Same indexed hadith bihar-34635; it began on pages 175-189.
Show complete hadith text
Show clickable narrator chain
خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله على ناقته العضباء فقال: أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكان ما نسمع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوؤهم أجداثهم، ونأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة طوبى لمن أنفق ما اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه والحكمة، وخالط أهل الذلة والمسكنة. طوبى لمن ذلت نفسه وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وعزل عن الناس شره. طوبى لمن أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم تشتهره البدعة . الثاني عن علقمة بن الحصين قال: سمعت قيس بن عاصم المنقري يقول: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله في وفد من جماعة من بني تميم فقال لي: اغتسل بماء وسدر، ففعلت ثم عدت إليه وقلت: يا رسول الله عظنا عظة ننتفع بها، فقال: يا قيس إن مع العز ذلا، وإن مع الحياة موتا، وإن مع الدنيا آخرة، وإن لكل شئ حسيبا، وعلى كل شئ رقيبا، وإن لكل حسنة ثوابا، ولكل سيئة عقابا، وإن لكل أجل كتابا، وإنه يا قيس لابد لك من قرين يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريما أكرمك وإن كان لئيما أسلمك، لا يحشر إلا معك ولا تحشر إلا معه ولا تسأل إلا عنه، ولا تبعث إلا معه، فلا تجعله إلا صالحا، فإنه إن كان صالحا لم تأنس إلا به، وإن كان فاحشا لا تستوحش إلا منه وهو عملك. فقال قيس: يا رسول الله لو نظم هذا شعر لافتخرت به على من يلينا من العرب، فقال رجل من أصحابه يقال له الصلصال: قد حضر فيه شئ يا رسول الله أفتأذن لي بانشاده؟ فقال: نعم فأنشأ يقول: تخير قرينا من فعالك إنما * قرين الفتى في القبر ما كان يفعل فلا بد للانسان من أن يعده * ليوم ينادى المرء فيه فيقبل فان كنت مشغولا بشئ فلا تكن * بغير الذي يرضى به الله تشغل فما يصحب الانسان من بعد موته * ومن قبله إلا الذي كان يعمل ألا إنما الانسان ضيف لأهله * يقيم قليلا عندهم ثم يرحل الثالث عن أبي الدرداء قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم جمعة فقال: أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا، وأصلحوا الذي بينكم وبين ربكم تسعدوا، وأكثروا من الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف تحصنوا، وانتهوا عن المنكر تنصروا، يا أيها الناس إن أكيسكم أكثركم ذكرا للموت وإن أحزمكم أحسنكم استعدادا له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكني القبور، والتأهب ليوم النشور . الرابع: عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في خطبته: أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين يوم قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، ويوم قد بقي لا يدري ما الله صانع به فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن شبابه لهرمه ومن صحته لسقمه، ومن حياته لوفاته، فوالذي نفسي بيده وما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. الخامس: عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله قال في خطبته: لا عيش إلا لعالم ناطق، أو مستمع واع، أيها الناس إنكم في زمان هدنة، وأن السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود. فقال له المقداد: يا نبي الله وما الهدنة؟ فقال: دار بلاء وانقطاع فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع، وصادق مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل. السادس: عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يكمل عبد الايمان بالله حتى يكون فيه خمس خصال: التوكل على الله، والتفويض إلى الله والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والصبر على بلاء الله، إنه من أحب في الله وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الايمان. السابع: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في خطبته: أيها الناس إن العبد لا يكتب من المسلمين حتى يسلم الناس من يده ولسانه، ولا ينال درجة المؤمنين حتى يأمن أخوه بوائقه وجاره بوادره ولا يعد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذارا عما به البأس. إنه من خاف البيات أدلج ومن أدلج المسير وصل، وإنما تعرفون عواقب أعمالكم لو قد طويت صحايف آجالكم، أيها الناس إن نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاسق شر من عمله. الثامن: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من