مهج : قال الفضل بن الربيع : لما اصطبح الرشيد يوما استدعا حاجبه فقال له : امض إلى علي بن موسى العلوي وأخرجه من الحبس ، وألقه في بركة السباع ، فما زلت ألطف به وأرفق ، ولا يزداد إلا غضبا وقال : والله لئن لم تلقه إلى السباع لالقينك عوضه. قال : فمضيت إلى علي بن موسى الرضا ، فقلت له : إن أمير المؤمنين أمرني بكذا وبكذا ، قال : افعل ما امرت به فإني مستعين بالله تعالى عليه ، وأقبل بهذه العوذة وهو يمشي معي إلى أن انتهيت إلى البركة ففتحت بابها وأدخلته فيها ، و فيها أربعون سبعا وعندي من الغم والقلق أن يكون قتل مثله على يدي ، وعدت إلى موضعي. فلما انتصف الليل أتاني خادم فقال لي : إن امير المؤمنين يدعوك فصرت إليه فقال : لعلي أخطأت البارحة بخطيئة أو أتيت منكرا فاني رأيت البارحة مناما هالني ، وذلك أني رأيت جماعة من الرجال دخلوا علي وبأيديهم ساير السلاح وفي وسطهم رجل كأنه القمر ودخل إلى قلبي هيبته فقال لي قائل : هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وعلى أبنائه فتقدمت إليه لاقبل قدميه [١]الكافى ج ٦ ص ٥٤٠. فصرفني عنه ، فقال : « هل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم » [١] ثم حول وجهه فدخل بابا. فانتبهت مذعورا لذلك! فقلت : يا أمير المؤمنين أمرتني أن القي علي بن موسى للسباع قال : ويلك ألقيته؟ فقلت : إي والله ، فقال : امض وانظر ماحاله فأخذت الشمع بين يدي وطالعته فإذا هو قائم يصلي ، والسباع حوله ، فعدت إليه فأخبرته فلم يصدقني ، ونهض واطلع إليه فشاهده في تلك الحال : فقال : السلام عليك يا ابن عم ، فلم يجبه حتى فرغ من صلاته ، ثم قال : وعليك السلام يا ابن عم قد كنت أرجو أن لاتسلم علي في مثل هذا الموضع فقال : أقلني فاني معتذر إليك فقال له : قد نجانا الله تعالى بلطفه فله الحمد ، ثم أمر باخراجه فاخرج فقال : فلا والله ماتبعه سبع. فلما حضر بين يدي الرشيد عانقه ، ثم حمله إلى مجلسه ورفعه فوق سريره وقال : يا ابن عم إن أردت المقام عندنا ففي الرحب والسعة ، وقد أمرنا لك ولاهلك بمال وثياب ، فقال له : لا حاجة لي في المال ولا الثياب ، ولكن في قريش نفر يفرق ذلك عليهم ، وذكر له قوما فأمر له بصلة وكسوة. ثم سأله أن يركبه على بغال البريد إلى الموضع الذي يحب فأجابه إلى ذلك ، وقال لي : شيعه فشيعته إلى بعض الطريق ، وقلت له ياسيدي إن رأيت أن تطول علي بالعوذة فقال : منعنا أن ندفع عوذنا وتسبيحنا إلى كل أحد ، ولكن لك علي حق الصحبة والخدمة فاحتفظ بها فكتبتها في دفتر وشددتها في منديل في كمي فما دخلت إلى أمير المؤمنين إلا ضحك إلي وقضى حوائجي ، ولا سافرت إلا كانت حرزا وأمانا من كل مخوف ، ولا وقعت في الشدة إلا دعوت بها ، ففرج عني ثم ذكرها . [١]سورة محمد الاية : ٢٢.
الهوامش1
[٢]مهج الدعوات ص ٢٤٨.ص 155