بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 33, Page 294
Same indexed hadith bihar-14531; it ends on this printed page after beginning on pages 289-294.
أقول: وجدت الرواية بخط بعض الأفاضل باختلاف ما فأحببت إيرادها على هذا الوجه أيضا قال: قال الشيخ الأديب أبو بكر بن عبد العزيز البستي بالأسانيد الصحاح أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لما رجع من وقعة الجمل كتب إليه معاوية بن أبي سفيان عليه اللعنة بسم الله الرحمان الرحيم من عبد الله وابن عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فقد اتبعت ما يضرك وتركت ما ينفعك وخالفت كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وقد انتهى إلي ما فعلت بحواري رسول الله صلى الله عليه وآله طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة فوالله لأرمينك بشهاب لا تطفيه المياه ولا تزعزعه الرياح إذا وقع وقب، وإذا وقب ثقب، وإذا ثقب نقب، وإذا نقب التهب، فلا تغرنك الجيوش واستعد للحرب فإني ملاقيك بجنود لا قبل لك بها والسلام. فلما وصل الكتاب إلى أمير المؤمنين عليه السلام فكه وقرأه ودعى بدواة وقرطاس وكتب إليه. بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبده علي بن أبي طالب أخي رسول الله وابن عمه ووصيه ومغسله ومكفنه وقاضي دينه وزوج ابنته البتول وأبي سبطيه الحسن والحسين إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فإني أفنيت قومك يوم بدر وقتلت عمك وخالك وجدك والسيف الذي قتلتهم به معي يحمله ساعدي بثبات من صدري وقوة من بدني ونصرة من ربي كما جعله النبي صلى الله عليه وآله في كفي فوالله ما اخترت على الله ربا ولا على الاسلام دينا ولا على محمد نبيا ولا على السيف بدلا فبالغ من رأيك فاجتهد ولا تقصر فقد استحوذ عليك الشيطان واستفزك الجهل والطغيان وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى. ثم طوى الكتاب وختمه ودعى رجلا من أصحابه يقال له الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي وكان رجلا جسيما طويلا أديبا لبيبا فصيحا لسنا متكلما لا يكل لسانه ولا يعيى عن الجواب فعممه بعمامته ودعى له بجمل بازل وثيق فائق أحمر فسوى راحلته ووجهه إلى دمشق فقال له: يا طرماح انطلق بكتابي هذا إلى معاوية بن أبي سفيان وخذ الجواب. فأخذ الطرماح الكتاب وكور بعمامته وركب مطيته وانطلق حتى دخل دمشق فسأل عن دار الامارة فلما وصل إلى الباب قال له الحجاب من بغيتك؟ قال: أريد أصحاب الأمير أولا ثم الأمير ثانيا فقالوا له: من تريد منهم؟ قال: أريد جعشما وجرولا ومجاشعا وباقعا - وكان أراد أبا الأعور السلمي وأبا هريرة الدوسي وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم - فقالوا: هم بباب الخضراء يتنزهون في بستان. فانطلق وسار حتى أشرف على ذلك الموضع فإذا قوم ببابه فقالوا: جاءنا أعرابي بدوي دوين إلى السماء تعالوا نستهزئ به فلما وقف عليهم قالوا: يا أعرابي هل عندك من السماء خبر؟ فقال: بلى الله تعالى في السماء وملك الموت في الهواء وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في القفاء فاستعدوا لما ينزل عليكم من البلاء يا أهل الشقاوة والشقاء. قالوا: من أين أقبلت؟ قال: من عند حر تقي نقي زكي مؤمن رضي مرضي. فقالوا: وأي شئ تريد؟ فقال: أريد هذا الدعي الردي المنافق المردي الذي تزعمون أنه أميركم فعلموا أنه رسول أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى معاوية فقالوا: هو في هذا الوقت مشغول. قال: بماذا بوعد أو وعيد؟ قالوا: لا ولكنه يشاور أصحابه فيما يلقيه غدا قال: فسحقا له وبعدا. فكتبوا إلى معاوية بخبره: أما بعد فقد ورد من عند علي بن أبي طالب رجل أعرابي بدوي فصيح لسن طلق ذلق يتكلم فلا يكل ويطيل فلا يمل فأعد لكلامه جوابا بالغا ولا تكن عنه غافلا ولا ساهيا والسلام. فلما علم الطرماح بذلك أناخ راحلته ونزل عنها وعقلها وجلس مع القوم الذين يتحدثون. فلما بلغ الخبر إلى معاوية أمر ابنه يزيد أن يخرج ويضرب المصاف على باب داره فخرج يزيد وكان على وجهه أثر ضربة فإذا تكلم كان جهير الصوت فأمر بضرب المصاف ففعلوا ذلك وقالوا للطرماح: هل لك أن تدخل على باب أمير المؤمنين فقال: لهذا جئت وبه أمرت فقام إليه ومشى فلما رأى أصحاب المصاف وعليهم ثياب سود فقال: من هؤلاء القوم كأنهم زبانية لمالك على ضيق المسالك فلما دنى من يزيد نظر إليه فقال: من هذا الميشوم ابن الميشوم الواسع الحلقوم المضروب على الخرطوم؟! فقالوا: مه يا أعرابي ابن الملك يزيد فقال: ومن يزيد لا زاد الله مزاده ولا بلغه مراده ومن أبوه؟ كانا قدما غائصين في بحر الجلافة واليوم استويا على سرير الخلافة فسمع [يزيد] ذلك واستشاط وهم بقتله غضبا ثم كره أن يحدث دون إذن أبيه فلم يقتله خوفا منه وكظم غيظه وخبا ناره وسلم عليه فقال: يا أعرابي إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام فقال: سلامه معي من الكوفة فقال يزيد: سلني عما شئت فقد أمرني أمير المؤمنين بقضاء حاجتك فقال: حاجتي إليه أن يقوم من مقامه حتى يجلس من هو أولى منه بهذا الامر!! قال: فماذا تريد آنفا قال: الدخول عليه فأمر برفع الحجاب وأدخله إلى معاوية وصواحبه. فلما دخل الطرماح وهو متنعل قالوا له: اخلع نعليك فالتفت يمينا وشمالا ثم قال: هذا رب الواد المقدس فأخلع نعلي فنظر فإذا هو معاوية قاعد على السرير مع قواعده وخاصته ومثل بين يديه خدمه فقال: السلام عليك أيها الملك العاصي فقرب إليه عمرو بن العاص فقال: ويحك يا أعرابي ما منعك أن تدعوه بأمير المؤمنين؟ فقال الاعرابي: ثكلتك أمك يا أحمق نحن المؤمنون فمن أمره علينا بالخلافة. فقال معاوية: ما معك يا أعرابي؟ فقال: كتاب مختوم من إمام معصوم فقال: ناولنيه. قال: أكره أن أطأ بساطك. قال: ناوله وزيري هذا وأشار إلى عمرو بن العاص. فقال: هيهات هيهات ظلم الأمير وخان الوزير. فقال: ناوله ولدي هذا وأشار إلى يزيد. فقال: ما نرضى بإبليس فكيف بأولاده؟ فقال: ناوله مملوكي هذا وأشار إلى غلام له قائم على رأسه. فقال الاعرابي: مملوك اشتريته [من] غير حل وتستعمله في غير حق!! قال: ويحك يا أعرابي فما الحيلة وكيف نأخذ الكتاب؟ فقال الاعرابي: أن تقوم من مقامك وتأخذه بيدك على غير كره منك فإنه كتاب رجل كريم وسيد عليم وحبر حليم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فلما سمع منه معاوية وثب من مكانه وأخذ منه الكتاب بغضب وفكه وقرأه ووضعه تحت ركبتيه ثم قال: كيف خلفت أبا الحسن والحسين؟ قال: خلفته بحمد الله كالبدر الطالع حواليه أصحابه كالنجوم الثواقب اللوامع إذا أمرهم بأمر ابتدروا إليه وإذا نهاهم عن شئ لم يتجاسروا عليه وهو من بأسه يا معاوية في تجلد بطل شجاع سيد سميدع إن لقي جيشا هزمه وأراده وإن لقي قرنا سلبه وأفناه وإن لقي عدوا قتله وجزاه. قال معاوية: كيف خلفت الحسن والحسين؟ قال: خلفتهما بحمد الله شابين نقيين تقيين زكيين عفيفين صحيحين سيدين طيبين فاضلين عاقلين عالمين مصلحين في الدنيا والآخرة. فسكت معاوية ساعة فقال: ما أفصحك يا اعرابي؟ قال: لو بلغت باب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لوجدت الأدباء الفصحاء البلغاء الفقهاء النجباء الأتقياء الأصفياء ولرأيت رجالا سيماهم في وجوههم من أثر السجود حتى إذا استعرت نار الوغى قذفوا بأنفسهم في تلك الشعل لابسين القلوب على مدارعهم قائمين ليلهم صائمين نهارهم لا تأخذهم في الله ولا في ولي الله علي لومة لائم فإذا أنت يا معاوية رأيتهم على هذه الحال غرقت في بحر عميق لا تنجو من لجته. فقال عمرو بن العاص لمعاوية سرا: هذا رجل أعرابي بدوي لو أرضيته بالمال لتكلم فيك بخير. فقال معاوية: يا أعرابي ما تقول في الجائزة أتأخذها مني أم لا؟ قال: بل آخذها فوالله أنا أريد استقباض روحك من جسدك فكيف باستقباض مالك من خزانتك فأمر له بعشرة آلاف درهم ثم قال: أتحب أن أزيدك؟ قال: زد فإنك لا تعطيه من مال أبيك وإن الله تعالى ولي من يزيد قال: أعطوه عشرين ألفا قال الطرماح: اجعلها وترا فإن الله تعالى هو الوتر ويحب الوتر قال: أعطوه ثلاثين ألفا فمد الطرماح بصره إلى إيراده فأبطأ عليه ساعة فقال: يا ملك تستهزئ بي على فراشك؟ فقال: لماذا يا أعرابي؟ قال: إنك أمرت لي بجائزة لا أراها ولا تراها فإنها بمنزلة الريح التي تهب من قلل الجبال!! فأحضر المال ووضع بين يدي الطرماح فلما قبض المال سكت ولم يتكلم بشئ. [ف] قال عمرو بن العاص: يا أعرابي كيف ترى جائزة أمير المؤمنين فقال الاعرابي: هذا مال المسلمين من خزانة رب العالمين أخذه عبد من عباد الله الصالحين. فالتفت معاوية إلى كاتبه وقال: اكتب جوابه فوالله لقد أظلمت الدنيا علي وما لي طاقة فأخذ الكاتب القرطاس فكتب. بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله وابن عبده معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإني أوجه إليك جندا من جنود الشام مقدمته بالكوفة وساقته بساحل البحر ولأرمينك بألف حمل من خردل تحت كل خردل ألف مقاتل فإن أطفأت نار الفتنة وسلمت إلينا قتلة عثمان وإلا فلا تقل غال ابن أبي سفيان ولا يغرنك شجاعة أهل العراق واتفاقهم فإن اتفاقهم نفاق فمثلهم كمثل الحمار الناهق يميلون مع كل ناعق والسلام. فلما نظر الطرماح إلى ما يخرج تحت قلمه قال: سبحان الله لا أدري أيكما أكذب أنت بادعائك أم كاتبك فيما كتب!! لو اجتمع أهل الشرق والغرب من الجن والإنس لم يقدروا به على ذلك فنظر معاوية فقال: والله لقد كتب من غير أمري فقال: ان كنت لم تأمره فقد استضعفك وإن كنت أمرته فقد استفضحك. أو قال: إن كتب من تلقاء نفسه فقد خانك، وإن أمرته بذلك فأنتما خائنان كاذبان في الدنيا والآخرة ثم قال الطرماح: يا معاوية أظنك تهدد البط بالشط. فدع الوعيد فما وعيدك ضائر * أطنين أجنحة الذباب يضير والله إن لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام لديكا علي الصوت عظيم المنقار يلتقط الجيش بخيشومه ويصرفه إلى قانصته ويحطه إلى حوصلته فقال معاوية: والله كذلك هو مالك بن الأشتر النخعي ثم قال: ارجع بسلام مني. وفي رواية أخرى: خذ المال والكتاب وانصرف فجزاك الله عن صاحبك خيرا فأخذ الطرماح الكتاب وحمل المال وخرج من عنده وركب مطيته وسار. ثم التفت معاوية إلى أصحابه فقال: لو أعطيت جميع ما أملك لرجل منكم