Show clickable narrator chain
أنه دخل على أبي الحسن الخراساني عليه السلام فقال: إن أهل البصرة سألوا عن الكلام فقالوا: إن يونس يقول: إن الكلام ليس بمخلوق، فقلت لهم: صدق يونس إن الكلام ليس بمخلوق، أما بلغكم قول أبي جعفر عليه السلام حين سئل عن القرآن: أخالق هو أم مخلوق؟ فقال لهم: ليس بخالق ولا مخلوق، إنما هو كلام الخالق فقويت أمر يونس، فقالوا: إن يونس يقول: إن من السنة أن يصلي الانسان ركعتين وهو جالس بعد العتمة، فقلت: صدق يونس . 15 * (باب)) * * " (وجوه اعجاز القرآن) " * أقول: قد سبق ما يناسب هذا الباب في الباب الأول من هذا الكتاب، وقد أوردنا أكثر ما يناسب هذا الباب في كتاب أحوال النبي صلى الله عليه وآله فتذكر . ولنذكر هنا ما أورده القطب الراوندي رحمه الله بطوله في كتاب الخرائج والجرائح في هذا المعنى، فإنه كاف في هذا الباب، ومقنع في دفع الشبه الموردة على ذلك في كل باب. قال رضوان الله عليه: اعلم أن كتاب الله المجيد ليس مصدقا لنبي الرحمة خاتم النبيين فقط بل هو مصدق لسائر الأنبياء والأوصياء قبله، وسائر الأوصياء بعده جملة وتفصيلا، وليس جملة الكتاب معجزة واحدة، بل هي معجزات لا تحصى وفيه إعلام عدد الرمل والحصى، لان أقصر سورة فيه إنما هو الكوثر، وفيه إعجاز من وجهين: أحدهما أنه قد تضمن خبرا عن الغيب قطعا قبل وقوعه، فوقع كما أخبر عنه من غير خلف فيه، وهو قوله: " إن شانئك هو الأبتر " لما قال قائلهم: إن محمدا رجل صنبور فإذا مات انقطع ذكره، ولا خلف له يبقى به ذكره فعكس ذلك على قائله، وكان كذلك. والثاني من طريق نظمه لأنه على قلة عدد حروفه، وقصر آية، يجمع نظما بديعا، وأمرا عجيبا، وبشارة للرسول، وتعبدا للعبادات بأقرب لفظ وأوجز بيان، وقد نبهنا على ذلك في كتاب مفرد لذلك. ثم إن السور الطوال متضمنة للاعجاز من وجوه كثيرة نظما وجزالة وخبرا عن الغيوب، فلذلك لا يجوز أن يقال: إن القرآن معجز واحد ولا ألف معجز، ولا أضعافه، فلذلك خطأنا قول من قال: إن للمصطفى صلى الله عليه وآله ألف معجز أو ألفي معجز، بل يزيد ذلك عند الاحصاء على الألوف. ثم الاستدلال في أن القرآن معجز لا يتم إلا بعد بيان خمسة أشياء: أحدها ظهور محمد صلى الله عليه وآله بمكة، وادعاؤه أنه مبعوث إلى الخلق ورسول إليهم، وثانيها تحديه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يديه، وادعاؤه أن الله أنزله عليه وخصه به، وثالثها أن العرب مع طول المدة لم يعارضوه، ورابعها أنه لم يعارضوه للتعذر والعجز، وخامسها أن هذا التعذر خارق للعادة، فإذا ثبت ذلك فإما أن يكون القرآن نفسه معجزا خارقا للعادة بفصاحته، ولذلك لم يعارضوه، أو لان الله صرفهم عن معارضتهم ولولا الصرف لعارضوه، وأي الامرين ثبت صحت نبوته عليه السلام لأنه تعالى لا يصدق كاذبا، ولا يخرق العادة لمبطل. وأما ظهوره عليه السلام بمكة، ودعاؤه إلى نفسه فلا شبهة فيه، بل هو معلوم ضرورة لا ينكره عاقل، وظهر هذا القرآن على يده أيضا معلوم ضرورة، والشك في أحدهما كالشك في الآخر. وأما الذي يدل على أنه صلى الله عليه وآله تحدى بالقرآن فهو أن معنى قولنا إنه تحدى: أنه كان يدعي أن الله تعالى خصه بهذا القرآن وإنبائه به، وأن جبرئيل عليه السلام أتاه به، وذلك معلوم ضرورة لا يمكن لاحد دفعه، وهذا غاية التحدي في المعنى. وأما الكلام في أنه لم يعارض، فلانه لو عورض لوجب أن ينقل ولو نقل لعلم، كما علم نفس القرآن، فلما لم يعلم، دل على أنه لم يكن، وبهذا يعلم أنه ليس بين بغداد والبصرة بلد أكبر منهما لأنه لو كان لنقل وعلم، وإنما قلنا إن المعارضة لو كانت لوجب نقلها لان الدواعي متوفرة على نقلها، ولأنها تكون الحجة، والقرآن شبهة، لو كانت، ونقل الحجة أولى من نقل الشبهة وأما الذي نعلم به أن جهة انتفاء المعارضة التعذر لا غير، فهو أن كل فعل ارتفع عن فاعله مع توفر دواعيه إليه، علم أنه ارتفع للتعذر، ولهذا قلنا إن هذه الجواهر والأكوان ليست في مقدورنا، وخاصة إذا علمنا أن الموانع المعقولة مرتفعة كلها، فيجب لنا أن نقطع على أن ذلك من جهة التعذر لا غيره وإذا علمنا أن العرب تحدوا بالقرآن فلم يعارضوه مع شدة حاجتهم إلى المعارضة، علمنا أنهم لم يعارضوه للتعذر لا غير، وإذا ثبت كون القرآن معجزا وأن معارضته تعذرت لكونه خارقا للعادة، ثبت بذلك نبوته المطلوبة. ثم اعلم أن الطريق إلى معرفة صدق النبي صلى الله عليه وآله أو الوصي عليه السلام ليس إلا ظهور المعجز عليه، أو خبر نبي ثابت نبوته بالمعجز، والمعجز في اللغة ما يجعل غيره عاجزا، ثم تعورف في الفعل الذي يعجز القادر عن مثله، وفي الشرع هو كل حادث من فعل الله أو بأمره أو تمكينه ناقض لعادة الناس في زمان تكليف مطابق لدعوته أو ما يجري مجراه. واعلم أن شروط المعجزات أمور: منها أن يعجز عن مثله أو عما يقاربه المبعوث إليه وجنسه، لأنه لو قدر عليه أو واحد من جنسه في الحال لما دل على صدقه، ووصي النبي حكمه حكمه. ومنها أن يكون من فعل الله أو بأمره وتمكينه لان المصدق للنبي بالمعجز هو الله، فلا بد أن يكون من جهته تعالى. ومنها أن يكون ناقضا للعادة لأنه لو فعل معتادا لم يدل على صدقه، كطلوع الشمس من المشرق. ومنها أن يحدث عقيب دعوى المدعي أو جاريا مجرى ذلك. والذي يجري مجراه أن يدعي النبوة ويظهر عليه معجزا، ثم يشيع دعواه في الناس ثم يظهر معجز من غير تجديد دعوى لذلك، لأنه إذا لم يظهر كذلك لم يعلم تعلقه بالدعوى فلا يعلم أنه تصديق له في دعواه. ومنها أن يظهر ذلك في زمان التكليف لان أشراط الساعة ينتقض بها عادته تعالى، ولا يدل على صدق مدع. ثم إن القرآن معجز، لأنه صلى الله عليه وآله تحدى العرب بمثله وهم النهاية في البلاغة، وتوفرت دواعيهم إلى الاتيان بما تحداهم به، ولم يكن لهم صارف عنه ولا مانع منه، ولم يأتوا به، فعلمنا أنهم عجزوا عن الاتيان بمثله. وإنما قلنا إنه عليه السلام صلى الله عليه وآله تحداهم به لان القرآن نفسه يتضمن التحدي كقوله تعالى: " فأتوا بسورة من مثله " ومعلوم أن العرب في زمانه وبعده كانوا يتبارون بالبلاغة، ويفخرون بالفصاحة، وكانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم، وحضر زمانه من يعد في الطبقة الأولى كالأعشى ولبيد وطرفة، وزمانه أوسط الأزمنة في استعمال المستأنس من كلام العرب دون الغريب الوحشي الثقيل على اللسان فصح أنهم كانوا الغاية في الفصاحة، وإنما قلنا اشتدت دواعيهم إلى الاتيان بمثله فإنه تحداهم ثم قرعهم بالعجز عنه، بقوله تعالى: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " وقوله تعالى: " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ". فان قيل: لعل صارفهم هو قلة احتفالهم به أو بالقرآن لانحطاطه في البلاغة قلنا لا شبهة أنه صلى الله عليه وآله كان من أوسطهم في النسب [وفي الخصال المحمودة] حتى سموه الأمين، الصدوق، وكيف لا يحتفلون به وهم كانوا يستعظمون القرآن حتى شهروه بالسحر، ومنعوا الناس من استماعه، لئلا يأخذ بمجامع قلوب السامعين، فكيف يرغبون عن معارضته . فان قيل: ألستم تقولون إن ما يأتي به محمد من القرآن هو كلام الله وفعله وقلتم إن مقدورات العباد لا تنتقض بها العادة، وقلتم إن القرآن هو أول كلام تكلم به تعالى، وليس بحادث في وقت نزوله، والناقض للعادة لابد وأن يكون هو متجدد الحدوث، لان الكلام مقدور للعباد، فما يكون من جنسه لا يكون ناقضا للعادة، فلا يكون معجزا للعباد. الجواب أن الناقض للعادة هو ظهور القرآن في مثل بلاغته المعجزة، وذلك يتجدد، وليس يظهر مثله في العادة سواء جوز أن يكون من قبله أو من قبل ملك يظهر عليه بأمره تعالى أو أوحى الله به إليه، فإذا علم صدقه في دعواه بظهور مثل هذا الكلام البليغ الذي يعجز عنه المبعوث إليه وجنسه عن مثله، وعما يقاربه وكان ناقضا للعادة، فكان معجزا دالا على صدقه، ولم يضرنا في ذلك أن يكون تعالى تكلم به قبل، إذ لم يجر تعالى عادته في إظهاره على أحد غيره. وقوله " إنه مركب من جنس مقدور العباد " لا يقدح في كونه ناقضا للعادة ولا في كونه معجزا، لان الاعجاز فيه هو من جملة البلاغة، وفيها يقع التفاوت بين البلغاء، ألا ترى أن الشعراء والخطباء يتفاضلون في بلاغتهم في شعرهم وخطبهم؟ فصح أن يكون في الكلام ما بلغ حدا في البلاغة ينقض به العادة في بلاغة البلغاء من العباد. ويبين ذلك أن البلاغة في الكلام البليغ لا يحصل بقدرة القادر على إحداث الحروف المركبة، وإنما يظهر بعلوم المتكلم بالكلام البليغ، وتلك العلوم لا تحصل للعبد باكتسابه، وإنما يحصل له من قبل الله ابتداء، وعند اجتهاد العبد في استعمال ما يحصل عنده، وتلك العلوم من فعله تعالى، وقد أجرى الله عادته فيها بمنح العبد من العلوم للبلاغة، فلا يمنح من ذلك إلا مقدارا يتفاوت فيه بلاغة بعضهم عن بعض، ويتفاوتون في ذلك بقدر تفاوت بلاغتهم، فإذا تجاوز بلاغة القرآن ذلك المقدار الذي جرت به العادة في بلاغة العبد، وبلغت حدا لا تبلغه بلاغ أبلغهم، ظهر كونه ناقضا للعادة، وإنما يبين كونه كذلك، إذا بينا أنه تحداهم بمثل القرآن، فعجزوا عنه، وعما يقاربه. فإذا قيل: فبماذا علمتم أن القرآن ظهر معجزة له دون غيره، وما أنكرتم أن الله بعث نبيا غير محمد، وآمن محمد بن، فتلقته منه محمد، ثم قتل ذلك النبي وادعاه معجزة لنفسه. الجواب أنا نعلم باضطرار أنه مختص به كما نعلم في كثير من الاشعار والتصانيف أنها مختصة بمن تضاف إليه كشعر امرء القيس وكتاب العين للخليل، ثم إن القرآن ظهر منه وسمع، ولم يجر، في الناس ذكر أنه ظهر لغيره، ولا جوزوه، وكيف يجوز في حكمه الحكيم أن يمكن أحدا من ذلك وقد علم حال محمد في عزف نفسه عن ملاذ الدنيا من أول أمره إلى أواخره، كيف يتهم بما قالوه. فان قيل: لعل من تقدم محمدا كامرء القيس وأضرابه لو عاصره لأمكنه معارضته، قلنا: إن التحدي لم يقع بالشعر فيصح ما قلته، وكان في زمانه صلى الله عليه وآله وقريبا منه من قدم في البلاغة من تقدم، ولأنه ما كلفهم أن يأتوا بالمعارضة من عند