وعن عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال:
Show clickable narrator chain
هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام .
الهوامش1
[١]المصدر: ج ٣، ٣١٣.ص 193
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 58, Page 193
وعن عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وآله في قوله تعالى " لهم البشرى في الحياة الدنيا " قال:
هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام .
[١]المصدر: ج ٣، ٣١٣.ص 193
وعن أبي قتادة قال:
الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ثم ليستعذ بالله من شرها فإنها لا تضره .
[٢]المصدر: ج ٣، ٣١٣.ص 193
وعن عوف بن مالك قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرؤيا على ثلاثة: منها تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم، ومنها الامر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام، ومنها جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة .
[٣]الدر المنثور: ج ٣، 313.ص 193
وعن سليم بن عامر أن عمر بن الخطاب قال:
العجب من رؤيا الرجل إنه يبيت فيرى الشئ لم يخطر له على بال، فيكون رؤياه كأخذ باليد. ويرى الرجل الرؤيا فلا يكون رؤياه شيئا. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله يقول: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى " فالله يتوفى الأنفس كلها، فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها. فعجب عمر من قوله .
[4]المصدر: ج 5، ص 329.ص 193
[١]المصدر: ج ٣، ٣١٣.
[٢]المصدر: ج ٣، ٣١٣.
[٣]الدر المنثور: ج ٣، 313.
[٤]المصدر: ج 5، ص 329.
Complete indexed hadith starts here; printed across pages 193-205.
الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن درست بن أبي منصور، عن أبي بصير قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد، قال: صدقت، أما الكاذبة المختلفة فإن الرجل يراها في أول ليلة في سلطان المردة الفسقة، وإنما هي شئ يخيل إلى الرجل وهي كاذبة مخالفة لا خير فيها، وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة - وذلك قبل السحر - فهي صادقة لا تختلف إن شاء الله، إلا أن يكون جنبا أو يكون على غير طهور أو لم يذكر الله عز وجل حقيقة ذكره، فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها. إنه إما بسبب جنابة أو حدث أو غفلة عن ذكر الله تعالى، فإنها توجب البعد عن الله و استيلاء الشيطان. وقال في شرح السنة: قال أرباب التعبير: رؤيا الليل أقوى من رؤيا النهار، و أصدق ساعات الرؤيا وقت السحر. وروي عن أبي سعيد قال: أصدق الرؤيا بالاسحار. وقال ابن حجر - في فتح الباري -: ذكر الدينوري أن رؤيا أول الليل يبطئ تأويلها، ومن النصف الثاني يسرع، وإن أسرعها تأويلا وقت السحر ولا سيما عند طلوع الفجر. وعن جعفر الصادق عليه السلام: أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة. تفصيل وتبيين ولما كان أمر الرؤيا وصدقها وكذبها مما اختلفت فيه أقاويل الناس، فلا بأس فنقول: لا ريب ان النائم عندما يرى شيئا من المنامات تحصل له إدراكات من غير طرق الحواس الظاهرة وتسمية تلك الادراكات بالخيالات لا تخرجها عن واقعها، فان الخيال حتى الفاسد الباطل منه له حصول في الذهن ووجود علمي للنفس، وإنما فساده وبطلانه من ناحية عدم انطباقه على الخارج. ولا ريب في حكاية كثير من المنامات عن وقوع أشياء في الخارج في ما مضى أو ما يأتي مع عدم سبيل للرائي حتى في حال يقظته إلى الاطلاع على شئ منها، وهي أكثر من أن يمكن حملها على الصدفة والاتفاق، وخاصة منامات الأنبياء والأولياء المشتملة على الوحي والالهام كما أنه لا ريب في أن كثيرا منها تمثلات ذهنية لأميال وآمال وتركيبات وتحليلات لما اختزن من الصور في خزانة الخيال. وهذه النوع الأخير من