لم يؤد عني عشر عشير ما أدى هذا الاعرابي عن صاحبه. فقال عمرو بن العاص: لو أن لك قرابة كقرابة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكان معك الحق كما هو معه لأدينا عنك أفضل من ذلك أضعافا مضاعفة فقال معاوية: فض الله فاك وقطع شفتيك والله لكلامك علي أشد من كلام الاعرابي ولقد ضاقت علي الدنيا بحذافيرها. المحكم. والمصاف: جمع المصف وهو موضع الصف. والسميدع بفتح السين والميم بعدها مثناة تحتانية: السيد الكريم الشريف السخي الموطأ الأكتاف والشجاع. وفي الصحاح: ضاره يضوره ويضيره ضورا وضيرا أي ضره. ٥٥١ -
Complete indexed hadith starts here; printed across pages 294-303.
أقول: نقل من خط الشهيد قدس سره أنه قال: [قال] معاوية لأبي المرقع الهمداني: اشتم عليا. قال: بل أشتم شاتمه وظالمه. قال: أهو مولاك؟ قال: ومولاك إن كنت من المسلمين! قال: فادع عليه قال: بل أدعو على من هو دونه. قال: ما تقول في قاتله؟ قال: هو في النار مع من سره ذلك قال: من قومك؟ قال: الزرق من همدان الذين أسحبوك يوم صفين. ومن خطه أيضا قال: روى أبو عمر الزاهد في كتاب فائت الجمهرة أن رجلا سأل معاوية يوم صفين عن مسألة فقال له: سل عليا فإنه أعلم مني قال: فقال له الرجل: جوابك أحب إلي من جوابه فقال له: لقد كرهت رجلا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يغره [بالعلم غرا] ولقد رأيت عمر إذا أشكل عليه الشئ قال:
أهاهنا أبو الحسن؟ قم لا أقام الله رجليك ومحا اسمه من الديوان. قال ابن عباس: فكنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام فجاءنا الرجل وقد سبقه خبره إلينا فقال: يا أمير المؤمنين قد جئتك مستأمنا فقال له: أنت صاحب الكلام أنت تعرف معاوية من أنا؟ فكيف رأيت جواب المنافق قم لا أقام الله رجليك. فبقي مذبذبا. وذكر ابن النديم في الفهرست أن هذا أبا عمر كان نهاية في النصب والميل على علي عليه السلام. اين صفحه در كتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة [الباب الواحد والعشرون] باب بدو قصة التحكيم والحكمين وحكمهما بالجور رأي العين وقد مر بعض ذلك فيما مضى من قصص صفين ٥٥٣ - قال ابن أبي الحديد: قال نصر: روى عمر بن سعد عن مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر أن عليا عليه السلام بعث أربع مائة عليهم شريح بن هانئ ومعه عبد الله بن العباس يصلي بهم ومعهم أبو موسى الأشعري وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربع مائة ثم إنهم خلوا بين الحكمين فكان رأي عبد الله بن قيس في [عبد الله بن] عمر بن الخطاب وكان يقول: والله إن استطعت لأحيين سنه عمر. قال نصر: وفي حديث محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما أراد أبو موسى المسير قام إليه شريح بن هانئ فأخذ بيده وقال: يا أبا موسى إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه ولا يستقال فتنته ومهما تقل من شئ عليك أو لك تثبت حقه وترى صحته وإن كان باطلا وإنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكهم معاوية ولا بأس على أهل الشام إن ملكهم علي وقد كانت منك تثبيطه أيام الكوفة والجمل وإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينا والرجاء منك يأسا. فقال أبو موسى: ما ينبغي لقوم اتهموني أن يرسلوني لأدفع عنهم باطلا أو أجر إليهم حقا. وروى المدائني في كتاب صفين قال: لما اجتمع أهل العراق على طلب