أنفسهم، وإنما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن من كلامهم أو كلام غيرهم ممن تقدمهم، فلو علموا أن في كلامهم ما يوازي بلاغة القرآن لاتوا به، ولقالوا إن هذا كلام من ليس بمنبئ وهو مساو للقرآن في بلاغته ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وآله ما قرأ الكتب ولا تتلمذ لاحد من أهل الكتاب، وكان ذلك معلوما لأعدائه، ثم قص عليهم قصص نوح، وموسى، ويوسف، وهود، وصالح، وشعيب ولوط، وعيسى وقصة مريم على طولها، فما رد عليه أحد من أهل الكتاب شيئا منها، ولا خطأوه في شئ من ذلك، ومثل هذه الأخبار لا يتمكن منها إلا بالتبخيت والاتفاق وقد نبه الله عليه بقوله " ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم " ونحو ذلك من قصص الأنبياء والأمم الماضين. وأما وجه إعجاز القرآن فاعلم أن المسلمين اتفقوا على ثبوت دلالة القرآن على النبوة وصدق الدعوة، واختلف المتكلمون في جهة إعجاز القرآن على سبعة أوجه، فقد ذهب قوم إلى أنه معجز من حيث كان قديما أو لأنه حكاية للكلام القديم، وعبارة عنه، فقولهم أظهر فسادا من أن يختلط بالمذاهب المذكورة في إعجاز القرآن. فأول ما ذكر من تلك الوجوه: ما اختاره المرتضى وهو أن وجه الاعجاز في القرآن أن الله صرف العرب عن معارضته، وسلبهم العلم بكيفية نظمه وفصاحته وقد كانوا لولا هذا الصرف قادرين على المعارضة متمكنين منها. والثاني: ما ذهب إليه الشيخ المفيد وهو أنه إنما كان معجزا من حيث اختص برتبة في الفصاحة خارقة للعادة، قال: لان مراتب الفصاحة إنما تتفاوت بحسب العلوم التي يفعلها الله في العباد، فلا يمتنع أن يجري الله العادة بقدر من المعلوم فيقع التمكين بها من مراتب في الفصاحة محصورة متناهية، ويكون ما زاد على ذلك زيادة غير معتادة معجزا خارقا للعادة. والثالث: وهو ما قال قوم وهو أن إعجازه من حيث كانت معانيه صحيحة مستمرة على النظر، وموافقة للعقل. والرابع: أن جماعة جعلوه معجزا من حيث زال عنه الاختلال والتناقض على وجه لم تجر العادة بمثله. والخامس: ما ذهب إليه أقوام وهو أن جهة إعجازه أنه يتضمن الاخبار عن الغيوب. والسادس: ما قاله آخرون، وهو: أن القرآن إنما كان معجزا لاختصاصه بنظم مخصوص مخالف للمعهود. والسابع: ما ذكره أكثر المعتزلة، وهو أن تأليف القرآن ونظمه معجزان لا لان الله أعجز عنهما بمنع خلقه في العباد، وقد كان يجوز أن يرتفع فيقدر عليه لكن محال وقوعه منهم كاستحالة إحداث الأجسام والألوان، وإبراء الأكمه والأبرص من غير دواء، ولو قلنا إن هذه الوجوه السبعة كلها وجوه إعجاز القرآن على وجه دون وجه لكان حسنا. ثم إن المرتضى رحمه الله استدل على أنه تعالى صرفهم عن المعارضة وأن العدول عنها كان لهذا، لا لان فصاحة القرآن خرقت عادتهم بأن الفضل بين الشيئين إذا كثر لم تقف المعرفة بحالهما على ذوي القرائح الذكية بل يغني ظهور أمريهما عن الرؤية بينهما، وهذا كما لا يحتاج إلى الفرق بين الخز والصوف إلى أحذق البزازين، وإنما يحتاج إلى التأمل، الشديد التقارب الذي يشكل مثله. ونحن نعلم أنا علم مبلغ علمنا بالفصاحة، نفرق بين شعر امرء القيس وشعر غيره من المحدثين، ولا نحتاج في هذا الفرق إلى الرجوع إلى من هو الغاية في علم الفصاحة، بل نستغني معه عن الفكرة، وليس بين الفاضل والمفضول من أشعار هؤلاء وكلام هؤلاء قدر ما بين الممكن والمعجز، والمعتاد والخارج عن العادة، وإذا استقر هذا، وكان الفرق بين سور المفصل وبين أفصح قصائد العرب غير ظاهر لنا الظهور الذي ذكرناه - ولعله إن كان ثم فرق فهو مما يقف عليه غيرنا، ولا يبلغه علمنا - فقد دل على أن القوم صرفوا عن المعارضة واخذوا عن طريقها. والأشبه بالحق، والأقرب إلى الحجة، بعد ذلك القول قول من جعل وجه إعجاز القرآن خروجه عن العادة في الفصاحة، فيكون ما زاد على المعتاد معجزا كما أنه لما أجرى الله العادة في القدرة التي يمكن بها من ضروب أفعال الجوارح كالطفو بالبحر وحمل الجبل فإنها إذا زادت على ما تأتي العادة، كانت لا حقة بالمعجزات كذلك القول ههنا. ثم إن هؤلاء الذين قالوا: إن جهة إعجاز القرآن الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة، صاروا صنفين: منهم من اقتصر على ذلك، ولم يعتبر النظم، ومنهم من اعتبر مع الفصاحة النظم المخصوص، وقال الفريقان: إذا ثبت أنه خارق للعادة بفصاحته، دل على نبوته لأنه لو كان من قبل الله فهو دال على نبوته ومعجز، وإن كان من فعل النبي صلى الله عليه وآله ولم نتمكن من ذلك مع خرقه العادة لفصاحته لان الله خلق فيه علوما خرق بها العادة، فإذا علمنا بقوله: إن القرآن من فعل الله دون فعله قطعنا على ذلك دون غيره. وأما القول الثالث والرابع فكلاهما مأخوذ من قوله تعالى: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " فحمل الأولون ذلك على المعنى والآخرون على اللفظ، والآية مشتملة عليهما عامة فيهما، ويجوز أن يكون كلا القولين معجزا على بعض الوجوه، لارتفاع التناقض فيه، والاختلاف فيه، على وجه مخالف للعادة. وأما من جعل جهة إعجازه ما تضمنه من الاخبار عن الغيوب فذلك لا شك أنه معجز، لكن ليس هو الذي قصد به التحدي لان كثيرا من القرآن خال من الاخبار بالغيب، والتحدي وقع بسورة غير معينة. وأما الذين قالوا إنما كان معجزا لاختصاصه بأسلوب مخصوص، ليس بمعهود فان النظم دون الفصاحة، لا يجوز أن يكون جهة إعجاز القرآن على الاطلاق لان ذلك لا يقع فيه التفاضل، وفي ذلك كفاية، لان السابق إلى ذلك لابد أن يقع فيه مشاركة لمجرى العادة كما تبين. وأما من قال: إن القرآن نظمه وتأليفه مستحيلان من العباد، كخلق الجواهر والألوان، فقولهم به على الاطلاق باطل، لان الحروف كلها من مقدورنا، والكلام كله يتركب من الحروف التي يقدر عليها كل متكلم وأما التأليف فاطلاقه مجاز في القرآن حقيقته في الأجسام وإنما يراد من القران حدوث بعضه في أثر بعض، فان أريد ذلك فهو إنما يتعذر لفقد العلم بالفصاحة وكيفية إيقاع الحروف لا أن ذلك مستحيل كما أن الشعر يتعذر على العجم لعدم علمه بذلك، لا أنه مستحيل منه من حيث القدرة ومتى أريد استحالة ذلك يما يرجع إلى فقد العلم فذلك خطأ في العبارة دون المعنى. واعترض فقالوا: إذا كان الصرف هو المعجز فلم لم يجعل القرآن من أرك الكلام وأقله فصاحة، ليكون أبهر في باب الاعجاز. الجواب: لو فعل ذلك لجاز لكن المصلحة معتبرة في ذلك، فلا يمتنع أنها اقتضت أن يكون القرآن على ما هو عليه من الفصاحة فلأجل ذلك لم ينقص منه ولا يلزم في باب المعجزات أن يفعل ما هو أبهر وأظهر، وإنما يفعل ما تقتضيه المصلحة بعد أن تكون دلالة الاعجاز قائمة فيه، ثم يقال: فهلا جعل الله القرآن أفصح مما هو عليه، فما قالوا فهو جوابنا عنه، وليس لاحد أن يقول: ليس وراء هذه الفصاحة زيادة، لان الغايات التي ينتهي إليها الكلام الفصيح غير متناهية. ومن اعتراضاتهم قولهم: لو كان الصرف لم خفي ذلك على فصحاء العرب لأنهم إذا كانوا يتأتى منهم قبل التحدي ما تعذر بعده، وعند روم المعارضة، فالحال في أنهم صرفوا عنها ظاهرة، فكيف لم ينقادوا. والجواب لابد أن يعلموا تعذر ما كان متأتيا منهم، لكنهم يجوز أن ينسبوه إلى الاتفاقات أو إلى السحر أو العناد ويجوز أن يدخل عليهم الشبهة على أنه يلزمهم مثل ما ألزمونا بأن يقال: إن العرب إذا علموا أن القرآن خرق العادة بفصاحته، فلم لم ينقادوا فجوابهم جوابنا. واعترضوا فقالوا: إذا لم يخرق القرآن العادة بفصاحته فلم شهد له بالفصاحة متقدموا العرب كالوليد بن المغيرة وكعب بن زهير، والأعشى الكبير لأنه ورد ليسلم فمنعه أبو جهل!!؟ وخدعه، وقال: إنه يحرم عليك الأطيبين فلو لا أنه بهرهم بفصاحته وإلا لم ينقادوا. والجواب جميع ما شهد به الفصحاء من بلاغة القرآن فواقعة موقعه، لان من قال بالصرفة لا ينكر مزية القرآن على غيره بفصاحته، وإنما يقول: تلك المزية ليست مما تخرق العادة، وتبلغ حد الاعجاز، فليس في قبول الفصحاء وشهادتهم بفصاحة القرآن ما يوجب القول ببطلان الصرفة، وأما دخولهم في الاسلام فلامر بهرهم وأعجزهم، وأي شئ أبلغ من الصرفة في ذلك. وأما القائلون بأن إعجازه الفصاحة قالوا: إن الله جعل معجزة كل نبي من جنس ما يتعاطا قومه، ألا ترى أن في زمان موسى عليه السلام لما كان الغالب على قومه السحر، جعل الله معجزته من ذلك القبيل، فأظهر على يده قلب العصا حية واليد البيضا، فعلم أولئك الأقوام بأن ذلك مما لا يتعلق بالسحر، فآمنوا، وكذلك زمان عيسى عليه السلام لما كان الغالب على قومه الطب جعل الله معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فعلم أولئك الأقوام أن ذلك مما لا يوصل إليه بالطب، فآمنوا به. وكذلك لما كان زمن محمد صلى الله عليه وآله الغالب على قومه الفصاحة والبلاغة، حتى كانوا لا يتفاخرون بشئ كتفاخرهم بها، جعل الله معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده هذا القرآن، وعلم الفصحاء منهم أن ذلك ليس من كلام البشر، فآمنوا به، ولهذا جاء المخصوصون فآمنوا برسول الله كالأعشى مدح رسول الله صلى الله عليه وآله ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وعادك ما عاد السليم المسهدا وما ذاك من عشق النساء وإنما * تناسيت قبل اليوم خلة مهددا ومهد معشوقته، وفيها يقول لناقته: فآليت لا أرثى لها من كلالة * ولا من حفا حتى تزور محمدا فبلغ خبره قريشا فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب - يعنى صاحب الصنج، لقب به لما كان في شعره من الجودة إذا أنشد أخذ بالأسماع كالصنج - ما مدح أحدا قط الا رفع في قدره، فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم، قالوا: انه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك، وكلها بك رافق ولك موافق، قال: وما هن؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا، قال: لقد تركني الزنا وما تركته، ثم ماذا؟ قال: القمار، قال: لعلى ان لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار، ثم ماذا؟ قال: الربا قال ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قال: الخمر، قال: أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت لي في المهراس فأشربها (والمهراس حجر عظيم منقور يسع كثيرا من الماء) فقال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الان في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدتك سنتك هذه وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فان ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وان ظهر علينا أتيته، فقال: ما أكره هذا، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش! هذا الأعشى والله لئن أتى محمدا واتبعه ليضرمن عليكم نيران العرب بشعره، فاجمعوا له مائة من الإبل، ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة - قرية مشهورة من نواحي اليمامة - رمى به بعيره فقتله. راجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 386 الأغاني ج 9 ص 125. بقصيدة وأراد أن يؤمن، فدافعه قريش وجعلوا يحدثونه بأسوء ما يقدرون عليه وقالوا: إنه يحرم عليك الخمر والزنا، فقال: لقد كبرت ومالي في الزنا من حاجة، فقالوا: أنشدنا ما مدحته به، فأنشدهم. ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا نبي يرى ما لا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا قالوا: إن أنشدته هذا لم يقبله منك، فلم يزالوا بالسعي حتى صدوه فقال: أخرج إلى اليمامة، ألزمه عامي هذا، فمكث زمانا يسيرا ومات باليمامة. وجاء لبيد وآمن برسول الله صلى الله عليه وآله وترك قيل الشعر تعظيما لأمر القرآن كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة: أن استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الاسلام، فأرسل إلى الأغلب الراجز العجلي فقال له: أنشدني، فقال: أرجزا تريد أم قصيدا * لقد طلبت هينا موجودا ثم أرسل إلى لبيد فقال: أنشدني، فقال: ان شئت ما عفى عنه - يعنى الجاهلية - فقال: لا، أنشدني ما قلت في الاسلام، فانطلق فكتب سورة البقرة [وآل عمران] في صحيفة ثم أتى بها وقال: لقد أبدلني الله هذه في الاسلام مكان الشعر. فكتب بذلك المغيرة إلى عمر، فنقص من عطاء الأغلب خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة فكتب الأغلب: يا أمير المؤمنين أتنقص من عطائي أن أطعتك؟ فرد عليه خمسمائته وأقر عطاء لبيد على ألفين وخمسمائة. وأراد معاوية أن ينقصه من عطائه لما ولى الخلافة، وقال: هذان الفودان - يعنى الألفين - فما بال العلاوة؟ يعنى الخمسمائة، فقال له لبيد: إنما أنا هامة اليوم أو غد فأعرني اسمها، فعلى لا أقبضها أبدا، فتبقى لك العلاوة والفودان، فرق له وترك عطاءه على حاله فمات ولم يقبضه. فقيل له: ما فعلت قصيدتاك؟ قال: أبدلني الله بهما سورتي البقرة وآل عمران. قالوا: ومن خالفنا في هذا الباب يقول: إن الطريق إلى النبوة ليس إلا المعجز، وزعموا أن المعجز يلتبس بالحيلة، والشعوذة، وخفه اليد، فلا يكون طريقا إلى النبوة، فقوله باطل، لان هذا إنما كان لو لم يكن طريق إلى الفصل بين المعجز والحيلة، وههنا وجوه من الفصل بينه وبينها: منها أن المعجز لا يدخل جنسه تحت مقدور العباد كقلب العصا حية وإحياء الموتى وغير ذلك، ومنها أن المعجز يكون ناقضا للعادة بخلاف الحيلة، فإنه يحتاج فيها إلى التعليم، ومنها أن المعجز لا يحتاج إلى الآلات بخلاف الحيلة فإنها تحتاج إلى الآلات، ومنها أن المعجز إنما يظهر عند من يكون من أهل ذلك الباب ويروج عليهم، والحيلة إنما يظهر عند العوام والذين لا يكونون من أهل ذلك الباب، ويروج على الجهال ومن قال من مخالفينا: إن محمدا لم يكن نبيا لأنه لم يكن معه معجز، فالكلام عليه أن نقول إنا نعلم ضرورة أنه ادعي النبوة كما نعلم أنه ظهر بمكة، وهاجر إلى المدينة، وتحدى العرب بالقرآن، وادعى مزية القرآن على كلامهم وهذا يكون تحديا من جهة المعنى، وعلموا أن شأنه يبطل بمعارضته، فلم يأتوا بها لضعفهم، وعجزهم كان لانتقاض العادة بالقرآن فأوجب انتقاض العادة كونه معجزا دالا على نبوته. فان قيل: إنما لم يعارضوه لكونهم غبايا جهالا، لا لعجزهم. قلنا: المعارضات كانت مسلوكة فيما بينهم، فامرؤ القيس عارض علقمة بن عبدة بن الطبيب وناقضه، وطريقة المعارضة لا تخفى على دهاة العرب مع ذكائها. فان قيل: أخطأوا طريق المعارضة، كما أخطأوا في عبادة الأصنام، أو لان القرآن يشتمل على الأقاقيص وهم لم يكونوا من أهله. قلنا في الأول فرق بينهما، لان عبادة الأصنام طريقها الدلالة، وما كان طريقه الدلالة يجوز فيه الخطأ، بخلاف مسألتنا لان طريقة التحدي هي الضرورة لا يجوز فيها الخطأ، وأما الثاني ففي القرآن ما ليس من الأقاصيص، فوجب أن يأتوا بمثله فيعارضوه، على أنهم طلبوا أخبار رستم واسفنديار، وحاولوا أن يجعلوه معارضة للقرآن، واليهود والنصارى كانوا أهل الأقاصيص، وكان من الواجب أن يتعرفوها منهم، ويجعلوها معارضة. فان قيل: لا يجوز أن يكون القرآن معجزا دالا على نبوته من حيث إنه ناقض العادة، فلا يمتنع أن يكون العرب أفصح الناس، ومنهم جماعة أفصح العرب، وفي الجماعة واحد هو أفصح منهم، وإذا أتى بكلام لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بما يقاربه، فإذا أتى بكلام مختص بالفصاحة لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بما يقاربه، يوجب كونه معجزا. قلنا لهم: لا يصح ولو اتفق لكان دليلا على صدقه. فان قيل: لو كان القرآن معجزا لكان نبيا مبعوثا إلى العرب والعجم، وكان يجب أن يعلم سائر الناس إعجاز القرآن من حيث الفصاحة، والعجم لا يمكنهم ذلك. قلنا: هذا لا يصح لان الفصاحة ليست بمقصورة على بعض اللغات، يمكنهم أن يعرفوا ذلك على سبيل الجملة، إذ أمكن أن يعلموا بالاخبار المتواترة أن محمدا كان ظهر عليه القرآن، وتحدى العرب، وعجزوا أن يأتوا بمثله، فيجب أن يكون القرآن معجزا دالا على نبوته، والعرب يعرفون ذلك على التفصيل لان القرآن نزل بلغتهم، والعلم به على سبيل الجملة في هذا الباب كاف. وإنما قلنا إنه معجز من حيث إنه ناقض العادة لان العادة لم يجر أن يتعلم واحد الفصاحة ثم يبرز عليهم بحيث لم يمكنهم أن يأتوا بما يقاربه، فإذا أتى به كذلك كان معجزا. وأما القائلون بأن إعجازه بالفصاحة والنظم معا، قالوا: إن الذي يدل على أن التحدي كان بالفصاحة والنظم معا أنا رأينا النبي عليه السلام أسل التحدي إرسالا، وأطلقه إطلاقا، من غير تخصيص يحصره، فقال مخبرا عن ربه: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " وقال: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله " . فترك القوم استفهامه عن مراده بالتحدي: هل أراد مثله في الفصاحة دون النظم، أو فيهما جميعا، أو في غيرهما؟ فعل من سبق الفهم إلى قلبه، وزال الريب عنه، لأنهم لو ارتابوا لسألوه [ولو شكوا لاستفهموه] ولم يجز ذلك على هذا إلا والتحدي واقع بحسب عهدهم وعادتهم، وقد علمنا أن عادتهم جارية في التحدي باعتبار طريقة النظم مع الفصاحة، ولهذا لا يتحدى الشاعر الخطيب الذي لا يتمكن من الشعر، ولا الخطيب الشاعر، وإنما يتحدى كل بنظيره، ولا يقنع المعارض حتى يأتي بمثل عروض صاحبه كمناقضة جرير للفرزدق، وجرير للأخطل، وإذا كانت هذه عادتهم، فإنما اختلفوا في التحدي عليها. فان قيل: عادة العرب وإن جرت في التحدي بما ذكر تموه، فلا يمنع صحه التحدي بالفصاحة دون طريقة النظم، لا سيما والفصاحة هي التي بصح فيها التفاضل وإذا لم يمتنع ذلك فبما أنكرتم أن يكون تحداهم بالفصاحة دون الظلم، فأفهمهم قصده، فلهذا لم يستفهموه. قلنا: ليس نمنع أن يقع التحدي بالفصاحة دون النظم، فمن أين عرفته وإنما سمعناه في التحدي بالقرآن من حيث أطلق التحدي به، وعري عما يخصه بوجه دون وجه، فحملناه على ما عهده القوم، وألفوه في التحدي، فلو كان أفهمهم تخصيص التحدي بقول مسموع، لوجب أن ينقل إلينا لفظه، ولا نجد له نقلا، ولو كان أفهمهم بمخارج الكلام أو بإشارة وغيرها لوجب اتصاله بنا أيضا فان ما يدعو إلى النقل للألفاظ، يدعو إلى نقل ما يتصل بها من مقاصد ومخارج، سيما فيما تمس الحاجة إليه. ألا ترى أنه لما نفى النبوة بعد نبوته بقوله: (لا نبي بعدي) أفهم مراده السامعين من هذا القول أنه عنى لا نبي بقي من البشر كلهم، وأراد بالبعد عموم سائر الأوقات، اتصل ذلك بنا على حد اتصال اللفظ، وفي ارتفاع كل ذلك من النقل دليل على صحة قولنا. على أن التحدي لو كان مقصورا على الفصاحة دون النظم، لوقعت المعارضة من القوم ببعض فصيح شعرهم، أو بليغ كلامهم، لأنا نعلم خفاء الفرق بين قصار السور وفصيح كلام العرب. فكان يجب أن يعارضوه، فإذا لم يفعلوا، فأنهم فهموا من التحدي الفصاحة وطريقة النظم، ولم يجتمعا لهم، واختصاص القرآن بنظم مخالف لسائر ضروب الكلام، أوضح من أن يتكلف الدلالة عليه. وقد قال السيد: وعندي أن التحدي وقع بالاتيان بمثله في فصاحته وطريقته في النظم، ولم يكن بأحد الامرين، ولو وقعت المعارضة بشعر منظوم أو برجز موزون أو بمنثور من الكلام، ليس له طريقة القرآن في النظم، لم تكن واقعة موقعها والصرفة على هذا إنما كانت بأن يسلب الله كل من رام المعارضة للعلوم التي يتأتى معها مثل فصاحة القرآن وطريقته في النظم، ولهذا لا يصاب في كلام العرب ما يقارب القرآن في فصاحته ونظمه. وأما القائلون بأن إعجاز القرآن في النظم المخصوص، قالوا: لما وجدنا الكلام منظوما موزونا ومنثورا غير موزون، والمنظوم هو الشعر وأكثر الناس لا يقدرون عليه، فجعل الله تعالى معجز نبيه النمط المذي يقدر عليه كل أحد، ولا يتعذر نوعه في كلهم، وهو الذي ليس بموزون، فيلزم حجته الجميع. والذي يجب أن يعلم في العلم باعجاز النظم، هو أن يعلم مباني الكلام وأسباب الفصاحة في ألفاظها، وكيفية ترتيبها، وتباين ألفاظها، وكيفية الفرق بين الفصيح والأفصح، والبليغ والأبلغ، وتعرف مقادير النظم والأوزان، وما به يبين المنظوم من المنثور، وفواصل الكلام، ومقاطعه، ومباديه، وأنواع مؤلفه ومنظومه، ثم ينظر فيما أتى به حتى يعلم أنه من أي نوع هو؟ وكيف فضل على ما فضل عليه من أنواع الكلام، حتى يعلم أنه من نظم مباين لساير المنظوم ونمط خارج من جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم: من أنواع الخطيب والرسائل والشعر، والمنظوم، والمنثور، والرجز، والمخمس، والمزدوج، والعريض والقصير، فإذا تأملت ذلك، وتدبرت مقاطعه ومفاتحه، وسهولة ألفاظه، واستجماع معانيه، وأن كل واحد منها لو غيرت لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة، وأدل على المعنى منها، وأجمع للفوائد والزوائد منها، وإذا كان كذلك فعند تأمل جميع ذلك يتحقق ما فيه من النظم اللائق، والمعاني الصحيحة التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة، وإن اجتهد البليغ والخطيب. وفي خواص نظم القرآن وجوه أولها خروج نظمه عن صورة جميع أسباب المنظومات ولولا نزول القرآن لم يقع في خلد فصيح سواها، وكذلك قال عتبة بن ربيعة لما اختاره قريش للمصير إلى النبي صلى الله عليه وآله قرء عليه حم السجدة فلما انصرف قال: سمعت أنواع الكلام من العرب، فما شبهته بشئ منها، إنه ورد على ما راعني ونحوه ما حكى الله عن الجن " قل أوحي إلي " إلى قوله: " آمنا به " فلما عدم وجود شبيه القرآن من أنواع المنظوم، انقطعت أطماعهم عن معارضته. والخاصة الثانية في الروعة التي له في قلوب السامعين، فمن كان مؤمنا يجد شوقا إليه وانجذابا نحوه، وحكي أن نصرانيا مر برجل يقرء القرآن فبكى فقيل له: ما أبكاك؟ قال: النظم. والثالثة أنه لم يزل غضا طريا لا يخلق ولا يمل تاليه، والكتب المتقدمة عارية عن رتبة النظم، وأهل الكتاب لا يدعون ذلك لها. والرابعة أنه في صورة كلام هو خطاب لرسوله تارة ولخلقه أخرى. والخامسة ما يوجد من جمعه [بين الأضداد] فان له صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادتين. والسادسة ما وقع في أجزائه من امتزاج بعض أنواع الكلام ببعض، وعادة ناطقي البشر تقسيم معاني الكلام. والسابعة أن كل فضيلة من تأسيس اللغة في اللسان العربي هي موجودة في القرآن. والثامنة عدم وجود التفاضل بين بعض أجزائه من السور كما في التوراة كلمات عشر تشتمل على الوصايا يستحلفون بها لجلالة قدرها، وكذا في الإنجيل أربع صحف، وكذا في الإنجيل محاميد ومسابيح يقرؤنها في صلواتهم. والتاسعة وجود ما يحتاج العباد إلى علمه من أصول دينهم وفروعه، من التنبيه على طرق العقليات، وإقامة الحجج على الملاحدة والبراهمة والثنوية، والمنكرة للبعث القائلين بالطبايع، بأوجز كلام وأبلغه، ففيه من أنواع الاعراب والعربية حتى الطب في قوله: " كلوا واشربوا ولا تسرفوا " فهذا أصل الطب، والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والناسخ والمنسوخ، وهو مهيمن على جميع الكتب المتقدمة. والعاشرة وجود قوام النظم في أجزائه كلها حتى لا يظهر في شئ من ذلك تناقض ولا اختلاف، وله خواص سواها كثيرة. فان قيل: فهلا كانت ألفاظ القرآن كليتها مؤلفة من قبل الألفاظ الموجزة التي إذا وقعت في الكلام زادته حسنا، ليكون كلام الله عليه النظم الأحسن الأفضل إذ كان لا يعجزه شئ عن بلوغ الغاية كما يعجز الخلق عن ذلك. الجواب: أن هذا يعود إلى أن كيف لم يرتفع أسباب التفاضل بين الأشياء حتى يكون كلها كشئ واحد متشابه الاجزاء والابعاض وكيف فضل بعض الملائكة على بعض، ومتى كان كذلك لم يوجد اختلاف الأشياء يعرف به الشئ وضده، على أنه لو كان كلام الله كما ذكر يخرج في صورة المعمى الذي لا يوجد له لذة البسط والشرح، ولو كان مبسوطا لم تبين فضيلة الراسخين في العلم على من سواهم، وأنه تعالى حكيم عليم بأن إلطاف المبعوث إليهم إنما هو في النمط الذي أنزله، فلو كان على تركيب آخر، لم يكن لطفا لهم. ثم لنذكر وجها آخر للصرفة، وهو أن الامر لو كان بخلافه، وكان تعذر المعارضة والعدول عنه لعلمهم بفضله على سائر كلامهم في الفصاحة، وتجاوزه له في الجزالة، لوجب أن يقع منهم معارضة على كل حال، لان العرب الذين خوطبوا بالتحدي والتقريع، ووجهوا بالتعنيف والتبكيت، كانوا إدا أضافوا فصاحة القرآن إلى فصاحتهم، وقاسوا بكلامهم كلامه، علموا أن المزية بينهما إنما تظهر لهم دون غيرهم ممن نقص عن طبقتهم، ونزل عن درجتهم، دون الناس جميعا، ممن لا يعرف الفصاحة، ولا يأنس بالعربية، وكان ما عليه دون المعرفة لفصيح الكلام من أهل زماننا ممن خفي الفرق عليهم بين مواضع من القرآن وبين فقرات العرب البديعة، وكلمهم الغريبة، فأي شئ أقعد بهم عن أن يعتمدوا إلى بعض أشعارهم الفصيحة، وألفاظهم المنثورة، فيقابلوه، ويدعوا أنه مما ثل لفصاحته أو أزيد عليها، لا سيما وأكثر من يذهب إلى هذه الطريقة يدعي أن التحدي وقع بالفصاحة دون النظم وغيره من المعاني المدعاة في هذا الموضع. فسواء حصلت المعارضة بمنظوم الكلام أو بمنثوره فمن هذا الذي كان يكون الحكم في هذه الدعوى وجماعة الفصحاء أو جمهورهم كانوا حرب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن أهل الخلاف عليه والرد لدعوته، والصدود عن محجته، لا سيما في بدو الامر وأوله، وقبل أوان استقرار الحجة، وظهور الدعوة، وكثرة عدد الموافقين وتظافر الأنصار والمهاجرين. ولا نعمد إلا على أن هذه الدعوى لو حصلت لردها بالتكذيب من كان في حرب النبي صلى الله عليه وآله من الفصحاء، لكن كان اللبس يحصل والشبهة تقع لكل من ليس من أهل المعرفة من المستجيبين الدعوة والمنحرفين عنها من العرب. ثم لطوايف الناس جميعا كالفرس والروم والترك ومن ماثلهم ممن لاحظ له في العربية عند تقابل الدعوى في وقع المعارضة موقعها، وتعارض الأقوال من الإجابة بها مكانها، ما يتأكد الشبهة، وتعظم المحنة، ويرتفع الطريق إلى إصابة الحق، لان الناظر إذا رأى جل أصحاب الفصاحة وأكثرهم يدعي وقوع المعارضة والمكافأة والمماثلة، وقوما منهم كلهم ينكر ذلك ويدفعه، كان أحسن حاله أن يشك في القولين، ويجوز في كل واحد منهما الصدق والكذب، فأي شئ يبقى من المعجز بعد هذا؟ والاعجاز لا يتم إلا بالقطع على تعذر المعارضة على القوم وقصورهم عن المعارضة والمقاربة، والتعذر لا يحصل إلا بعد حصول العلم بأن المعارضة لم تقع، مع توفر الدواعي وقوة الأسباب، وكانت حينئذ لا تقع الاستجابة من عاقل، ولا المؤازرة من صديق. وليس يحجز العرب عما ذكرناه ورع ولا حياء، لأنا وجدناهم لم يرعووا عن السب والهجاء، ولم يستحيوا من القذف والافتراء، وليس في ذلك ما يكون حجة ولا شبهة، بل هو كاشف عن شدة عداوتهم وأن الحيرة قد بلغت بهم إلى استحسان القبيح الذي يكون نفوسهم تأباه، وأخرجهم ضيق الخناق إلى أن أحضر أحدهم أخبار رستم واسفنديار، وجعل يقص بها ويوهم الناس أنه قد عارض، وأن المطلوب بالتحدي هو القصص والاخبار وليس يبلغ الامر بهم إلى هذا، وهم متمكنون مما ترفع الشبهة، فعدلوا عنه مختارين. وليس يمكن لاحد أن يدعي أن ذلك مما لم يهتد إليه العرب وأنه لو اتفق خطوره ببالهم لفعلوه غير أنه لم يتفق، لأنهم كانوا من الفطنة والكياسة على مالا يخفى عليهم معه أنفذ الامرين مع صدق الحاجة وفوتها، والحاجة تفتق الجبل. وهب لم يفطنوا ذلك بالبديهة، كيف لم يقعوا عليه مع التفكر، وكيف لم يتفق لهم ذلك مع فرط الذكاء وجودة الذهن، وهذا من قبيح الغفلة التي تنزه القوم عنها ووصفهم الله بخلافها. وليس يورد هذا الاعتراض من يوافق في إعجاز القرآن، وإنما يصير إليه من خالفنا في الملة وأبهرته الحجة، فيرمي العرب بالبله والغفلة، فيقول: لعلهم لم يعرفوا أن المعارضة أنجع وأنفع، وبطريق الحجة أصوب وأقرب، لأنهم لم يكونوا أصحاب نظر وذكر، وإنما كانت الفصاحة صنعتهم، فعدلوا إلى الحرب. وهذا الاعتراض إذا ورد علينا كانت كلمة جماعتنا واحدة في رده، وقلنا في جوابه: إن العرب إن لم يكونوا نظارين، فلم يكونوا في غفلة مخامرة في العقول أن مسألة التحدي في فعله ومعارضته بمثله أبلغ في الاحتجاج عليه من كل فعل ولا يجوز أن يذهب العرب جلهم عما لا يذهب عنه العامة، والاعتناء بالحرب غير مانعة عن المعارضة، وقد كانوا يستعملون في حروبهم من الارتجاز ما لو جعلوا مكانه معارضة القرآن كان أنفع لهم. في مطاعن المخالفين في القرآن: قالوا إن في القرآن تفاوتا قوله " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن " ففي الكلام تكرار بغير فائدة، لان قوله " قوم من قوم " يغني من قوله " نساء من نساء " فالنساء يدخلن في قوم، يقال: هؤلاء قوم فلان الرجال والنساء من عترته. الجواب: أن قوله " قوم " لا يقع في حقيقة اللغة إلا على الرجال، ولا يقال للنساء ليس فيهن رجل: هؤلاء قوم فلان، وإنما تسمى الرجال، لأنهم هم القائمون بالأمور عند الشدائد كتاجر وتجر، ومسافر وسفر، ونائم ونوم وزائر وزور، يدل عليه قول زهير: وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء وقالوا في قوله تعالى " الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري " تفاوت كيف يكون الأعين في غطاء عن ذكر، وإنما تكون الاسماع في غطاء عنه. الجواب: أن الله أراد بذلك عميان القلوب، يدل على ذلك قول الناس عمي قلب فلان، وفلان أعمى القلب، إذا لم يفهم، وقال تعالى: " ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " وقصد القلوب لان عماها هو المؤثر في باب الدين المانع من الاقتداء فجاز أن يقال للقلب أعمى وإن كان العمى في العين، ومثله قوله " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " والأكنة الأغطية. وسألوا عن قوله " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا " قالوا: لا يقال فلان يجعل لفلان حبا، إذا أحبه. الجواب: إنما أراد سيجعل لهم الرحمن ودا في قلوب المؤمنين والمعنى إلى: يحببهم إلى القلوب. وقالوا في قوله " أم عندهم الغيب فهم يكتبون " وكانت قريش أميين فكيف جعلهم يكتبون. الجواب: أن معنى الكتابة هنا الحكم يريد أعندهم علم الغيب فهم يحكمون فيقولون سنقهرك ونطردك، وتكون العاقبة لنا لا لك، ومثله قول الجعدي: ومال الولاء بالبلاء