الرؤيا - وإن انقسم إلى أقسام مختلفة - يرجع إلى بروز ما كمن في النفس إلى ساحة الحواس الباطنة وادراك النفس لها بتوسيط تلك الحواس مرة أخرى. ومعرفة علل هذا الأفاعيل النفسية ومدى ارتباطها بالحالات البدنية والروحية رهينة لتجارب كثيرة لا يزال علماء النفس مشتغلين بها. اما النوع الأول منه فلا يمكن تعليله بأمثال تلك العلل فحسب كما لا يخفى. وبعبارة أخرى حصول هذا النوع من الادراكات للنفس ليس معلولا لحالات فسيولوجية أو ظاهرات بسيكولوجية معينة. فأي حاله بدنية أو نفسية توجب العلم بوجود كنز على المقدار معين في مكان خاص أو بحدوث حادثة مشخصة في زمان خاص في المستقبل؟! وما هو الذي يمكن أن يجعل وجه الربط بين الظاهرات الجسمية والروحية في الانسان وبين العلم بقضايا عازبة عن ذهنه بموضوعاتها ومحمولاتها؟! فهذه المعلومات ليست مما يستقل به النفس من الادراك بصرف النظر عما هو خارج عن ذاتها رأسا والغير الذي يمكن أن يشارك النفس في حصول هذه الادراكات لها بوجه إما أن يكون امرا عقليا محضا، أو مثاليا برزخيا، ولا يكون أمرا ماديا البتة، للقطع بعدم حصول ارتباط مادي بين الانسان وبين موجود مادي آخر مما يقع تحت الحواس في حال النوم بحيث يمكن إسناد تلك العلوم إليه بوجه. فعلى فرض جعل المشارك للنفس امرا عقليا يصير الرؤيا اتصالا للنفس بموجود عقلي في المنام وتمثل ما تستفيد منه حسب استعدادها بصور جزئية في عالمها المثالي. وإن شئت قلت: في ساحة الحواس الباطنة ولوح الذهن وعلى فرض جعل المشارك أمرا مثاليا يصير الرؤيا إشرافا للنفس على عالم المثال ومشاهدة أمور هناك مباشرة. وكلاهما مما يصح فرضه عقلا، ولا ينفيه دليل شرعي، بل يوجد في الاخبار ما يؤيدهما بل يدل عليهما، فعليك بإجادة التدبر فيها. وسيأتي في المتن أقوال عدة من العلماء والباحثين تعرف مواقع النظر فيها مما تلونا عليك، فلا نتصدى لنقدها بالتفصيل حذرا من التطويل. أن نذكر ههنا بعض أقوال المتكلمين والحكماء، ثم نبين ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمة الأنام عليهم السلام. فأما الحكماء فقد بنوا ذلك على ما أسسوه من انطباع صور الجزئيات في النفوس المنطبعة الفلكية، وصور الكليات في العقول المجردة، وقالوا: إن النفس في حالة النوم قد تتصل بتلك المبادئ العالية فتحصل لها بعض العلوم الحقة الواقعة، فهذه هي الرؤيا الصادقة، وقد يركب المتخيلة بعض الصور المخزونة في الخيال ببعض، فهذه هي الرؤيا الكاذبة. وقال بعضهم: إن للنفوس الانسانية اطلاعا على الغيب في حال المنام وليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك من نفسه تجارب أوجبته التصديق، وليس ذلك بسبب الفكر، فإن الفكر في حال اليقظة التي هو فيها أمكن يقصر عن تحصيل مثل ذلك، فكيف في حال النوم، بل بسبب أن النفوس الانسانية لها مناسبة الجنسية إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال، ولها أن تتصل بها اتصالا روحانيا وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها، لان اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلية عن الانتقاش بما في المبادئ العالية، لان أحد العائقين هو اشتغال النفس بالبدن، و لا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلية ما دام البدن صالحا لتدبيرها، إلا أنه قد يسكن أحد الشاغلين في حالة النوم، فإن الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرايين و ينصب إلى الحواس الظاهرة حالة الانتشار ويحصل الادراك بها، وهذه الحالة هي اليقظة فتشتغل النفس بتلك الادراكات، فإذا انخنس الروح إلى الباطن تعطلت هذه الحواس وهذه الحالة هي النوم، وبتعطلها يخف إحدى شواغل النفس عن الاتصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها، فيتصل حينئذ بتلك المبادئ اتصالا روحانيا، ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ مما استعدت هي لان تكون