أبي موسى وأحضروه للتحكيم على كره من علي عليه السلام له أتاه عبد الله بن العباس وعنده وجوه الناس والاشراف فقال له: يا أبا موسى إن الناس لم يرضوا بك و [لم] يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار المتقدمين قبلك ولكن أهل العراق أبوا إلا أن يكون الحكم يمانيا ورأوا أن معظم أهل الشام يمان وأيم الله إني لأظن ذلك شرا لك ولنا فإنه قد ضم إليك داهية العرب وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك. واعلم يا أبا موسى أن معاوية طليق الاسلام وأن أباه رأس الأحزاب وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة فإن زعم لك أن عمر وعثمان استعملاه فلقد صدق استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي ويوجره ما يكره ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر ما استعملا ممن لم يدع الخلافة واعلم أن لعمرو مع كل شئ يسرك خبيئا يسؤك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليا عليه السلام بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وإنها بيعة هدى وأنه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين. فقال أبو موسى: رحمك الله والله مالي إمام غير علي وإني لواقف عندما رآى وإن حق الله أحب إلي من رضا معاوية وأهل الشام وما أنت وأنا إلا بالله. وروى البلاذري في كتاب أنساب الأشراف قال: قيل لعبد الله بن العباس: ما منع عليا أن يبعثك مع عمرو يوم التحكيم قال: منعه حاجز القدر ومحنة الابتلاء وقصر المدة أما والله لو كنت لقعدت على مدارج أنفاسه ناقضا ما أبرم ومبرما ما نقض أطير إذا أسف وأسف إذا طار ولكن سبق قدر وبقي أسف ومع اليوم غد والآخرة خير لأمير المؤمنين. قال نصر: وفي حديث عمرو بن شمر قال: أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال: يا عمرو هل لك في أمر هو للأمة صلاح، ولصلحاء الناس رضا نولي هذا الامر عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي لم يدخل في شئ من هذه الفتنة ولا في هذه الفرقة قال: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير قريبين يسمعان الكلام فقال عمرو: فأين أنت يا أبا موسى عن معاوية فأبى عليه أبو موسى فقال عمرو: ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ومعاوية ولي عثمان وقد قال الله: * (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [٣٣ / الاسراء: ١٧] ثم إن بيت معاوية في قريش ما قد علمت وهو أخو أم حبيبة أم المؤمنين وزوج النبي صلى الله عليه وآله وقد صحبه وهو أحد الصحابة ثم عرض له بالسلطان فقال له: إن هو ولي الأمر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قط بمثلها. فقال أبو موسى: اتق الله يا عمرو فإن هذا الامر ليس على الشرف إنما هو لأهل الدين والفضل مع أني لو كنت أعطيته أفضل قريش شرفا لأعطيته علي بن أبي طالب. وأما قولك إنه ولي عثمان فإني لم أكن أوليه إياه لنسبه من عثمان وادع المهاجرين الأولين. وأما تعريضك لي بالامرة والسلطان فوالله لو خرج لي من سلطانه ما وليته ولا كنت أرتشي في الله ولكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب. وروى أنه كان يقول غير مرة: والله إن استطعت لأحيين اسم عمر بن الخطاب. فقال عمرو بن العاص: إن كنت إنما تريد أن تبايع ابن عمر لدينه فما يمنعك من ابني عبد الله وأنت تعرف فضله وصلاحه!! فقال: إن ابنك لرجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة. قال نصر وروي عن النضر بن صالح قال: كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان فحدثني أن عليا عليه السلام أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص وقال له: قل لعمرو إذا لقيته إن عليا يقول لك: إن أفضل الخلق عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وأن أبعد الخلق من الله من كان العمل بالباطل أحب إليه وإن زاده والله يا عمرو إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل أبأن أوتيت طمعا يسيرا صرت لله ولأوليائه عدوا فكأن ما أوتيت قد زال عنك فلا تكن للخائنين خصيما ولا للظالمين ظهيرا أما إني أعلم أن يومك الذي أنت فيه نادم هو يوم وفاتك، وسوف تتمنى أنك لم تظهر لي عداوة ولم تأخذ على حكم الله رشوة. قال شريح: فأبلغته ذلك يوم لقيته فتمعر وجهه وقال: متى كنت قابلا مشورة علي أو منيبا إلى رأيه أو معتدا بأمره!!!. فقلت: وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته لقد كان من هو خير منك أبو بكر وعمر يستشير انه ويعملان برأيه فقال: إن مثلي لا يكلم مثلك فقلت بأي أبويك ترغب عن كلامي بأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة فقام من مكانه وقمت. قال نصر: وروى أبو جناب الكلبي أن عمرا وأبا موسى لما التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام ويقول: إنك صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي وأنت أكبر مني سنا فتكلم أنت ثم أتكلم أنا فجعل ذلك سنة وعادة بينهما وإنما كان مكرا وخديعة واغترارا له بأن يقدمه فيبدأ بخلع علي ثم يرى رأيه. قال ابن ديزيل في كتاب صفين: أعطاه عمرو صدر المجلس وكان لا يتكلم قبله وأعطاه النقدم في الصلاة وفي الطعام لا يأكل حتى يأكل وإذا خاطبه فإنما يخاطبه بأجل الأسماء ويقول له: يا صاحب رسول الله حتى اطمأن إليه وظن أنه لا يغشه فلما انمخضت الزبدة بينهما قال له عمرو: أخبرني ما رأيك يا أبا موسى قال: أرى أن أخلع هذين الرجلين ونجعل الامر شورى بين المسلمين يختارون من يشاؤون!! فقال عمرو: الرأي والله ما رأيت. فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون فتكلم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن رأيي ورأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به شأن هذه الأمة فقال عمرو: صدق ثم قال له: تقدم يا أبا موسى فتكلم. فقام [أبو موسى] ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال: ويحك والله إني لأظنه خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك ليتكلم به ثم تكلم أنت بعده فإنه رجل غدار ولا آمن أن يكون أعطاك الرضا فيما بينك وبينه فإذا قمت به في الناس خالفك - وكان أبو موسى رجلا مغفلا - فقال: إيها عنك إنا قد اتفقنا. فتقدم أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر شيئا هو أصلح لأمر هؤلاء ولا ألم لشعثها من أن لا يبين أمورها وقد اجتمع رأيي ورأي صاحبي على خلع علي ومعاوية وأن يستقبل هذا الامر فيكون شورى بين المسلمين يولون أمورهم من أحبوا وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أموركم وولوا من رأيتموه لهذا الامر أهلا. [ثم تنحى]. فقام عمرو بن العاص في مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية في الخلافة فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه. فقال