Complete indexed hadith starts here; printed across pages 125-129.
والثاني : أنه لو كان كما ادعوه لكان (ص) ذاكرا به من غير اشتباه في معناه ، لانه قد أحاط علما بأن أحد الشيئين كان دون صاحبه ، ولو كان كذلك لارتفع السهو الذي ادعوه ، وكانت دعواهم باطلة بلا ارتياب ، ولم يكن أيضا معنى لمسألته حين سأل عن قول ذى اليدين ، وهل هو على ما قال
Show clickable narrator chain
أو على غير ما قال؟ لان هذا السؤال يدل على اشتباه الامر عليه فيما ادعاه ذواليدين ، ولا يصح وقوع مثله من متيقن لما كان في الحال. فصل ، ومما يدل على بطلان الحديث أيضا اختلافهم في جبران الصلاة التي ادعوا السهو فيها ، والبناء على ما مضى منها ، والاعادة لها ، فأهل العراق يقولون : إنه أعاد الصلاة لانه تكلم فيها والكلام في الصلاة يوجب الاعادة عندهم ، وأهل الحجاز ومن مال إلى قولهم : يزعمون أنه بنى على ما مضى ولم يعد شيئا ولم يقض ، وسجد لسهوه سجدتين ، ومن تعلق بهذا الحديث من الشيعة يذهب فيه إلى مذهب أهل العراق ، لانه تضمن كلام النبي (ص) في الصلاة عمدا ، والتفاته عن القبلة إلى من خلفه ، وسؤاله عن حقيقة ما جرى ، ولا يختلف فقهاؤهم في أن ذلك يوجب الاعادة : والحديث متضمن أن النبي (ص) بنى على ما مضى ولم يعد ، وهذا الاختلاف الذي ذكرناه في هذا الحديث أدل دليل على بطلانه ، وأوضح حجة في وضعه واختلافه. فصل : على أن الرواية له من طريق الخاصة والعامة كالرواية من الطريقين معا أن النبى (ص) سها في صلاة الفجر وكان قد قرأ في الاولة منهما سورة النجم حتى انتهى إلى قوله : « أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى [١] » فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى * وإن شفاعتهن لترتجى ، ثم نبه على سهوه فخر ساجدا ، [١]النجم : ١٩ و ٢٠. فسجد المسلمون ، وكان سجودهم اقتداء به ، وأما المشركون فكان سجودهم سرورا بدخوله معهم في دينهم ، قالوا : وفي ذلك أنزل الله تعالى : « وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته [١] »يعنون في قراءته ، واستشهدوا على ذلك ببيت من الشعر : تمنى كتاب الله يتلوه قائما وأصبح ظمآنا ومسد قاريا فصل : وليس حديث سهو النبي (ص) في الصلاة أشهر في الفريقين من روايتهم أن يونس 7 ظن أن الله تعالى يعجز عن الظفر به ، ولا يقدر على التضييق عليه ، و تأولوا قوله تعالى : « فظن أن لن نقدر عليه » على ما رووه ، واعتقدوه فيه ، وفي أكثر رواياتهم أن داود (ع) هوى امرأة اوريا بن حنان ، فاحتال في قتله ، ثم نقلها إليه ، ورواياتهم أن يوسف بن يعقوب (ع) هم بالزنا وعزم عليه ، وغير ذلك من أمثاله ، ومن رواياتهم التشبيه لله تعالى بخلقه ، والتجوير له في حكمه ، فيجب على الشيخ الذى سألت أيها الاخ عنه أن يدين الله بكل ما تضمنته هذه الروايات ليخرج بذلك عن الغلو عليما ادعاه ، فإن دان بها خرج عن التوحيد والشرع ، وإن ردها ناقض في اعتداله وإن كان ممن لا يحسن المناقضة لضعف بصيرته والله نسأل التوفيق. فصل : والخبر المروي أيضا في نوم النبي (ص) عن صلاة الصبح من جنس الخبر عن سهوه في الصلاة ، فإنه من أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، ومن