انقطع إلى الله كفاه كل مؤونة، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها، ومن حاول أمرا بمعصية الله كان أبعد له مما رجا وأقرب مما اتقى، ومن طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده منهم ذاما، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله الله إليهم، ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله شرهم، ومن أحسن ما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن أحسن سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لاخرته كفى الله أمر دنياه. التاسع: عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رحم الله عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم. إن اللسان أملك شئ للانسان، ألا وإن كلام العبد كله عليه إلا ذكر الله تعالى أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو إصلاح بين المؤمنين، فقال له معاذ بن جبل: يا رسول الله أنؤاخذ بما نتكلم؟ فقال: وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، فمن أراد السلامة فليحفظ ما جرى به لسانه وليحرس ما انطوى عليه جنانه، وليحسن عمله وليقصر أمله، ثم لم يمض إلا أيام حتى نزلت هذه الآية " لا خير في كثير من نجويهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " . العاشر: عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن، فعليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، إنه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه. فأخذ الشريف الرضي بهذا المعنى فنظمه بيتا: يقولون الزمان به فساد * فهم فسدوا وما فسد الزمان الحادي عشر: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يرى جزاء ما قدم وقلة غنا ما خلف ولعله من حق منعه ومن باطل جمعه. الثاني عشر: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس إن الرزق مقسوم لن يعدو امرء ما قسم له، فأجملوا في الطلب وإن العمر محدود لن يتجاوز أحد ما قدر له فبادروا قبل نفاد الأجل، والأعمال المحصية. الثالث عشر: عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في بعض خطبه ومواعظه: أما رأيتم المأخوذين على العزة والمزعجين بعد الطمأنينة الذين أقاموا على الشبهات، وجنحوا إلى الشهوات. حتى أتتهم رسل ربهم فلا ما كانوا أملوا أدركوا ولا إلى ما فاتهم رجعوا، قدموا على ما عملوا، وندموا على ما خلفوا، ولن يغني الندم وقد جف القلم، فرحم الله امرءا قدم خيرا وأنفق قصدا، وقال صدقا، وملك دواعي شهوته ولم تملكه، وعصى أمر نفسه فلم تملكه. الرابع عشر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تعاقبوا ظالما فيبطل فضلكم، ولا تراؤوا الناس فيحبط عملكم، ولا تمنعوا الموجود فيقل خيركم، أيها الناس إن الأشياء ثلاثة: أمر استبان رشده فاتبعوه، وأمر استبان غيه فاجتنبوه، و أمر اختلف عليكم فردوه إلى الله، أيها الناس ألا أنبئكم بأمرين خفيف مؤونتهما عظيم أجرهما لم يلق الله بمثلهما: طول الصمت، وحسن الخلق. الخامس عشر: عن ابن عمر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله خطبة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فكان مما ضبطت منها: أيها الناس إن أفضل الناس عبدا من تواضع عن رفعة، وزهد عن رغبة، وأنصف عن قوة، وحلم عن قدرة. ألا وإن أفضل الناس عبد أخذ في الدنيا الكفاف، وصاحب فيها العفاف، وتزود للرحيل، وتأهب للمسير، ألا وإن أعقل الناس عبد عرف ربه فأطاعه، وعرف عدوه فعصاه، وعرف دار إقامته فأصلحها، وعرف سرعة رحيله فتزود لها. ألا وإن خير الزاد ما صحبه التقوى، وخير العمل ما تقدمته النية، وأعلى الناس منزلة عند الله أخوفهم منه. السادس عشر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما يؤتي الناس يوم القيامة عن إحدى من ثلاث: إما من شبهة في الدين ارتكبوها، أو شهوة للذة آثروها، أو عصبية لحمة اعملوها، فإذا لاحت لكم شبهة في الدين فاجلوها باليقين، وإذا عرضت لكم شهوة فاقمعوها بالزهد، وإذا عنت لكم غضبة لكم غضبة فأدوها بالعفو، إنه ينادي مناد يوم القيامة من كان له على الله أجرا فليقم، فلا يقوم إلا العافون ألم تسمعوا قوله تعالى " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " . السابع عشر: قال عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تعالى: يا ابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن، وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح، أنت فيما يكفيك وتطلب ما يطغيك لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع. الثامن عشر: عن أبي هريرة قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس إذا رأيناه ضاحكا حتى بدت ثناياه، فقلنا: يا رسول الله مما ضحكت؟ فقال: رجلان من أمتي جيئا بين يدي ربي فقال أحدهما: يا رب خذ لي بمظلمتي من آخر، فقال الله تعالى أعط أخاك مظلمته، فقال: يا رب لم يبق من حسناتي شئ، فقال: يا رب فليحمل من أوزاري، ثم فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: إن ذلك اليوم ليوم تحتاج الناس فيه إلى من يحمل عنهم أوزارهم، ثم قال الله تعالى للطالب بحقه: ارفع بصرك إلى الجنة فانظر ماذا ترى، فرفع رأسه فرأى ما أعجبه من الخير والنعمة، فقال: يا رب لمن هذا؟ فقال: لمن أعطاني ثمنه، فقال: يا رب ومن يملك ثمن ذلك؟ فقال: أنت، فقال: كيف بذلك؟ فقال: بعفوك عن أخيك، فقال: قد عفوت فقال الله تعالى: فخذ بيد أخيك فادخلا الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ". التاسع عشر: عن أنس بن مالك قال: قالوا: يا رسول الله من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، فاهتموا بآجلها حين اهتم الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم، فما عرض لهم منها عارض إلا رفضوه، ولا خادعهم من رفعتها خادع إلا وضعوه، خلقت الدنيا عندهم فما يجد دونها، وخربت بينهم فما يعمرونها، وماتت في صدورهم فما يحبونها، بل يهدمونها فيبنون بها آخرتهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، نظروا إلى أهلها صرعى قد حلت بهم المثلات، فما يرون أمانا دون ما يرجون، ولا خوفا دون ما يحذرون. العشرون: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما أنتم خلف ماضين وبقية متقدمين كانوا أكبر منكم بسطة، وأعظم سطوة، فازعجوا عنها أسكن ما كانوا إليها [وغدرت بهم] وأخرجوا منها أوثق ما كانوا بها، فلم يمنعهم قوة عشيرة، ولا قبل منهم بذل فدية، فارحلوا أنفسكم بزاد مبلغ قبل أن تأخذوا على فجأة، وقد غفلتم عن الاستعداد. الحادي والعشرون: عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: كن في الدنيا كأنك غريب وعابر سبيل، واعدد نفسك في الموتى، وإذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، ومن حياتك لو فاتك. فإنك لا تدري ما اسمك غدا. الثاني والعشرون: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض خطبه أو مواعظه: أيها الناس لا يشغلنكم دنياكم؟ عن آخرتكم، فلا تؤثروا هواكم على طاعة ربكم، ولا تجعلوا إيمانكم ذريعة إلى معاصيكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ومهدوا لها قبل أن تعذبوا وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا فإنها موقف عدل واقتضاء حق، وسؤال عن واجب، وقد أبلغ في الاعذار من تقدم بالانذار. الثالث والعشرون: عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول عند منصرفه من أحد والناس يحدقون به وقد أسند ظهره إلى طلحة: أيها الناس أقبلوا على ما كلفتموه من إصلاح آخرتكم، وأعرضوا عما ضمن لكم من دنياكم، ولا تستعملوا جوارحا غذيت بنعمته في التعرض لسخطه بنقمته، واجعلوا شغلكم في التماس مغفرته، واصرفوا همتكم بالتقرب إلى طاعته، إنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فإنه نصيبه من الآخرة ولم يدرك منها ما يريد، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه من الدنيا. الرابع والعشرون: عن أبي هريرة فال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إياكم وفضول المطعم فإنه يسم القلب بالقسوة ، ويبطئ بالجوارح عن الطاعة، ويصم الهمم عن سماع الموعظة، وإياكم وفضول النظر فإنه يبدر الهوى ويولد الغفلة وإياكم واستشعار الطمع فإنه يشوب القلب شدة الحرص، ويختم على القلوب بطابع حب الدنيا، وهو مفتاح كل سيئة، ورأس كل خطيئة، وسبب إحباط كل حسنة. الخامس والعشرون: عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما هو خير يرجى أو شر يتقى أو باطل عرف فاجتنب، أو حق يتعين فطلب، وآخرة أظل إقبالها فسعى لها، ودنيا عرف نفادها فأعرض عنها، وكيف يعمل للآخرة من لا ينقطع من الدنيا رغبته، ولا تنقضي فيها شهوته، إن العجب كل العجب لمن صدق بدار البقاء وهو يسعى لدار الفناء، وعرف أن رضى الله في طاعته، وهو يسعى في مخالفته. السادس والعشرون: عن أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: حلوا أنفسكم الطاعة، وألبسوها قناع المخالفة فاجعلوا آخرتكم لأنفسكم وسعيكم لمستقركم، واعلموا أنكم عن قليل راحلون، وإلى الله صائرون، ولا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتموه، وحسن ثواب أحرزتموه، فإنكم إنما تقدمون على ما قدمتم، وتجازون على ما أسلفتم فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات علية، فكان قد انكشف القناع وارتفع الارتياب، ولاقى كل امرء مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه . السابع والعشرون: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبته: لا تكونوا ممن خدعته العاجلة، وغرته الأمنية فاستهوته الخدعة فركن إلى دار السوء سريعة الزوال وشيكة الانتقال إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب أوصر حالب فعلى ما تعرجون وماذا تنظرون؟ فكأنكم والله وما أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن، وما يصيرون إليه من الآخرة لم يزل، فخذوا أهبة لا زوال لنقله وأعدوا الزاد لقرب الرحلة، واعلموا أن كل امرء على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم. الثامن والعشرون: عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيها الناس بسط الامل متقدم حلول الأجل، والمعاد مضمار العمل، فمغتبط بما احتقب غانم، ومتيسر بما فاته نادم أيها الناس إن الطمع فقر، واليأس غنى، والقناعة راحة، والعزلة عبادة، والعمل كنز، والدنيا معدن، والله ما يساوي ما مضى من دنياكم هذه بأهداب بردي هذا ، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء وكل إلى بقاء وشيك وزوال قريب، فبادروا العمل وأنتم في مهل الأنفاس، وجدة الأحلاس قبل أن تأخذوا بالكظم فلا ينفع الندم. التاسع والعشرون عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يكون أمتي في الدنيا على ثلاثة أطباق: أما الطبق الأول فلا يحبون جمع المال و ادخاره، ولا يسعون في اقتنائه واحتكاره، وإنما رضاهم من الدنيا سد جوعة وستر عورة، وغناهم فيها ما بلغ بهم الآخرة، فأولئك الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما الطبق الثاني فإنهم يحبون جمع المال من أطيب وجوهه وأحسن سبيله، يصلون به أرحامهم ويبرون به إخوانهم ويواسون به فقراءهم، ولعض أحدهم على الرضيف أيسر عليه من أن يكتسب درهما من غير حله، أو يمنعه من حقه أن يكون له خازنا إلى حين موته، فأولئك الذين إن نوقشوا عذبوا وإن عفي عنهم سلموا. وأما الطبق الثالث فإنهم يحبون جمع المال مما حل وحرم، ومنعه مما افترض ووجب، إن أنفقوه أنفقوه إسرافا وبدارا ، وإن أمسكوه أمسكوه بخلا و احتكارا، أولئك الذين ملكت الدنيا زمام قلوبهم حتى أوردتهم النار بذنوبهم. الثلاثون: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله تعالى، وأن تحمدهم على رزق الله تعالى، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهة كاره إن الله تبارك اسمه بحكمته جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. إنك إن تدع شيئا لله إلا أتاك الله خيرا منه، وإن تأتي شيئا تقربا إلى الله تعالى إلا أجزل الله لك الثواب عنه فاجعلوا همتكم الآخرة لا ينفد فيها ثواب المرضي عنه، ولا ينقطع فيها عقاب المسخوط عليه. الحادي والثلاثون: عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس شئ تباعدكم من النار إلا وقد ذكرته لكم، ولا شئ يقربكم من الجنة إلا وقد دللتكم عليه، إن روح القدس نفث في روعي أنه لن يموت عبد منكم حتى يستكمل رزقه فأجملوا في الطلب فلا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوا شيئا من فضل الله بمعصيته فإنه لن ينال ما عند الله إلا بطاعته، ألا وإن لكل أمرء رزقا هو يأتيه لا محالة، فمن رضي به بورك له فيه ووسعه، ومن لم يرض به لم يبارك له فيه، ولم يسعه، إن الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله. الثاني والثلاثون: عن عيسى بن عمر، عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في خطبة أحد العيدين: الدنيا دار بلاء ومنزل بلغة وعناء قد نزعت عنها نفوس السعداء، وانتزعت بالكرة من أيدي الأشقياء، فأسعد الناس بها أرغبهم عنها وأشغلهم بها أرغبهم فيها، فهي الغاشة لمن استنصحها والمغوية لمن أطاعها، والخاترة لمن انقاد إليها ، والفائز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها، طوبى لعبد اتقى منها ربه، وقدم توبته، وغلب شهوته من قبل أن تلقيه الدنيا إلى الآخرة فيصبح في بطن موحشة غبراء مدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنته ولا ينقص من سيئته، ثم ينشر فيحشر إما إلى الجنة يدوم نعيمها، أو إلى النار لا ينفد عذابها. الثالث والثلاثون: عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا معشر المسلمين شمروا فإن الامر جد، وتأهبوا فإن الرحيل قريب، وتزودوا فان السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فان وراءكم عقبة كؤودا ولا يقطعها إلا المخفون. أيها الناس إن بين يدي الساعة أمورا شدادا، وأهوالا عظاما، وزمانا صعبا يتملك فيه الظلمة، ويتصدر فيه الفسقة، ويضام فيه الآمرون بالمعروف ويضطهد فيه الناهون عن المنكر، فاعدوا لذلك الايمان، وعضوا عليه بالنواجذ والجأوا إلى العمل الصالح، وأكرهوا عليه النفوس تفضوا إلى النعيم الدائم . الرابع والثلاثون: عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لرجل يعظه: ارغب فيما عند الله يحبك الله، وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس إن الزاهد في الدنيا يريح، ويريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، والراغب فيها يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال فيأمر بهم إلى النار، فقيل: يا بني الله أمصلون كانوا؟ قال: نعم، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون وهنا من الليل، لكنهم إذا لاح لهم شئ من أمر الدنيا وثبوا عليه. الخامس والثلاثون: عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيها الناس هذه دار ترح لا دار فرح ودار التواء لا دار استواء، فمن عرفها لم يفرح لرجاء ولم يحزن لشقاء، ألا وإن الله خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي، وإنها لسريعة الذهاب ووشيكة الانقلاب فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ولا تسعوا في عمارة قد قضى الله خرابها ولا تواصلوها وقد أراد الله منكم اجتنابها فتكونوا لسخطه متعرضين، ولعقوبته مستحقين. السادس والثلاثون: عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، واسعوا في مرضاته، وأيقنوا من الدنيا بالفناء ومن الآخرة بالبقاء، واعملوا لما بعد الموت فكأنكم بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. أيها الناس إن من في الدنيا ضيف، وما في أيديهم عارية، وإن الضيف مرتحل، والعارية مردودة. ألا وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل قادر، فرحم الله امرءا ينظر لنفسه ومهد لرمسه ما دام رسنه مرخيا وحبله على غاربه ملقيا قبل أن ينفذ أجله وينقطع عمله. السابع والثلاثون: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل وهو يوصيه: اقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر، واقلل من الذنوب يسهل عليك الموت، وقدم مالك أمامك يسرك اللحاق به، وأقنع بما أوتيته يخف عليك الحساب ولا تتشاغل عما فرض عليك بما قد ضمن لك فإنه ليس بفائتك ما قد قسم لك، ولست بلاحق ما قد زوي عنك فلاتك جاهدا فيما أنصح نافدا واسع لملك لا زوال له، في منزل لا انتقال عنه. الثامن والثلاثون: عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنه ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا التاط فيها بثلاث: شغل لا ينفد عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه، ألا إن الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل رزقه وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذه الموت بغتة، ألا وإن السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها على فانية لا ينفد عذابها وقدم لما تقدم عليه مما هو في يديه قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه وقد شقي هو بجمعه. التاسع والثلاثون: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة والآخرة قد احتملت مقبلة، ألا وإنكم في يوم عمل لا حساب فيه ويوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي الآخرة إلا لمن يحب وإن للدنيا أبناء وللآخرة أبناء. فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، إن شر ما أتخوف عليكم اتباع الهوى وطول الامل، فاتباع الهوى يصرف قلوبكم عن الحق، وطول الامل يصرف هممكم إلى الدنيا، وما بعدهما لاحد من خير يرجاه في دنيا ولا آخرة. الأربعون: عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه كل يوم خمس مرات فإذا وجد الانسان قد نفد أجله وانقطع أكله ألقى عليه الموت فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، الصارخة بويلها، الباكية بشجوها فيقول ملك الموت: ويلكم مم الجزع؟ وفيم الفزع؟ والله ما أذهب لاحد منكم مالا، ولا قربت له أجلا، ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت وإن لي إليكم عودة، ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحدا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله والذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم وبكوا على نفوسهم حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش وهو ينادي: يا أهلي وولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعته من حله ومن غير حله وخلفته لغيري، والمهنأ له والتبعات علي، فاحذروا، من مثل ما نزل.