فملتم * وما ذاك حكم الله إذ هو يكتب أي يحكم بيده، ومثله (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) ومثل قوله للمتحالفين إليه: والذي نفسي بيده لأقضين فيكما بكتاب الله أي بحكم الله لأنه أراد الرجم والتعذيب، وليس ذلك في ظاهر كتاب الله. وقالوا في قوله: ﴿وقل إني أنا النذير المبين * كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين﴾ ولفظه كما يأتي تشبيه شئ بشئ تقدم ذكره ولم يتقدم في أول الكلام ما يشبه به ما تأخر عنه. قالوا: وكذلك قوله: ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم * كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ ما الذي يشبه بالكلام الأول من إخراج الله إياه. قالوا: وكذلك قوله: ﴿ولاتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون * كما أرسلنا﴾ . الجواب: أن القرآن على لسان العرب، وفيه حذف وإيماء ووحي وإشارة فقوله: (أنا النذير المبين) فيه حذف كأنه قال: أنا النذير المبين عذابا كما أنزلنا على المقتسمين، فحذف العذاب إذ كان الانذار يدل عليه لقوله في موضع آخر: ﴿أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ ومثله من المحذوف في أشعار العرب وكلامهم كثير. وأما قوله: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) فان المسلمين يوم بدر يا ابنة عمى كتاب الله أخرجني * عنكم وهل أمنعن الله ما فعلا المائدة: ٤٥. اختلفوا في الأنفال، وجادل كثير منهم رسول الله صلى الله عليه وآله فيما فعله في الأنفال فأنزل الله سبحانه " يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول " يجعلها لمن يشاء " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " أي فرقوه بينكم على السواء " وأطيعوا الله ورسوله " فيما بعد " إن كنتم مؤمنين ووصف المؤمنين، ثم قال: " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون " يريد أن كراهتهم في الغنائم ككراهتهم في الخروج معك. وأما قوله: " ولعلكم تهتدون * كما أرسلنا " فإنه أراد ولاتم نعمتي كإرسالي فيكم رسولا أنعمت به عليكم يبين لكم. سألوا عن قوله: " وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله " ولا يقول أحدهما ذلك. الجواب أنه لما حرق نبخت نصر بيت المقدس، بغى على بني إسرائيل وسبي ذراريهم وحرق التوراة حتى لم يبق لهم رسم وكان في سباياه دانيال فعبر رؤياه فنزل منه أحسن المنازل، فأقام عزير لهم التوراة بعينها، حين عاد إلى الشام بعد موته. فقالت طائفة من اليهود: هو ابن الله ولم يقل ذلك كل اليهود، وهذا خصوص خرج مخرج العموم. وسألوا عن قوله: " فنبذناه بالعراء وهو سقيم " قالوا: كيف جمع الله بينه وبين قوله: " لولا أن تداركه رحمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم " وهذا خلاف الأول، لأنه قال أولا: نبذناه مطلقا ثم قال: لولا أن تداركه لنبذ، فجعله شرطا. الجواب معنى ذلك لولا أنا رحمناه بإجابة دعائه، لنبذناه حين نبذناه بالعراء مذموما، وقد كان نبذه في حالته الأولى سقيما يدل عليه قوله: " فاجتبيه ربه فجعله من الصالحين " لكن تداركه الله بنعمة من عنده فطرح بالفضاء وهو غير مذموم، واختاره الله وبعثه نبيا، ولا تناقض بين الآيتين، وإن كان في موضع نبذناه مطلقا وهو سقيم: ولم يكن في هذه الحالة بمليم، وفي موضع آخر نبذ مشروطا ومعناه لولا أن رحمنا يونس عليه السلام لنبذناه ملوما، وكان لوم عتاب لا لوم عقاب لأنه بترك الأولى. وسألوا عن قوله: " وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر " واسمه في التوراة تارخ فيقال: لا ينكر أن يكون له اسمان، وكنيتان، هذا إدريس في التوراة أخنوخ ويعقوب إسرائيل، وعيسى يدعى المسيح، وقد قال نبينا: لي خمسة أسماء أنا محمد، أنا أحمد، والعاقب، والماحي، والحاشر، وقد يكون للرجل كنيتان كما كان له اسمان، فان حمزة يكنى أبا يعلى وأبا عتبة وصخر بن حرب أبا معاوية، وأبا سفيان، وأبا حنظلة. وقيل معنى آزر: يا ضعيف ويا جاهل، ويقال: يا معاوني ويا مصاحبي ويا شيخي، فعلى هذا يكون ذلك وصفا له، وقال الأكثرون: إن آزر كان عم إبراهيم، والعرب تجعل العم أبا، والصحيح أن آزر كان أبا لام إبراهيم. وسألوا عن قوله: " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازداد وا تسعا " ثم قال: " قل الله أعلم بما لبثوا " وهذا كلام متفاوت، لأنه أخبرنا بمدة كهفهم، ثم قال: الله أعلم بما لبثوا، وقد علمنا ذلك بما أعلمنا. الجواب: أنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فأعلمنا الله أنهم لبثوا ثلاثمائة فقالوا: سنين وشهورا وأياما؟ فأنزل الله سنين ثم قال: " ازدادوا تسعا " وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين. وسألوا عن قوله: " يا أخت هارون ما كان أبوك امرء سوء " ولم تكن لمريم أخ يقال له هارون. الجواب أنه لم يرد بهذا اخوة النسب، بل أراد ما يشبه هارون في الصلاح وكان في بني إسرائيل رجل صالح يقال له: هارون، وقد يقول الرجل لغيره: يا أخي، ولا يريد به اخوة النسب، ويقال: هذا الشئ أخو هذا الشئ، إذا كان مشاكلا له، وقال تعالى: " وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها " . وقالوا: كيف يكون هذا النظم بالوصف الذي ذكرتم في البلاغة النهاية، وقد وجد التكرار من ألفاظه كقوله: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " ونحوه من تكرير القصص. الجواب أن التكرير على وجوه: منها ما يوجد في اللفظ دون المعنى، كقولهم أطعني ولا تعصني، ومنها ما يوجد فيهما معا كقولهم عجل عجل أي سرا وعلانية وتالله والله أي في الماضي والمستقبل، وقد يقع كل ذلك لتأكيد المعنى والمبالغة فيه، ويقع مرة لتزيين النظم وحسنه، والحاجة إلى استعمال كليهما، والمستعمل للايجاز والحذف ربما عمي على السامع، وإنما ذم أهل البلاغة التكرير الواقع في الألفاظ إذا وجدوه فضلا من القول من غير فائدة في التأكيد لمعنى، أو لتزيين لفظ ونظم، وإذا وجد كذلك كان هذرا ولغوا، فأما إذا أفاد فائدة في كل من النوعين، كان من أفضل اللواحق للكلام المنظوم، ولم يسم تكريرا على الذم وتكرير اللفظ لتزيين النظم أمر لا يدفعه عارف بالبلاغة، وهو موجود في أشعارهم. ولنذكر الفرق بين الحيل والمعجزات، وهو يتوقف على ذكر الحيل و أسبابها وآلاتها، وكيفية التوصل إلى استعمالها، وذكر وجه إعجاز المعجزات. اعلم أن الحيل هي أن صاحب الحيلة يري الامر في الظاهر على وجه لا يكون عليه، ويخفي وجه الحيلة فيه نحو عجل السامري الذي جعل فيه خروقا تدخل فيها الريح، فيسمع منه صوت، ومنها مخرقة الشعبذة نحو أن يري الناظر ذبح الحيوان بخفة حركاته ولا يذبحه في الحقيقة، ثم يري من بعد أنه أحياه بعد الذبح. وهذا الجنس من الحيل هو السحر، وليست معجزات الأنبياء والأوصياء عليهم السلام من هذا القبيل، بل ما يأتون بها من المعجزات فإنها تكون على ما يأتون به، والعقلاء يعلمون أكثرها باضطرار أنها كذلك، لا يشكون فيه وأنه ليس فيه وجه حيلة نحو قلب العصا حية وإحياء الميت، وكلام الجماد والحيوانات من السباع والبهائم والطيور على الاستمرار في أشياء مختلفة، والاخبار عن الغيب، والاتيان بخرق العادة، ونحو القرآن في بلاغته والصرفة فإنه يعلم كونه معجزا أكثر الناس باستدلال، ولهذا قال تعالى في قوم فرعون وما رأوه من معجزات موسى عليه السلام: " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما " . فان قيل: بما أنكرتم أن يكون في الأدوية ما إذا مس به ميت حيي وعاش وإذا جعل في عصا ونحوها صارت حية، وإذا سقي حيوانا تكلم، وإذا شربه الانسان صار بليغا، بحيث يتمكن من مثل بلاغة القرآن. قلنا: ليس يخلو إما أن يكون للناس طريق إلى معرفة ذلك الدواء أو لا يكون لهم طريق إلى معرفته، فإن كان لهم إليه طريق لزم أن يكون الظفر به ممكنا، وكانوا يعارضون به ولا يكون معجزا، وإن لم يمكن الظفر به، لزم أن يكون الظفر به معجزا لأنه يعلم أنه ما ظفر به إلا بأن الله أطلعه عليه، فعلم بذلك صدقه، ثم يعلم من بعد بخبره أن ذلك ليس من قبله، نحو القرآن، بل هو منه تعالى أنزله عليه. وكذلك هذا في الدواء الذي جوزه السايل في إحياء الموتى، لا يخلو إما أن لا يمكن الظفر به أو يمكن، فعلى الأول يلزم أن يكون الظفر به معجزا للنبي أو الوصي، لأنه يعلم أنه ما ظفر به إلا بأن أطلعه الله عليه، فيعلم بذلك صدقه، وإن أمكن الظفر به، وهو الوجه الثاني، فالواجب أن يسهل الاحياء لكل أحد، والمعلوم خلافه. ثم اعلم أن الحيل والسحر وخفة اليد كلها وجوه متى فتش عنها الانسان يقف على تلك الوجوه، ولهذا يصح فيها التتلمذ والتعلم، ولا يختص به واحد دون آخر، مثاله أنهم يأخذون البيض، ويضعونه في الخل، ويتركونه فيه يومين وثلاثة حتى يصير قشره الفوقاني لينا بحيث يمكن أن يطول فإذا صار طويلا بمده كذلك، يطرح في قارورة ضيقة الرأس، فإذا صار فيها يصب فيها الماء البارد حتى يصير البيض مدورا كما كان، ويذهب ذلك اللين من قشره الفوقاني بذلك بعد ساعات، ويشتد بحيث ينكسر انكساره أو لا فيظن الغفلة أن المعجز مثله وهو حيلة. ونحو ذلك ما ألقى سحرة فرعون من حبالهم وعصيهم تخيل الناظر أنها تسعى، احتالوا في تحريك العصا والحبال بما جعلوا فيها من الزيبق، فلما طلعت الشمس عليها، تحركات بحرارة الشمس، وغير ذلك من أنواع الحيل، وأنواع التمويه والتلبيس وخيل إلى الناس أنها تتحرك كما تتحرك الحية، وإنما سحروا أعين الناس لأنهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته، وخفي ذلك عليهم لبعده منهم، فإنهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم. وفي هذه دلالة على أن السحر لا حقيقة له، لأنها لو صارت حيات حقيقة لم يقل الله تعالى " سحروا أعين الناس " بل كان يقول: فلما ألقوها صارت حيات ثم قال تعالى: " وأو حينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون " أي ألقاها فصارت ثعبانا فإذا هي تبتلع ما يأفكون فيه من الحبال والعصى، وإنما ظهر ذلك للسحرة على الفور، لأنهم لما رأوا تلك الآيات والمعجزات في العصا علموا أنه أمر سماوي لا يقدر عليه غير الله، فمنها قلب العصا حية ومنها أكلها حبالهم وعصيهم مع كثرتها، ومنها فناء حبالهم وعصيهم في بطنها إما بالتفرق أو الخسف، وإما بالفناء عند من جوزه، ومنها عودها عصا كما كانت من غير زيادة ولا نقصان، وكل عاقل يعلم أن مثل هذه الأمور لا تدخل تحت مقدور البشر، فاعترفوا كلهم، واعترف كثير من الناس معهم بالتوحيد، وبالنبوة، وصار إسلامهم حجة على فرعون وقومه. وأما معجزات الأنبياء والأوصياء عليهم السلام فان أعداء الدين كانوا يعتنون بالتفتيش عنها، فلم يعثروا على وجه حيلة فيها، ولذلك كل من سعى في تفتيش عوارهم وتكذيبهم يفتش عن دلالتهم أهي شبهات أم لا؟ فلم يوقف منها على مكر وخديعة منهم عليهم السلام، ولا في شئ من ذلك، ألا ترى أن سحرة فرعون كانت همهم أشد في تفتيش معجزة موسى، فصاروا هم أعلم الناس بأن ما جاء به موسى عليه السلام ليس بسحر، وهم كانوا أحذق أهل الأرض بالسحر، وآمنوا وقالوا لفرعون: " وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين " فقتلهم فرعون، وهم يقولون " لا ضير إنا إلى ربنا لمنقلبون " وقيل: إن فرعون لم يصل إليهم وعصمهم الله تعالى منه. وأما القمر الذي أطلعه المعروف بالمقنع فإنه ليس بأمر خارق للعادة وإنما هو إجراء عين من العيون التي تنبع في الجبال في ذلك الموضع، متى كانت الشمس في برج الثور، والجوزاء سامتت تلك العين، انعكس فيها الشعاع إلى الجو، وهناك تكثر الأبخرة في الحر، وتتراكم وتتكاثف، فيركد الشعاع الذي انعكس من العين فيها، فيرى إلى الناس صورة القمر، وعلى هذا لما طمت تلك العين فسد ما فعله المقنع، وقد عثر على ذلك واطلع، وكل من اطلع على ذلك الوقت وأنفق المال وأتعب الفكر فيه أمكنه أن يطلع مثل ما أطلعه المقنع إلا أن الناس يرغبون عن إنفاق المال وإتيان الفكر فيما يجري هذا المجرى، سيما وإن تم لهم نسبوه إلى الشعوذة. وأما الطلسمات فان في الناس من يسمي الحيل الباقية بها، وذلك مجاز واستعارة وإلا فالطلسمات هي التي ظاهرها وباطنها سواء، ولا يظهر فيها وجه حيلة، كما كان على المنارة الإسكندرية وكما روي أن الله تعالى بفضله أمر نبيا من الأنبياء المتقدمين أن يأخذ طيرا من نحاس أو شبه ويجعله على رأس منارة كانت في تلك الولاية، ولم يكن فيها شجر الزيتون، وكان أهلها محتاجين إلى دهن الزيت للمأدوم وغيره، فإذا كان عند إدراك الزيتون بالشامات خلق الله صوتا في ذلك الطير فيذهب ذلك الصوت في الهواء فيجتمع إلى ذلك ألوف ألوف من أجناسه فغفل المراقبون ليلة عن مراقبتها، واستولى عليها الإفرنج فغرقوها في الماء. في منقار كل واحد زيتونة، فيطرحها على ذلك الطير، فيمتلئ حوالي المنارة من الزيتون إلى رأسها، وكان ذلك الطير غير مجوف، فلا يدعى أنها من الحيل التي يأخذها الناس لصندوق الساعة ونحوها ولا يسمع لذلك الطير صوت إلا عند إدراك الزيتون في السنة وكان أهلوها ينتفعون به طول السنة بذلك، فهي عندنا من معجزات باقية للأنبياء الماضين، والأوصياء المتقدمين، ولهذا لم يظهر طلسم بعد محمد صلى الله عليه وآله وحان قصور أيدي الأئمة عليهم السلام. وأما الزراقون الذين يتفق لهم من الإصابة على غير أصل كالشغراني فإنه كان ذكيا حاضر الجواب، فطنا بالزرق، معروفا به كثير الإصابة فيما يخرصه من الإصابة، حتى قال المنجمون: إن مولده وما يتولاه كواكبه اقتضى له ذلك وذلك باطل، لأنه لو كانت الإصابة بالمواليد، لكان النظر في علم النجوم عبثا لا يحتاج إليه لان المولد إذا اقتضى الإصابة أو الخطاء، فالتعلم لا ينفع، وتركه لا يضر وهذه علة تسري إلى كل صنعة، حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق وصانع حاذق وناسج للديباج موفق لا علم له بذلك، وإنما اتفقت له الصنعة بغير علم لما يقتضيه كواكب مولده، وما يلزم من الجهالة على هذا لا يحصى. ثم اعلم أن النبي صلى الله عليه وآله كان يذكر أخبار الأولين والآخرين، من ابتداء خلق الدنيا إلى انتهائها، وأمر الجنة والنار، وذكر ما فيهما على الوجه الذي صدقه عليه أهل الكتاب، وكان لم يتعلم، ولم يقعد عند حبر، ولم يقرء الكتب، فإذا كان كذلك، فقد بان اختصاصه بمعجزة، لان ما أتى به من هذه الأخبار لا على الوجه المعتاد في معرفتها، من تلقيها من ألسنة الناطقين، لا يكون إلا بدلالة تكون علما على صدقه. وما أخبر به عن الغيوب التي تكون على التفصيل لا على الاجمال كقوله " لتدخلن المسجد الحرام إنشاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون " وكان كما أخبر به ولم يكن عليه وآله السلام صاحب تقويم وحساب واصطرلاب، ومعرفة بطالع نجم وزيج، وكان ينكر على المنجمين، فيقول: من أتى عرافا أو كاهنا فآمن بما قال فقد كفر بما انزل على محمد، وقد علمنا أن الاخبار عن الغيوب على التفصيل من حيث لا يقع فيه خلاف بقليل ولا بكثير، من غير استعانة على ذلك بآلة أو حساب أو تقويم كوكب طالع، أو على التنجيم الذي يخطئ مرة ويصيب مرة لا يمكن إلا من ذي معجزة مخصوصة، قد خصه الله تعالى بالهام من عنده أو أمر يكون ناقضا للعادة الجارية في معرفة مثلها، إظهارا لصدق من يظهرها عليه وعلامة له. واعلم أنه قد تضمن القرآن والأحاديث الصحيحة الاخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، فأما الماضية فكان لاخبار عن أقاصيص الأولين والآخرين من غير تعلم من الكتب المتقدمة، على ما ذكرنا. وأما المستقبلة فكالاخبار عما يكون من الكاينات، وكان كما أخبر عنها على الوجه الذي أخبر عنها على التفصيل، من غير تعلق بما يستعان به على ذلك، من تلقين ملقن وإرشاد مرشد، أو حكم بتقويم أو رجوع إلى حساب كالكسوف والخسوف ومن غير اعتماد على إصطرلاب وطالع وذلك قوله تعالى: " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " وكقوله " من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " [2] وكقوله " سيهزم الجمع ويولون الدبر " وكقوله " لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " وكقوله " فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا " وكقوله " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها " إلى قوله " قد أحاط الله بها " ونحو ذلك من الآيات وكان كلها كما قال. والأحاديث المعجزة أيضا كثيرة لا يتفق أمثالها - على كثرتها مع ما فيها من تفصيل الأحكام المفصلة - عن المنجمين، فتقع كلها صدقا، فيعلم أن ذلك بالهام ملهم الغيوب، يعرف له حقائق الأمور. ووجه آخر وهو ما في القرآن والأحاديث من الاخبار عن الضماير كقوله " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا " من غير أن ظهر منهم قول أو فعل بخلاف ذلك وكقوله " وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم " من غير أن يسمعه منهم ولا ينكرونه، وكقوله " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم " يخبرهم بما يريدون في أنفسهم وما يهمون به، وكعرضه تمني الموت على اليهود في قوله " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " وقوله " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " [2] فعرفوا صدقه فلم يجسر أحدهم أن يتمنى الموت لأنه قال لهم " إن تمنيتم الموت متم " فدل جميع ذلك على صدقه باخباره عن الضمائر، وكذا ما ذكرناه من معجزات الأوصياء، فدل على صدقهم وكونهم حججا لله. فان قيل: فما الدليل على أن أسباب الحيل مفقودة في أخباركم حتى حكمتم بصحة كونها معجزة؟ قلنا: كثير من تلك المعجزات لا يمكن فيها الحيل مثل انشقاق القمر، وحديث الاستسقاء، وإطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير، وخروج الماء من بين الأصابع والاخبار بالغائبات قبل كونها، ومجيئ الشجرة ثم رجوعها إلى مكانها، لا تتم الحيلة فيها، وإنما تتم الحيلة في الأجسام الطفيفة التي يحدث بالتطفل والقسر وغير ذلك، ولا يتم مثله في الشجرة والجبل، لأنه لو كان لوجب أن يشاهد. فان قيل: يجوز أن يكون هيهنا جسم يجذب الشجرة كما أن هيهنا حجرا يجذب الحديد يسمى المقناطيس. قلنا: لو كان الامر كذلك لعثر عليه، ولظفر به مع تطاول الزمان، كما عثر على حجر المقناطيس، حتى علمه كل واحد، فلو جاز ما قالوه للزم أن يقال: ها هنا حجر يجذب الكواكب ويقلع الجبال من أماكنها، وإذا قربت من ميت عاش فيؤدى ذلك إلى أن لا نتيقن بشئ أصلا، ويؤدي ذلك إلى الجهالات وكان ينبغي أن يطعن بذلك أعداء الدين ومخالفو الاسلام لأنهم إلى ذلك أشغف وكذلك القول في خروج الماء من بين أصابعه إن ادعى طبيعة فيه أو حيلة لزم تجويز ذلك في قلع الجبال، وجذب الكواكب، وإحياء الموتى، وكل ذلك فاسد، وحنين الجذع لا يمكن أن يدعى أنه كان لتجويف فيه، لأنه لو كان كذلك لعثر عليه مع المشاهدة، ولكان لا يسكن مع الالزام، وتسبيح الحصا وتكليم الذراع لا يمكن فيه حيلة البتة، وفي سماع الكلام من الذراع وجهان أحدهما أن الله بنى الذراع بنية حي صغير، وجعل له آلة النطق والتميز يتكلم بما يسمع، والاخر أن الله خلق فيه كلاما سمع من جهتها وأضافه إلى الذراع مجازا. وقول من قال: لو انشق القمر لرآه كل الناس، لا يلزم، لأنه لا يمتنع أن يكون الناس في تلك الحال مشاغيل، فإنه كان بالليل، فلم يتفق لهم مراعاة ذلك، فإنه بقي ساعة ثم التأم، وأيضا فإنه لا يمتنع أن يكون الغيم حال بينه وبين من لم يشاهده، فلأجل ذلك لم يره الكل، وأكثر معجزات الأئمة عليهم السلام تجري مجرى ذلك، فالكلام فيها كالكلام في ذلك. ثم نقول في الفصل بين المعجزة والشعوذة ونحوها: فرق قوم من المسلمين بين المعجزات والمخاريق، بأن قالوا المعجزة يظهرها الله لرسول أو وصي رسول عند الأفاضل من أهل عصره والأماثل منهم، فيتعذر عليهم فعلها عند التأمل لها والنظر فيها على كل حال، والشعوذة يظهرها صاحبها عند الضعفة من العوام والعجايز، فإذا بحث عن أسبابها المبرزون وجدوها مخرقة، والمعجزة على مر الأيام لا تزداد إلا عن ظهور صحه لها ولا تنكشف إلا عن