Same indexed hadith bihar-3896; it began on pages 235-280.
Show complete hadith text
تفسير : قال الطبرسي 1 « فإن لم تفعلوا » أي لم تأتوا بسورة من مثله وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه « ولن تفعلوا » أي ولن تأتوا بسورة من مثله أبدا « فتقوا النار » أي فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبه « التي وقودها » أي حطبها « الناس والحجارة » : قيل : إنها حجارة الكبريت لانها أحرشئ إذا احميت ، عن ابن عباس وابن مسعود. والظاهر أن المراد بها أصنامهم النحوتة من الحجارة كقوله : « إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم » وقيل : ذكر الحجارة دليل على عظم تلك النار لانها لاتأكل الحجارة إلا وهي في غاية الفظاعة والهول ، وقيل : معناه أن أجسادهم تبقى على النار بقاء الحجارة التي توقد بها النار بتبقية الله إياها ، ويؤيد ذلك قوله : « كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها » وقيل : معناه أنهم يعذبون بالحجارة المحمية بالنار « اعدت للكافرين » أي خلقت وهيئت لهم ، لانهم الذين يخلدون فيها ، ولانهم أكثر أهل النار فاضيفت إليهم ، وقيل : إنما خص النار بكونها معدة للكافرين وإن كانت معدة للفاسقين أيضا لانه يريد بذلك نارا مخصوصة لا يدخلها غيرهم ، كما قال : « إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار » واستدل بهذه الآية على أن النار مخلوقة الآن ، لان المعد لا يكون إلا موجودا ، وكذلك الجنة بقوله : « اعدت للمتقين » والفائدة في ذلك أنا وإن لم نشاهد هما فإن الملائكة يشاهدونهما وهم من أهل التكليف والاستدلال فيعرفون ثواب الله للمتقين وعقابه للكافرين. [١]الانبياء : ٩٨. وفي قوله سبحانه : « وقالوا » أي اليهود « لن تمسنا النار » أي لن تصيبنا « إلا أياما معدودة » أي أياما قلائل كقوله : « دراهم معدودة [١] » وقيل : معدودة : محصاة ، قال ابن عباس ومجاهد : قدم رسول الله 9 المدينة واليهود تزعم أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا ثم ينقطع العذاب فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقال أبوا العالية وعكرمة وقتادة : هي أربعون يوما ، لانها عدد الايام التي عبدوا فيها العجل ، فقال سبحانه : « قل » يامحمد لهم « أتخذتم عندالله عهدا » أي موثقا لان لا يعذبكم إلا هذء المدة ، وعرفتم ذلك بوحيه وتنزيله؟ فإن كان ذلك فالله سبحانه لا ينقض عهده وميثاقه « أم تقولون على الله مالا تعلمون » أي الباطل جهلا منكم به وجرأة عليه ، ثم رد عليهم فقال : « بلى » أي ليس الامر كماقالوا ، ولكن « من كسب سيئة » اختلف في السيئة فقال ابن عباس وغيره : السيئة هنا الشرك ، وقال الحسن : هي الكبيرة الموجبة ، وقال السدي : هي الذنوب التي أو عدالله عليها النار ، القول الاول يوافق مذهبنا لان ماعدا الشرك لا يستحق به الخلود في النار عندنا ، وقوله : « وأحاطت به خطيئة » يحتمل أمرين : أحدهما أنها أحدقت به من كل جانب والثاني أن المعنى : أهلكته ، من قوله : « إلا أن يحاط بكم » وقوله : « فظنوا أنهم احيط بهم » وقوله : « واحيط بثمره » فهذاكله بمعنى البوار والهلكة ، والمراد أنها سدت عليه طريق النجاة « فاولئك أصحاب النار » أي يصحبونها ويلازمونها « هم فيها خالدون » أي دائمون أبدا ، والذي يليق بمذهبنا من تفسير هذه الآية قول ابن عباس ، لان أهل الايمان لا يدخلونها في حكم الآية. وقوله : وأحاطت به خطيئته يقوي ذلك لان المعنى : قد اشتملت خطاياه عليه وأحدقت به حتى لا يجدعنها مخلصا ولا مخرجا ، ولو كان معه شئ من الطاعات لم تكن السيئة محيطة به من [١]يوسف : ٢٠ كل وجه ، وقد دل الدليل على بطلان التحابط ، ولان قوله : « والذين آمنوا و عملوالصالحت اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون » [١] فيه وعد لاهل التصديق والطاعة بالثواب الدائم ، فكيف يجتمع الثواب الدائم مع العقاب الدائم؟ ويدل أيضا على أن المراد بالسيئة في الآية الشرك أن سيئة واحدة لا تحبط جميع الاعمال عند أكثر الخصوم ، فلا يمكن إذا إجراء الآية على العموم ، فيجب أن تحمل على أكبر السيئات وهو الشرك ليمكن الجمع بين الآيتين. وفي قوله تعالى : « ولاهم ينظرون » أي لا يمهلون للاعتذار ، وقيل : معناه : لا يؤخرالعذاب عنهم بل عذابهم حاضر. وقال البيضاوي في قوله تعالى : « ولويرى الذين ظلموا » : أي ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتخاذ الانداد « إذ يرون العذاب » إذ عاينوه يوم القيامة ، و أجرى المستقبل مجرى الماضي لتحققه كقوله : « ونادى أصحاب الجنة » « أن الوة لله جميعا » ساد مسد مفعولي يري ، وجواب « لو » محذوف أي لو يعلمون أن القدرة لله جميعا إذا عاينوا العذاب لندموا أشد الندم ، وقيل : هو متعلق الجواب المفعولان محذوفان ، والتقدير : ولو يرى الذين ظلموا أندادهم لا تنفع لعلموا أن القوة لله كلها ، با ينفع ولا يضر غيره ، وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب : « ولوترى » على أنه خطاب للنبي (ص) أي لوترى ذلك لرأيت أمرا عظيما ، وابن عامر : « إذيرون » على البناء للمفعول ، ويعقوب : « إن » بالكسر ، وكذاو « إن الله شديدالعقاب » على الاستيناف أو إضمار القول « إذتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا » بدل من إذيرون ، أي إذتبرأ المتبوعون من الاتباع ، وقرئ بالعكس أي تبرأ الاتباع من الرؤساء « ورأوا العذاب » أي رائين له ، والواو للحال و قد مضمرة ، وقيل : عطف على تبرأ « وتقطعت بهم الاسباب » يحتمل العطف على تبرأ أورأوا والحال ، والاول أظهر ، والاسباب الوصل التي كانت بينهم من الاتباع والاتفاق على الدين والاغراض الداعية إلى ذلك ، وأصل السبب الحبل الذيي يرتقى به الشجر [١]البقرة : ٨٢. « لوأن لنا كرة » لوللتمني ولذلك اجيب بالفاء ، أي ياليت لنا كرة إلى الدنيا « فنتبرأمنهم » « حسرات عليهم » ندامات وهي ثالث مفاعيل يرى إن كان من رؤية القلب وإلا فحال. وفي قوله سبحانه : « أخذته العزة بالاثم » حملته الانفة وحمية الجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقائه لجاجا ، من قولك : أخذته بكذ : إذا حملته عليه وألزمته إياه « فحسبه جهنم » كفته جزاء وعذابا ، وجهنم علم دار العقاب ، وهو في الاصل مرادف للنار ، وقيل : معرب « ولبئس المهاد » جواب قسم مقدر ، والمخصوص بالذم محذوف للعلم به ، والمهاد : الفراش ، وقيل : ما يوطئ للجنب. وفي قوله : « إن الذين كفروا » عام في الكفرة ، وقيل : المراد به وفد نجران أو اليهود أو مشركو العرب « من الله شيئا » أي من رحمته أو طاعته على معنى البدلية ، أو من عذابه « واولئك هم وقود النار » حطبها « كدأب آل فرعون » متصل بما قبله ، أي لن تغني عنهم كما لم تغن عن اولئك ، أو يوقد بهم كما يوقد باولئك ، أواستيناف مرفوع المحل ، وتقديره : دأب هؤلاء كدأبهم في الكفر والعذاب « والذين من قبلهم » عطف على آل فرعون ، وقيل : استيناف « كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم » حال بإضمار قد ، أو استيناف بتفسير حالهم ، أوخبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم. وفي قوله تعالى : « وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون » من أن النار لن تمسهم إلا أياما قلائل ، أو أن آباءهم الانبياء يشفعون لهم ، أو أنه تعالى وعد يعقوب 7 أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم. وفي قوله :« ملء الارض ذهبا » ملء الشئ : مايملؤه ، وذهبا نصب على التمييز « ولوافتدى به » محمول على المعنى ، كأنه قيل : فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الارض ذهبا ، أو معطوف على مضمر تقديره : فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا لو تقرب به في الدنيا ، ولو افتدى به من العذاب في الآخرة ، أوالمراد : ولو افتدى بمثله ، والمثل يحذف ويراد كثيرا ، لان المثلين في حكم شئ واحد. وفي قوله :« اعدت للكافرين » فيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكفار ، وبالعرض للعصاة. وفي قوله تعالى : « فمن زحزح عن النار » فمن بعد عنها ، والزحزحة في الاصل تكرير الزح وهو الجذب بعجلة. وفي قوله تعالى : « بمفازة » بمنجاة « من العذاب » أي فائزين بالنجاة منه. وقال الطبرسي ; في قوله سبحانه : « إنما يأكلون في بطونهم نارا » قبل فيه وجهان : أحدهما : أن النار تلتهب من أفواههم وأسماعهم وآنافهم يوم القيامة ليعلم أهل الموقف أنهم آكلة أموال اليتامى. وروي عن الباقر 7 أنه قال : قال رسول الله (ص) : يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواهم نارا ، فقيل له : يا رسول الله من هؤلاء؟ فقرأهذه الآية. والآخر أنه ذكر ذلك على وجه المثل من حيث إن من فعل ذلك يصير إلى جهنم فيمتلئ بالنار أجوافهم عقابا على أكلهم مال اليتيم « وسيصلون سعيرا » النار المسعرة للاحراق ، وإنما ذكر البطون تأكيدا. وفي قوله : تعالى : « ويتعد حدوده » أي يتجاوز ما حد له من الطاعات « فله عذاب مهين » سماه مهينا لان الله يجعله على وجه الاهانة ، ومن استدل بهذه الآية على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة مخلد في النار ومعاقب لا محالة فقوله بعيد ، لان قوله تعالى : « ويتعد حدوده » يدل على أن المراد به من يتعدى جميع حدود الله ، وهذه صفة الكفار ، ولان صاحب الصغيرة بلا خلاف خارج من عموم الآية وإن كان فاعلا لمعصية ومتعديا حدا من حدود الله ، فإذا جاز لهذا القائل إخراجه منه بدليل جاز لغيره أن يخرج من عمومها من يشفع له النبي 9 ، أويتفضل الله عليهم بالعفو بدليل آخر ، وأيضا فإن التائب لا بد من إخراجه من عموم الآية لقيام الدليل على وجوب قبول التوبة ، فكذلك يجب إخراج من يتفضل الله عليه بإسقاط عقابه منها لقيام الدلالة على جواز وقوع التفضل بالعفو ، فإن جعلوا الآية دالة على أن الله سبحانه لا يختار العفو جاز لغيرهم أن يجعلها دالة على أن العاصي لا يختار التوبة ، على أن في المفسرين من حمل الآية على من تعدى حدود الله وعصاه مستحلا لذلك ومن كان كذلك لا يكون إلا كافرا. وفي قوله : « فسوف نصليه نارا » أي نجعله صلى نار ونحرقه بها. وفي قوله تعالى : « وكفى بجنهم سعيرا » أى كفى هؤلاء المعرضين عنه في العذاب النازل بهم عذاب جهنم نارا موقدة إيقادا شديدا ، يريد بذلك أنه إن صرف عنهم بعض العذاب في الدنيا فقد أعدلهم جهنم في العقبى « كلما نضجت جلودهم » قيل فيه أقوال : أحدها أن الله سبحانه يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت على ظاهر القرآن. ومن قال : على هذا إن الجلد المجدد لم يذنب فكيف يعذب؟ فجوابه : أن المعذب الحي ، ولا اعتبار بالاطراف والجلود ، وقال علي بن عيسى : إن ما يزاد لا يألم ولاهو بعض لما يألم ، وإنما هو شئ يصل به الالم إلى المستحق له. وثانيها : أن الله سبحانه يجددها بأن يرد ها إلى الحالة الاولى التي كانت عليها غير محترقة ، كما يقال : جئتني بغيرذلك الوجه ، إذا كان قد تغير وجهه من الحالة الا ولى ، وكما إذا انكسر الخاتم فاتخذ منه خاتم آخر ، فيقال : هذاغير الخاتم الاول وإن كان أصلهما واحدا ، فعلى هذا يكون الجلد واحدا وإنما يتغير عليه الاحوال ، وهو اختيار الزجاج والبلخي وأبي علي الجبائي. وثالثها : أن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله سبحانه : « سرابيلهم من قطران [١] » وسميت السرابيل الجلود على المجاورة للزومها الجلود ، وهذاترك للظاهر بغير دليل ، وعلى القولين الاخيرين لا يلزم سؤال التعذيب لغير العاصي ، فأما من قال : إن الانسان غير هذه الجملة المشاهدة وإنها المعذب في الحقيقة فقد تخلص من هذا السؤال. وقوله : « ليذوقوا العذاب » معناه : ليجدوا ألم العذاب ، وإنما قال ذلك ليبين أنهم كالمبتدء عليهم العذاب في كل حال ، فيحسون في كل حالة ألما ، لا كمن يستمر به الشئ فيكون أخف عليه. وروى الكلبي عن الحسن قال : بلغنا أن جلودهم تنضح كل يوم سبعين ألف مرة. [١]إبراهيم : ٥٠. وفي قوله تعالى : « فجزاؤه جهنم خالدا فيها » قال جماعة من التابعين : إن قوله : « إن الله يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء » [١] نزلت بعد هذه الآية ، وقال أبومحلز : هي جزاؤه إن جازاه ، ويروى هذا أيضا عن أبي صالح. ورواه العياشي بإسناده عن أبي عبدالله 7 ، وروى عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس أنه قال : هي جزاؤه فإن شاء عذبه وإن شاء غفرله. وروي عن أبي صالح وبكربن عبدالله وغيرهما أنه كما يقول الانسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلت فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا ، ومن تعلق بها من أهل الوعيد في أن مرتكب البكيرة لا بد أن يخلد في النار فإنا نقول له : ما أنكرت أن يكون المراد به من لا ثواب له أصلا بأن يكون كافرا أويكون قتله مستحلا لقتله ، أو قتله لاجل إيمانه؟ كمارواه العياشي عن الصادق 7. وفي قوله تعالى : « اولئك مأويهم » أي مستقر هم جميعا « جهنم ولا يجدون عنها محيصا » أي مخلصا ولا مهربا ولا معدلا. وفي قوله سبحانه : « في الدرك الاسفل من النار » أي في الطبق الاسفل من النار ، فإن النار طبقات ودركات كما أن الجنة درجات فيكون المنافق في أسفل طبقة منها لقبح فعله ، وقيل : إن المنافقين في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار ، عن ابن مسعود وابن عباس ، وقيل : إن الادراك يجوز أن يكون منازل بعضها أسفل [١]النساء : ٤٨. من بعض بالمسافة ، ويجوز أن يكون ذلك إخبارا عن بلوغ الغاية في العقاب ، كما يقال : إن السلطان بلغ فلانا الحضيض ، وبلغ فلانا العرش. يريدون بذلك انحطاط المنزلة وعلوها لا المسافة. وفي قوله تعالى : « يريدون أن يخرجوا من النار » أي يتمنون ، وقيل : معناه الارادة الحقيقية ، أي كلما دفعتهم النار بلهبها ، رجوا أن يخرجوا منها ، وقيل : معناه يكادون يخرجون منها إذا دفعتهم النار بلهبها ، كما قال سبحانه : « جدارا يريدأن ينقض فأقامه » [١] وفي قوله تعالى : « لهم شراب من حميم » « أي ما مغلي حار ». وفي قوله تعالى : « والذين كفروا إلى جهنم يحشرون » أي يجمعون إلى النار « ليميزالله الخبيث من الطيب » معناه : ليمزالله نفقة الكافرين من نفقة المؤمنين «ويجعل الخبيث بعضه على بعض » أي ويجعل نفقة المشركين بعضها فوق بعض « فيركمه » أي فيجمعه « جميعا » في الآخرة « فيجعله في جهنم » فيعاقبهم به ، كما قال : « يوم يحمى عليها في نارجهنم » الآية ، وقيل : معناه ليميزالله الكافر من المؤمن في الدنيا بالغلبة والنصر والاسماء الحسنة والاحكام المخصوصة ، وفي الآخرة بالثواب والجنة ، عن أبي مسلم ، وقيل : بأن يجعل الكافر في جهنم والمؤمن في الجنة « ويجعل الخبيث بعضه على بعض » في جهنم يضيقها عليهم « فيركمه جميعا » أي يجمع الخبيث حتى يصير كالسحاب المركوم ، بأن يكون بعضهم فوق بعض في النار مجتمعين فيها « فيجعله في جهنم » أي فيدخله جهنم « اولئك هم الخاسرون قد خسروا أنفسهم ، لانهم اشتروا بإنفاق الاموال في المعصية عذاب الله في الآخرة. وفي قوله سبحانه : « ولذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله » أي يجمعون المال ولا يؤد ون زكاته. فقد روي عن النبي 9 أنه قال : كل مال لم تؤد زكاته فهو كنزو إن كان ظاهرا ، وكل مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الارض. [١]الكهف : ٧٧. وعن على 7 : مازاد على أربعة آلاف فهو كنز أدى زكاته أولم تؤد ، وما دونها فهو نفقة. « فبشرهم بعذاب أليم » أي أخبرهم بعذاب موجع « يوم يحمى عليها في نارجهنم » أي يوقد على الكنوز ، أو على الذهب والفضة في نار جهنم حتى تصير نارا « فتكوى بها » أي بتلك الكنوز المحمات والاموال التي منعوا حق الله فيها بأعيانها « جباهم وجنوبهم وظهورهم » وإنما خص هذه الاعضاء لانها معظم البدن ، وكان أبوذر العفاري يقول : بشر الكانزين بكي في الجباه وكي في الجنوب ، وكي في الظهور حتى يلتقي الحرفي أجوافهم. ولهذا المعنى الذي أشار إليه أبوذرخصت هذه المواضع بالكي ، لان داخلها جوف بخلاف اليدو الرجل. وقيل : إنما خصت هذه المواضع لان الجبهة محل الوسم لظهورها ، والجنب محل الالم ، والظهر محل الحدود ، وقيل : لان الجبهة محل السجود فلم يقم فيه بحقة ، والجنب يقابل القلب الذي لم يخلص في معتقده ، والظهر محل الاوزار قال : « يحملون أوزارهم على ظهورهم [١] » وقيل : لان صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته ، وزوى مابين عينيه ، وطوى عنه كشحه وولاه ظهره « هذاما كنزتم لانفسكم » أي يقال لهم في حال الكي أو بعده : هذا جزاء ما كنزتم وجمعتم المال ولم تؤدوا حق الله عنها « فذوقوها ماكنتم تكنزون » أي فذوقوا العذاب بسبب ما كنزتم. وقال رسول الله (ص) : ما من عبدله مال ولا يؤدي زكاته إلا جمع يوم القيامة صفائح يحمى عليها في نارجهنم فتكوى بها جبهته وجنباه وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ، ثم يرى سبيله ، إما إلى الجنة ، وإما إلى النار. وروي عن أبي ذر أنه قال : من ترك بيضاء أو حمراء كوي بها يوم القيامة. وفي قوله : « وإن جهنم لمحيط بالكافرين » أي ستحيط بهم فلا مخلص لهم منها. وفي قوله تعالى : « من يحادد الله ورسوله » : أي من يجاوز حدود الله التي أمر المكلفين أن لا يتجاوزوها. [١]الانعام : ٣١. وفي قوله تعالى : « فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا » هذا تهديد لهم في صورة الامر أي فليضحك هؤلاء المنافقون في الدنيا قليلا ، لان ذلك يفنى وإن دام إلى الموت ، و لان الضحك في الدنيا قليل لكثرة احزانها وهمومها ، وليبكوا كثيرا في الآخرة لان ذلك يوم مقداره خمسون ألف سنة ، وهم فيه يبكون فصار بكاؤهم كثيرا. قال ابن عباس : إن أهل النفاق ليبكون في النار مدة عمرالدنيا ولا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم. وفي قوله : « على شفاجرف » الشفا : حرف الشئ وشفيره ، وحرفه : نهايته في المساحة ، وجرف الوادي : جانبه الذي ينحفر بالماء أصله ، وهار البناء وانهار وتهور : تساقط. وفي قوله سبحانه : « من ورائه جهنم » أي بين يدي هذا الجبار ، أومن خلفه « ويسقى من ماء صديد » أي يسقى مما يسيل من الدم والقيح من فروج الزواني في النار ، عن أبي عبدالله 7 وأكثر المفسرين ، أي لونه لون الماء [١] وطعمه طعم الصديد. وروى أبوأمامة ، عن النبي 9 في قوله : « ويسقى من ماء صديد » قال : يقرب إليه فيكرهه فإذا ادني منه شوى وجهه ووقع فروة رأسه ، فإذا شرب قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره ، يقول الله عزوجل : « وسقوا ماء حميما فقطع أمعائهم » و يقول : « وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ». وقال رسول الله 9 : من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما ، فإن مات وفي بطنه شئ من ذلك كان حقا على الله أن يسقيه من طينة خبال وهو صديد أهل النار وما يخرج من فروح الزناة ، فيجتمع ذلك في قدور جهنم فيشربه أهل النار فيصهر به ما في بطونهم والجلود. رواه شعيب بن واقد ، عن الحسين بن زيد ، عن الصادق ، عن آبائه :. [١]الموجود في التفسير المطبوع : أولونه لون الماء. وهوالصحيح. « يتجرعه » أي يشرب ذلك الصديد جرعة « ولايكاد يسيغه » أي لا يقارب أن يشربه تكرها له وهو يشربه ، والمعنى أن نفسه لا تقبله لحرارته ونتنه ولكن يكره عليه « ويأتيه الموت من كل مكان » أي يأتيه شدائد الموت وسكراته من كل موضع من جسده ، ظاهره وباطنه حتى يأتيه من أطراف شعره ، وقيل : يحضره الموت [١] من كل موضع ، ويأخذه من كل جانب ، من فوقه وتحته وعن يمينه وشماله وقدامه وخلفه ، عن ابن عباس والجبائي. « وماهو بميت » أي ومع إتيان أسباب الموت و الشدائد التي يكون معها الموت من كل جهة لايموت فيستريح « ومن ورائه » أي ومن وراء هذا الكافر « عذاب غليظ » وهو الخلود في النار ، وقيل : معناه : ومن بعدهذا العذاب الذي سبق ذكره عذاب أو جمع وأشد مما تقدم وفي قوله : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمهة الله كفرا يحتمل أن يكون المراد : عرفوا نعمة الله بمحمد ، أي عرفوا محمدا ثم كفروا به فبدلوا مكان الشكر كفرا. وروي عن الصادق 7 أنه قال : نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده وبنا يفوز من فاز. ويحتمل أن يكون المراد جميع نعم الله على العموم ، بدلوها أقبح التبديل ، إذ جعلوا مكان شكرها الكفربها « وأحلوا قومهم دار البوار » أي أنزلوا قومهم دارالهلاك بأن أخرجوهم إلى بدر ، وقيل : هي النار بدعائهم إياهم إلى الكفر « جهنم يصلونها » تفسير لدار البوار « وبئس القرار » قرار من قراره النار. وفي قوله تعالى : « وإن جهنم لموعدهم أجمعين » أي موعد إبليس ومن تبعه « لهاسبعة أبواب » فيه قولان : أحدهما ما روي عن أميرالمؤمنين 7 أن جهنم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض ـ ووضع إحدى يديه عل الاخرى فقال : هكذا ـ [١]قال السيد الرضى قدس الله روحه في التلخيص : لوكان المو الحقيقى لم يكن سبحانه ليقول : « وماهوبميت » وإنما المعنى أن غواشى الكروب وحوازب الامور تطرقه من كل مطرق وتطلع عليه من كل مطلع ، وقد يوصف المغمور بالكرب والمضغوط بالخطب بأنه في غمرات الموت مبالغة في عظيم مايغشاه وأليم مايلقاه. وأن الله وضع الجنان على العرض ، ووضع النيران بعضها فوق بعض ، فأسفلها جهنم وفوقها لظى ، وفوقها الحطمة ، وفوقها سقر ، وفوقها الجحيم ، وفوقها السعير ، وفوقها الهاوية. وفي رواية الكلبي : أسفلها الهاوية ، وأعلاها جهنم. وعن ابن عبا أن الباب الاول جهنم ، والثاني سعير ، والثالث سقر ، والرابع جحيم ، والخامس لظى ، و السادس الحطمة ، والسابع الهاوية. اختلف الروايات في ذلك كما ترى ، وهو قول مجاهد وعكرمة والجبائي ، قالوا : إن أبواب النيران كاطباق اليد على اليد. والآخر ما روى عن الضحاك قال : للنار سبعة أبواب ، وهي سبعة أدراك ، بعضها فوق بعض ، فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم في الدنيا ثم يخرجون ، والثاني فيه اليهود والثالث فيه النصارى ، والرابع فيه الصابؤون ، والخامس فيه المجوس ، والسادس فيه مشركو العرب ، والسابع فيه المنافقون ، وذلك أن المنافقين في الدرك الاسفل من النار. وهو قول الحسن وأبي مسلم ، والقولان متقاربان « لكل باب منهم » أي من الغاوين « جزءمقسوم » أي نيصيب معروف. وفي قوله : « وإذا رأى الذين أشركوا شركائهم » يعني الاصنام والشياطين ، و الذين أشركوهم مع الله في العبادة ، وقيل : سماهم شركاءهم لانهم جعلوا لهم نصيبا من الزرع والانعام ، فهي إذا شركاؤهم على زعمهم « قالواربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك » أي يقولون هؤلاء شركاؤنا التي أشركناها معك في الالهية و العبادة ، وأضلونا عن دينك ، فحملهم بعض عذابنا « فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون » أي فقالت الاصنام وسائر ماكانوا يعبدونه من دون الله بإنطاق الله إياها لهؤلاء : إنكم لكاذبون في أنا أمرناكم بعبادتنا ، ولكنكم اخترتم الضلال بسوء اختيار كم لانفسكم ، وقيل : إنكم لكاذبون في قولكم : إنا آلهة « وألقوا إلى الله يومئذالسلم » أي استسلم المشركون وما عبدوهم من دون الله لامرالله وانقادوا لحكمه يومئذ ، و قيل : معناه أن المشركين زال عنهم نخوة الجاهلية وانقادوا قسرا لا اختيارا ، واعترفوا بما كانوا ينكرونه من توحيد الله « وضل عنهم ماكانوا يفترون » أي وبطل ماكانوا يأملونه ويتمنونه من الاماني الكاذبة من أن آلهتهم تشفع لهم وتنفع. قوله تعالى : « زدناهم عذابا فوق العذاب » أي عذبناهم على صدهم عن دين الله زيادة على عذاب الكفر ، وقيل : زدناهم الافاعي والعقارب في النار لها أنياب كالنخل الطوال ، عن ابن مسعود ، وقيل : هي أنهار من صفر مذاب كالناريعذبون بها عن ابن عباس وغيره ، وقيل : زيدوا حيات كأمثال الفيل والبخت ، والعقارب كالبغال الدلم [١] عن ابن جبير. وفي قوله : « حصيرا » أي سجنا ومحبسا. وفي قوله : « مدحورا » أي مبعدا من رحمة الله. وفي قوله تعالى : « كلماخبت زدناهم سعيرا » أي كلما سكن التهابها زدناهم اشتعالا ، ويكون كذلك دائما. فإن قيل : كيف يبقى الحي حيا في تلك الحالة من الاحتراق دائما؟ قلنا : إن الله قادر على أن يمنع وصول النار إلى مقاتلهم. وفي قوله تعالى : « إنا أعتدنا » أي هيأنا « للظالمين » أي الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بعبادة غيرالله تعالى « نارا أحاط بهم سرادقها » والسرادق : حائط من النار يحيط بهم ، عن ابن عباس ، وقيل : هو دخان النار ولهبها يصل إليهم قبل وصولهم إليها وهو الذي في قوله : « إلى ظل ذي ثلاث شعب » عن قتادة ، وقيل : أراد أن النار أحاطت بهم من جميع جوانبهم ، فشبه ذلك بالسرادق ، عن أبي مسلم « وإن يستغيثوا » من شدة العطش وحرالنار « يغاثوا بماء كالمهل » وهوشئ أذيب كالنحاس والرصاص والصفر ، عن ابن مسعود ، وقيل : هو كعكر الزيت ، إذاقرب إليه سقطت فروة رأسه روي ذلك مرفوعا ، كدردي الزيت عن ابن عباس ، وقيل : هوالقيح والدم ، عن مجاهد ، وقيل : هوالذي انتهى حره ، عن ابن جبير ، وقيل : إنه ماء أسود وإن جهنم سوداء ، وماؤها أسود ، وشجرها أسود ، وأهلها سود ، عن [١]قال في النهاية : الادهم : الاسود الطويل ومنه حديث مجاهد في ذكر أهل النار : لسعتهم عقارب كامثال البغال الدلم ، اى السود جمع أدلم ، منه. أقول الفيروز آبادى : الدلم محركة : شئ شبه الحية يكون بالحجاز ، ومنه المثل : « هو أشد من الدلم » وكصرد : الفيل انتهى. وقال الدميرى : هو نوع من القراد ، قالت العرب في أمثالها : فلان أشد من الدلم. الضحاك « يشوي الوجوه » أي ينضجها عند دنوه منها ويحرقها ، وإنما جعل سبحانه ذلك إغاثة؟ لا قترانه بذكر الاستغاثة « بئس الشراب » ذلك المهل « وساءت » النار « مرتفقا » أي متكألهم ، وقيل : ساءت مجتمعا ، مأخوذا من المرافقة وهي الاجتماع عن مجاهد ، وقيل : منزلا مستقرا عن ابن عباس. وفي قوله : « إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا » أي منزلا ، وقيل : أي معدة مهيأة لهم عندنا كما يهيأ النزل للضيف. وفي قوله تعالى : « لنحشرنهم والشياطين » أي لنجمعنهم والنبعثنهم من قبورهم مقرنين بأوليائهم من الشياطين ، وقيل : و لنحشرنهم ولنحشرن الشياطين أيضا « ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا » أي مستوفزين [١] على الركب ، والمعنى : يجثون حول جهنم متخاصمين ، ويتبرء بعضهم من بعض ، لان المحاسبة تكون بقرب جهنم ، وقيل : جثيا أي جماعات جماعات ، عن ابن عباس ، كأنه قيل : زمرا ، وهي جمع جثوة وهي المجموع من التراب والحجارة ، وقيل : معناه : قياما على الركب ، وذلك لضيق المكان بهم لا يمكنهم أن يجلسوا « ثم لننزعن من كل شيعة » أي لنستخرجن من كل جماعة « أيهم أشد على الرحمن عتيا » أي الاعتى فالا عتى منهم ، قال قتادة : لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤسهم في الشر ، والعتي ههنا مصدر كالعتو وهو التمر دفي العصيان ، وقيل : نبدء بالاكبر جرما فالاكبر ، عن مجاهد وأبي الاحوص « ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا » أي نحن أعلم بالذين هم أولى بشدة العذاب « وإن منكم إلا واردها » أي مامنكم واحد إلا واردها ، والهاء راجعة إلى جهنم ، فاختلف العلماء في معنى الورود على قولين : أحدهما أن ورودها هو الوصول إليها والاشراف عليها لا الدخول فيها ، كقوله تعالى : « ولما ورد ماء مدين » وقوله سبحانه : « فأرسلوا واردهم » وقال الزجاج : والحجة القاطعة في ذلك قوله سبحانه : « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها [١]استوفز في قعدته : قعد منتصبا غير مطمئن. منه عفى عنه مبعدون * لا يسمعون حسيسها » فهذا يدل على أن أهل الحسنى لا يدخلون النار ، قالوا : فمعناه أنهم واردون حول جهنم للمحاسبة ، ويدل عليه قوله : « ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا » ثم يدخل النار من هو أهلها ، وقال بعضهم : إن معناه أنهم واردون عرصة القيامة التي تجمع كل بر وفاجر. والآخرأن ورودها دخولها بدلالة قوله : « فأوردهم النار [١] » وقوله : « أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ماور دوها » وهو قول ابن عباس وجابر وأكثرالمفسرين ويدل عليه قوله : « ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا » ولم يقل : وندخل الظالمين ، وإنما يقال : نذر ونترك للشئ الذي قد حصل في مكانه ، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم : إنه للمشركين خاصة ، ويكون قوله : « وإن منكم » المراد به إن منهم « وروي في الشواذ عن ابن عباس أنه قرأ » : وإن منهم وقال الاكثرون أنه خطاب لجميع المكلفين فلا يبقى مؤمن ولا فرجر إلا ويدخلها ، فيكون بردا وسلاما على المؤمنين ، وعذابا لازما للكافرين ، قال السدي : سألت مرة الهمداني عن هذه الآية فحدثني أن عبدالله بن مسعود حدثهم عن رسول الله 9 قال : يردالناس النارثم يصدرون بأعمالهم ، فأولهم كلمع البرق ، ثم كمر الريح ، ثم كحضرالفرس ، كالراكب ، ثم كشد الرجل ، ثم كمشيه وروى أبوصالح غالب بن سليمان ، عن كثير بن زياد ، عن أبي سمينة قال : اختلفنا في الورود ، فقال قوم : لا يدخلها مؤمن ، وقال آخرون : يدخلونها جميعا ثم ينجى الذين اتقوا ، فلقيت جابر بن عبدالله فسألته فأومأ بإصبعه إلى اذنيه فقال : صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله (ص) يقول : الورود الدخول لا يبقى بر ولافاجر إلا يدخلها ، تكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار ـ أو قال لجهنم – ضجيجا من بردها ثم ينجى الذين اتقوا. وروي مرفوعا عن يعلى بن منبه ، عن رسول الله (ص) قال : يقول النار للمؤمنين يوم القيامة : جز يامؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. [١] وروي عن النبي 9 أنه سئل عن معنى الآية فقال : إن الله تعالى يجعل النار كالسمن الجامد ، ويجتمع عليها الخلق ، ثم ينادي المنادي : أن خذي أصحابك وذري أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لهي أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها. وروي عن الحسن أنه رأى رجلا يضحك فقال : هل علمت أنك وارد النار؟ فقال : نعم ، قال : وهل علمت أنك خارج منها؟ قال : لا ، قال : ففيم هذا الضحك؟ وكان الحسن لم يرضا حكا قط حتى مات. وقيل : إن الفائدة في ذلك ما روي في بعض الاخبار أن الله تعالى لايدخل أحدا الجنة حتى يطلعه على النار وما فيها من العذاب ليعلم تمام فضل الله عليه وكما لطفه وإحسانه إليه فيزداد لذلك فرحا وسرورا بالجنة ونعيمها ، ولا يدخل أحدا النار حتى يطلعه على الجنة وما فيها من أنواع النعيم والثواب ليكون ذلك زيادة عقوبة له وحسرة على مافاته من الجنة ونعيمها. وقال مجاهد : الحمى حظ كل مؤمن من النار ، ثم قرأ : « وإن منكم إلا واردها » فعلى هذا من حم من المؤمنين فقد وردها. وقد ورد في الخبر أن الحمى من قيح جهنم. وروي أن رسول الله 9 عاد مريضا فقال : ابشر إن الله يقول : الحمى هي ناري ، اسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا ليكون حظه من النار. « كان على ربك حتما مقضيا » أي كائنا واقعا لا محالة ، قد قضى بأنه يكون « ثم ننجي الذين التقوا » الشرك وصدقوا ، عن ابن عباس « ونذر الظالمين » أي ونقر المشركين والكفار على حالهم « فيهاجثيا » أي باركين على ركبهم ، وقيل : جماعات ، وقيل : إن المراد بالظالمين كل ظالم وعاص. وقال البيضاوي في قوله تعالى : « وإن منكم إلا واردها » : إلا واصلها وحاضر دونهمايمر ، بها المؤمنون وهي خامدة ، وتنهار بغيرهم. وعن جابر أنه 7 سئل عنه فقال : إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم : قدورد تموها وهي خامدة. وأما قوله تعالى : « اولئك عنها مبعدون » فالمراد من عذابها ، وقيل : ورودها الجواز على الصراط فإنه محدود عليها. قال الطبرسي ; في قوله : « إنه من يأت ربه مجرما » قال ابن عباس في رواية الضحاك : المجرم : الكافر ، وفي رواية عطاء يعني الذي أجرم وفعل مثل مافعل فرعون « فإن له نار جهنم لا يموت فيها » فيستريح العذاب « ولايحيى » حياة فيها راحة ، بل هو معاقب بأنواع العقاب. وفي قوله تعالى : « إنكم وما تعبدون من دون الله » يعني الاوثان « حصب جهنم » أي وقودها ، عن ابن عباس ، وقيل : حطبها ، وأصل الحصب : الرمي ، فالمراد أنهم يرمون فيها كما يرمى بالحصى ، ويسأل على هذا فيقال : إن عيسى 7 عبد ، والملائكة قد عبدوا والجواب أنهم لا يدخلون في الآية لان « ما » لمالا يعقل ، ولان الخطاب لاهل مكة وإنما كانوا يعبدون الاصنام. فإن قيل : وأي فائدة في إدخال الاصنام النار؟ قيل : يعذب بها المشركون الذين عبدوها فتكون زيادة في حسرتهم وغمهم ، ويجوز أن يرمى بها في النار توبيخا للكفار حيث عبدوها وهي جماد لاتضر ولا تنفع ، وقيل : إن المراد بقوله : « وماتعبدون من دون الله » الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة غيرالله فأطاعوهم ، فكأنهم عبدوهم ، كما قال : « يا أبت لا تعبد الشيطان ». « أنتم لها واردون » خطاب للكفار ، أي أنتم في جهنم داخلون ، وقيل : إن معنى لها إليها « لوكان هؤلاء » الاصنام والشياطين « آلهة » كما تزعمون « ماوردوها » أي ما دخلوا النار « وكل » من العابد والمعبود « فيها خالدون لهم فيها زفير » أي صوت كصوت الحمار ، وهو شدة تنفسهم في النار عند إحراقها لهم « وهم فيها لا يسمعون » أي لا يسمعون مايسرهم ولا ما ينتفعون به ، وإنما يسمعون صوت المعذبين وصوت الملائكة الذين يعذبونهم ويسمعون ما يسوؤهم ، وقيل : يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره ، عن ابن مسعود ، قالوا : ولما نزلت هذه الآية أتى عبدالله بن الزبعرى إلى رسول الله (ص) فقال : يا محمد ألست تزعم أن عزيزاً رجل صالح ، وأن عيسى رجل صالح ، وأن مريم امرأة صالحة؟ قال : بلى ، قال : فإن هؤلاء يعبدون من دون الله فهم في النار؟! فأنزل الله تعالى : « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى » أي الموعدة بالجنة ، وقيل : الحسنى : السعادة « اولئك عنها معبدون لا يسمعون حسيسها » أي يكونون بحيث لا يسمعون صوتها الذي يحس « وهم فيها اشتهت أنفسهم » من نعيم الجنة وملاذها « خالدون » أي دائمون ، ويقال : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى عيسى وعزيز ومريم ، وملائكة الذين عبدوا من دون الله وهم كارهون استثناهم الله من جملة ما يعبدون من دون الله ، وقيل إن الآية عامة في كل من سبقت له الموعدة بالسعادة. وفي قوله تعالى : « فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار » [١] قال ابن عباس : حين صاروا إلى جهنم البسوا مقطعات النيران ، وهي الثياب القصار ، وقيل : يجعل لهم ثياب نحاس من نار وهي أشد ما يكون حرا عن سعيدبن جبير ، وقيل : إن النار تحيط بهم كإحاطة الثياب التي يلبسونها « يصب من فوق رءوسهم الحميم » أي الماء المغلي فيذيب ما في بطونهم من الشحوم ويتساقط الجلود ، وفي خبر مرفوع أنه يصب على رؤسهم الحميم فينفذ إلى أجوافهم فيسلت مافيها « يصربه مافي بطونهم والجلود » أي يذاب وينضج بذلك الحميم مافيها من الامعاء وتذاب به الجلود ، والصهر : الاذابة « ولهم مقامع من حديد » قال الليث : المقمعة : شبه الجرز من الحديد يضرب بها الرأس وروى أبوسعيد الخدري قال : رسول الله 9 في قوله : « وله مقامع من حديد » : لووضع مقمع من حديد في الارض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الارض. وقال الحسن : إن النار ترميهم بلهبها حتى إذا كانوا في اعلاها ضربوا بمقامع [١]قال السيد الرضي رضوان الله عليه : المراد بها أن النار ـ نعوذبالله منها ـ تشتمل عليهم اشتمال الملابس على الابدان حتى لا يسلم منها عضو من أعضائهم ولا يغيب عنها شئ من اجسادهم ، وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك ـ والله أعلم ـ أن سرابيل القطران التي ذكرها الله سبحانه نقال : (سرابيلهم من قطران ) إذا لبسوها واشتعلت النار فيهاصارت كانها ثياب من نارلا حاطتها بهم واشتما لها عليهم. فهووا فيها سبعين خريفا ، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة فذلك قوله : « كلما أرادوا أن بخرجوا منها من غم اعيدوا فيها » أي كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفاسهم حين ليس لها مخرج رد وا إليها بالمقامع « وذوقوا عذاب الحريق » أي ويقال لهم : ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم ، والحريق الا سم من الاحتراق. وفي قوله : « بإلحاد » الالحاد : العدول عن القصد. وفي قوله : « معاجزين » أي مغالبين ، وقيل : مقدرين أنهم يسبقوننا ، وقيل : ظانين أن يعجزوا الله ، أي يفوتوه ولن يعجزوه ، وفي قوله : « تلفح وجوههم النار » أي تصيب وجوههم لفح النار ولهبها واللفح والنفح بمعنى ، إلا أن اللفح أشد تأثيرا وأعظم من النفح « وهم فيها كالحون » أي عابسون ، عن ابن عباس ، وقيل : هو أن تتقلص شفاههم وتبدو أسنانهم كالرؤوس المشوية عن الحسن « ألم تكن آياتي تتلى عليكم » أي ويقال لهم : ألم يكن القرآن يقرء عليكم ، وقيل : ألم تكن حججي وبيناتي وأدلتي تقرء عليكم في دار الدنيا « فكنتم بها تكذبون * قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا » أي شقاوتنا ، وهي المضرة اللاحقة في العاقبة ، والمعنى : استعلت علينا سيئاتنا التي أو جبت لنا الشقاوة « و كنا قوما ضالين » أي ذاهبين عن الحق « بنا أخرجنا منها » من النار « فإن عدنا » لماتكره من الكفر والتكذيب والمعاصي « فإناظالمون » لانفسنا ، قال الحسن : هذا آخر كلام يتكلم به أهل النار ، ثم بعد ذلك يكون لهم شهيق كشهيق الحمار « قال اخسؤافيها » أي ابعدوا بعد الكلب في النار ، وهذه اللفظة زجرللكلاب ، وإذا قيل ذلك للانسان يكون للاهانة المستحقة للعقوبة « ولا تكلمون » وهذه مبالغة للاذلال والاهانة وإظهار الغضب عليهم ، وقيل : معناه : ولا تكلموني في رفع العذاب فإني لا أرفعه عنكم « إنه كان فريق من عبادي » وهم الانبياء والمؤمنون « يقولون ربنا آمنا فاغفرلنا وارحمنا وأنت خيرالراحمين » أي يدعون هذه الدعوات في الدنيا طلبا لما عندي من الثواب « فاتخذ تموهم » أنتم يا معشر الكفار « سخريا » أي كنتم تهزؤون بهم ، وقيل : معناه : تستعبدونهم وتصرفونهم في أعمالكم وحوائجكم كرها بغير أجر « حتى أنسواكم ذكري » أي نسيتم ذكري لا شتغالكم بالسخرية منهم ، فنسب الانساء إلى عباده الؤمنين وإن لم يفعلوا؟ لما كانوا السبب في ذلك « وكنتم منهم تضحكون * إني جزيتهم اليوم بما صبروا » أي بصبرهم على أذاكم وسخريتكم « إنهم هم الفائزون » أي الظافرون بما أرادوا والناجون في الآخرة « قال » أي قال الله تعالى للكفار يوم البعث ، وهو سؤال توبيخ وتبكيت لمنكري البعث « كم لبثتم في الارض » أي في القبور « عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أوبعض يوم » لانهم لم يشعروا بطول لبثهم و مكثهم لكونهم أمواتا ، وقيل : إنه سؤال لهم عن مدة حياتهم في في دالدنيا ، فقالوا : لبثنا يوما أوبعض يوم ، استقلوا حياتهم في الدنيا لطول لبثهم ومكثهم في النار ، عن الحسن ، قال : ولم يكن ذلك كذبا منهم ، لانهم أخبروا بما عندهم ، وقيل : إن المراد به يوما أوبعض يوم من أيام الآخرة ، وقال ابن عباس : أنساهم الله قدر لبثهم فيرون أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم لعظم ماهم بصدده من العذاب « فسئل العادين » يعني الملائكة ، لانهم يحصون أعمال العباد ، وقيل : يعني الحساب لانهم يعدون الشهور والسنين « قال » الله تعالى « إن لبثتم إلا قليلا » لان مكثكم في الدنيا أو في القبور و إن طال فإن منتهاه قليل بالاضافة إلى طول مكثكم في عذاب جهنم « لو أنكم كنتم تعلمون » صحة ما أخبرناكم به ، وقيل : معناه : لو كنتم تعلمون قصر أعماركم في الدنيا وطول مكثكم في الآخرة في العذاب لما اشتغلتم بالكفر والمعاصي. وفي قوله سبحانه : « وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا » أي نارا تتلظى ، ثم وصف ذلك السعير فقال : « إذارأتهم من مكان بعيد » أي من مسيرة مائة عام ، عن السدي والكلبي ، وقال أبوعبدالله 7 : من مسيرة سنة ، ونسب الرؤية إلى النار وإنما يرونهاهم؟ لان ذلك أبلغ ، كأنهاتراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظا ، وذلك قوله : « سمعوالها تغيظا وزفيرا » وتغيظها : تقطعها عند شدة اضطرابها ، وزفيرها صوتها عند شدة التهابها كالتهاب الرجل المغتاظ ، والتغيظ لا يسمع وإنما يعلم بدلالة الحال عليه ، وقيل : معناه : سمعوا لها صوت تغيظ وغليان ، قال عبيد بن عمير : إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا خرلوجهه. وقيل : التغيظ للنار والزفير لاهلها كأنه يقول. رأوا للنار تغيظا ، وسمعوا لاهلها زفيرا « وإذا القوامنها مكانا ضيقا » معناه : وإذا القوا من النار في مكان ضيق يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ، عن أكثرالمفسرين. وفي الحديث عنه 7 في هذه الآية : والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط « مقرنين » أي مصفدين ، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الاغلال ، وقيل : قرنوا مع الشيطان في السلاسل والاغلال ، عن الجبائي « دعوا هنالك ثبورا » أي دعوا بالويل والهلاك على أنفسهم ، كما يقول القائل : واثبوراه أي واهلاكاه ، وقيل : وا انصرافاه عن طاعة الله فتجيبهم الملائكة : « لاتدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا » أي لا تدعوا ويلا واحدا وادعوا ويلا كثيرا ، أي لا ينفعكم هذا وإن كثر منكم ، قال الزجاج : معناه : هلاككم أكبرمن أن تد عو امرة واحدة. وفي قوله تعالى : « الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم » أي يسحبون على وجوههم إلى النار وهم كفار مكة ، وذلك لانهم قالوا : لمحمد وأصحابه هم شر خلق الله ، فأنزل الله سبحانه : « اولئك شرمكانا » أي منزلا ومصيرا « وأضل سبيلا » أي دينا وطريقا من المؤمنين. وروى أنس قال : إن رجلا قال : يانبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال : إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة. وفي قوله تعالى : « إن عذابها كان غراما » أي لازما ملحا دائما غيرمفارق. وفي قوله : « يلق أثاما » أي عقوبة وجزاء لمافعل ، وقيل : إن أثاما اسم واد في جهنم ، عن ابن عمر وقتادة ومجاهد وعكرمة. وفي قولة تعالى : « يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين » يعني أن العذاب وإن لم يأتهم في الدنيا فإن جهنم محيطة بهم ، أي جا معة لهم وهم معذبون فيها لا محالة « يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم » يعني أن العذاب يحيط بهم ، لا أنه يصل إلى موضع منهم دون موضع ، فلا يبقى جزء منهم إلا وهو معذب في النار ، عن الحسن ، وهو كقوله : « لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ونقول ذوقوا ما كنتم تعملون » أي جزاء أعمالكم. وفي قوله : « إلى عذاب غليظ » أي إلى عذاب يغلظ عليهم ويصعب. وفي قوله سبحانه : « ولكن حق القول مني » أي الخبر والوعيد « لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين » أي من كلا الصنفين بكفرهم بالله سبحانه وجحدهم وحدانيته ، ثم يقال لهم : « فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا » أي بما فعلتم فعل من نسي لقاء جزاء هذا اليوم ، فتركتم ما أمركم الله به وعيتموه ، والنسيان : الترك « إنانسيناكم » أي فعلنا معكم فعل من نسيكم من ثوابه ، أي ترككم من نعيمه جزاء على ترككم طاعتنا. وفي قوله تعالى : « من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر » العذاب الاكبر عذاب جهنم ، وأما العذاب الادني فقي الدنيا ، وقيل : هو عذاب القبر ، وروي أيضا عن أبي عبدالله 7 ، والاكثر في الرواية عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) أن العذاب الادني الدابة والدجال. وفي قوله تعالى : « يوم تقلب وجوههم في النار » التقليب : تصريف الشئ في الجهات ، ومعناه : تقلب وجوه هولاء السائلين عن الساعة وأشباههم من الكفار ، فتسود وتصفر وتصير كالحة بعد أن لم تكن ، وقيل : معناه : تنقل وجوههم من جهة إلى جهة في النار ، فيكون أبلغ فيما يصل إليها من العذاب ، يقولون متمنين متأسفين : « ياليتنا أطعنا الله » فيما أمرنا به ونهانا عنه « وأطعنا الرسولا » فيما دعانا إليه « ربنا آتهم ضعفين من العذاب » بضلالهم في نفوسهم ، وإضلالهم إيانا ، أي عذبهم مثلي ما تعذب به غيرهم « والعنهم لعنا كبيرا » مرة بعد اخرى ، وزدهم غضبا إلى غضبك. وفي قوله : « لا يقضى عليهم » بالموت « فيموتوا » فيستريحوا « ولا يخفف عنهم من عذابها » أي ولا يسهل عليهم عذاب النار « كذلك » أي ومثل هذا العذاب ، ونظيره « نجزي كل كفور » وجاحد كثيرالكفران ، مكذب لانبياءالله « وهم يصطرخون فيها » أي يتصايحون بالا ستغاثة « يقولون ربنا أخرجنا » من عذاب النار « نعمل صالحا » أي نؤمن بدل الكفر ، ونطيع بدل المعصية ، والمعنى : رد نا إلى الدنيا لنعمل بالطاعات التي تأمرنا بها « غيرالذي كنا نعمل » فوبخهم الله تعالى فقال : « أولم نعمركم ما ينذكزفيه من تذكر » أي ألم نعطكم من العمر مقدار مايمكن أن يتفكر ويعتبرو ينظرفي امور دينه ، وعواقب حاله من يريد أن يتفكر ويتذكر؟. واختلف في هذا المقدار فقيل : هو ستون سنة وهو المروي عن أميرالمؤمنين 7 قال : العمر الذي أعذرالله فيه إلى ابن آدم ستون سنة. وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ، وقيل : هو أربعون سنة ، عن ابن عباس ومسروق ، وقيل : هو توبيخ لابن ثمانية عشر سنة ، عن وهب وقتادة ، وروي ذلك عن الصادق 7 « وجاءكم النذير » أي المخوف من عذاب الله وهو محمد (ص) ، وقيل : القرآن ، وقيل : الشيب. وفي قوله تعالى : « أم شجرة الزقوم » الزقوم ثمرشجرة منكرة جدا ، من قولهم تزقم هذا الطعام : إذا تناوله على تكره ومشقة شديدة ، وقيل : الزقيوم : شجرة في النار يقتاتها أهل النار ، لها ثمرة مره خشنة اللمس ، منتنة الريح ، وقيل : أنها معروفة من شجر الدنيا تعرفها العرب ، وقيل : إنها لا تعرفها ، فقد روي : أن قريشا لماسمعت هذه الآية قالت : ما نعرف هذه الشجرة ، قال ابن الزبعرى : الزقوم بكلام البربر : التمر والزبد ، وفي رواية بلغة اليمن ، فقال أبوجهل لجاريته : يا جارية زقمينا ، فأتته الجارية بتمر وزبد ، فقال لاصحابه : تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد ، فيز عم أن النار تنبت الشجر ، والنار تحرق الشجر! فأنزل الله سبحانه : « إنا جعلناها فتنة للظالمين » أي خبرة لهم افتتنوا بها وكذبوا بكونها فصارت فتنة لهم ، وقيل المراد بالفتنة العذاب من قوله : « يوم هم على النار يفتنون » [١] أي يعذبون « إنها » أي الزقوم « شجرة تخرج في أصل الجحيم » اي في قعر جهنم ، وأغصانها ترفع إلى در كاتها ، عن الحسن ، ولا يبعد أن يخلق الله سبحانه بكمال قدرته في النار من جنس النار ، أومن جوهر لاتأ كله النار ولا تحرقه ، كما أنها لا تحرق السلاسل والاغلال ، وكما لا تحرق حياتها وعقاربها ، وكذلك الضريع وما أشبه ذلك طلعها كأنه رءوس [١]الذاريات : ١٣. الشياطين يسأل عن هذا فيقال : كيف شبه طلع هذه الشجرة برؤوس الشياطين وهي لا تعرف ، وإنما يشبه الشئ بما يعرف؟ واجيب عنه بثلاثة أجوبة : أحدها أن رؤس الشياطين ثمرة يقال لها : أستن ، [١] قال الاصمعي : يقال له الصورم. وثانيها أن الشيطان جنس من الحيات فشبه سبحانه طلع تلك الشجرة برؤوس تلك الحيات. وثالثها أن قبح صورالشياطين متصور في النفوس ، ولذلك يقولون لما يستقبحونه جدا : كأنه شيطان ، فشبه سبحانه طلع هذه الشجرة بما استقرت شناعته في قلوب الناس ، وهذاقول ابن عباس ومحمد بن كعب ، وقال الجبائي : إن الله تعالى يشوه خلق الشياطين في النار حتى أنه لو رآه راء من العباد لا ستوحش منهم ، فلذلك شبه برؤوسهم. « فإنهم لآكلون منها » يعني أن أهل النار ليأكلون من ثمرة تلك الشجرة « فمالؤن منها البطون » أي يملؤون بطونهم منها لشدة مايلحقهم من ألم الجوع ، وقد روي أن الله تعالى يجوعهم حتى ينسوا عذاب النار من شدة الجوع ، فيصر خون إلى مالك فيحملهم إلى تلك الشجرة وفيهم أبوجهل فيأكلون منها فتغلي بطونهم كغلي الحميم ، فيستسقون فيسقون شربة من الماء الحار الذي بلغ نهايته في الحرارة ، فإذا قربوها من وجوههم شوت وجوههم ، فذلك قوله : « يشوي الوجوه » فإذا وصل إلى بطونهم صهر ما في بطونهم ، كما قال سبحانه : « يصهر به مافي بطونهم والجلود » فذلك شرابهم وطعامهم « ثم إن لهم عليها » زيادة على شجرة الزقوم « لشوبامن حميم » أي خلطا ومزاجا من ماء حاريمزج ذلك الطعام بهذا الشراب ، وقيل : إنهم يكرهون على ذلك عقوبة لهم « ثم إن مرجعهم » بعد أكل الزقوم وشراب الحميم « لالى الجحيم » وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج من الجحيم ، كما تورد الابل إلى الماء ثم يوردون إلى الجحيم ، ويدل على ذلك قوله : « يطوفون بينها وبين حميم آن » و الجحيم النار الموقدة ، والمعنى أن الزقوم والحميم طعامهم وشرابهم ، والجحيم المسعرة منقلبهم ومآبهم. [١]قال الفيروز آبادى : الاستن والاستان : اصول الشجر البالية ، واحدها أستنة ، أو الاستن : شجر يفشو في منابته ، فاذا نظر الناظر إليه شبهه بشخوص الناس. وفي قوله سبحانه : هذا فليذوقوه حميم وغساق أي هذا حميم وغساق فليذوقوه ، وقيل : معناه : هذا الجزاء للطاغين فليذوقوه ، واطلق عليه لفظ الذوق لان الذائق يدرك الطعم بعد طلبه فهو أشد إحساسابه ، والحميم : الماء الحار ، والغساق : البار دالزمهرير ، عن ابن مسعود وابن عباس ، فالمعنى أنهم يعذبون بحار الشراب الذي انتهت حرارته ، و ببارده الذي انتهت برودته ، فببرده يحرق كما يحرق النار ، وقيل : إن الغساق : عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من وحية وعقرب ، وقيل : هو مايسيل من دموعهم يسقونه مع الحميم ، وقيل : هوالقيح الذي يسيل منهم ، يجمع ويسقونه ، وقيل : هو عذاب لا يعلمه إلا الله « وآخر » أي وضروب اخر « من شكله » أي من جنس هذا العذاب « ازواج » أي ألوان وأنواع متشابهة في الشدة لا نوع واحد « هذا فوج مقتحم معكم » أي يقال لهم : هذا فوج وهم قادة أهل الضلالة إذا دخلوا النار ، ثم يدخل الاتباع ، فتقول الخزنة للقادة : « هذافوج » أي قطع من الناس وهم الاتباع « مقتحم معكم » في النار دخلوها كما دخلتم ، عن ابن عباس ، وقيل : يعني بالاول أولاد إبليس وبالفوج الثاني بني آدم ، أي يقال لبني إبليس بأمرالله : هذا جمع من بني آدم مقتحم معكم يدخلون النار وعذابها وأنتم معهم ، عن الحسن « لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار » أي لا اتسعت لهم أماكنهم ، لانتم لازموا النار ، فيكون المعنى على القول الاول أن القادة والرؤساء يقولون للاتباع : لامرحبا بهؤلاء ، إنهم يدخلون النار مثلنا ، فلا فرج لنا في مشاركتهم إيانا ، فتقول الاتباع لهم : « بل أنتم لا مرحبا بكم » أي لا نلتم رحبا وسعة « أنتم قد متموه لنا » أي حملتمو نا على الكفر الذي أوجب لنا هذا العذاب ودعوتمونا إليه ، وأما على القول الثاني فإن أولاد إبليس يقولون : لا مرحبابهؤلاء قد ضاقت أماكنهم إذا كانت النار مملوءة منافليس لنا منهم إلا الضيق والشدة ، وهذا كما روي عن النبي (ص) : أن النار تضيق عليهم كضيق الزج [١] بالرمح. « قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم » أي تقول بنو آدم : لا كرامة لكم أنتم شرعتموه لناوز ينتموه في نفوسنا « فبئس القرار » الذي استقررنا عليه « فالوا ربنا من قدم لنا [١]الزج بالضم : الحديد التى في أسفل الرمح. هذا » أي يدعون عليهم بهذا إذا حصلوافي نار جهنم ، أي من سبب لنا هذا العذاب و دعانا إلى ما استوجبنا به ذلك « فزده عذابا ضعفا » أي مثلا مضاعفا إلى ما يستحقه من النار ، أحد الضعفين لكفرهم بالله ، والضعف الآخر لدعائهم إيانا إلى الكفر « وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار » أي يقولون ذلك حين ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم فيها معهم وهم المؤمنون ، عن الكلبي ، وقيل : نزلت في أبي جهل والوليدبن المغيرة وذويهما ، يقولون : مالنا لانرى عمارا وخبابا و صهيبا وبلالا الذين كنا نعدهم في الدنيا من جملة الذين يفعلون الشر والقبيح ولا يفعلون الخير ، عن مجاهد. وروى العياشئ بالاسناد عن جابر ، عن أبي عبدالله 7 أنه قال : أهل النار يقولون : مالنا لانرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار ، يعنونكم لا يرونكم في النار ، لا يرون والله أحدا منكم في النار. « أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار » معناه أنهم يقولون لما لم يروهم في النار : أتخذناهم هزوا في الدنيا فأخطأنا ، أم عدلت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم معنا في النار « إن ذلك لحق » أي ماذكر قبل هذا لحق ، أي كائن لا محالة. ثم بين ماهو فقال : « تخاصم أهل النار » يعني تخاصم الاتباع والقادة ، أو مجادلة أهل النار بعضهم لبعض على ما أخبر عنهم. وفي قولة تعالى : « قل إن الخاسرين » في الحقيقة هم « الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة » فلاينتفعون بأنفسهم ، ولا يجدون في النار أهلا كما كان لهم في الدنيا أهل ، فقد فاتتهم المنفعة بأنفسهم وأهليهم ، وقيل : خسروا أنفسهم بأن قذفوها بين أطباق الجحيم ، وخسروا أهليهم الذين اعدوا لهم في جنة النعيم ، عن الحسن. قال ابن عباس : إن الله تعالى جعل لكل إنسان في الجنة منزلا وأهلا ، فمن عمل بطاعته كان له ذلك ، ومن عصاه فصار إلى النار ، ودفع منزله وأهله إلى من أطاع فذلك قوله : « اولئك هم الوارثون ». « ألا ذلك هو الخسران المبين » أي الظاهر الذي لا يخفى « لهم من فوقهم ظلل من النار » أي سرادقات وأطباق من النار ودخانها نعوذ بالله منها « ومن تحتهم ظلل » أي فرش ومهد منها ، وقيل : إنما سمي ماتحتهم ظللا لانها ظلل لمن تحتهم ، إذ النار أدراك وهم بين أطباقها ، وقيل : إنما اجري اسم الظلل على قعط النار على سبيل التوسع والمجاز ، لانها في مقابلة ما لاهل الجنة من الظلل ، والمراد أن النار تحيط بجوانبهم. وفي قوله : « أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار » اختلف في تقديره فقيل : معناه : أفمن وجب عليه وعيدالله بالعقاب الله أفأنت تخلصه من النار؟ فاكتفى بذكر من في النار عن الضمير العائد إلى المبتدأ ، وقيل : تقديره : أفأنت تنقذ من في النار منهم؟ واتي بالا ستفهام مرتين تو كيدا للتنبيه على المعنى ، وقال ابن الانباري : الوقف على قوله : « كلمة العذاب » والتقدير : كمن وجبت له الجنة ، ثم يبتدئ « أفأنت تنقذ » وأراد بكلمة العذاب قوله : « لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ». [١] وفي قوله تعالى : « أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة » تقديره : أفحال من يدفع عذاب الله بوجهه يوم القيامة كحال من يأتي آمنا لا يمسه النار ، وإنما قال : « بوجهه » لان الوجه أعز اعضاء الانسان؟ وقيل : معناه : أم من يلقى منكوسا ، فأول عضو منه مسته النار وجهه ، ومعنى يتقي يتوقى « وقيل للظالمين » يقوله خزنة النار. وفي قوله : « إن الذين كفروا ينادون » أي تناديهم الملائكة يوم القيامة : « لمقت الله أكبر » المقت أشد العداوة والبغض ، المعنى أنهم لما رأوا أعمالهم ونظروا في كتابهم وادخلوا النار مقتوا أنفسهم لسوء صنيعهم ، فنودوا : لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم ، وقيل : إنهم لما تركوا الا يمان وصاروا إلى الكفر فقد مقتوا أنفسهم أعظم المقت ، ثم حكى سبحانه عن الكفار الذين تقدم وصفهم بعد حصولهم في النار بأنهم قالوا : « ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين » اختلف في معناه على وجوه : أحدها أن الاماتة الاولى ص : ٨٥. في الدنيا بعد الحياة ، والثانية في القبر قبل البعث ، والا حياء الاولى في القبر لل مسألة والثانية في الحشر. وثانيها : أن الاماتة الاولى حالكونهم نطفا ، فأحياهم الله الدنيا ، ثم أماتهم الموتة الثانية ، ثم أحياهم للبعث ، فهاتان حياتان ومماتان. وثالثها : أن الحياة الاولى في الدنيا ، والثانية في القبر ، ولم يرد الحياة يوم القيامة ، والموتة الاولى في الدنيا ، والثانية في القبر « فاعترفنا بذنوبنا » التي اقترفنا ها في الدنيا « فهل إلى خروج من سبيل » هذا تلطف منهم في الا ستدعاء ، أي هل بعد الاعتراف سبيل إلى الخروج؟ وقيل : إنهم سألوا الرجوع إلى الدنيا ، أي هل من خروج من النار إلى الدنيا لنعمل بطاعتك؟ « ذلكم » أي ذلك العذاب الذي حل بكم « بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم » أي إذا قيل : لا إله إلا الله ، قلتم : أجعل الآلهة إلها واحدا؟ وجحدتم ذلك « وإن يشرك به تؤمنوا » أي وإن يشرك به معبود آخر من الاصنام والاوثان تصدقوا. وفي قوله تعالى : « وإذا يتحاجون في النار » أي واذكر يا محمد لقومك الوقت الذي يتحاج فيه أهل النار في النار ، ويتخاصم الرؤساء والاتباع « فيقول الضعفاء » وهم الاتباع « للذين استكبروا » وهم الرؤساء « إناكنالكم » معاشر الرؤساء « تبعا » وكنا نمتثل أمركم ونجيبكم إلى ماتدعوننا إليه « فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار » لانه يلزم الرئيس الدفع عن أتباعه المنقادين لامره « قال الذين استكبروا إناكل فيها » أي نحن وأنتم في النار « إن الله قدحكم بين العباد » بذلك ، بأن لا يتحمل أحد عن أحد ، وإنه يعاقب من أشرك به وعبدمعه غيره لا محالة « وقال الذين في النار » من الاتباع والمتبوعين « لخزنة جهنم » لخزنة جهنم « وهم الذين يتولون عذاب أهل النار من الملائكة المو كلين بهم« ادعوا ربكم عنا يوما من العذاب » يقولون ذلك لانهم لا طاقة لهم على شدة العذاب ولشدة جزعهم ، لا أنهم يطمعون في التخفيف ، لان معارفهم ضرورية يعلمون أن عقابهم لا ينقطع ولا يخفف عنهم « قالوا » أي الخزنة « أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات » أي بالحجج والدلالات على صحة التوحيد والنبوة ، أي فكفرتم وعاندتم حتى استحققتم هذا العذاب « قالوا بلى » جاءتنا الرسل والبينات فكذبناهم وجحدنا نبوتهم « قالوا فادعوا » أي قالت الخزنة : فاد عوا أنتم فإنا لا ندعو إلا بإذن الله ولم يؤذن لنافيه ، وقيل : إنما قالوا ذلك استخفافا بهم ، وقيل : معناه : فادعوا بالويل والثبور « وما دعاء الكافرين إلا في ضلال » أي في ضياع ، لانه لا ينفع. وفي قوله : « يسحبون في الحميم » أي يجرون في الماء الحار الذي قدانتهت حرارته « ثم في النار يسجرون » أي ثم يقذفون في النار ، وقيل : أي ثم يصيرون وقود النار « ثم قيل لهم » أي الهؤلاء الكفار إذا دخلوا النار على وجه التوبيخ « أين ماكنتم تشركون من دون الله » من أصنامكم « قالوا ضلواعنا » أي ضاعوا وهلكوا فلا نراهم ولا نقدر عليهم ، ثم يستدركون فيقولون : « بل لم نكن ندعو من قبل شيئا » أي شيئا يستحق العبادة ولا ماننتفع بعبادته ، وقيل : لم نكن ندعو شيئا ينفع ويضر ويسمع ويبصر ، وهذا كما يقال لكل ما لا يغني شيئا : هذاليس بشئ ، وقيل : معناه : ضاعت عبادتنا لهم فلم نكن نصنع شيئا إذ عبدناها ، كما يقول المتحسر : مافعلت شيئا « كذلك يضل الله الكافرين » أي كما أضل أعمال هؤلاء وأبطل ما كانوا يأملونه كذلك يفعل بجميع من يتدين بالكفر فلا ينتفعون بشئ من أعمالهم ، وقيل : « يضل الله أعمالهم » أي يبطلها ، وقيل : يضلهم عن طريق الجنة والثواب كما أضلهم عما اتخذوه إلها بأن صرفهم عن الطمع في نيل منفعة من جهتها « ذلكم » العذاب الذي نزل بكم « بماكنتم تفرحون في الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون » أي تأشرون وتبطرون. وفي قوله تعالى : « أسوء الذي كانوا يعملون » أي نجازيهم بأقبح الجزاء على أقبح معاصيهم وهو الكفر والشرك ، وخص الاسوأ بالذكر للمبالغة في الزجر ، وقيل : معناه : لنجزينهم بأسوأ أعمالهم وهي المعاصي دون غيرها مما لا يستحق به العذاب. « وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والانس » يعنون إبليس الابالسة ، وقابيل بن آدم أول من أبدع الكفر والضلال والمعصية ، روي ذلك عن علي 7 ، وقيل : كل من دعى إلى الضلال والكفر من الجن والانس ، والمراد باللذين جنس الجن والانس « نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين » تمنوا لشدة عدواتهم لهم بما أضلوهم أن يجعلوهم تحت أقدامهم في الدرك الاسفل من النار ، وقيل : أي ندو سهما ونطؤهما بأقدامنا إذ لالا لهما ليكونا من الاذلين ، قال ابن عباس : ليكونا أشد عذابا منا. وفي قوله تعالى : « لايفتر عنهم العذاب » أي لا يخفف عنهم « وهم فيه مبلسون » أئسون من كل خير « ونادوا يا مالك » أي يدعون خازن جهنم فيقولون : « يا مالك ليقض علينا ربك » أي ليمتنا ربك حتى نتخلص ونستريح من هذا العذاب « قال » أي فيقول مالك مجيبا لهم : « إنكم ماكثون » أي لابثون دائمون في العذاب قال ابن عباس والسدي : إنما يجيبهم مالك بذلك بعد ألف سنة ، وقال ابن عمر : بعد أربعين عاما « لقد جئناكم » أي يقول الله تعالى : لقد أرسلنا إليكم الرسل « بالحق » أي جاءكم رسلنا بالحق ، وأضافه إلى نفسه لانه كان بأمره ، وقيل : هو قول مالك ، و إنما قال : قد جئنا كم؟ لانه من الملائكة وهم من جنس الرسل « ولكن أكثركم » معاشر الخلق « للحق كارهون » لانكم ألفتم الباطل فكر هتم مفارقته. وفي قوله تعالى : « طعام الاثيم » أي الآثم وهو أبوجهل ، وروي أن أبا جهل أتى بتمروز بد فجمع بينهما وأكل وقال : هذا هوالزقوم الذي يخو فنا محمد به ، نحن نتزقمه ، أي نملا أفواهنا به ، فقال سبحانه : « كالمهل » وهو المذاب من النحاس أو الرصاص أوالذهب أو الفضة ، وقيل : هو دردي الزيت « يغلي في البطون كغلي الحميم » أي إذا حصلت في أجواف أهل تغلي كغلي الماء الحار الشديد الحرارة ، قال أبوعلي الفارسي : لا يجوز أن يكون المعنى : يغلي المهل في البطون ، لان المهل إنما ذكر للتشبيه به في الذوب ، ألا ترى أن المهل لا يغلي في البطون ، وإنما يغلي مايشبه به « خذوه » أي يقال للزبانية : « خذوه » بالاثم « فاعتلوه » [١] أي زعزعوه وادفعوه بعنف ، وقيل : معناه : جروا على وجهه « إلى سواء الجحيم » أي إلى وسط النار « ثم [١]من العتل ، وهو الاخذ بمجامع الشئ وجزء بقهر كعتل البعير. صبوا فوق رأسه » قال مقاتل : إن خازن النار يمر به على رأسه فيذهب رأسه عن دماغة ، ثم يصب فيه « من عذاب الحميم » وهو الماء الذي قد انتهى حره ، ويقول له : « ذق إنك أنت العزيزالكريم » وذلك أنه كان يقول : أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم ، فيقول له الملك : ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك وفيما كنت تقوله ، وقيل : إنه على معنى النقيض ، فكأنه قيل : إنك أنت الذليل المهين ، إلا أنه قيل على هذا الوجه للا ستخفاف به ، وقيل : معناه إنك أنت العزيز في قومك الكريم عليهم فما أغنى عنك ذلك « إن هذا ماكنتم به تمترون » أي ثم يقال لهم : إن العذاب ما كنتم تشكون فيه في الدنيا. وفي قوله تعالى : « من ورائهم جهنم » أي من وراء ماهم فيه من التعزز بالمال والدنيا جهنم « ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا » أي لا يغني عنهم ما حصلوه وجمعوه من المال والولد شيئا من عذاب الله « ولا ما اتخذوامن دون الله أولياء » من الآلهة التي عبدوها لتكون شفعاء هم عندالله « هذاهدى » أي هذا القرآن الذي تلوناه والحديث الذي ذكرناه دلا لة موصلة إلى الفرق بين الحق والباطل. والرجز : العذاب. وفي قوله : « ويوم يعرض الذين كفروا على النار » يعني يوم القيامة ، أي يدخلون النار ، كما يقال : عرض فلان على السوط ، وقيل : معناه عرض عليهم النار قبل أن يدخلوها ليروا أهوالها « أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا » أي فيقال لهم : آثرتم طيباتكم ولذاتكم في الدنيا على طيبات الجنة « واستمتعتم بها » أي انتفعتم بها منهمكين فيها ، وقيل : هي الطيبات من الرزق ، يقول : أنفقتموها في شهواتكم وفي ملاذ الدنيا ، ولم تنفقوها في مرضات الله « فاليوم تجزون عذاب الهون » أي العذاب الذي فيه الذل والخزي والهوان « بماكنتم تستكبرون في الارض » أي باستكباركم عن الانقياد للحق في الدنيا « وبماكنتم تفسقون » أي وبخرو جكم عن طاعة الله إلى معاصيه. وفي قوله : « ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق » أي يقال لهم على وجه الا حتجاج عليهم : أليس هذا الذي جوزيتم به حق [١] لا ظلم فيه؟ « قالوا » أي فيقولون : « بلى وربنا » اعترفوا بذلك وحلفوا عليه بعد ما كانوا منكرين « قال [١]كذا في المجمع. والظاهر : حقا. فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون » أي بكفركم في الدنيا وإنكاركم. وفي قوله سبحانه : « وقال قرينه » يعني الملك الشهيد عليه ، عن الحسن ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبدالله (ع) ، وقيل : قرينه الذي قيض له من الشيطان ، وقيل : قرينه من الانس « هذا مالدي عتيد » إن كان المراد به الملك فمعناه : هذا حسابه حاضر لدي في هذا الكتاب ، أي يقول لربه : كنت وكلتني ، به فما كتبت من عمله حاضر عندي ، وإن كان المراد به الشيطان أو القرين من الانس فالمعنى : هذا العذاب حاضر عندي معدلي بسبب سيئاتي « ألقيافي جهنم كفار عنيد » هذا خطاب لخازن النار ، والعرب تأمر الواحد والقوم بما تأمر به الاثنين ، ألا ترى في الشعر أكثر شئ قيلا : « يا صاحبي ويا خليلي » وقيل : إنما ثني ليدل على التكثير ، كأنه قال : ألق ألق ، فثني الضمير ليدل على تكرير الفعل ، وقيل : خطاب للمكين الموكلين به وهما السائق والشهيد. وروى أبوالقاسم الحسكاني بالا سناد عن الاعمش أنه قال : حدثنا أبوالمتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله (ص) :إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى لي ولعلي : ألقيا في النار من أبغضكما ، وأدخلا الجنة من أحبكما ، وذلك قوله :« ألقيا في جهنم كل كفار عنيد » والعنيد : الذهب عن الحق وسبيل الرشد. « مناع للخير » الذي أمرالله به من بذل المال في وجوهه « معتد » ظالم متجاوز يتعدى حدود الله « مريب » أي شاك في الله وفيما جاء من عندالله ، وقيل متهم يفعل ما يرتاب بفعله ويظن به غيرالجميل ، وقيل : إنها نزلت في وليد بن المغيرة حين استشاره بنو أخيه في الاسلام فمنعهم. فيكون المراد بالخير الاسلام « الذي جعل مع الله إلها آخر » من الاصنام والاوثان « فألقياه في العذاب الشديد » هذا تأكيد للاول ، فكأنه قال : افعلا ما أمرتكما به فإنه مستحق لذلك « قال قرينه » أي شيطانه الذي أغواه ، عن ابن عباس وغيره ، وإنما سمى قرينه؟ لانه يقرن به في العذاب ، وقيل : قرينه من الانس وهم علماء السوء والمبتدعون « ربنا ما أطغيته » أي ما أضللته وما أوقعته في الطغيان باستكراه « ولكن كان في ضلال » من الايمان « بعيد » أي ولكنه طغى باختياره السوء « قال » أي فيقول الله لهم : « لا تختصموا لدي » أي لا يخاصم بعضكم بعضا عندي « وقد قدمت إليكم بالوعيد » في دار التكليف فلم تنز جروا وخالفتم أمري « مايبدل القول لدي » المعنى أن الذي قد مته لكم في دارالدنيا من أني اعاقب من جحدنى وكذب رسلي وخالف أمري لا يبدل بغيره ، ولا يكون خلافه « وما أنا بظلام للعبيد » أي لست بظالم أحدا في عقابي لمن استحقة ، بل هوالظالم لنفسه بارتكابه المعاصي التي استحق بها ذلك « يوم نقول لجهنم هل امتلات » متعلق بقوله : « مايبدل القول » أو بتقدير اذكر « وتقول » جهنم « هل من مزيد » قال أنس : طلبت الزيادة ، وقال مجاهد : المعنى معنى الكفاية ، أي لم يبق مزيد لا متلائها ، ويدل على هذا القول قوله : « لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين » وقيل في الوجه الاول : إن هذا القول منها كان قبل دخول جميع أهل النار فيها ، ويجوز أن تكون تطلب الزيادة على أن يزاد في سعتها ، كما جاء عن النبي 9 أنه قيل له يوم فتح مكة : ألا تنزل دارك؟ فقال (ص) : وهل ترك لنا عقيل من دار؟ لانه باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة ، فعلى هذا يكون المعنى : وهل بقي زيادة؟. فأما الوجه في كلام جهنم فقيل فيه وجوه : أحدها : أنه خرج مخرج المثل ، أي أن جهنم من سعتها وعظمها بمنزلة الناطقة التي إذا قيل لها : هل امتلات؟ تقول : لم أمتل وبقي في سعة كثيرة. وثانيها : أن الله سبحانه يخلق لجهنم آلة الكلام فتتكلم ، وهذا غير منكر لان من أنطق الايدي والجوارح والجلود قادر على أن ينطق جهنم. وثالثها : أنه خطاب لخزنة جهنم على وجه التقرير لهم : هل امتلات جهنم؟ فيقولون : بلى لم يبق موضع لمزيد ، ليعلم الخلق صدق وعده ، عن الحسن ، قال : معناه : مامن مزيد ، أي لا مزيد. وفي قوله تعالى : « يوم يدعون » أي يدفعون « إلى نارجهنم دعا » أى دفعا بعنف وجفوة ، قال مقاتل : هو أن تغل أيديهم إلى أعناقهم ، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ، ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على وجوههم ، حتى إذا دنوا قال لهم خزنتها : « هذه النار التي كنتم بها تكذبون » في الدنيا ، ثم وبخهم لما عاينوا ما كانوا يكذبون به وهو قوله : « أفسحر هذا » الذي ترون « أم أنتم لا تبصرون » وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا (ص) إلى السحر وإلى أنه يغطي على الابصار بالسحر ، فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب وبخوا بهذا ، ثم يقال لهم : « اصلوها » قاسوا شدتها « فاصبروا » على العذاب « أولا تصبروا » عليه « سواء عليكم » الصبر والجزع « إنما تجزون ما كنتم تعملون » في الدنيا من المعاصي بكفركم وتكذيبكم الرسول. وفي قوله تعالى : « إن المجرمين في ضلال وسعر » أي في ذهاب عن وجه النجاة وطريق الجنة ، وفي نار مسعرة ، وقيل : أي في هلاك وذهاب عن الحق « وسعر » أي عناء وعذاب « يوم يسحبون » أي يجرون « في النار على وجوههم » يعني أن هذا العذاب يكون لهم في يوم يجزهم الملائكة فيه على وجوههم في النار ، ويقال لهم : « ذوقوامس سقر » أي إصابتها إياهم بعذابها وحرها ، وهو كقولهم : « وجدت مس الحمى » وسقر. جهنم ، وقيل : هو باب من أبوابها. وفي قوله تعالى : « فيؤخذ بالنواصي والاقدام » فتأخذهم الزبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغل ، ثم يسحبون في النار ويقذفون فيها ، عن الحسن ، وقيل : تأخذهم الزبانية بنواصيهم وبأقدامهم فيسو قونهم إلى النار : « هذه جهنم » أي ويقال لهم : « هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون » الكافرون في الدنيا قذ أظهرها الله تعالى حتى زالت الشكوك فا دخلوها ، ويمكن أنه لما أخبرالله تعالى أنهم يؤخذون بالنواصي والاقدام ثم قال للنبي 9 : « هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون » أي مشركون من قومك وسيردونها فليهن عليك أمرهم « يطوفون بينها وبين حميم آن » أي يطوفون مرة بين الجحيم ومرة بين الحميم ، والجحيم : النار ، والحميم : الشراب ، وقيل : معناه أنهم يعذبون بالنار مرة ويجرعون من الحميم يصب علهيم ليس لهم من العذاب أبدا فرج ، عن ابن عباس ، والآني : الذي انتهت حرارته ، وقيل : الآني : الحاضر. وفي قوله تعالى : « في سموم وحميم » أي في ريح حارة تدخل مسامهم وخروقهم ، وفي ماء مغلي حار انتهت حرارته « وظل من يحموم » أي دخان أسود شديد السواد عن ابن عباس وغيره ، وقيل : اليحموم : جبل في جهنم يستغيث أهل النار إلى ظله ، ثم نعت ذلك الظل فقال : « لا بارد ولا كريم » أي لا بارد المنزل ، ولا كريم المنظر ، وقيل : لا بارد يستراح إليه لانه دخان جهنم ، ولا كريم فيشتهى مثله ، وقيل : ولا كريم أي لا منفعة فيه بوجه من الوجوه ، والعرب إذا أرادت نفي صفة الحمد عن الشئ نفت عنه الكرم ، وقال الفراء : العرب تجعل الكريم تابعا لكل شئ نفت عنه وصفا تنوى به الذم ، تقول : ما هو بسمين ولا كريم ، وماهذه الدار بواسعة ولا كريمة. ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي أو جبت لهم هذا فقال : « إنهم كانوا قبل ذلك مترفين » أي كانوا في الدنيا متنعمين ، عن ابن عباس « وكانوا يصرون على الحنث العظيم » أي الذنب العظيم ، والاصرار أن يقيم عليه فلا يقلع عنه ، وقيل : الحنث العظيم : الشرك ، وقيل : كانوا يحلفون لا يبعث الله من يموت ، وأن الاصنام أنداد الله. قوله : « فشاربون شرب الهيم » أي كشرب الهيم ، وهي الابل التي أصابها الهيام وهو شدة العطش ، فلا تزال تشرب الماء حتى تموت ، وقيل : هي الارض الرملة التي لا تروي بالماء « هذانزلهم يوم الدين » النزل : الامر الذي ينزل عليه صاحبه ، والمعنى : هذا طعامهم وشرابهم يوم الجزاء في جهنم. وفي قوله تعالى : « قوا أنفسكم وأهليكم نارا » أي قوا أنفسكم النار بالصبر على طاعة الله وعن معصيته ، وعن اتباع الشهوات ، وأهليكم بدعائهم إلى طاعة الله ، و تعليمهم الفرائض ، ونهيهم عن القبائح ، وحثهم على أفعال الخير « عليها ملائكة غلاظ شداد » أي غلاظ القلوب لا يرحمون أهل النار ، أقوياء ، يعني الزبانية التسعة عشرو أعوانها « لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون » في هذا دلالة على أن الملائكة المو كلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره ونواهيه. ثم حكى سبحانه ما يقال للكفار يوم القيامة فقال : « يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم » وذلك أنهم إذا عذبوا يأخذون في الاعتذار فلا يلتفت إلى معاذير هم ويقال لهم : لا تعتذروا فهذا جزاء فعلكم. وفي قوله : « وأعتد نالهم » أي للشياطين « عذاب السعير » عذاب النارالمسعرة المشعلة « إذا القوا فيها سمعوا لهاشهيقا » أي إذا طرح الكفار في النار سمعوا للنار صوتا فظيعا مثل صوت القدر عند غليانها وفورانها ، فيعظم بسماع ذلك عذابهم لما يرد على قلوبهم من هوله « وهي تفور » أي تغلي بهم كغلي المرجل [١] « تكاد تميز » أي تتقطع وتتمزق من الغيظ أي شدة الغضب ، سمى سبحانه شدة التهاب النار غيظا على الكفار؟ لان المغتاظ هو المتقطع مما يجد من الالم الباعث على الايقاع بغيره ، فحال جهنم كحال المتغيظ « كلما القي فيها » أي كلما طرح في النار « فوج » من الكفار « سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير » أي يقول لهم الملائكة الموكلون بالنار على وجه التبكيت لهم في صيغة الاستفهام : ألم يجئكم مخوف من جهة الله سبحانه يخوفكم عذاب هذه النار؟ « قالوا بلى قدجائنا نذير » أي مخوف « فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ » أي لم نقبل منه ، بل قلنا مانزل الله شيئا مما تدعونا إليه وتحذرونا منه ، فتقول لهم الملائكة : « إن أنتم إلا في ضلال كبير » أى لستم اليوم إلا في عذاب عظيم ، وقيل : معناه : قلنا للرسل : ما أنتم إلا في ضلال ، أي ذهاب عن الصواب. كبير في قولكم : أنزل الله عليها كتابا « وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل » من النذر ما جاؤونا به ودعونا إليه وعملنا بذلك « ماكنا في أصحاب السعير » قال الزجاج : لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر ونعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار « فاعترفوا بذنبهم » في ذلك الوقت الذي لا ينفعهم فيه الاقرار والاعتراف « فسحقا لاصحاب السعير » هذا دعاء عليهم ، أي أسحقهم الله وأبعدهم من النجاة سحقا. وفي قوله : « وأما القاسطون » العادلون عن طريق الحق والدين « فكانوا » في علم الله وحكمه « لجهنم حطبا » يلقون فيها فتحرقهم كما تحرق النار الحطب ، أو يكون معناه : فسيكونون لجهنم حطبا توقد بهم كما توقد النار بالحطب. وفي قولة : « يسلكه عذابا صعدا » أي يدخله عذابا شاقا شديدا متصعدا في العظم ، وإنما قال : يسلكه؟ لانه تقدم ذكر الطريقة ، وقيل : معناه عذابا ذاصعد ، أي ذامشقة. وفي قوله تعالى : « إن لدنيا أنكالا » أي عندنا في الآخرة قيودا عظاما [١]المرجل : القدر. لاتفك أبدا ، وقيل : أغلالا « وجحيما » وهو اسم من أسماء جهنم ، وقيل : يعني ونارا عظيمة ، ولا تسمى القليلة به « وطعاما ذاغصة » أي ذاشوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج ، عن ابن عباس ، وقيل : طعاما يأخذ بالحلقوم لخشونته وشدة تكرهه ، وقيل : يعني الزقوم والضريع وروي عن حمران بن أعين عن عبدالله بن عمر أن النبي (ص) سمع قارئا يقرء هذا فصعق. « وعذابا أليما » أي عقابا مو جعا مؤلما. وفي قوله : « سأرهقه صعودا » أي ساكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيه ، وقيل : صعود جبل في جهنم من نار يؤخذ بارتقائه ، فإذا وضع يده عليه ذابت ، فإذا رفعها عادت ، وكذلك رجله في خبر مرفوع ، وقيل : هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها احدر إلى أسفلها ، ثم يكلف أيضا أن يصعدها فذلك دأبه أبدا ، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد ، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد ، فيصعدها في أربعين سنة عن الكلبي. وفي قوله : « ساصليه سقر » أي سادخله جهنم والزمه إياها ، وقيل : سقر : دركة من دركات جهنم؟ وقيل : باب من أبوابها « وما أدريك » أيها السامع « ماسقر » في شدتها وهولها وضيقها « لا تبقي ولا تذر » أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته ، ولا تذرهم إذا اعيدوا خلقا جديدا ، وقيل : لا تبقي شيئا إلا احرقته ، ولا تذر أي لا إبقاء عليهم بل يبلغ مجهودهم في أنواع العذاب « لواحة للبشر » أي مغيرة للجلود ، وقيل : لا فحة للجلود حتى تدعها أشد سواد من الليل « عليها تسعة عشر » من الملائكة ، هم خزنتها : مالك ومعه ثمانية عشر ، أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي ، يخرج لهب النار من أفواههم ، مابين منكبي أحدهم مسيرة سنة ، تسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر ، نزعت منهم الرحمة ، يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم ، وقيل : معناه : على سقر تسعة عشر ملكا فهم خزان سقر ، وللنار ودركاتها الاخر خزان آخرون ، وقيل : إنما خصوا بهذا العدد ليوافق الخبر لما جاء به الانبياء قبله وما كان في الكتب المتقدمة ، ويكون في ذلك مصلحة للمكلفين ، وقال : بعضهم في تخصيص هذا العدد : إن تسعة عشر يجمع أكثر القليل من العدد وأقل الكثيرمنه ، لان العدد آحاد وعشرات ومئون والوف ، فأقل العشرات عشرة ، وأكثر الآحاد تسعة ، قالوا : ولما نزلت هذه الآية قال أبوجهل لقريش : ثكلتكم امها تكم أتسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم [١] والشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟ قال أبوالاسد الجمحي : أنا أكفيكم سبعة عشر ، عشرة على ظهري ، وسبعة على بطني ، فاكفوني أنتم اثنين ، فنزل : « وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة » الآية ، عن ابن عباس وقتادة والضحاك ، ومعناه : وما جعلنا الموكلين بالنار المتولين تدبيرها إلا ملائكة ، جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل النار ، ولم نجعلهم من بني آدم كما تعهدون أنتم فتطيقونهم « وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا » أي لم نجعلهم على هذا العدد إلا محنة وتشديدا في التكليف للذين كفروا نعم الله ، وجحدوا وحدانيته حتى يتفكروا فيعلموا أن الله سبحانه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة ، ويعلموا أنه قادر على أن يزيد في قواهم ما يقدرون به على تعذيب الخلائق ، ولو راجع الكفار عقولهم لعلموا أن من سلط ملكا واحدا على كافة بني آدم لقبض أرواحهم فلا يغلبونه قادر على سوق بعضهم إلى النار وجعلهم فيها بتسعة عشر من الملائكة « ليستيقن الذين اوتوا الكتاب » من اليهود والنصارى أنه حق ، وأن محمدا صادق من حيث أخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لها ولا تعلم منهم « ويزداد الذين آمنوا إيمانا » أي يقينا بهذا العدد وبصحة نبوة محمد 9 إذا أخبرهم أهل الكتاب أنه مثل ما في كتابهم « ولا يرتاب الذين اوتوا الكتاب والمؤمنون » أي ولئلا يشك هؤلاء في عدد الخزنة ، والمعنى : ليستيقن من لم يؤمن بمحمد 9 ومن آمن بصحة نبوته إذا تدبروا وتفكروا « وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا » اللام لام العاقبة أي عاقبة أمر هؤلاء أن يقولوا هذا يعني المنافقين والكافرين ، وقيل : معناه : ولان يقولوا ماذا أرادالله بهذا الوصف والعدد؟ ويتدبروه فيؤدي بهم التدبر في ذلك إلى الايمان « كذبك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء » أي مثل ما جعلناخزنة النار ملائكة [١]الدهم : العدد الكثير. ذوي عدد محنة واختيارا نكلف الخلق ليظهر الضلال والهدى ، وأضافهما إلى نفسه لان سبب ذلك التكليف وهو من جهته ، وقيل يضل عن طريق الجنة والثواب من يشاء ، ويهدي من يشاء إليه « ومايعلم جنود ربك إلا هو » أي لايعلم جنوده من كثرتها أحد إلا هو ، ولم يجعل خزنة النار تسعة عشر لقلة جنوده ، ولكن الحكمة اقتضت ذلك ، وقيل : هذا جواب أبي جهل حين قال : ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر ، وقيل معناه : ومايعلم عدة الملائكة الذين خلقهم الله لتعذيب أهل النار إلا الله ، والمعنى أن التسعة عشرهم خزنة النار ، ولهم من الاعوان والجنود مالا يعلمه إلا الله ، ثم رجع إلى ذكر سقر فقال : « وماهي إلا ذكرى للبشر » أي تذكرة وموعظة للعالم ليذكروا فيتجنبوا ما يستوجبون به ذلك ، وقيل : معناه : وما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة للبشر من نارا الآخرة حتى يتفكروا فيها فيحذروا نار الآخرة ، وقيل : ماهذه السورة إلا تذكرة للناس ، وقيل : وماهذه الملائكة التسعة عشر إلا عبرة للخلق يستدلون بذلك على كمال قدرة الله تعالى وينزجرون عن المعاصي « كلا » أي حقا ، وقيل : أي ليس الامر على ما يتوهمونه من أنهم يمكنهم دفع خزنة النار وغلبتهم « والقمر » أقسم بالقمر لما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه وغروبه ومسيره وزيادته ونقصانه « والليل إذا أدبر » : أي ولي « والصبح إذا أسفر » أي أضاء وأنار ، وقيل : معناه : إذا كشف الظلام ، وأضاء الاشخاص « إنها لاحدى الكبر » هذا جواب القسم ، يعني أن سقر التي هي النار لاحدى العظائم ، والكبر جمع الكبرى ، وقيل : معناه أن آيان القرآن إحدى الكبر في الوعيد « نذيرا للبشر » صفة للنار ، وقيل : من صفة النبي 9 ، فكأنه قال : قم نذيرا ، وقيل : من صفة الله تعالى فيكون حالا من فعل القسم المحذوف « لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر » أي يتقدم في طاعة الله ، أو يتأخر عنها بالمعصية. وروى محمد بن الفضيل ، عن أبي الحسن 7 أنه قال : كل من تقدم إلى ولايتنا تأخر عن سقر ، وكل من تأخر عن ولايتنا تقدم إلى سقر. « كل نفس بما كسبت رهينة » أي مرهونة أي مرهونة بعملها ، محبوسة به ، مطالبة بما كسبته من طاعة أو معصية « إلا أصحاب اليمين » وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم ، وقيل : هم الذين يسلك بهم ذات اليمين « في جنات يتسائلون » أي يسأل بعضهم بعضا ، وقيل : يسألون « عن المجرمين » أي عن حالهم وعن ذنوبهم التي استحقوا بها النار « ماسلككم في سقر » هذا سؤال توبيخ ، أي يطلع أهل الجنة على أهل النار فيقولون لهم : ما أو قعكم في النار؟