Same indexed hadith bihar-24427; it began on pages 163-176.
Show complete hadith text
وقال جعفر بن محمد عليهما السلام: أكل الطين يورث النفاق . الحجر: وأنبتنا فيها من كل شئ موزون . النحل: أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤوا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون. ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون . أسرى: تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا . الأنبياء: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم . وقال تعالى: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين. وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون. ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها . الحج: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس و القمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب . سبأ: ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أو بي معه والطير وألنا له الحديد - إلى قوله تعالى - وأسلنا له عين القطر . فاطر: إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا . ص: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق . وقال سبحانه: فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . الحديد: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز . تفسير: " أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ " قيل: استفهام إنكار، أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع، فما بالهم لم يتفكروا ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه؟! و " ما " موصولة مبهمة بيانها " يتفيؤوا ظلاله " أي أولم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة " عن اليمين والشمائل " أي عن أيمانها وشمائلها، أي جانبي كل واحد منها، استعارة عن يمين الانسان وشماله، ولعل توحيد اليمين وجمع الشمائل لاعتبار اللفظ والمعنى كتوحيد الضمير في " ظلاله " وجمعه في قوله " سجدا لله وهم داخرون " وهما حالان عن الضمير في " ظلاله " والمراد من السجود; الانقياد والاستسلام، سواء كان بالطبع أو بالاختيار، يقال: سجدت النخلة: إذا مالت لكثرة الحمل; وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب. وقال الشاعر: ترى الأكم فيها سجدا للحوافر و " سجدا " حال من الظلال " وهم داخرون " من الضمير، والمعنى: يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيوء، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها كهيئة الساجد، والاجرام في أنفسها أيضا داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله فيها. وجمع " داخرون لان من جملتها من يعقل، أو لان الدخور من أوصاف العقلاء. وقيل: المراد باليمين والشمائل عن يمين الفلك وهو جانبه الشرقي، لان الكوكب يظهر منه أخذه في الارتفاع والسطوع، وشماله هو الجانب الغربي المقابل له، فإن الأظلال في أول النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال يبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض كما ذكره البيضاوي وغيره. وقال بعضهم: كان الحسن يقول: أما ظلك فيسجد لربك وأما أنت فلا تسجد لربك! بئس ما صنعت. وعن مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي. وقيل: ظل كل شئ يسجد لله سواء كان ذلك ساجدا أم لا. وقال الطبرسي - ره - وقيل: إن المراد بالظل هو الشخص بعينه، قال الشاعر " كأن في أظلالهن الشمس " أي في أشخاصهن، فعلى هذا يكون تأويل الظلال في الآية تأويل الأجسام التي عنها الظلال " وهم داخرون " أي أذلة صاغرون، قد نبه الله سبحانه بهذا على أن جميع الأشياء تخضع له بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى واضعها ومدبرها بما لولاه لبطلت ولم يكن لها قوام طرفة عين فهي في ذلك كالساجد من العباد بفعله الخاضع بذله - انتهى -. وقال النيسابوري في تأويلها بعد تفسيرها بما مر: " إلى ما خلق الله من شئ " هو عالم الأجسام، فإن عالم الأرواح خلق من لا شئ " يتفيؤوا ظلاله " فإن الأجسام ظلال الأرواح، فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال " سجدا لله " منقادين لامره مسخرين لما خلقوا لأجله، وإنما وحد اليمين وجمع الشمائل لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه - انتهى -. وأقول: ويحتمل أن يكون المراد بظلاله مثاله على القول بعالم المثال كما مر. تحقيقه أو روحه كما عبر في الأخبار الكثيرة عن عالم الأرواح بالظلال، فالمراد بالتفيؤ عن اليمين ميلهم إلى السعادة والتشبه بأصحاب اليمين، وبالشمائل خلافه. وهذا كلام على سبيل الاحتمال في مقابلة ما ذكروه من ذلك، والله يعلم تفسير كلامه وحججه الكرام عليهم السلام. " ولله يسجد " قال الرازي: قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى، وسجود هو عبارة عن الانقياد والخضوع، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، لأنه