حقيقة فيها. وإن الشعوذة ربما تعلم من يظهر عليه مخرجها وطريقها وكيف يتأتى ويظهر مما يهتدي صاحبها إلى أسبابها، ويعل أن من شاركه فيها أتى بمثل ما يأتي هو به، وإن المعجزة يجري أمرها مجرى ما ظهر في عصا موسى عليه السلام من انقلابها حية تسعى حتى انقادت إليه السحرة، وخاف موسى أن تلتبس بالشعوذة على كثير من الحاضرين. وإن المعجزة تظهر عند دعاء الرسول أو الوصي ابتداء من غير تكلف آلة وأداة منه والشعوذة مخرقة وخفة يد تظهر على أيدي بعض المحتالين بأسباب مقدرة لها وحيل متعلمة أو موضوعة فيمكن المساواة فيها ولا يتهيأ ذلك إلا لمن عرف مباديها، ولابد من آلات يستعين بها في إتمام ذلك ويتوصل بها إليه. واعلم أن المعجزة أمر يتعذر على كل من في العصر مثله عند التكليف والاجتهاد على المشعبذين فضلا عن غيرهم كعصا موسى الذي أعجز السحرة أمرها مع حذقهم في السحر وصنعتهم، والشعبذة مخرقة وخفة تظهر على أيدي بعض المحتالين بأسباب مقدرة يخفى على قوم دون قوم، والمعجزة تظهر على أيدي من يعرف بالصدق والصيانة والصلاح والسداد، والشعوذة تظهر على أيدي المجانين والخبثاء والأزدال، والمعجزة يظهرها صاحبها متحديا ودلائل العقل يوافقها على سبيل الجملة، ويباهي بها جميع الخلائق، ولا يزيده الأيام إلا وضوحا، ولا يكشف الأوقات إلا عن صحته، وللمعجزات شرائط ذكرناها. ولان أكثر الشعوذة والمخرقة تتعلق بزمان مخصوص ومكان معلوم، ويستعان في فعلها بالأدوات والمعاناة والمعالجة، والمعجزة لا تتعلق بزمان مخصوص، ولا ببقعة مخصوصة، ولا يستعين فيها صاحبها بآلة ولا أداة، وإنما يظهرها الله على يده عند دعائه ودعواه، وهو لم يتكلف في ذلك شيئا، ولا استعان فيها بمعاونة ولا معالجة. ولا أداة وآلة، وأنها على الوجه الناقض للعادات، والباهر للعقول القاهر للنفوس، حتى تذعن لها الرقاب والأعناق، وتخضع لها النفوس، وتسموا إليها القلوب ممن أراد أن يعلم صدق من أظهرها عليه. وأما مطاعن المعجزات وجواباتها: فذكر ابن زكريا المتطبب في مقابلة المعجزات أمورا يسيرة، فذكر ما نقل عن زردشت من صب الصفر المذاب على صدره، ومن بعض سدنة بيت الأوثان أنه كان منحنيا على سيف وقد خرج من ظهره لا يسيل منه دم، بل ماء أصفر، وكان يخبرهم بأمور، قال: ورأيت رجلا كان يتكلم من إبطه، وآخر لم يأكل خمسة وعشرين يوما، وهو مع ذلك حصيف البدن، وأين ما ذكروه من فلق البحر حتى صار كل فرق منه كالطود العظيم، ومن إحياء ميت متقادم العهد، ويبقى حيا حتى يولد، وانفجار الماء الكثير من حجر صغير، أو من بين الأصابع حتى يشرب الخلق الكثير. والذي ذكره ابن زكريا عن زردشت إنما يمكن منه بطلاء الطلق، وهو دواء يمنع من الاحتراق وفي زماننا نسمع أن أناسا يدخلون التنور المسجور بالغضا. وأما إراءة السيف نافذا في البطن شعبذة معروفة فإنهم يصنعونه بحيث يدخل بعضه في البعض، فيري المشعبذ أنه يدخل جوفه. وأما الامساك عن أكل الطعام، فهو عادة يعتادها كثير من الناس، والمتصوفة يعودون أنفسهم التجويع أربعين يوما وقيل: إن بعض الصحابة كان يصوم الوصال خمسة عشر يوما. وأما المتكلم من الإبط فيجوز أن يكون ذلك أصواتا مقطعة قريبة من الحروف وأن يكون حروفا متميزة كأصوات كثير من الطيور، وقد يسمع من صرير الباب ما يقرب من الحروف، وهو مبهم في هذه الحكاية، فيجوز أن يخبر أن ذلك كان كلاما خالصا، ويجوز أن يتعمل الانسان له، ويصل إلى ذلك بالتجربة والاستعمال، وقد رأينا في زماننا من كان يحكي عن الحلاج أغرب وأعجب، وقد وقع العلماء على وجوه الحيل فيها، وما من حيلة إلا ويحصل عقيب سبب، وليس فيها ما تنقض به العادة. وطعن ابن زكريا في المعجزات من وجه آخر فقال: وقد يوجد في طبائع الأشياء أعاجيب، وذكر حجر المقناطيس وجذبه للحديد، وباغض الخل وهو حجر إذا جعل في إناء خل فإنه يهرب منه، ولا ينزل إلى الخل، والزمرد يسيل عين الأفعى، والسمكة الرعادة يرتعد صاحبها ما دامت في شبكته وكان آخذا بخيط الشبكة قال: ولا نقطع أيضا فيما يأتي به الدعاة أنها ليست منهم، بل تنقض الطبائع، إلا أن يدعي مدع أنه أحاط علما بجميع طبائع جواهر العالم أو بامتناع ذلك بدليل بين. وذكر أبو إسحاق ابن عباس أنه أخذ هذا على ابن الراوندي فإنه قال في كتاب له سماه: الرد على من يحتج بصحة النبوة بالمعجزات، فقال: ومن أين لكم أن الخلق يعجزون عنه، هل شاهدتم الخلق؟ أو أحطتم علما بمنتهى قواهم وحيلهم؟ فان قالوا: نعم، فقد كذبوا، لأنهم لم يجوبوا المشرق والمغرب، ولا امتحنوا الناس جميعا، ثم ذكر أفعال الأحجار كحجر المقناطيس وغيره. قال أبو إسحاق: فأجابه أبو علي في نقضه عليه أنه يجوز أن يكون في الطبائع ما يجذب به النجوم، وتسير به الجبال في الهواء، ويحيى به الموتى، بعد ما صاروا رميما، فإذا لا يمكن أن يفصل بين الممكن المعتاد، وما ليس بمعتاد، ولا بين ما ينفذ فيه حيلة وبين ما لا ينفذ فيه حيلة، إلا أن يجوب البلاد شقا وغربا ويعرف جميع قوى الخلق، فأما إذا سلم أن يعلم ما الممكن المعتاد وغيره وما لا يبعد فيه حيلة، ليريه النظير في المعجزات قبل أن يجوب البلاد، فليس يحتاج من يعرف كون الجاذب معجزا إلى ما ذكره من معرفة قوى الخلق وطبائع الجواهر، ولهذا لو ادعى واحد النبوة وجذب بالتراب الجبل علمنا أنه ليس فيه وجه حيلة، وإنا نعلم بذلك صدقه، قبل أن نجوب البلاد ونعرف جميع الطبائع. وقال أبو إسحاق: إن جميع ما ذكره في خصائص الاعجاز أكثره كذب وذكر أن واحد أمر أن يجيئ بالأفاعي في سبد وجعل الزمرد في رأس قصبة ووجه به عين الأفاعي، فلم تسل، ثم إن جميع ما ذكره يسقط بما شرطناه في المعجزات، ويفتش عنه أهل النظر، ومن يقوى دواعيه إلى كشف عواره الزمان الطويل، فلا يوقف منه على وجه حيلة، ففيما ذكره ما هو معتاد ظاهر لأكثر الناس، كحجر المقناطيس، أو وقف منه على وجهه. فصل: وإنما يقول المنكرون لمعجزات النبي والأئمة عليهم أفضل الصلوات والتحية: إن الاخبار التي يذكرون والأحاديث التي يعولون عليها في معجزاتهم ويصولون بها، إنما رواها الواحد والاثنان، ومثل ذلك لا يمكن القطع بعينه، والحكم بصحته، وأمر المعجزات والخارج عن العادات يجب أن يكون معلوما متعينا غير مظنون يتوهم. والجواب عن ذلك أن أخبارنا في معجزات النبي والأئمة صلوات الله عليهم جاءت من طرق مختلفة، ومواضع مفترقة، ومظان متباعدة، وفرق مخالفة وموافقه، في زمان بعد زمان، وقرن بعد قرن، وكذلك رويت المعجزات من جنس واحد من كل واحد منهم عليهم السلام ولا يمكن أن يتواطأ الناس على مثل هذا فلا يكون مخبر هم على ما أخبروا به جميعا، لان ذلك ينقض عادتهم، كما نقض العادة الاجتماع على الكذب في الجماعات الكثيرة. ومما يدل على ذلك إباؤها من تواطئ الكذب، كما إذا أخبر جمهور من الناس، فقال بعضهم: إن رجلا له مال من ذهب وورق، وآخرون يخبرون عنه أنهم رأوا له أثاثا وجهازا وأواني وآلات وأسبابا، وقوم آخرون أن له غلات وارتفاعات وضياعا وعقارا، وآخرون يخبرون عنه أنهم رأوا له خيلا وبغالا وحميرا، إن الخبر إذا ورد عن الانسان بما ذكرنا أحيط إلى العلم بأن المخبر عنه غني موسر، لا يقدر أحد على دفع علم ذلك عن نفسه، إذا نظر بعين الانصاف في تلك الأخبار وإن كان يجوز على كل واحد من المخبرين اللغط والكذب في خبره لو انفرد من عصابة غيره ثم إن إجماع الفرقة المحقة منعقد على صحة أخبار معجزات الرسول والأئمة من أهل بيته عليهم السلام وإجماعهم حجة لان فيهم معصوما. فصل: ومن أخبار المعجزات أخبار تفاوت أخبار الجماعات الكثيرة نحو خبر الحصاة وإشباع الخلق الكثير بالطعام اليسير، وذلك أن المخبرين بهذه الاخبار إنما أخبروا عن حضرة جماعة ادعوا حضورهم كذلك، فقد كانوا خلائق كثيرين مجتمعين، شاهدي الحال، وكانوا فيمن شرب من الماء، وأكل من الطعام، فلم ينكروا عليهم، ولو كان الخبر كذبا لمنعت الجماعة التي ادعى المخبرون حضورهم بذلك، وأنكروا عليهم، ولقالوا لم يكن هذا، ولا شاهدناه، فلما سكتوا عن ذلك دل على تصديقهم، وأن ذلك يجري مجرى المتواتر نقلا في الصحة والقطع. ومما يدل على ذلك أن رجلا لو عمد إلى الجامع، والناس مجتمعون وقال: إنكم كنتم في موضع كذا، في دار كذا، لاملاك فلان، فأطعمكم كذا من الطعام، وكذا من الشراب، لم يمتنعوا أن ينكروا عليه، ولا سكتوا عن تكذيبه في الامر الذي لا يمتنع في العادة. فكيف في الامر الذي خرج عن العادات والنفوس إلى إنكار المنكر أسرع. ومن هذه الأخبار أخبار انتشرت في الأمة، ولم يوجد له منكر ولا مكذب بل تلقوه بالقبول، فيجب المصير إليه، لاجتماع عليه من الامناء والطايفة المحقة وهم لا يجتمعون على خطأ، وفيهم معصوم في كل زمان. وما رووا أن زوجين من الطير جادلا إلى أحدهم عليهما السلام وصالح بينهما، أو شكا طير من حية في موضع يأكل فراخه فأمر بقتل الحية، فلا خفاء في كونه معجزا فأما ما سئل الحسين عليه السلام وهو صبي عن أصوات الطيور والحيوانات، فاعجازه من وجه آخر، ونحوه قول عيسى في المهد: " إني عبد الله " وكلاهما نقض العادة إذ ليس في مقدور الأطفال التكلم بما يتكلم به، وقيل: إن نفس الدعوى في بعض المواضع معجز. فصل: والاخبار المواترة توجب العلم على الاطلاق، وكذلك إذا كانت غير متواترة، وقد اقترن بها قرينة من أحد خمسة أشياء من أدلة العقل والكتاب والسنة المقطوع بها، أو إجماع المسلمين، أو إجماع الطائفة، فهذه القرائن تدخل الاخبار وإن كانت آحادا في باب المعلوم، فيكون ملحقة بالمتواتر، والعلوم التي تحصل عند الأخبار المتواترة لكل عاقل ملتبسة عند الشيخ المفيد. وذهب المرتضى إلى تقسيم ذلك، فقال: العلوم بأخبار البلدان والوقايع ونحوها يجوز أن تكون ضرورية ويجوز أن تكون ملتبسة، وما عداها كالعلم بمعجزات النبي والأئمة عليهم السلام وكثير من أحكام الشريعة، فيقطع على أنه مستدل عليه، وهذا أصح. والأدلة في أن الأول فعل الله أو فعل العباد قائمة كافية، وإذا كان كذلك وجب التوقف، وتجويز كل واحد منهما. والخبر إذا لم يكن ما يجب وقوع العلم عنده، واشتراك العقلاء فيه، وجاز وقوع