« قالوالم نك من المصلين » أي كنا لا نصلي الصلوات المكتوبة على ماقررها الشرع ، وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالعبادات « ولم نك نطعم المسكين » أي لم نكن نخرج الزكوات التي كانت واجبة علينا ، و الكفارات التي وجب دفعها إلى المساكين وهم الفقراء « وكنا نخوض مع الخائضين » أي كلما غوى غاو بالدخول في الباطل غوينا معه « وكنا نكذب بيوم الدين » أي نجحد يوم الجزاء « حتى أتانا اليقين » أي الموت على هذه الحالة ، وقيل : حتى جاءنا العلم اليقين من ذلك بأن عايناه « فما تنفعهم شفاعة الشافعين » أي شفاعة الملائكة و النبيين كما نفعت الموحدين. وفي قوله سبحانه : « انطلقوا إلى ماكنتم به تكذبون » أي تقول لهم الخزنة : اذهبوا وسيروا إلى النار التي كنتم تجحدونها في الدنيا « انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب » أي نارلها ثلاث شعب ، سماها ظلا لسواد نارجهنم ، وقيل : هو دخان جهنم له ثلاث شعب تحيط بالكافر ، شعبة تكون فوقه ، وشعبة عن يمينه ، وشعبة عن شماله ، فسمى الدخان ظلا ، كما قال : « أحاط بهم سرادقها » [١] أي من الدخان الآخذ بالانفاس ، وقيل : يخرج من النار لسان فيحيط بالكافر كالسرادق فتنشعب ثلاث شعب ، يكون فيها حتى يفرغ من الحساب ، ثم وصف سبحانه ذلك الظل فقال : « لاظليل » أي غير مانع من الاذى بستره عنه فظل هذ الدخان لا يغني شيئا من حر النار ، وهو قوله : « ولايغني من اللهب » واللهب : مايعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر وأصفر وأخضر ، يعني أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب ، ثم وصف النار فقال : « إنها ترمي بشرر » وهو ماتطايرمن النار في الجهات « كالقصر » [١]الكهف : ٢٩ أي مثله في عظمه وتخويفه ، يتطاير على الكافرين من كل جهة ـ نعوذبالله منه – وهو واحد القصور من البنيان ، والعرب تشبه الابل بالقصور ، وقيل : « كالقصر » أي كاصول الشجر العظام ، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر فقال : « كأنه جمالت صفر » أي كأنه أنيق سود لما يعتري سوادها من الصفر ، قال الفراء : لا ترى أسود من الابل إلا وهو مشرب صفرة ، ولذلك سمت العرب الابل صفرا ، وقيل هو من الصفرة لان النار تكون صفراء. وفي قوله تعالى : « إن جهنم كانت مرصادا » يرصدون به ، أي هي معدة لهم يرصد بها خزنتها الكفار ، وقيل : مرصادا محبسا بحبس فيه الناس ، وقيل : طريقا منصوبا على العاصين فهو موردهم ومنهلهم ، وهذا إشارة إلى أن جهنم للعصاة على الرصد لا يفوتونها « للطاغين مآبا » أي للذين جازوا حدود الله وطغوافي معصية الله مرجعا يرجعون إليه ومصيرا ، فكأن المجرم قد كان باجرامه فيها ثم رجع إليها « لابثين فيها أحقابا » أي ماكثين فيها أزمانا كثيرة ، وذكر فيه أقوال : أحدها أن المعنى : أحقابا لا انقطاع لها ، كلمامضى حقب جاء بعده حقب آخر ، والحقب : ثمانون سنة من سني الآخرة. وثانيها أن الاحقاب ثلاثة وأربعون حقبا ، كل حقب سبعون خريفا ، كل خريف سبعما ئة سنة ، كل سنة ثلاث مائة وستون يوما ، كل يوم ألف سنة ، عن مجاهد. وثالثها أن الله تعالى لم يذكر شيئا إلا وجعل له مدة ينقطع إليها ، ولم يجعل لاهل النار مدة بل قال : « لابثين فيها أحقابا » فوالله ماهو إلا أنه إذا مضى حقب دخل حقب آخر ، ثم آخر كذلك إلى أبدالآ بدين ، فليس للاحقاب عدة إلا الخلود في النار ولكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة ، كل يوم من تلك السنين ألف سنة مما نعده. ورابعها أن المعنى : لابثين فيها أحقابا لا يذوقون في تلك الاحقاب إلا حميما و غساقا ، ثم يلبثون يذوقون فيها غيرالحميم والغساق من أنواع العذاب ، فهذا توقيت لانواع العذاب لا لمكثهم في النار وهذا أحسن الاقوال. وخامسها أنه يعني به أهل التوحيد عن خالد بن معدان. وروى نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله 9 : لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا ، والحقب بضع وستون سنة ، والسنة ثلاث مائة وستون يوما ، كل يوم كألف سنة مما تعدون ، فلا يتكلن أحد على أن يخرج من النار. وروى العياشي بإسناده ن حمران قال : سألت أباجعفر 7 عن هذه الآية فقال : هذه في الذين يخرجون من النار ، وروي عن الاحول مثله. وقوله : « لايذوقون فيها بردا ولا شرابا » يريدالنوم والماء ، عن ابن عباس ، قال أبوعبيدة : البرد : النوم هنا ، وقيل لا يذوقون فيها بردا ينفعهم من حرها ، ولا شرابا ينقعهم من عطشها « إلاحميما وغساقا » وهو صديد أهل النار « جزاء وفاقا » أي وافق عذاب النار الشرك لانهما عظيمان ولاذنب أعظم من الشرك ، ولا عذاب أعظم من النار عن مقابل ، وقيل : جوزوا جزاء وفق أعمالهم ، عن ابن عباس « إنهم كانوا لا يرجون حسابا » أي فعلنا ذلك بهم لانهم كانوا لا يخافون أن يحاسبوا ولا يؤمنون بالبعث « وكذبوا بآياتنا » أي بما جاءت به الانبياء ، وقيل : بالقرآن : وقيل : بحجج الله ولم يصدقوابها « كذابا » أي تكذيبا « وكل شئ أحصيناه كتابا » أي كل شئ من الاعمال بيناه في اللوح المحفوظ ، وقيل : أي كل شئ من أعمالهم حفظناه نجازيهم به « فذوقوا » أي فقيل لهؤلاء الكفار : ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب « فلن نزيدكم إلا عذابا » لان كل عذاب يأتي بعد الوقت الاول فهوزائد عليه. وفي قوله : « إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون » يعني أن هؤلاء الذين وصفهم بالكفر والفجور محجوبون يوم القيامة عن رحمة ربهم وإحسانه وكرامته ، وقيل : ممنوعون عن رحمته ، مدفوعون عن ثوابه ، غير مقبولين ولامرضيين ، وقيل : محرومون عن ثوابه وكرامته ، عن علي 7. وفي قوله تعالى : « إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات » أي أحرقوهم وعذبوهم بالنار. وفي قوله : « ويتجنبها » أي ويتجنب الذكرى والموعظة « الاشقى » أي أشقى العصاة ، وهوالذي كفر بالله وبتوحيده ، وعبد غيره « الذي يصلى النار الكبرى » أي يلزم أكبرالنيران وهي نارجهنم ، والنارالصغرى نارالدنيا ، وقيل : النار الكبرى هي التي في الطبقة السفلى من جهنم « لا يموت فيها » فيستريح « ولا يحيى » حياة ينتفع بها ، بل صار حياته وبالا عليه يتمنى زوالها ، لما هوفيه معها من فنون العقاب وألوان العذاب. وفي قوله : « فأنذرتكم نارا تلظى » أي تتلهب وتتوقد « لايصلها إلا الاشقى الذي كذب » بآيات الله ورسله « وتولى » أي أعرض عن الايمان « وسيجنبها » أي سيجنب النار ويجعل منها على جانب « الاتقى » المبالغ في التقوى « الذي يؤتي ماله » أي ينفقه في سبيل الله « يتزكى » يطلب أن يكون عندالله زكيا لا يطلب بذلك رئاء ولاسمعة. قال القاضي : قوله : « لايصلها إلا الاشقى الذي كذب وتولى » لايدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على مايقوله الخوارج وبعض المرجئة ، وذلك لانه نكر النار المذكورة ولم يعرفها ، فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصلها إلا من هذه حاله ، والنيران دركات على مابينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين ، فمن أين عرف أن غير هذه النار لا يصلها قوم آخرون؟ وبعد فإن الظاهر من الآية يوجب أن لايدخل النار إلا من كذب وتولى وجمع بين الامرين ، فلا بد للقوم من القول بخلافه لانهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات وإن لم يكذب. وفي قوله تعالى : « لئن لم ينته » أي إن لم يمتنع أبوجهل عن تكذيب محمد 9 وإيذائه « لنسفعن بالناصية » النون نون التأكيد الخفيفة اي لنجرن بناصيته إلى النار ، وهذا كقوله : « فيؤخذ بالنواصي والاقدام » [١] ومعناه : لنذلنه ونقيمنه مقام الاذلة ، ففي الاخذ بالناصية إهانة واستخفاف ، وقيل : معناه : لنغيرن وجهه ونسودنه بالنار يوم القيامة ، لان السفع أثر الا حراق بالنار « ناصية كاذبة خاطئة » وصفها بالكذب والخطاء بمعنى أن صاحبها كاذب في أقواله خاطئ في أفعاله ، لما ذكر الجربها أضاف [١]الرحمن : ٤١. الفعل إليها. قال ابن عباس : لما أتى أبوجهل رسول الله (ص) انتهره رسول الله (ص) ، فقال أبوجهل : أتنهرني يا محمد؟ [١] فوالله لقد علمت مابها ـ أي بمكة ـ أحد أكثر ناديا مني ، فأنزل الله سبحانه : « فليدع ناديه » وهذا وعيد ، أي فليدع أهل ناديه ومجلسه يعنى عشيرته فلينتصر بهم إذا حل عقاب الله به « سندع الزبانية » يعني الملائكة الموكلين بالنار وهم الملائكة الغلاط الشداد. وفي قوله تعالى : « كلالو تعلمون علم اليقين » أي لوتعلمون الامر علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التفاخر والتباهي بالعز والكثرة ، ثم استأنف سبحانه وعيدا آخر فقال : « لترون الجحيم » على نية القسم يعني حين تبر زالجحيم في القيامة قبل دخولهم إليها « ثم لترونها » يعني بعد الدخول إليها « عين اليقين » كما يقال : حق اليقين ، ومحض اليقين ، معناه : ثم لترونها بالمشاهدة إذا دخلتموها وعذبتم بها. وفي قولة تعالى : « لينبذن في الحطمة » أي ليطرحن من وصفناه في الحطمة ، وهي اسم من أسماء جهنم ، قال مقاتل : وهي تحطم العظام وتأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب. ثم قال : « وما أدريك ما الحطمة » تفخيما لامرها ، ثم فسرها بقوله : « نارالله الموقدة » أي المؤججة ، أضافها سبحانه إلى نفسه ليعلم أنها ليست كسائر النيران ، ثم وصفها بالا يقاد على الدوام « التي تطلع على الافئدة » أي تشرف على القلوب فتبلغها ألمها وحريقها ، وقيل : معناه أن هذه النار تخرج من الباطن إلى الظاهر خلاف نيران الدنيا « إنهاعليهم مؤصدة » يعني إنها على أهلها مطبقة تطبق أبوابها عليهم تأكيدا للا ياس عن الخروج « في عمد ممددة » وهي جمع عمود ، وقال أبوعبيدة : كلاهما جمع عماد ، قال : وهي أو تاد الاطباق التي تطبق على أهل النار ، وقال مقاتل : أطبقت الابواب عليهم ، ثم شدت بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع عليهم غمهاو حرها ، فلا يفتح عليهم باب ، ولا يدخل عليهم روح ، وقال الحسن : يعني عمدالسرادق في قوله : « أحاط بهم سرادقها » فإذا مدت تلك العمد أطبقت جهنم على أهلها [١]في التفسير المطبوع : أتنتهرنى يا محمد. نعوذ بالله منها ، وقال الكلبي : في عمد مثل السواري ممدودة مطولة تمدد عليهم ، وقال ابن عباس : هم في عمد أي في أغلال في أعناقهم يعذبون بها. وروى العياشي بإسناده عن محمد بن النعمان الاحول ، عن عمران بن أعين ، عن أبي جعفر 7 قال : إن الكفار والمشركين يعيرون أهل التوحيد في النار ، و يقولون : مانرى توحيدكم أغنى عنكم شيئا ، ومانحن وأنتم إلا سواء! قال : فيأنف لهم الرب تعالى فيقول للملائكة : اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ، ثم يقول للنبيين : اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ، ثم يقول للمؤمنين : اشفعوا فيشفون لمن شاء الله ، و يقول الله : أنار أرحم الراحمين ، اخرجوا برحمتي فيخرجون كما يخرج الفراش ، [١] قال : ثم قال أبوجعفر 7 : ثم مدت العمد وأو صدت عليهم وكان والله الخلود. وفي قوله سبحانه : « سيصلى نارا ذات لهب » أي سيد خل نارا ذات قوة و اشتعال تلتهب عليه وهي نار جهنم « وامرأته » وهي ام جميل بنت حرب اخت أبي سفيان « حمالة الحطب » كانت تحمل الشوك والغضا [٢] فتطرحه في طريق رسول الله 9 إذا خرج إلى الصلاة وقيل : معناه حمالة الخطايا « في جيدها حبل من مسد » أي في عنقها حبل من ليف ، وإنما وصفها بهذه الصفة تخسيسا لها و تحقيرا ، وقيل حبل تكون له خشونة الليف ، وحرارة النار ، وثقل الحديد ، يجعل في عنقها زيادة في عذابها ، وقيل : في عنقها سلسلة من حديد طولها سبعون ذراعا تدخل من فيها ، وتخرج من دبرها ، وتدار على عنقها في النار ، عن ابن عباس وعروة بن الزبير ، وسميت السلسلة مسدا لانها ممسودة أي مفتولة ، وقيل : إنهاكانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت : لانفقنها في عداوة محمد (ص) فتكون عذابا في عنقها يوم القيامة ، عن سعيدبن المسيب. وفي قوله سبحانه : « قل أعوذ برب الفلق » الفلق : الصبح لانفلاق عموده بالضياء [١]الفراش جمع الفراشة ، وهى طائر صغير يتهافت على السراج فيحترق ، تسمى بالفارسية « بروانه » عن الظلام ، وقيل : الفلق : المواليد ، لانهم ينفلقون بالخروج من أصلاب الآباء و أرحام الامهات ، وقيل : جب في جهنم يتعوذ أهل جهنم من شدة حره ، عن السدي ، ورواه أبوحمزة الثمالي وعلي بن إبراهيم في تفسيريهما.
الهوامش · 21⌄
[٢]النساء : ٥٦.ص 235
[٣]النساء : ١٤٥.ص 235
[٤]آل عمران : ١٣٣.ص 235
[٢]يوسف : ٦٦ص 236
[٣]يونس : ٢٢ص 236
[٤]الكهف : ٤٢ص 236
[٢]الاعراف : ٤٤.ص 237
[٢]في النسخ : أبومحلز بالحاء ، والصحيح أنه بالجيم وزان منبر ، والرجل هو لا حق بن حميد السدوسى التابعى المتوفى في سنة ١٠٦ ، سمع جماعة من التابعين كابن عباس وأنس بن مالك وأبي موسى الاشعرى وعمران بن حصين وغيرهم ، وروى عنه جماعة من التابعين منهم أنس بن سيرين وقتادة وأيوب السختياني ، واتفق العامة على توثيقه. راجع تهذيب الاسماء « ج ٢ ص ٧٠ » والتقريب « ص ٦٠٩ » والقاموس مادة « جلز ».ص 241
[٣]بتقديم النون على الجيم هو عاصم بن بهدلة الاسدى مولاهم الكوفى أبوبكر المقرى المتوفى في ١٢٨ ، ترجمه ابن حجر في التقريب « ص ٢٤٤ ».ص 241
[٢]الفروة : جلدة الرأس بشعرها.ص 244
[٣]أي فيذيب ما في بطونهم.ص 244
[٢]في التفسير المطبوع : بئس القرار من قراره النار.ص 245
[٢]الصحيح : وقيل : كدردى الزيت. راجع التفسير المطبوع.ص 247
[٢]القصص : ٢٣.ص 248
[٣]يوسف : ١٩.ص 248
[١]هود : ٩٨.ص 249
[٢]أى فيقطع مافيها.ص 252
[٣]الجرز : العمود.ص 252
[٢]في التفسيرالمطبوع : « ولايبعد أن يخلق الله سبحانه بكمال قدرته شجرة في النار » و هو الصحيح.ص 257
[٢]الكهف : ٢٩.ص 278
[٢]الغضا : شجر من الاثل خشبه من اصلب الخشب وجمره يبقى زمنا طويلا لا ينطفئ ، الواحدة منه « غضاة ».ص 279