لا يرجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح. إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود، ومنهم من قال: المراد بالسجود ههنا هو المعنى الأول، لان اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى، لان السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات. ومنهم من قال: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الامرين معا، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى. وهذا القول ضعيف لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معا غير جائز. قوله " من دابة " قال الأخفش: يريد من الدواب، وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض. فإن قيل: ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر؟ قلنا: فيه وجوه: الأول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى، لان أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها وأشرفها كونها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى. والوجه الثاني: قال حكماء الاسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب فلما ميز الله الملائكة من الدابة علمنا أنها ليست مما يدب بل هي أرواح محضة مجردة. ويمكن الجواب عنه بأن الطير بالجناح مغائر للدبيب بدليل قوله تعالى " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه " - انتهى - . وأقول: التخصيص بعد التعميم أيضا شائع كعطف جبرئيل على الملائكة كما ذكره البيضاوي، وما ذكره من عدم جواز استعمال المشترك في معنييه على تقدير تسليمه لا حاجة في التعميم على حمله على ذلك، بل يمكن حمله على معنى الانقياد والتواضع، وهو يشمل الانقياد لإرادته وتأثيره طبعا، والانقياد لتكليفه وأمره طوعا كما حمل عليه البيضاوي. وقال بعضهم: هذه الآية تدل على أن العالم كله في مقام الشهود والعبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر، وليس إلا النفوس الناطقة الانسانية والحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لامن حيث هياكلهم، فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة، ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل والألسنة والسمع والبصر وجميع القوى، فالحكم لله العلي الكبير - انتهى -. وأقول: والأرواح والنفوس أيضا لها جهتان: فمن جهة مسخرة منقادة لربها في جميع ما أراد منها، ومن جهة أخرى عاصية مخالفة لربها، بل من هذه الجهة أيضا مسخرة ساجدة خاضعة لإرادة ربها حيث أقدرها على ما أرادت، ودالة على وجود صانعها الذي جعلها مختارة مريدة قادرة على الاتيان بما أرادت، فهي من هذه الجهة أيضا مسبحة لربها ذاكرة لها دالة عليها منادية بلسان حالها من جهة إمكانها وحدوثها وافتقارها بأن لي ربا جعلني مريدا مختارا لحكمته وكماله وعنايته الأزلية كما قال بعض العارفين بالفارسية " عين إنكار منكر اقراراست " والكلام في هذا المقام دقيق لا يمكن إجراء أكثر من ذلك منه على الأقلام، ويصعب دركها على الافهام، وقد أومأت إلى شئ منه في شرح كتاب توحيد الكافي في توضيح أخبار إرادة الله تعالى وبيان معانيها. قوله سبحانه " تسبح له السماوات " قال النيسابوري: قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول " سبحان الله " وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني. وقد تقرر في الأصول أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معا في حالة واحدة، فتعين التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل. هذا ما عليه المحققون، وأورد عليه: أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل " ولكن لا تفقهون تسبيحهم " لان التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم. وأجيب: بأن دلالة كل شئ على وجود الصانع معلومة على الاجمال دون التفصيل، فإنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله. وأيضا الخطاب للمشركين وأنهم وإن كانوا مقرين بالخالق إلا أنهم أثبتوا شريكا وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله فكأنهم لم يفقهوا التسبيح، إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح، ولهذا ختم الآية بقوله " إنه كان حليما غفورا " حين لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم. وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح لله تعالى باللسان أيضا، كل بلغته ولسانه الذي لا نعرف نحن ولا نفقه. وزعم أيضا أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح، وكذا غصن الشجرة إذا كسر. فأورد عليه أن كونه جمادا لا يمنع من كونه مسبحا فكيف صار ذبح الحيوان مانعا عن التسبيح وكذا كسر الغصن؟ ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شئ لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه، فإذا بطل ذلك التركيب وفكك ذلك النظم لم يبق مسبحا مطلقا أولا على ذلك النحو. وقال في تأويلها: لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت، لقوله " فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ " والملكوت باطن الكون، وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان " فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيها لصاحبه وحمدا له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان نطق الحصا في كف النبي صلى الله عليه وآله وبه تنطق الأرض يوم القيامة. " يومئذ تحدث أخبارها " وبه تنطق الجوارح " أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ " وبه نطقت السماوات والأرض " قالتا أتينا طائعين ". " إنه كان حليما " في الأزل، إذ أخرج من العدم من يكفر به ويجحده " غفورا " لمن تاب عن كفره. " قلنا يا نار كوني بردا " قال الطبرسي. هذا مثل، فإن النار جماد لا يصح خطابه، والمراد أنا جعلنا النار بردا عليه وسلامة لا يصيبه من أذاها شئ، كما قال سبحانه " كونوا قردة خاسئين " والمعنى أنه صيرهم كذلك لا أنه خاطبهم وأمرهم بذلك. وقيل: يجوز أن يتكلم الله سبحانه بذلك ويكون ذلك صلاحا للملائكة ولطفا لهم. وذكر في كون النار بردا وسلاما على إبراهيم وجوها: أحدها أن الله سبحانه أحدث فيها بردا بدلا من شدة الحرارة فيها فلم تؤذه. وثانيها أنه سبحانه حال بينها وبين إبراهيم فلم تصل إليه. وثالثها أن الاحراق يحصل بالاعتمادات التي في النار صعدا فيجوز أن يذهب سبحانه تلك الاعتمادات. وعلى الجملة فعلمنا أن الله سبحانه منع النار من إحراقه وهو أعلم بتفاصيله - انتهى -. وقال البيضاوي: انقلاب النار هواء طيبة ليس ببدع، غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته. وقيل: كانت النار بحالها لكنه تعالى دفع عنه أذاها كما في السمندر، ويشعر به قوله " على إبراهيم " - انتهى -. وأقول: على مذهب الأشاعرة لا إشكال في ذلك، لأنهم يقولون: لا مؤثر في الوجود إلا الله، وإنما أجرى عادته بالاحراق عند قرب شئ من النار، فإذا أراد غير ذلك لا يخلق الاحراق. وأما عند غيرهم من القائلين بتأثير الطبائع ولزوم الصفات لها فيشكل ذلك عندهم، والأولى أن يقال: إحراق النار وتبريد الثلج وقتل السموم وغير ذلك من التأثيرات لما كانت مشروطة بشروط كقابلية المادة وغيرها فلم لا يجوز أن تكون مشروطة بعدم تعلق إرادة القادر المختار بخلافه [4] فإذا تعلقت فان قيل: مرجع الأخير إلى أن الله تعالى أراد أن تتبرد النار فبردت، وهذه إبطال لسببية النار للاحراق - لعدم امكان سببية شئ واحد لضدين ومتقابلين - أو التزام بحصول معلول مادي من غير حصول علته المسانخة له قلنا: الاحتراق عبارة عن تبدل الصورة تبدلا خاصا والنار معدة له لا مفيضة للصورة الحادثة، ولا يمتنع تأثيرها في ضده كما يشاهد في الكهرباء أضف إلى ذلك حديث تعدد الجهات. وأما استناد الحوادث إلى إرادة الله تعالى من غير واسطة فمخالف للسنة الإلهية التي لن تجد لها تبديلا ولن تجد لها تحويلا، ومستلزم للطفرة واختلال نظام العلل والمعاليل. والحاصل أن إرادة الله تعالى فوق العلل المادية وفى طولها لا في رتبتها وهو القاهر فوق عباده. بذلك انتفى تأثيرها، كما أن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم لكن بشرط عدم تعلق إرادته القاهرة بخلافه، ولذا ورد في الاخبار أنه لا يحدث شئ في السماء والأرض إلا بإذنه سبحانه. قوله تعالى " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير " قال الطبرسي - ره -: قيل: معناه سيرنا الجبال مع داود حيث سار، فعبر عن ذلك بالتسبيح لما فيه من الآية العظيمة التي تدعو إلى تسبيح الله وتعظيمه وتنزيهه عن كل مالا يليق به، وكذلك تسخير الطير له تسبيح يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد. و قيل: إن الجبال كانت تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير يسبح بالغداة والعشي معجزة له - انتهى -. وقال الرازي: قال أصحاب المعاني: يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " وتخصيص داود عليه السلام بذلك إنما كان بسبب أنه كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقينا وتعظيما. وأما المعتزلة فقالوا: لو حصل الكلام في الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه، والأول محال لان بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة، وما لا يكون حيا عالما قادرا يستحيل منه الفعل، والثاني أيضا محال، لان المتكلم عندهم من كان فاعلا للكلام لامن كان محلا له، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله لا الجبل، فجعلوا التسبيح من السباحة وبناء التفعيل للتكثير مثل قوله " يا جبال أو بي معه " والحاصل: سيري معه. واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة، وهذا ممنوع، و على أن التكلم من فعل الله وهو أيضا ممنوع. وأما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام ولكن اجتمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن والانس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف بل يكون حاله كحال الطفل في أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفا، فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق. وأيضا دلالته على قدرة الله وعلى تنزيهه مما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال - انتهى - . " وعلمناه صنعة لبوس لكم " أي علمناه كيف يصنع الدروع. قال قتادة: أول من صنع الدروع داود وإنما كانت صفائح، جعل الله سبحانه الحديد في يده كالعجين فهو أول من سردها وحلقها فجمعت الخفة والتحصين. " ولسليمان " أي سخرنا له " الريح عاصفة " أي شديدة الهبوب. " ألم تر أن الله يسجد له " لعل المراد بالسجود غاية الخضوع والانقياد الممكن من الشئ، ففي الجمادات والعجم من الحيوانات يحصل منهم غاية الانقياد الذي يتأتى منهم، وكذا الملائكة وصالحوا المؤمنين. وأما الكفار والفجار فلما لم يتأت منهم غاية الانقياد أخرجهم وقال " وكثير من الناس " لأنهم وإن كانوا في الأوامر التكوينية منقادين فليسوا في الأوامر التكليفية كذلك فالسجود محمول على معنى واحد وليس من استعمال المشترك في معنييه كما عرفت سابقا. وقال الرازي: الرؤية هنا بمعنى العلم، وفي السجود وجوه: أحدها قال الزجاج: أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله " فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها - الآية - " " أن نقول له كن فيكون " " وإن منها لما يهبط من خشية الله " " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " " وسخرنا مع داود الجبال " والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الاعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع البتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود. وأما قوله " وكثير من الناس " ففيه وجوه: أحدها أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره، فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. وثانيها أن نقطع قوله " وكثير من الناس " عما قبله، ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول أن نقول: تقدير الآية: ولله يسجد من في السماوات والأرض و يسجد له كثير من الناس. فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه جميعا. الثاني أن يكون قوله " وكثير من الناس " مبتدءا خبره محذوف وهو، مثاب، لان خبر مقابله يدل عليه وهو قوله " حق عليه العذاب ". والثالث أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف " كثير " على " كثير " ثم يخبر عنهم ب " حق عليهم العذاب " وثالثها من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول: إن المراد بالسجود في حق الاحياء العقلاء السجود، وفي حق الجمادات الانقياد. فان قيل: قوله " من في السماوات والأرض " لفظ العموم فيدخل فيه الناس، فلم قال مرة أخرى " وكثير من الناس "؟ قلنا: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون، فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك. القول الثاني في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته، و الممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال: " وأن إلى ربك المنتهى " وكما أن الامكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض، فإن ذلك علامة وضعية للافتقار، وقد يتطرق إليه الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " وهذا قول القفال. القول الثالث أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى " يتفيؤوا ظلاله - الآية - " وهذا قول مجاهد - انتهى -. قوله تعالى " أو بي معه " قال البيضاوي: أي ارجعي معه التسبيح على الذنب أو النوحة، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها، أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل فيها، أو: سيري معه حيث سار. و " الطير " عطف على محل " الجبال ". " وألنا له الحديد " جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بآلاته أو بقوة " عين القطر " أي النحاس المذاب أسال [4] له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ولذلك سماه عينا. و [كان] ذلك باليمن . " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا " أي كراهة أن تزولا، فإن الممكن حال بقائه لابد له من حافظ أو يمنعهما أن تزولا لان الامساك منع. " ولئن زالتا إن أمسكهما " أي ما أمسكهما " من أحد من بعده " أي من بعد الله أو من بعد الزوال، والجملة سادة مسد الجوابين، و " من " الأولى مزيدة، والثانية للابتداء " إنه كان حليما غفورا " حيث أمسكهما وكانتا جديرتين أن تهدا هدا، لاعمال العباد. قوله تعالى " فيه بأس شديد " فإن آلات الحرب متخذة عنه " ومنافع للناس " إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها " وليعلم الله من ينصره ورسله " باستعمال الأسلحة ومجاهدة الكفار، والعطف على محذوف دل عليه ما قبله، فإنه حال يتضمن تعليلا أو اللام صلة لمحذوف، أي أنزله ليعلم الله " بالغيب " حال من