الشبهة عليه، فهو أيضا صحيح على وجه، وهو أن يرويه جماعة قد بلغت من الكثرة إلى حد لا يصح معه أن يتفق فيها، وأن يعلم مضافا إلى ذلك أنه لم يجمعهم على الكذب جامع كالتواطئ أو ما يقوم مقامه، ويعلم أيضا أن اللبس والشبهة زائلان عما خبروا عنه. هذا إذا كانت الجماعة تخبر بلا واسطة عن المخبر، فإن كان بينهما واسطة وجب اعتبار هذه الشروط في جميع من خبرت عنه من الجماعات حتى يقع الانتهاء إلى نفس المخبر، وإذا صحت هذه الجملة في صحة الخبر الذي لابد أن يكون المخبر صادقا من طريق الاستدلال بنينا عليها صحة المعجزات وغيرها من أحكام الشرع. فصل: وقد ذكرنا من قبل أنهم كثيرا ما يوردون السؤال علينا، ويقولون: قد جاء في العالم حجر يجذب الحديد إلى نفسه، فلم يجب اتباع من يجذب الشجر إلى نفسه، كذلك، إذ لا نأمن أن يكون معه شئ مما يفعل به ذلك، ويؤكدون قولهم بأن المقرين لمعجزات الرسل لم يمتحنوا قوى الخلق، ولم يعرفوا نهايته ولم يقعوا على طبائع العالم، وكيف يستعان بها على الافعال، ولم يحيطوا علما بأكثرهم، ولم يأتهم في مظانهم، ولا امتحنوا قواهم، ومبالغ حيلهم، ومخرقة أصحاب الخفة، وأشكالهم. الجواب عنه أن يقال: قد لزم النفس العلم لزوما لا يقدر على دفعه، بأن ما ذكروا ليس في العالم، كما لزمها العلم بأن ليس في العالم حجر إدا أمسكه الانسان عاش أبدا، وإذا وضعه على الموات عاد حيوانا، وإذا وضعه على العين العميا عادت صحيحة، ولا فيه ما يرد الرجل المقطوعة، ولا ما به يزال الزمانة الحالة، ولا فيه شئ يجتذب به الشمس والقمر من أماكنهما. فلما لزم النفس على ما ذكرنا كذلك لزوم العلم للنفس بأن ليس في العالم حجر يجذب الشجر من أماكنها، ويشق به البحور، ويحيى به الأموات. وأيضا فان حجر المقناطيس لما كان موجودا في العالم، طلب دون الحاجة إليه حتى بدروا عليه، لما فيه من الأعجوبة وخاصة لا رادة التلبث به، واستخراج نصل السهم من البدن بذلك، فلو كان فيه حجر أو شئ يجذب الشجر، فإنه كان أعز من حجر المقناطيس، وكان سبيله سبيل الجواهر وغيرها، لا يخفى على من في العالم خبرها. كالجوهر الذي يقال له: الكبريت الأحمر، ولعزته ضرب به المثل فقيل: أعز من الكبريت الأحمر، وكانت الملوك أقدر على هذا الحجر، كما هم أقدر على ما عز من الأدوية وغيرها من الأشياء العزيزة، فلما لم يكن من هذا أثر عندهم ولا خبر لكونه، بطل أن يكون له كون أو وجود، ولو كان، كيف كان الرسل وأوصياؤهم عليه، مع فقرهم وعجزهم في الدنيا وما فيها، ويكون معروف المنشأ ولم يغب عنهم طويلا. فصل: ثم إن النبي صلى الله عليه وآله لما دعا الشجرة، وكذا وصي من أوصيائه، ردها إلى مكانها، فان جذبها شئ وردها لا شئ، كان ردها آية عظيمة، وإن كان شئ كان معه فذلك محال، من قبل أن ذلك الشئ يضاد ما جذبها، فإذا كان الجذب به فامساكها وردها لم يجب أن يكون به، أو معه فلا يرده، لأنه يوجب أن تكون مقبلة مدبرة، وذلك محال. ولان الحجر لو كان فيه ما ذكروا، لكان فيه آية له، لأنه ليس في العالم مثله، فهو خارج عن العرف كخروج مجئ الشجرة بدعائه، وقد أنبع الله لموسى من الحجر الماء فانبجست من الحجر اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين، والحجارة يتفجر منها الأنهار، فلما كان حجر موسى خارجا عن عادات الناس، كان دليلا على نبوته، وليس في الحجر ما يمكن به نقل الجبال والمدن. وأما قولهم إن المقرين بمعجزات الرسل لم يمتحنوا قوى الخلق إلى آخر الكلام، إنه يقال لهم: ولم يمتحن أحد من الجاحدين للرسل طبايع العالم ولا عرفوا ما فيه فيعلموا أن جميع حيوانه يموت لعل حيوانا لا يموت، يبقى على الدهر أبدا لا يتغير، ولعل في العالم نارا لا تحرق إذا لو كان لم يمتحن قوى العالم ولا أحاط علمنا بخواصه وسرائره، لزمه قلب أكثر الحقائق وبطلانها.
الهوامش55
[1]رجال الكشي: 414.ص 121
[2]راجع ج 17 ص 159 - 225 من هذه الطبعة الحديثة.ص 121
[1]الصنبور - كعصفور - النخلة المنفردة من النخيل، والتي دقت من أسفلها وانجرد كربها وقل حملها، ثم كنى به عن الرجل الضعيف الذليل بلا أهل ولا عقب ولا ناصر.ص 122
[١]مختار الخرائج ص ٢٦٧ - ٢٦٨، وما بعده لم يطبع إلى قوله وأما وجه اعجاز القرآن وقد صححه المؤلف العلامة بخط يده في نسخة الأصل وضرب على بعض جملاتها.ص 125
[1]أي الا بأن نقول بالبخت والاتفاق.ص 126
[١]يوسف: ١٠٢.ص 127
[١]النساء: ٨٢.ص 129
[1]هو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة بن الحصن بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل يكنى أبا بصير خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يريد الاسلام فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه:ص 131
[1]هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أحد شعراء المخضرمين وهو من أشراف الشعراء المجيدين الفرسان القراء المعمرين، يقال إنه عاش 145 سنة، 90 سنة في الجاهلية وبقيتها في الاسلام قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله في وفد بنى كلاب بعد وفاة أخيه أربد وعامر بن الطفيل فأسلم وهاجر وحسن اسلامه، ونزل الكوفة أيام عمر بن الخطاب فأقام بها ومات في آخر خلافة معاوية.ص 132
[١]أسرى: ٨٨.ص 135
[٢]البقرة: ٢٣.ص 135
[١]الحجرات: ١١.ص 141
[١]الكهف: ١٠١.ص 142
[٢]الحج: ٤٦.ص 142
[٣]الانعام: ٢٥.ص 142
[٤]مريم: ٩٦.ص 142
[٥]الطور: ٤١، القلم: 47.ص 142
[١]ومثله قوله الاخر على ما استشهد به الجوهري في الصحاح ص ٢٠٨:ص 143
[٣]الحجر: ٨٩ ٩١.ص 143
[٤]الأنفال: ٤ و ٥.ص 143
[٥]البقرة: ١٥٠ و ١٥١.ص 143
[٦]فصلت: ١٣.ص 143
[١]براءة: ٣٠.ص 144
[٢]الصافات: ١٤٥.ص 144
[٣]القلم: ٤٩.ص 144
[١]القلم: ٥٠.ص 145
[٢]الانعام: ٧٤.ص 145
[٣]بل أبا عمارة.ص 145
[٤]الكهف: ٢٥.ص 145
[٥]مريم: ٢٨.ص 145
[١]الزخرف: ٤٨.ص 146
[١]النمل: ١٤.ص 147
[١]الأعراف: ١١٥ - ١١٧.ص 148
[٢]الأعراف: ١١٥ - 117.ص 148
[١]الأعراف: ١٢٦.ص 149
[٢]الشعراء: ٥٠.ص 149
[٣]قيل اسمه حكيم، وقيل حكيم بن عطا، كان في بدو أمره قصارا من أهل مرو وكان يعرف شيئا من السحر والنيرنجات، ولقب بالمقنع لأنه قد عمل وجها من ذهب وركبه على وجهه لئلا يرى وجهه الدميم وعينه العوراء، وهذا القمر الذي عمله كان بنخشب ولذا يعرف بقمر نخشب و " ماه نخشب " ونخشب قرية بتركستان.ص 149
[١]كان إسكندر المقدوني بنى منارة رفيعة على ساحل البحر مما يلي الإفرنج فتعبأ باهتمام أرسطو طاليس على أرسها مرآة عظيمة مجلوة محدبة ينعكس فيها ما يقابلها حتى أميال فإذا أراد بعض الأعداء أن يهجم على بلدانهم من هذا الباب، عاينهم المراقبون فأخبروا أميرهم، فاستعدوا، قيل: كان يجلس الجالس تحتها فيبصر من بالقسطنطينية، وبينهما عرض البحر.ص 150
[٢]شبه: محركة ويقال شبق حجر شديد السواد والبريق، وهو في اللين والخفة كالكهرباء. إذا جعل في النار احترق كالحطب ويستشم منه رائحة النفط وقد يصنع منه فص الخاتم وأمثاله.ص 150
[٣]مرار جعيانوس الموسيقار بفلاة فاجتاز على فرخ برصلة - ولعلها السودانية أو السودانة، ويقال لها عند الفرس: " دارنمك " وعند الجيل " داركوب " يصفر صفيرا حزينا بخلاف صفير سائر البراصل، فكانت البراصل تجيئه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده فيأكل بعضها ويفضل بعضها، فتأمل حاله وعلم أن في صفيره ضربا من التوجع والاستعطاف والاستغاثة فتلطف وعمل آلة تشبه الصفارة، إذا هبت الريح أدت ذلك الصفير، فرأى أن البراصل جاءته بالزيتون كما كانت تجئ الفرخ فأخذ صورة من زجاج مجوف - وقيل من نحاس اصفر على هيئة البرصلة، وعمد إلى هيكل أورشليم ونصبها إلى فوق الهيكل. وجعل فوق تلك الصورة قبة تحفظها، وأمرهم بفتحها في أول آب - وآب من الشهور التي كان يدرك فيها الزيتون وأول ليلة منها ليلة دفن اسطرخس الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل - فكلما فتحوا القبة، وهبت الريح صفرت تلك البرصلة المصنوعة، والبراصل - السودانية - تجئ كل واحد منها بزيتونة أو ثلاث زيتونات زيتونتين برجليها وزيتونة بمنقارها فتطرحها عند الصورة، زعما منها أنها برصلة مستغيثة مستعطفة حتى تمتلئ القبة كل يوم من الزيتون والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذاك المدفون، راجع تفسير الرازي ج ١ ص ٦٤٥ في قصة هاروت وماروت، الدر المنثور ج ٣ ص ٩٧.ص 150
[١]صندوق الساعة، على أنواع، منها أن يدق الصندوق عند كل ربع وعند كل ساعة بدقات معينة، أو يخرج عند كل ساعة فارس في يده بوق يضرب به من غير أن يمسه أحد، وقد عاد في زماننا هذا من بديهيات الصنايع.ص 151
[٢]الزراق: الذي يخبر عن المغيبات رجما بالغيب من دون اعمال فكر وتعلم علم والشغراني رجل كان يعيش في عهد السيد المرتضى علم الهدى وقد شاهد عنه بعض اصاباته وله ذكر في أجوبته للمسائل السلارية قال فيها عندما يذكر اصاباته: أنه قال لأحدهم: وأنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشئ يوصله إليك وفى كمك شئ مما يدل على هذا، وقد انقضت حاجتك وانتجزت، وجذب يده إلى كمه فاستخرج ما فيه فعجبنا مما اتفق من اصابته مع بعده من صناعة النجوم الخ، راجع الكنى والألقاب ج ٢ ص ٣٣٤.ص 151
[١]الفتح: ٢٧.ص 152
[١]براءة: ٣٣.ص 153
[٢]الروم: ١.ص 153
[٣]القمر: ٤٥.ص 153
[٤]أسرى: ٨٨.ص 153
[٥]البقرة: ٢٣.ص 153
[٦]الفتح: ١٩ - ٢١.ص 153
[٧]آل عمران: ١٢٢.ص 153
[٨]المجادلة: ٨.ص 153
[١]الأنفال: ٧.ص 154
[٢]الجمعة: ٦ - 7.ص 154
[1]كانت نسخة المصنف سقيمة فأصلحها بخط يده هكذا، والصحيح كما في المصدر المطبوع ص 273: وان المعجزة ربما لم يعلم من تظهر عليه مخرجها وطريقها وكيف تتأتى وتظهر الشعبدة فيما يهتدى صاحبها إلى أسبابها الخ.ص 155
[1]هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي البغدادي، العالم المقدم المشهور، له مقالة في علم الكلام، وله مجالس ومناظرات مع جماعة من المتكلمين وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتابا، وكان يرمى بالزندقة والالحاد.ص 158