منتقشة به، كالمرايا إذا حوذي بعضها ببعض، والقوة المتخيلة جبلت محاكية لما يرد عليها، فتحاكي تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية مناسبة لها، ثم تصير تلك الصور الجزئية في الحس المشترك فتصير مشاهدة، وهذه هي الرؤيا الصادقة. ثم إن الصور التي تركبها القوة المتخيلة إن كانت شديدة المناسبة لتلك المعاني المنطبعة في النفس حتى لا يكون بين المعاني التي أدركتها النفس وبين الصور التي ركبتها القوة المتخيلة تفاوت إلا في الكلية والجزئية، كانت الرؤيا غنية عن التعبير، وإن لم تكن شديدة المناسبة إلا أنه مع ذلك تكون بينهما مناسبة بوجه ما، كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير، وهو أن يرجع من الصورة التي في الخيال إلى المعنى الذي صورته المتخيلة بتلك الصورة. وأما إذا لم تكن بين المعنى الذي أدركته النفس وبين الصورة التي ركبتها القوة المتخيلة مناسبة أصلا لكثرة انتقالات المتخيلة من صورة إلى صورة لا تناسب المعنى الذي أدركته النفس أصلا، فهذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام، و لهذا قالوا: لا اعتماد على رؤيا الشاعر والكاذب، لان قوتهما المتخيلة قد تعودت الانتقالات الكاذبة الباطلة (انتهى). ولا يخفى أن هذا رجم بالغيب، وتقول بالظن والريب، ولم يستند إلى دليل وبرهان، ولا إلى مشاهدة وعيان، ولا إلى وحي إلهي، مع ابتنائه على إثبات العقول المجردة والنفوس الفلكية المنطبعة، وهما مما نفتهما الشريعة المقدسة، كما تقرر في محله. وقال الرازي في - المطالب العالية - في بيان طريقة الفلاسفة في كيفية صدور المعجزات والكرامات عن الأنبياء والأولياء: قالوا: قد عرفت أن انطباع الصور في الحس المشترك على وجهين: أحدهما أن الحواس الظاهرة إذا أخذت صور المحسوسات الموجودة في الخارج وأدتها إلى الحس المشترك فحينئذ تنطبع في الحس المشترك و تصير مشاهدة له. والثاني: أن القوة المتخيلة التي من شأنها تركيب الصور بعضها بالبعض إذا ركبت صورة فإن تلك الصورة قد تنطبع في الحس المشترك، ومتى حصل الانطباع وجب أن تصير مشاهدة، وذلك لان في القسم الأول إنما صارت تلك الصورة مشاهدة لأجل أن تلك الصور انطبعت في الحس المشترك، لا لأجل أنها وردت عليه من الخارج، وإذا كان كذلك وجب أيضا في الصور المنحدرة عليه من جانب المتخيلة أن تصير مشاهدة. ومثال الحس المشترك المرآة، فإن كل صورة تنطبع فيها من أي جانب كان صارت مشاهدة، فكذلك الصور المنطبعة في الحس المشترك إذا انطبعت فيه من أي جانب كان وجب أن تصير محسوسة. إذا عرفت هذا فنقول: الصور التي تشاهدها الأبرار والكهنة والنائمون والممرورون ليست موجودة في الخارج. فإنها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يراها كل من كان سليم الحس، بناء على أنه متى كانت الحاسة سليمة وكان الشئ الحاضر بحيث تصح رؤيته ولم يحصل القرب القريب والبعد البعيد واللطافة والصغر وحصلت المقابلة فعند حضور هذه الشرائط يكون الادراك والابصار واجبا، إذ لو جاز أن لا يحصل الادراك عند حضور هذه الشرائط لجاز أن يصير عندنا جبال عظيمة وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها، ومعلوم أن تجويزه يوجب الجهالات العظيمة. فثبت بهذا أن تلك الصور غير موجودة في الخارج، فيجب الجزم بأن ورودها على الحس المشترك إنما كان من الداخل، وهو أن القوة المتخيلة ركبت تلك الصور فانحدرت إلى الحس المشترك فصارت مرئية. وقد كان الواجب أن تحصل هذه الحاصلة أبدا، إلا أن العائق عنه أمران: الأول أن الحس المشترك إذا حصلت فيه الصور المأخوذة من الخارج لم يتسع للصور التي يركبها المتخيلة، فحينئذ تصير الصور التي يركبها المتخيلة بحيث لا يمكن انطباعها في الحس المشترك. والثاني أن القوة العاقلة تكون مسلطة على القوة المتخيلة فيمنعها عن تركيب تلك الصور. إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا انتفى الشاغلان معا أو أحدهما فإنه يحصل ذلك التلويح وذاك التشبيح، أما في وقت النوم فقد زال أحد الشاغلين وهو الحس الظاهر، فلا ينتقل من الحواس الظاهرة إلى الحس المشترك شئ من الصور، فيبقى لوح الحس المشترك خاليا عن النقوش الخارجية، فيستعد لقبول الصور التي تركبها المتخيلة، فتنحدر تلك الصورة من المتخيلة إلى لوح الحس المشترك، فتصير محسوسة. وأما في وقت المرض فإن النفس تصير مشغولة بتدبير البدن فلا تتفرغ لمنع القوة المتخيلة من تركيب تلك الصور، فحينئذ تقوى القوة المتخيلة على عملها، وإذا قويت على هذا العمل عصت الحس المشترك عن قبول الصور الخارجية، فوردت عليه هذه الصور، فتصير مشاهدة محسوسة. والصور الهائلة التي تصير مشاهدة في حالة الخوف فهي من هذا الباب، فإن الخوف المستولي على النفس يصدها عن تأديب المتخيلة، فلا جرم تقدر المتخيلة على رسم صورها في الحس المشترك كصورة الغول وغيرها. وكذلك قد يستولي على النفوس الضعيفة العقل قوى أخرى كشهوة شئ، فتشتد تلك الشهوة حتى تغلب العقل، فالمتخيلة تركب صورة ذلك المشتهى، وتنطبع تلك الصورة في لوح الحس المشترك فتصير محسوسة. إذا عرفت هذا فنقول: إنه يتفرع عليه أشياء كثيرة: الفرع الأول: في سبب المنامات الصادقة والكاذبة اعلم أن الصور التي تركبها المتخيلة قد تكون كاذبة وقد تكون صادقة، أما الكاذبة فوقوعها على ثلاثة أوجه: الأول أن الانسان إذا أحس بشئ وبقيت صورة ذلك المحسوس في خزانة الخيال فعند النوم ترتسم تلك الصورة في الحس المشترك فتصير مشاهدة محسوسة. والثاني أن القوة المفكرة إذا ألفت صورة ارتسمت تلك الصورة في الخيال، ثم وقت النوم تنتقل تلك إلى الحس المشترك فتصير محسوسة، كما أن الانسان إذا تفكر في الانتقال من بلد إلى بلد وحصل في خاطرة شئ أو خوف عن شئ فإنه يرى تلك الأحوال في النوم والثالث أن مزاج الروح الحامل للقوة المفكرة إذا تغير فإنه تتغير أحوال القوة المفكرة، ولهذا السبب فإن الذي يميل مزاجه إلى الحرارة يرى في النوم النيران والحريق والدخان ومن مال مزاجه إلى البرودة يرى الثلوج، ومن مال مزاجه إلى الرطوبة يرى الأمطار، ومن مال مزاجه إلى اليبوسة يرى التراب والألوان المظلمة. فهذه الأنواع الثلاثة لا عبرة بها البتة، بل هي من قبيل أضغاث الأحلام. وأما الرؤيا الصادقة فالكلام في ذكر سببها متفرع على مقدمتين: إحداهما أن جميع الأمور الكائنة في هذا العالم الأسفل مما كان ومما سيكون ومما هو كائن موجود في علم الباري تعالى وعلم الملائكة العقلية والنفوس السماوية. والثانية: أن النفس الناطقة من شأنها أن تتصل بتلك المبادئ وتنتقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادئ وعدم حصول هذا المعنى ليس لأجل البخل من تلك المبادئ، أو لأجل أن النفس الناطقة غير قابلة لتلك الصور، بل لأجل أن استغراق النفس في تدبير البدن صار مانعا من ذلك الاتصال العام. إذا عرفت هذا فنقول: النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن اتصلت بطباعها بتلك المبادئ، فينطبع فيها بعض تلك الصور الحاضرة عند تلك المبادئ وهو الصور التي هي أليق بتلك النفس، ومعلوم أن أليق الأحوال بها ما يتعلق بأحوال ذلك الانسان وبأصحابه وبأهل بلده وإقليمه. وأما إن كان ذلك الانسان منجذب الهمة إلى تحصيل علوم المعقولات لاحت له منها أشياء، ومن كانت همته مصالح الناس رآها. ثم إذا انطبعت تلك الصور في جوهر النفس الناطقة أخذت المتخيلة التي من طباعها محاكاة الأمور، في حكاية تلك الصور المنطبعة في النفس بصور جزئية يناسبها . ثم إن تلك الصور تنطبع في الحس المشترك فتصير مشاهدة، فهذا هو سبب الرؤيا في المنام. ثم إن تلك الصور التي ركبتها المتخيلة لأجل تلك المعاني قد تكون شديدة المناسبة لتلك المعاني، فتكون هذه الرؤيا غنية عن التعبير، وقد لا تكون كذلك إلا أنها أيضا مناسبة لتلك المعاني من بعض الوجوه، وههنا تحتاج هذه