عمل عليه فعلى الظن يعتمد في ذلك دون اليقين : وقد سلف قولنا في نظير ذلك ما يغني عن إعادته في هذا الباب ، مع أنه يتضمن خلاف ما عليه عصابة الحق ، لانهم لا يختلفون في أن من فاتته صلاة فريضة فعليه أن يقضيها أي وقت ذكرها من ليل أو نهار ما لم يكن الوقت مضيقا لصلاة فريضة حاضرة ، وإذا حرم أن يؤدي فريضة قد دخل وقتها ليقضي فرضا قد [١]الحج : ٥٢ ، والصحيح كما في المصحف الشريف : من رسول ولا نبى. فاته كان حظر النوافل عليه قبل قضاء ما فاته من الفرض أولى ، هذا مع الرواية عن النبي 9 أنه قال : « لا صلوة لمن عليه صلاة » يريد أنه لا نافلة لمن عليه فريضة. فصل : ولسنا ننكر أن يغلب النوم على الانبياء : في أوقات الصلوات حتى تخرج فيقضوها بعد ذلك وليس عليهم في ذلك عيب ولا نقص ، لانه ليس ينفك بشر من غلبة النوم ولان النائم لا عيب عليه ، وليس كذلك السهو ، لانه نقص عن الكمال في الانسان ، وهو عيب يختص به من اعتراه ، وقد يكون من فعل الساهي تارة كما يكون من فعل غيره ، والنوم لا يكون إلا من فعل الله تعالى ، فليس من مقدور العباد على حالة ، ولو كان من مقدورهم لم يتعلق به نقص وعيب لصاحبه لعمومه جميع البشر ، وليس كذلك السهو ، لانه يمكن التحرز منه ، ولانا وجدنا الحكماء يجتنبون أن يودعوا أموالهم وأسرارهم ذوي السهو والنسيان ولا يمتنعون من إيداعه من تعتريه الامراض والاسقام ، ووجدنا الفقهاء يطرحون ما يرويه ذووا السهو من الحديث إلا أن يشركهم فيه غيرهم من ذوي اليقظة والفطنة والذكاء و الحذاقة ، فعلم فرق ما بين السهو النوم بما ذكرناه ، ولو جاز أن يسهو النبي (ص) في صلاته وهو قدوة فيها حتى يسلم قبل تمامها ، وينصرف عنها قبل إكمالها ، ويشهد الناس ذلك فيه ويحيطوا به علما من جهته لجاز أن يسهو في الصيام حتى يأكل ويشرب نهارا في شهر رمضان بين أصحابه وهم يشاهدونه ، ويستدركون عليه الغلط ، وينبهونه عليه بالتوقيف على ما جناه ، ولجاز أن يجامع النساء في شهر رمضان نهارا ، ولم يؤمن عليه السهو في مثل ذلك إلى وطي ذوات المحارم ساهيا ، ويسهو في الحج حتى يجامع في الاحرام ، ويسعى قبل الطواف ، ولا يحيط علما بكيفية رمي الجمار ، ويتعدى من ذلك إلى السهو في كل أعمال الشريعة حتى ينقلها عن حدودها ، ويضعها في غير أوقاتها ، ويأتي بها على غير حقائقها ، ولم ينكر أن يسهو عن تحريم الخمر فيشربها ناسيا أو يظنها شرابا حلالا ، ثم ينفصل بعد ذلك لما بين عليه من صفتها ، ولم ينكر أن يسهو فيما يخبر به عن نفسه وعن غيره ممن ليس بربه بعد أن يكون منصوبا في الاداء ، ويكون مخصوصا بالاداء ، و تكون العلة في جواز ذلك كله أنها عبادة مشتركة بينه وبين امته ، كما كانت الصلاة عبادة مشتركة بينه وبينهم حسب اعتلال الرجل الذي ذكرت أيها الاخ عنه من إعلاله ، ويكون ذلك أيضا لاعلام الخلق أنه مخلوق ليس بقديم معبود ، وليكون حجة على الغلاة الذين اتخذوه ربا وليكون أيضا سببا لتعليم الخلق أحكام السهو في جميع ما عددناه من الشريعة ، كما كان سببا في تعليم الخلق حكم السهو في الصلاة ، وهذا ما لا يذهب إليه مسلم ولا غال ولا موحد ، ولا يجيزه على التقدير في النبوة ملحد ، وهو لازم لمن حكيت عنه ما حكيت فيما أفتى به من سهو