تفسير : قال الطبرسي ; : في قوله تعالى : « والوزن يومئذ الحق » : ذكر فيه أقول : أحدها أن الوزن عبارة عن العدل في الآخرة وأنه لا ظلم فيها على أحد. وثانيها أن الله ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة فتوزن به أعمال العباد : الحسنات والسيئات عن ابن عباس والحسن ، وبه قال الجبائي ، واختلفوا في كيفية الوزن لان الاعمال أعراض لا تجوز عليها الاعادة ، ولا يكون لها وزن ، ولا تقوم بأنفسها ، فقيل : توزن صحائف الاعمال ، عن ابن عمر وجماعة ، وقيل : تظهر علامات * كالفرجار ، وما يوزن به الاعمدة كالشاغول ، وما يوزن به الخطوط كالمسطر ، وما يوزن به الشعر كالعروض ، وما يوزن به الفلسفة كالمنطق ، وما يوزن به بعض المدركات كالحس والخيال ، وما يوزن به الكل كالعقل الكامل ، وبالجملة فميزان كل شئ هو المعيار الذى به يعرف قدر ذلك الشئ ، فميزان الناس يوم القيامة ما يوزن به قدر كل إنسان وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله لتجزى كل نفس بما كسبت ، وليس ذلك إلا الانبيا والاوصياء ، إذ بهم وباتباع شرائعهم واقتفاء آثارهم وترك ذلك وبالقرب من سيرتهم والبعد عنها يعرف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيئاتهم ، فميزان كل امة هو نبي تلك الامة ووصى نبيها والشريعة التى اتى بها ، فمن ثقلت حسناته وكثرت فاولئك هم الفلحون ، ومن خفت وقلت فاولئك الذين خسروا انفسهم بظلمهم عليها من جهة تكذيبهم للانبياء والاوصياء أو عدم اتباعهم ، ففى الكافى والمعانى عن الصادق أنه سئل عن قول الله عزوجل : « ونضع الموازين القسط ليوم القيمة » قال : هم الانبياء والاوصياء ، وفى رواية اخرى : نحن الموازين القسط. للحسنات وعلامات للسيئات في الكفتين فتراها الناس ، عن الجبائي ، وقيل : تظهر للحسنات صورة حسنة ، وللسيئات صورة سيئة ، عن ابن عباس ، وقيل : توزن نفس المؤمن والكافر ، عن عبيد بن عمير ، قال : يؤتى بالرجل العظيم الجثة فلا يزن جناح بعوضة. وثالثها : أن المراد بالوزن ظهور مقدار المؤمن في العظم ومقدار الكافر في الذلة كما قال سبحانه : « فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا » فمن أتى بالعمل الصالح الذي يثقل وزنه أي يعظم قدره فقد أفلح ، ومن أتى بالعمل السيئ الذي لا وزن له ولا قيمة فقد خسر فمن ثقلت موزاينه إنما جمع الموازين لانه يجوز أن يكون لكل نوع من أنواع الطاعات يوم القيامة ميزان ، ويجوز أن يكون كل ميزان صنفا من أصناف أعماله ، و يؤيد هذا ما جاء في الخبر ، إن الصلاة ميزان فمن وفى استوفى. وقال الرازي في تفسيره : في وزن الافعال قولان : الاول في الخبر : أنه تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها ، قال ابن عباس : أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ، فذلك قوله : « فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون » الناجون قال : وهذا كما قال في سورة الانبياء : « ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا ». وأما كيفية وزن الاعمال على هذا القول ففيه وجهان : الاول : أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة ، وأعمال الكافر تتصور بصورة قبيحة فتوزن تلك الصورة كما ذكره ابن عباس. والثاني أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة. وسئل رسول الله 9 عما يوزن يوم القيامة فقال : الصحف ، وهذا القول مذهب المفسرين في هذه الآية ، وعن عبدالله بن سلام أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والانس يستقبل به العرش ، إحدى كفتي الميزان على الجنة ، والاخرى على جهنم ، ولو وضعت السماوات والارض في إحديهما لوسعتهن ، وجبرئيل آخذ بعموده و ينظر إلى لسانه. وعن عبدالله بن عمر قال : قال رسول الله 9 : يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له تسعة وتسعون سجل ، كل سجل منها مد البصر ، فيها خطاياه و ذنوبه فتوضع في كفة الميزان ، ثم يخرج له قرطاس كالانملة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيوضع في الآخر فيرجح. وعن الحسن : بينا رسول الله 9 ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة قد اغفي إذ سالت الدموع من عينها فقال : ما أصابك؟ ما أبكاك؟ قالت : ذكرت حشر الناس و هل يذكر أحد أحدا؟ فقال لها : يحشرون حفاة عراة ، وقرأ : « لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه » لا يذكر فيها أحدا عند الصحف وعند وزن الحسنات والسيئات. وعن عبيد بن عمير : يؤتى بالرجل العظيم الاكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة. والقول الثاني وهو قول مجاهد والضحاك والاعمش أن المراد من الميزان العدل والقضاء ، وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول ومالوا إليه. أما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة فلان العدل في الاخذ والاعطاء لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا ، فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل ، ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدر ولا قيمة عند غيره يقال : إن فلان لا يقيم لفلان وزنا قال تعالى : « فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا » ويقال أيضا : فلان يستخف بفلان ، ويقال : هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه أي يعادله ويساويه ، مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة ، وقال الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا قوة عندي لكل مخاصم ميزانه أراد : عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه ، فجعل الوزن مثلا للعدل ، إذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الآية هذا المعنى فقط ، والدليل عليه أن الميزان إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشئ ، ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان ، لان أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت ، ووزن المعدوم محال ، وأيضا فبتقدير بقائها كان وزنها محالا ، وأما قوله : الموزون صحائف الاعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الاعمال فنقول : إن المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقرا بأن الله تعالى عادل حكيم ، أو لا يكون مقرا بذلك ، فإن كان مقرا بذلك فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل و صواب ، وإن لم يكن مقرا بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس حصول الرجحان ، لاحتمال أنه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والانصاف ، فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه البتة. وأجاب الاولون وقالوا : إن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور ، والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لاهل القيامة ، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لاهل القيامة ، وإن كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وحرقته وفضيحته في يوم القيامة. ثم اختلفوا في كيفيتة ذلك الرجحان فبعضهم قال : يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات ، وآخرون قالوا : بل يظهر رجحان في الكفة. ثم الاظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد ، والدليل عليه قوله تعالى : « ونضع الموازين القسط ليوم القيمة ». وقال في هذه الآية : « فمن ثقلت موازينه » : وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لافعال القلوب ميزان ، ولافعال الجوارح ميزان ، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر. قال الزجاج : إنما جمع الله الموازين ههنا لوجهين : الاول أن العرب قد يوقع لفظ الجمع على الواحد فيقولون : خرج فلان إلى مكة بالبغال ، والثاني أن المراد بالموازين ههنا جمع موزون ، والمراد الاعمال الموزونة ، ولقائل أن يقول : هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ ، وذلك إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ، ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته ، فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة ، فما الموجب لتركه والمصير إلى التاويل؟. وقال في قوله عزوجل : « فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا » : فيه وجوه : الاول إنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار. الثاني : لا نقيم لهم ميزانا لان الميزان إنما يوضع لاهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليميز مقدار الطاعات ومقدار السيئات. الثالث قال القاضي : إن من غلب معاصيه صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن ، فلا يدخل في الوزن شئ من طاعته ، وهذا التفسير بناءا على قوله : بالاحباط والتفكير. وقال في قوله سبحانه : « ونضع الموازين القسط » : وصفها الله بذلك لان الميزان قد يكون مستقيما ، وقد يكون بخلافه ، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط ، وأكد بقوله : « فلا تظلم نفس شيئا » قال الفراء : القسط من صفة الموازين كقولك للقوم : أنتم عدل ، وقال الزجاج : ونضع الموازين ذوات القسط ، وقوله : « ليوم القيمة » قال الفراء : في يوم القيامة ، وقيل : لاهل يوم القيامة ، ثم قال : قال أئمة السلف ، إنه سبحانه يضع الموازين الحقيقية ويزن بها الاعمال ، عن الحسن : وهو ميزان لها كفتان ولسان وهو بيد جبرئيل 7. وروي أن داود 7 سأل ربه أن يريه الميزان ، فلما رأى غشي عليه ثم أفاق فقال : يا إلهي من الذي يقدر أن يزن بملء كفته حسنات؟ فقال : يا داود إني إذا رضيت عن عبد ملاتها بتمرة. ثم قال : على هذا القول في كيفية وزن الاعمال طريقان : أحدهما أن توزن صحائف الاعمال : والثاني أن يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة ، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة ، ثم قال : والدليل على وجود الموازين الحقيقية أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز ، لا سيما وقد جاءت الاحاديث الكثيرة بالاسانيد الصحيحة ، وإنما جمع الموازين لكثرة من يوزن أعمالهم وهذا تفخيم ويجوز أن يرجع إلى الوزنات ، وأما قوله تعالى : « وإن كان مثقال حبة » فالمعنى أنه لا ننقص من إحسان محسن ، ولا نزداد في إساءة مسئ. وقال الطبرسي ; في قوله عزوجل : « فأما من ثقلت موازينه » أي رجحت حسناته وكثرت خيراته « فهو في عيشة راضية » أي معيشة ذات رضى يرضاها صاحبها « وأما من خفت موازينه » أي خفت حسناته وقلت طاعاته « فامه هاوية » أي فمأواه جهنم ومسكنه النار ، وإنما سماها امه لانه يأوي اليها كما يأوي الولد إلى امه ، وقيل : إنما قال : فامه لان العاصي يهوي على ام رأسه في النار « وما أدريك ماهيه » هذا تفخيم وتعظيم لامرها ، والهاء للوقف ، ثم فسرها فقال : « نار حامية » أي هي نار حارة شديدة الحرارة.
Hadith record
bihar-3358
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث
( باب ١٠) ( الميزان [١] ) الايات ، الاعراف « ٧ » والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ٨ ـ ٩. [١]قال المحقق القاسانى 2 في تفسيره الصافى : ان لكل معنى من المعانى حقيقة وروحا وله صورة وقالب ، وقد تتعدد الصور والقوالب بحقيقة واحدة ، وانما وضعت الالفاظ للحقائق والارواح ، ولوجودهما في القوالب تستعمل الالفاظ فيهما على الحقيقة لاتحاد ما بينهما مثلا لفظ القلم انما وضع لالة نقش الصور في الالواح من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد او غير ذلك ، بل ولا ان يكون جسما ، ولا كون النقش محسوسا او معقولا ، ولا كون اللوح من قرطاس او خشب ، بل مجرد كونه منقوشا فيه ، وهذا حقيقة اللوح وحده وروحه ، فان كان في الوجود شئ يتسطر بواسطته نقش العلوم في ألواح القلوب فأحق به أن يكون هو القلم ، فان الله تعالى قال : « علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم » بل هو القلم الحقيقى حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحده من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه ، وكذلك الميزان مثلا فانه موضوع لمعيار يعرف به المقادير ، وهذا معنى واحد هو حققيته وروحه ، وله قوالب مختلفة وصور شتى بعضها جسمانى وبعضها روحانى ، فما يوزن به الاجرام والاثقال مثل ذى الكفتين والقبان وما يجرى مجراهما ، وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالاسطرلاب ، وما يوزن به الدوائر والقسى *
Citation
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 7, Page 243