الهوامش40
[3]الجائحة: الآفة.ص 175
[4]رواه الديلمي في الفردوس من حديث أنس بن مالك بسند حسن هكذا " وسعته السنة ولم يعد عنها إلى البدعة ".ص 175
[1]التأهب: التهيؤ والاستعداد.ص 176
[1]استعتبه أي طلب منه العتبى أي استرضاه، يعنى ليس بعد الموت من استرضاء.ص 177
[2]البوائق جمع بائقة وهي الداهية والشر والغائلة، والبوادر جمع بادرة وهي الغضب والحدة.ص 177
[١]الادلاج السير إلى آخر الليل.ص 178
[٢]النساء: ١١٤.ص 178
[1]كذا.ص 179
[2]ذرفت أي سالت. ووجلت أي خافت.ص 179
[١]أي ظهرت وبدت.ص 180
[٢]الشورى: ٤٠.ص 180
[1]وسمه يسمه وسمة: أي كواه وأثر فيه وجعل له علامة يعرف بها.ص 182
[2]بدر يبدر بدورا الشئ: عاجله وسبقه.ص 182
[3]القناع: ما تغطي به المرأة رأسها.ص 182
[1]أي محل قراره وما انقلب إليه.ص 183
[2]الوشيك: السريع.ص 183
[3]أناخ فلان بالمكان: أقام به. وصر بالناقة: شد ضرعها بالصرار لئلا يرضع ولدها. والحالب هو الذي يحلب الناقة أو الشاة أي أخرج ما في ضرعها من اللبن.ص 183
[4]الأهبة - بضم الهمزة وسكون الهاء والباء الموحدة -: العدة يقال أخذ للسفر أهبته أي عدته.ص 183
[5]المغتبط: المسرور، واحتقب الشئ جمعه، وغانم فاعل من غنم يغنم. والمتيسر هو الذي يمكنه أن يفعل ما يشاء من الخيرات.ص 183
[1]الأهداب جمع هدب وهو خمل الثوب وطرته.ص 184
[2]جدة الثوب - بكسر الجيم وشد الدال - كونه جديدا. والاحلاس - بالحاء المهملة - جمع حلس - بكسر الحاء - وهو ما يوضع على ظهر الدابة تحت السراج، والرحل الذي يبسط في البيت على الأرض تحت حر الثياب والمتاع.ص 184
[3]الكظم - محركة -: مخرج النفس.ص 184
[4]عض الشئ: أمسكه بأسنانه، والرضيف بالراء المهملة والضاد المعجمة - الحجارة المحماة.ص 184
[5]نافشه الحساب وفى الحساب: استقصى في حسابه. والمناقشة التشدد في المحاسبة.ص 184
[6]بدارا أي سراعا.ص 184
[1]البلغة والبلاغ: ما يكفي من العيش ولا يفضل. والعناء: التعب.ص 185
[2]الغاش فاعل من غشه يغشه، واستنصحه أي عده نصيحا.ص 185
[3]الخاتر: الغادر.ص 185
[1]أدلهم الليل أي أظلم واشتد سواده.ص 186
[2]كؤود وكأداء: صعبة شاقة المصعد.ص 186
[3]ضامه يضيمه ضيما قهره وظلمه. وضهده وأضهد به واضطهده: قهره وجار عليه واذاه واضطره وحبسه بسبب المذهب أو الدين.ص 186
[4]النواجذ جمع الناجذ وهو أقصى الأضراس.ص 186
[5]أفضى إليه أي وصل وانتهى به إليه.ص 186
[1]الترح ضد الفرح.ص 187
[2]من - لوى يلوى ليا -: الحبل فتله وثناه. والتوى التواء مطاوع لوى.ص 187
[3]الفطام انقطاع الرضاع وفصل الولد عنه.ص 187
[4]الرمس مصدر بمعنى القبر مستويا لا يعلو عن وجه الأرض.ص 187
[1]كذا. ولعله " أصبح نافدا " فصحف. والمعنى ظاهر.ص 188
[2]التاط بقليى أي لصق به وأحببته.ص 188
[3]أي بحزنها وغصتها وهيجانها.ص 188