النبي (ص) واعتل به ، ودل على ضعف عقله ، وسوء اختياره ، وفساد تخيله ، وينبغي أن يكون كل [١] من منع السهو على النبي (ص) غاليا خارجا عن حد الاقتصاد ، وكفى بمن صار إلى هذا المقال خزيا. فصل : ثم العجب حكمه بأن سهو النبي (ص) من الله ، وسهو من سواه من امته وكافة البشر من غيرها من الشيطان بغير علم فيما ادعاه ولا حجة ولا شبهة يتعلق بها أحد من العقلاء ، اللهم إلا أن يدعى الوحي في ذلك ، ويتبين به عن ضعف عقله لكافة الالباء ثم العجب من قوله : إن سهو النبي (ص) من الله دون الشيطان ، لانه ليس للشيطان على النبي (ص) سلطان ، وإنما زعم أن سلطانه على الذين يتولونه والذينهم به مشركون وعلى من اتبعه من الغاوين ، ثم هو يقول : إن هذا السهو الذي من الشيطان يعم جميع البشر سوى الانبياء والائمة (ع) ، فكلهم أولياء الشيطان ، وأنهم غاوون ، إذ كان للشيطان عليهم سلطان ، وكان سهوهم منه دون الرحمن ، ومن لم يتيقظ لجهله في هذا الباب كان في عداد الاموات. فصل : فأما قول الرجل المذكور : إن ذا اليدين معروف فإنه يقال له : أبومحمد عمير بن عبد عمرو ، وقد روى عنه الناس فليس الامر كما ذكر ، وقد عرفه بما يرفع معرفته من تكنيته وتسميته بغير معروف بذلك ، ولو أنه يعرفه بذي اليدين لكان اولى من تعريفه بتسميته بعمير ، فإن المنكر له يقول له من ذواليدين؟ ومن هو عمير؟ومن هو عبد عمرو؟ وهذا كله مجهول غير معروف ، ودعواه أنه قد روى الناس عنه دعوى لا برهان عليها ، وما وجدنا في اصول الفقهاء ولا الرواة حديثا عن هذا الرجل ولا ذكرا له ، ولو كان معروفا كمعاذ بن جبل وعبدالله بن مسعود وأبي هريرة وأمثالهم لكان ما تفرد به غير معمول عليه [١]استظهر المصنف في الهامش أن الصحيح : وحكمه بكون كل من منع. لما ذكرنا من سقوط العمل بأخبار الآحاد ، فكيف وقد بينا أن الرجل مجهول غير معروف ، فهو متناقض باطل بما لا شبهة فيه عند العقلاء ، ومن العجب بعد هذا كله أن خبر ذي اليدين يتضمن أن النبي (ص) سها فلم يشعر بسهوه أحد من المصلين معه من بني هاشم والمهاجرين والانصار ووجوه الصحابة وسادات الناس ، ولا نظر إلى ذلك وعرفه إلا ذواليدين المجهول الذي لا يعرفه أحد ، ولعله من بعض الاعراب ، أو أشعر القوم به فلم ينبهه أحد منهم على غلطه ، ولا رأى صلاح الدين والدنيا بذكر ذلك له (ص) إلا المجهول من الناس ، ثم لم يكن يستشهد على صحة قول ذي اليدين فيما خبر به من سهوه إلا أبوبكر وعمر ، فإنه سألهما عما ذكره ذواليدين ليعتمد قولهما فيه ، ولم يثق بغيرهما في ذلك ، ولا سكن إلى أحد سواهما في معناه ، وإن شيعيا يعتمد على هذا الحديث في الحكم على النبي (ص) بالغلط والنقص وارتفاع العصمة عنه من العباد لناقص العقل ، ضعيف الرأي ، قريب إلى ذوي الآفات المسقطة عنهم التكليف ، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذا آخر ما وجدنا من تلك الرسالة ، وكان المنتسخ سقيما ، وفيما أورده ; مع متانته اعتراضات يظهر بعضها مما أسلفنا ، ولا يخفى على من أمعن النظر فيها ، والله الموفق للصواب.
الهوامش · 3⌄
[٢]كذا في نسخة المصنف ، واستظهر في الهامش أنه مصحف : وسد.ص 126
[٣]أى رواية العامة وكذا فيما بعده.ص 126
[٤]الانبياء : ٨٧.ص 126