تفسير الإمام العسكري: قوله عز وجل: " فإذا أفضتم من عرفات " إلى قوله: " والله سريع الحساب " قال الإمام عليه السلام: قال الله تعالى للحجاج: " فإذا أفضتم من عرفات " ومضيتم إلى المزدلفة " فاذكروا الله عند المشعر الحرام " بآلائه ونعمائه، والصلاة على محمد سيد أنبيائه، وعلى علي سيد أصفيائه " واذكروا الله كما هديكم " لدينه والايمان برسوله " وإن كنتم من قبله لمن الضالين " عن دينه قبل أن يهديكم إلى دينه " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " ارجعوا من المشعر الحرام من حيث رجع الناس من جمع، والناس ههنا في هذا الموضع الحاج غير الحمس فان الحمس كانوا لا يفيضون من جمع " واستغفروا الله لذنوبكم إن الله غفور رحيم " للتائبين، " فإذا قضيتم مناسككم " التي سنت لكم في حجكم " فإذ كروا الله كذكر كم آباءكم " اذكروا الله بآلائه لديكم وإحسانه إليكم فيما وفقكم له من الايمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله سيد الأنام واعتقاد وصية أخيه علي عليه السلام دين أهل الاسلام " كذكر كم آباءكم " بأفعالهم ومآثرهم التي تذكرونها " أو أشد ذكرا " خيرهم بين ذلك ولم يلزمهم أن يكونوا له أشد ذكرا منهم لآبائهم وإن كانت نعم الله عليهم أكثر و أعظم من نعم آبائهم، ثم قال عز وجل: " فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا " أموالها وخيراتها " وماله في الآخرة من خلاق " نصيب لأنه لا يعمل لها عملا ولا يطلب فيها خيرا " ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة " خيراتها " وفي الآخرة حسنة " من نعم جناتها " وقنا عذاب النار " نجنا من عذاب النار وهم بالله مؤمنون، وبطاعته عاملون، ولمعاصيه مجانبون، أولئك الداعون بهذا الدعاء على هذا الوصف " لهم نصيب مما كسبوا " من ثواب ما كسبوا في الدنيا وفي الآخرة " والله سريع الحساب " لأنه لا يشغله شأن عن شأن، ولا محاسبة أحد من محاسبة آخر فإذا حاسب أحدا فهو في تلك الحال محاسب للكل، يتم حساب الكل بتمام حساب واحد، وهو كقوله " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة " لا يشغله خلق واحد عن خلق آخر، ولا بعث واحد عن بعث آخر . قال علي بن الحسين عليهما السلام وهو واقف بعرفات للزهري: كم تقدر من الناس ههنا؟ قال: أقدر أربعة الف الف وخمسمائة الف كلهم حجاج قصدوا الله بأموالهم ويدعونه بضجيج أصواتهم فقال له: يا زهري ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج! فقال الزهري: كلهم حجاج أفهم قليل؟ فقال: يا زهري ادن إلى وجهك، فأدناه إليه فمسح بيده وجهه ثم قال: انظر فنظر إلى الناس قال الزهري - فرأيت أولئك الخلق كلهم قردة لا أرى فيهم انسانا إلا في كل عشرة ألف واحد من الناس. ثم قال لي: ادن يا زهري، فدنوت منه فمسح بيده وجهي ثم قال: انظر فنظرت إلى الناس قال الزهري: فرأيت أولئك الخلق كلهم خنازير. ثم قال لي: ادن إلي وجهك فأدنيت منه فمسح بيده وجهي فإذا هم كلهم ديبه إلا تلك الخصايص من الناس النفر اليسير فقلت: بأبي وأمي أنت يا ابن رسول الله قد أدهشتني آياتك وحيرتني عجائبك قال: يا زهري ما الحجيج من هؤلاء إلا النفر اليسير الذين رأيتهم بين هذا الخلق الجم الغفير ثم قال لي: امسح يدك على وجهك ففعلت فعاد أولئك الخلق في عيني أناسا كما كانوا أولا. ثم قال لي: من حج ووالى موالينا وهجر معادينا ووطن نفسه على طاعتنا ثم حضر هذا الموقف مسلما إلى الحجر الأسود ما قلده الله من أمانتنا ووفيا بما ألزمه من عهودنا فذلك هو الحاج والباقون هم من قد رأيتهم، يا زهري حدثني أبي، عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ليس الحاج المنافقون المعاندون لمحمد وعلي ومحبيهما الموالون لشانئيهما، وإنما الحاج المؤمنون المخلصون الموالون لمحمد وعلي ومحبيهما المعادون لشانئيهما إن هؤلاء المؤمنين الموالين لنا المعادين لأعدائنا لتسطع أنوارهم في عرصات القيامة على قدر موالاتهم لنا، فمنهم من يسطع نوره مسيرة ثلاث مائة ألف سنة وهو جميع مسافة تلك العرصات، ومنهم من تسطع أنواره إلى مسافاة بين ذلك يزيد بعضها على بعض على قدر مراتبهم في موالاتنا ومعاداة أعدائنا يعرفهم أهل العرصات من المسلمين والكافرين بأنهم الموالون المتولون المتبرؤون يقال لكل واحد منهم: يا ولي الله انظر في هذه العرصات إلى كل من أسدى إليك في الدنيا معروفا أو نفس عنك كربا أو أغاثك إذ كنت ملهوفا أو كف عنك عدوا أو أحسن إليك في معاملة فأنت شفيعة فإن كان من المؤمنين المحقين زيد بشفاعته في نعم الله عليه وإن كان من المقصرين كفي تقصيره بشفاعته وإن كان من الكافرين خفف من عذابه بقدر إحسانه إليه وكأني بشيعتنا هؤلاء يطيرون في تلك العرصات كالبزاة والصقور فينقضون على من أحسن في الدنيا إليهم انقضاض البزاة والصقور على اللحوم تتلقفها وتخطفها فكذلك يلتقطون من شدايد العرصات من كان أحسن إليهم في الدنيا فيرفعونهم إلى جنات .
الهوامش4
[2]سورة البقرة: الآيات 198 إلى 203.ص 257
[3]الحمس: بالضم لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية لتحمسهم في دينهم، أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة لان حجرها أبيض إلى السواد.ص 257
[1]تفسير العسكري ص 256 الطبعة المحشاة بكنز العرفان.ص 258
[1]نفس المصدر ص 257.ص 259