المستكن في " ينصره ". " إن الله قوي " على إهلاك من أراد إهلاكه " عزيز " لا يفتقر إلى نصرة، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه. وقال الرازي: وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحرب متخذة منه، وفيه أيضا منافع كثيرة منها قوله تعالى " وعلمناه صنعة لبوس لكم " ومنها أن مصالح العالم إما أصول وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة، والحياكة، وبناء البيوت، والسلطنة. وذلك لان الانسان يضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يسكن فيه، والانسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه ليشتغل كل واحد منهم بمهم خاص فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل وذلك الانتظام لابد وأن يفضي إلى المزاحمة ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض وذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الأصول الأربعة. أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد وذلك من كرب الأرض وحفرها، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لا بد من جزها وتنقيتها وذلك لا يتم إلا بالحديد . ثم لا بد من خبزها ولا يتم إلا بالنار ولابد فيها من المقدحة الحديدية. وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها من قشورها وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد. ثم يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم نفزع [2] في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، والذهب لا يقوم مقام الحديد في شئ من هذه المصالح، فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شئ من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا. ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة جعله سهل الوجدان كثير الوجود والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر جود الله ورحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجاتهم إليه أكثر جعل وجدانه أسهل. ولهذا قال بعض الحكماء: إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة مات الانسان في الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجدانا، وهيأ أسباب التنفس وآلاته، حتى أن الانسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه من غير حاجة فيه إلى تكلف عمل. وبعد الهواء الماء، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلا من تحصيل الهواء. وبعد الماء الطعام، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء. ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة والعزة، فكل ما كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل، وكل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا لا جرم كانت عزيزة جدا. فعلمنا أن كل شئ كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله أشد من الحاجة إلى كل شئ فنرجو من رحمة الله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا .
الهوامش31
[2]قد مر مرسلا عن المحاسن تحت الرقم [14].ص 163
[١]الحجر: ١٩.ص 164
[٢]النحل: ٤٨ - ٤٩.ص 164
[٣]الاسراء: ٤٤.ص 164
[٤]الأنبياء: ٦٠.ص 164
[٥]الأنبياء: ٧٩ - ٨١.ص 164
[٦]الحج: ١٨.ص 164
[7]سبأ: 10 - 12.ص 164
[١]فاطر: ٤١.ص 165
[٢]ص: ١٨.ص 165
[٣]ص: ٣٦.ص 165
[٤]الحديد: ٢٥.ص 165
[1]في المصدر: بان الجناح للطيران مغائر للدبيب.ص 167
[2]الانعام: 31.ص 167
[3]مفاتيح الغيب: ج 20، ص 43.ص 167
[١]يس: ٨٣.ص 169
[٢]العنكبوت: ٦٤.ص 169
[3]الزلزال: 4 [4] فصلت: 21.ص 169
[١]البقرة: ٦٥، والأعراف: 165.ص 170
[2]مجمع البيان: ج 7، ص 54.ص 170
[3]أنوار التنزيل: ج 2، ص 86.ص 170
[4]هذا تنزيل لمقام إرادته القاهرة التي بها تسببت الأسباب وانسجم نظام الكون. و يستلزم جعلها في عداد الشرائط المادية، ويترتب عليه لوازم نغمض عن ذكرها. والحق أن جميع الآيات والمعجزات خرق للنظام المتعارف الذي نتعاهده معاشر الناس في حياتنا ونعرف فيه أسبابا وشرائط وجودية. وعدمية ومعدات لكن ليس خرقا للنظام العلى والمعلولي رأسا، فجعل النار بردا مثلا ليس إبطالا للنظام السببي، لمسببي الحاكم على العالم بحذافيره، بل إعمال لأسباب وشرائط لا نتعداها ويكفى له إيجاد مانع من تأثير النار في جسمه عليه السلام أو حول بدنه أو تسخير النار لايجاد البرودة كما تسخر قوة الكهرباء اليوم له، كل ذلك لامن طريق متعارف عند الناس بل بسبب إلهي وطريق غيبي ومجرى نفسي غير مشهود للعامة، والله على كل شئ قدير.ص 170
[1]مجمع البيان: ج 7، ص 58.ص 171
[1]في المصدر: أو.ص 172
[2]مفاتيح الغيب: ج 22، ص 200.ص 172
[١]النجم: ٤٢.ص 174
[2]مفاتيح الغيب: ج 23، 20.ص 174
[3]في المصدر: تأملها [4] فيه: أساله.ص 174
[5]أنوار التنزيل: ج 2، ص 285.ص 174
[1]في المصدر: ثم الحبوب لا بد من طحنها وذلك لا يتم الا بالحديد [2] في المصدر: يحتاج.ص 175
[١]مفاتيح الغيب: ج ٢٩، ص ٢٤٢.ص 176