Same indexed hadith bihar-30854; it began on pages 55-59.
Show complete hadith text
Show clickable narrator chain
إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبها، ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة، وقال: لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضد لما طلب أعداء الحق. قلت: جعلت فداك مماذا؟ قال: من الرغبة فيها، وقال: ألا من صبار كريم، وإنما هي أيام قلائل؟ الا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الايمان حتى تزهدوا في الدنيا. قال: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله، وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط وإنما خالط القوم حلاوة حب الله، فلم يشتغلوا بغيره. قال: وسمعته يقول: إن القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو ويمكن تعميم الحق في كل حكم ومسألة، فان الأغراض الدنيوية تعمي القلب عن الحق، أو المراد بالحق الرب تعالى أي قربه ووصاله " وهو " اي الزهد " ضد لما طلب أعداء الحق " وقوله " مماذا " طلب لبيان ما طلبه أعداء الحق فبين عليه السلام بقوله: " من الرغبة فيها " والرغبة وإن كانت عين الطلب، لكن جعلها مطلوبهم مبالغة، ويحتمل أن يكون " ما " في قوله: " لما طلب " مصدرية، فلا يكون " مما " للبيان بل للتعليل كما سيأتي. ويحتمل أن يكون ضمير هو راجعا إلى الحق أي الحق ضد لمطلوب أعداء الحق، فمن في قوله: " مما " للتعليل، و " ماذا " للاستفهام أي لأي علة صار ضد الحق مطلوبهم، قال: لرغبتهم في الدنيا، وقيل: أي مماذا طلب أعداء الحق مطلوبهم. والهمزة في " ألا " للاستفهام و " لا " للنفي و " من " زائدة لعموم النفي والمعنى الا يوجد صبار كريم النفس، يصبر على الدنيا، وعلى فقرها وشدتها، ويزهد فيها وقد يقرء " صبار " بكسر الصاد وتخفيف الباء، مصدر باب المفاعلة مضافا إلى كريم، وقرء بعضهم ألا بالتشديد استثناء من الرغبة فيها أي إلا أن تكون الرغبة فيها من صبار كريم يطلبها من طرق الحلال، ويصبر على الحرام وعلى إخراج الحقوق المالية وإعانة الفقراء فان الرغبة في هذه الدنيا إنما هي للآخرة وأول الوجوه أظهرها. ثم رغب عليه السلام في الزهد وسهل تحصيله بقوله: " فإنما هي " اي الدنيا " أيام قلائل " وهي أيام العمر فالصبر على ترك الشهوات وتحمل الملاذ فيها سهل يسير سيما إذا كان مستلزما للراحة الطويلة الدائمة " الا إنه " الا حرف تنبيه وشبه حصول الايمان الكامل في القلب بحيث يظهر أثره في الجوارح بادراك طعم شئ لذيذ مع أن اللذات الروحانية أعظم من اللذات الجسمانية. قوله: " إذا تخلى المؤمن من الدنيا " أي جعل نفسه خالية من حب الدنيا وقطع تعلقه بها أو تفرغ للعبادة مجتنبا من الدنيا ومعرضا عنها قال في النهاية: فيه: أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت، التخلي التفرع، يقال تخلى للعبادة وهو تفعل من الخلو والمراد التبرؤ من الشرك وعقد القلب على الايمان، وقال: السمو العلو يقال سما يسمو سموا فهو سام، ويقال: فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها انتهى اي ارتفع من حضيض النقص إلى أوج الكمال أو مال وارتفع إلى عالم الملكوت وارتفعت همته عن التدنس بما في عالم الناسوت. " كأنه قد خولط " قال في القاموس: خالطه مخالطة وخلاطا مازجه، والخلاط بالكسر أن يخالط الرجل في عقله وقد خولط، وفي النهاية فيه ظن الناس أن قد خولطوا وما خولطوا، ولكن خالط قلبهم هم عظيم، يقال: خولط فلان في قلبه إذا اختل عقله، فقوله: خولط بهذا المعنى وخالط بمعنى الممازجة، وهذا أعلا درجات المحبين، حيث استقر حب الله تعالى في قلوبهم، وأخرج حب كل شئ غيره منها، فلا يلتفتون إلى غيره تعالى، ويتركون معاشرة عامة الخلق لمباينة طوره أطوارهم، فهم يعدونه سفيها مخالطا كما نسبوا الأنبياء عليهم السلام إلى الجنون لذلك. " إن القلب إذا صفا " اي أن القلب اي الروح الانساني لما كان من عالم الملكوت، وإنما اهبط إلى هذا العالم الأدنى أو ابتلي بالتعلق بالبدن لتحصيل الكمالات، وحيازة السعادات - كما أن الثوب قد يلوث ببعض الكثافات ليصير بعد الغسل أشد بياضا وأصفى مما كان - فإذا اختار الشقاوة وتشبث بهذه العلايق الجسمانية والشهوات الظلمانية، لحق بالانعام، بل هو أضل سبيلا، وإن تمسك بعروة الشريعة الحقة، وعمل بالنواميس الإلهية، والرياضات البدنية، حتى انفتح له عين اليقين، فنظر إلى الدنيا ولذاتها بتلك العين الصحيحة، رآها ضيقة مظلمة فانية موحشة غدارة غرارة ملوثة بأنواع النجاسات المعنوية، والصفات الدنية استوحش منها وتذكر عالمه الأصلي فرغب إليها، وتعلق بها فجانب المتعلقين بهذا العالم، وآنس بالمتعلقين بالملاء الاعلى، فلحق بهم، وضاقت به الأرض، وصارت همته رفيعة عالية، فلم يرض إلا بالصعود إلى سدرة المنتهى، وجنة المأوى، فهم مع كونهم بين الخلق أرواحهم معلقة بالملاء الاعلى، ويستسعدون بقرب المولى. أو يقال: لما كانت الأرض أعظم اجزاء الانسان، وكانت قواه الظاهرة والباطنة مائلة إليها بالطبع، لكمال النسبة بينهما كانت الدواعي إلى زهراتها حاضرة والبواعث إلى لذاتها ظاهرة، فربما اشتغل بها واكتسب الأخلاق والأعمال الفاسدة لتحصيل المقاصد، حتى تصير النفس تابعة لها، راضية بأثرها، مشعوفة بعملها متكدرة بالشهوات، منغمسة في اللذات، فتحجب الاستقرار في الأرض، وتركن إليها، وأما إذا منعت تلك القوى عن مقتضاها، وصرفتها عن هواها، وروضتها بمقامع الشريعة، وأدبتها بآداب الطريقة، حتى غلبت عليها، وصفت عن كدوراتها وطهرت عن خبائث لذاتها، وتحلت بالأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة والآداب السنية، والأطوار الرضية، ضاقت بها الأرض حتى تسمو إلى عالم النور، فتشاهد العالم الاعلى بالعيان، وتنظر إلى الحق بعين العرفان، ويزداد لها نور الايمان والايقان، فتعاف جملة الدنيا، والاستقرار في الأرض، فبدنها في هذه الدنيا، وهي في العالم الاعلى، فيصير كما قال عليه السلام: لولا الآجال التي كتبت عليهم لم يستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، ولذا قال مولى المؤمنين عند الشهادة: فزت ورب الكعبة.
الهوامش2
[١]الكافي ج ٢ ص ١٣٠.ص 56
[1]كذا في النسخ، والظاهر تحمل المشاق، أو تجنب الملاذ.ص 57