا اختلفوا في تسميته كلمة في قوله سبحانه " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم " وقوله تعالى " إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقيها إلى مريم وروح منه " على أقوال أحدها أنه إنما سمي بذلك لأنه حصل بكلمة من الله من غير والد، وهو قوله " كن " كما قال سبحانه " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون . والثاني أنه سمي بذلك لان الله تعالى بشر به في الكتب السالفة أو بشرت بها مريم على لسان الملائكة. والثالث أنه يهتدي به الخلق كما اهتدوا بكلام الله ووحيه. " فنودي من الجو " الجو بالفتح والتشديد: ما بين السماء والأرض " على شرف " قال الشيخ البهائي قدس سره: الشرف المكان العالي قيل: ومنه سمي الشريف شريفا تشبيها للعلو المعنوي بالعلو المكاني " فقال ويحك " ويح اسم فعل بمعنى الترحم كما أن ويل كلمة عذاب وبعض اللغويين يستعمل كلا منهما مكان الأخرى والطاغوت فلعوت من الطغيان، وهو تجاوز الحد، وأصله طغيوت فقدموا لامه على عينه، على خلاف القياس، ثم قلبوا الياء ألفا فصار طاغوت، وهو يطلق على الكاهن والشيطان والأصنام، وعلى كل رئيس في الضلالة، وعلى كل ما يصد عن عبادة الله تعالى، وعلى ما عبد من دون الله، ويجئ مفردا لقوله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " وجمعا كقوله تعالى: " والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات " . وقال قدس سره: لعلك تظن أن ما تضمنه هذا الحديث من أن الطاعة لأهل المعاصي عبادة لهم، جار على ضرب من التجوز لا الحقيقة، وليس كذلك بل هو حقيقة، فان العبادة ليست إلا الخضوع والتذلل والطاعة والانقياد، ولهذا جعل سبحانه اتباع الهوى والانقياد إليه عبادة للهوى، فقال: " أرأيت من اتخذ إلهه هويه " وجعل طاعة الشيطان عبادة له، فقال تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " . ثم نقل أخبارا كثيرة في ذلك فقال بعد ذلك: وإذا كان اتباع الغير والانقياد إليه عبادة له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية وشهواتهم البهيمية والسبعية على كثرة أنواعها واختلاف أجناسها، وهي أصنامهم التي هم عليها عاكفون، والأنداد التي هم لها من دون الله عابدون، وهذا هو الشرك الخفي نسأل الله سبحانه أن يعصمنا عنه ويطهر نفوسنا عنه بمنه وكرمه. " وغفلة " عطف على " خوف " وعطفه على عبادة الطاغوت بعيد " في لهو " " إذا أقبلت علينا " قال قدس سره: الشرطيتان واقعتان موقع اي المفسرة لحب الصبي لامه. " قال الطاعة لأهل المعاصي " قال رحمه الله: ما ذكره هذا الرجل المتكلم لعيسى على نبينا وآله وعليه السلام في وصف أصحاب تلك القرية، وما كانوا عليه من الخوف القليل، والأمل البعيد، والغفلة واللهو واللعب، والفرح باقبال الدنيا والخوف بادبارها، هو بعينه حالنا وحال أهل زماننا، بل أكثرهم خال عن ذلك الخوف القليل أيضا. نعوذ بالله من الغفلة، وسوء المنقلب. " قال جبال من جمر " في القاموس الجمرة النار المتقدة، والجمع جمر، قال الشيخ المتقدم ذكره رحمه الله: هذا صريح في وقوع العذاب في مدة البرزخ أعني ما بين الموت والبعث، وقد انعقد عليه الاجماع، ونطقت به الاخبار، ودل عليه القرآن العزيز، وقال به أكثر أهل الملل، وإن وقع الاختلاف في تفاصيله والذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت وقبل الحشر، في الجملة، وأما كيفياتها وتفاصيله فلم نكلف بمعرفتها على التفصيل، وأكثرها مما لا تسعه عقولنا فينبغي ترك البحث والفحص عن تلك التفاصيل، وصرف الوقت فيما هو أهم منها أعني فيما يصرف ذلك العذاب ويدفعه عنا كيف ما كان، وعلى أي نوع حصل، وهو المواظبة على الطاعات واجتناب المنهيات لئلا يكون حالنا في الفحص عن ذلك والاشتغال به عن الفكر فيما يدفعه وينجي منه كحال شخص أخذه السلطان وحبسه ليقطع في غد يده، ويجذع أنفه، فترك الفكر في الحيل المؤدية إلى خلاصه، وبقي طول ليله متفكرا في أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف؟ وهل القاطع زيد أو عمرو؟. " قيل لنا كذبتم " دل على أنهم " لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " كما نطقت به الآية أو كذبتم فيما عليه قولكم هذا أنه يمكنكم العود، وربما يقرء بالتشديد اي كذبتم الرسل، فلا محيص عن عذابكم. " قال يا روح الله " في بعض النسخ " يا روح الله وكلمته بقدس الله " فقوله: بقدس الله متعلق بروح الله وكلمته يعني أيها الذي صار روح الله وكلمته بقدس الله كما قيل، ويحتمل أن يكون الباء بمعنى " مع " أي مع تقدسه عن أن يكون له روح وكلمة حقيقة. ثم قال الشيخ البهائي رحمه الله: ثم لا يخفى أن ما قاله هذا الرجل من أنه كان فيهم ولم يكن منهم، فلما نزل العذاب عمه معهم، يشعر بأنه ينبغي المهاجرة عن أهل المعاصي والاعتزال لهم، وأن المقيم معهم شريك لهم في العذاب، ومحترق بنارهم، وإن لم يشاركهم في أفعالهم وأقوالهم، وقد يستأنس لذلك بعموم قوله تعالى: " إن الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وسائت مصيرا " ولو لم يكن في الاعتزال عن الناس فائدة سوى ذلك لكفى، وفيه من الفوائد ما لا يعد ولا يحصى، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه. " فأنا معلق " هذا كناية عن أنه مشرف على الوقوع فيها، ولا يبعد أن يراد به معناه الصريح أيضا، والشفير حافة الوادي وجانبه " أكبكب فيها " على البناء للمفعول اي أطرح فيها على وجهي، وفي القاموس جرش الشئ لم ينعم دقه فهو جريش، وفي الصحاح ملح جريش لم يطيب " مع عافية الدنيا " اي إذا كان مع عافية الدنيا من الخطايا " والآخرة " من النار، أو فيه عافية الدنيا من تشويش البال ومشقة تحصيل الأموال، وعافية الآخرة من العذاب والسؤال.
الهوامش10
[١]الكافي ج ٢ ص ٣١٨.ص 11
[١]آل عمران: ٤٥.ص 12
[٢]النساء: ١٧١.ص 12
[3]آل عمران، 59.ص 12
[١]النساء: ٦٠.ص 13
[٢]البقرة: ٢٥٧.ص 13
[٣]الفرقان: ٤٣.ص 13
[٤]يس: ٦٠.ص 13
[١]الانعام: ١٢٨.ص 15
[٢]النساء: ٩٧.ص 15