له أبو موسى: مالك لا وفقك الله قد غدرت وفجرت إنما مثلك ج ١، ص ٤٥١: " من أن لا تتباين أمورها ". كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث. فقال له عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط وحمل ابن لعمرو على شريح فقنعه بالسوط وقام الناس فحجزوا بينهما فكان شريح بعد ذلك يقول: ما ندمت على شئ ندامتي أن لا أكون ضربت عمرا بالسيف بدل السوط لكن أتى الدهر بما أتى به. والتمس أصحاب علي عليه السلام أبا موسى فركب ناقته ولحق بمكة فكان ابن عباس يقول: قبح الله أبا موسى لقد حذرته وهديته إلى الرأي فما عقل وكان أبو موسى يقول: لقد حذرني ابن عباس غدرة الفاسق ولكن اطمأننت إليه [وظننت] أنه لا يؤثر شيئا على نصيحة الأمة. قال نصر: ورجع عمرو إلى منزله من دومة الجندل فكتب إلى معاوية: أتتك الخلافة مزفوفة * هنيئا مريئا تقر العيونا تزف إليك زفاف العروس * بأهون من طعنك الدار عينا إلى آخر الأبيات. فقام سعيد بن قيس الهمداني وقال: والله لو اجتمعتما على الهدى ما زدتما على ما نحن الآن عليه وما ضلالكما بلازم لنا وما رجعتما إلا بما بدأتما به وإنا اليوم لعلى ما كنا عليه أمس. وقام كردوس بن هانئ مغضبا وأنشد أبياتا في الرضا بخلافة علي عليه السلام وإنكار خلافة معاوية وحكم الحكمين وتكلم جماعة أخرى بمثل ذلك قال نصر: وكان علي عليه السلام لما سمع ما خدع به عمرو أبا موسى غمه ذلك وساءه وخطب الناس وقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل. إلى آخر ما سيأتي برواية السيد [الرضي] رضي الله عنه وقال: ألا ان هذين الرجلين الذين اخترتموهما قد نبذا حكم الكتاب وأحييا ما أمات واتبع كل واحد منهما هواه وحكم بغير حجة ولا بينة ولا سنة ماضية واختلفا فيما حكما فكلاهما لم يرشد الله فاستعدوا للجهاد وتأهبوا للمسير وأصبحوا في معسكركم يوم كذا . قال نصر: فكان علي عليه السلام بعد الحكومة إذا صلى الغداة والمغرب وفرغ من الصلاة وسلم قال: اللهم العن معاوية وعمرا وأبا موسى وحبيب بن مسلمة وعبد الرحمان بن خالد والضحاك بن قيس والوليد بن عقبة فبلغ ذلك معاوية فكان إذا صلى لعن عليا وحسنا وحسينا وابن عباس وقيس بن سعد بن عبادة والأشتر. وزاد ابن ديزيل في أصحاب معاوية أبا الأعور السلمي. وروى ابن ديزيل أيضا أن أبا موسى كتب من مكة إلى علي عليه السلام أما بعد فإني قد بلغني أنك تلعنني في الصلاة ويؤمن خلفك الجاهلون وإني أقول كما قال موسى عليه السلام " رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ". الوشيظ كأمير: الاتباع والخدم والأجلاف ولفيف من الناس ليس أصلهم واحدا. وهم وشيظة في قومهم: حشوفهم. وقال: غفل عنه غفولا: تركه وسها عنه كأغفله والمغفل كمعظم: من لا فطنته له. وقال: إيها بالفتح وبالنصب أمر بالسكوت. وقال: قنع رأسه بالسوط: غشاه بها. والحديث رواه ابن أبي الحديد في أواخر شرحه على المختار: (٣٥) من نهج البلاغة ج ١، ص ٤٥٤.
[٥٥٢]للحديث - عدا بعض خصوصياته - مصادر كثيرة وأسانيد يجد الباحث كثيرا منها تحت الرقم: (٤٠١) وتاليه وتعليقهما من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج ١، ص ٣٦٩ ط ٢.ص 294
[١]كذا في ط الكمباني من الأصل، وفي طبع الحديث ببيروت من شرح ابن أبي الحديد:ص 301
[١]وهذا هو المختار: (٣٥) من كتاب نهج البلاغة، وله مصادر كثيرة ذكر بعضها في المختار (٢٥٩) وما قبله من نهج السعادة: ج ٢ ص ٣٥٦ ط ١.ص 303