المنامات إلى التعبير. وفائدة التعبير التحليل بالعكس، يعني أن يرجع المعبر من هذا الصور الحاضرة في الخيال إلى تلك المعاني. والقسم الثالث أن لا تكون هذه الصور مناسبة لتلك المعاني البتة، وذلك يكون لاحد وجهين: أحدهما أن يكون حدوث هذا الخيال الغريب إنما كان لوجه واحد من الوجوه الثلاثة المذكورة في سبب أضغاث الأحلام. والثاني: أن يكون ذلك لأجل أن القوة المتخيلة ركبت لأجل ذلك المعنى صورة، ثم ركبت لأجل تلك الصورة صورة ثانية، وللثانية ثالثة، وأمعنت في هذه الانتقالات، فانتهت بالآخرة إلى صورة لا تناسب المعنى التي أدركته النفس أولا البتة، وحينئذ يصير هذا القسم أيضا من باب أضغاث الأحلام، ولهذا السبب قيل: إنه لا اعتماد على رؤيا الكاذب والشاعر، لان القوة المتخيلة منهما قد عودت الانتقالات الكاذبة الباطلة - والله أعلم -. الفرع الثاني في كيفية الاخبار عن الغيب. اعلم أن النفس الناطقة إذا كانت كاملة القوة وافية في الوصول إلى الجوانب العالية والسافلة، وتكون في القوة بحيث لا يصير اشتغالها بتدبير البدن عائقا لها عن الاتصال بالمبادئ المفارقة، ثم اتفق أيضا أن كانت قوته الفكرية [قوية] قادرة على انتزاع لوح الحس المشترك عن الحواس الظاهرة، فحينئذ لا يبعد أن يقع لمثل هذه النفس في حال اليقظة مثل ما يقع للنائمين من الاتصال بالمبادئ المفارقة، فحينئذ يرتسم عن بعض تلك المفارقات صور تدل على وقائع هذا العالم في جوهر النفس الناطقة. ثم إن القوة لأجل قوتها تركب صورة مناسبة لها، ثم تنحدر تلك الصورة إلى لوح الحس المشترك فتصير مشاهدة، وعند هذه الحال يسمع ذلك الانسان كلاما منظوما من هاتف، وقد يشاهد منظرا في أكمل هيئة وأجل صورة تخاطبه تلك الصورة بما يهمه من أحوال من يتصل به. ثم إن كانت هذه الصورة المحسوسة منطبقة على تلك المعاني التي أدركتها النفس الناطقة كان ذلك وحيا صريحا، وإن كانت الصورة الخيالية مخالفة لذلك المعنى العقلي من بعض الوجوه كان ذلك وحيا محتاجا إلى التأويل. والصارف للقوة المتخيلة عن هذا التغير والتبديل أمران: الأول: أن الصورة المنطبقة في النفس الناطقة الفائضة من جانب المبادئ العالية لما فاضت على غاية الجلاء والوضوح صارت تلك القوة مانعة للخيال عن التصرف فيها، كما أن الصور المحسوسة المأخوذة من الخارج إذا كانت في غاية القوة فحينئذ يقوى على منع القوة المتخيلة من التصرف في تلك الصورة بالتغيير والتبديل. النوع الثاني: أن النفوس التي ليس لها من القوة ما يقوى علي الاتصال بعالم الغيب في حال اليقظة فر بما استعانت في حال اليقظة بما يدهش الحس ويحير الخيال كما يستعين بعضهم بشد حثيث، وبعضهم بتأمل شئ شفاف أو برق لامع يورث البصر ارتعاشا، فإن كل ذلك مما يدهش الخيال فيستعد النفس بسبب حيرتها وانقطاعها في تلك اللحظة عن تدبير البدن لانتهاز فرصة إدراك الغيب. والشرط في هذا أن يكون ذلك الانسان ضعيف العقل مصدقا لكل ما يحكى له من مسيس الجن، مثل الصبيان والنسوان والبله، فهؤلاء إذا ضعفت حواسهم وكانت أوهامهم شديدة الانجذاب إلى مطلوب معين، فحينئذ يقع لنفوسهم التفات في تلك اللحظة إلى عالم الغيب، ويتأمل ذلك المطلوب، فتارة يسمع خطابا ويظن أنه جني، وتارة تتراءى له صور مشاهدة فيظن أنها من إخوان الجن، فيلقى إليه من الغيب ما ينطق به في أثناء الغشي فيأخذه السامعون ويبنون عليه تدابير هم في مهماتهم. فهذا ما قرره الشيخ الرئيس في هذا الباب واعلم أن الأصل في جملة هذه التفاريع أمران: الأول أن يقال: هذه الصور التي تشاهدها الأنبياء والأولياء وغير هم ليست موجودة في الخارج، لأنها لو كانت موجودة في الخارج لوجب أن يدركها كل من كان [له] سليم الحس، إذ لو جوزنا أن لا يحصل الادراك مع حصول هذه الشرائط لجاز أن تكون بحضرتنا جبال ورعود ونحن لا نراها ولا نسمعها، وذلك يوجب السفسطة. ولا يخفى أن الجهالات التي ألزمتموها على هذا القول هي على قولكم ألزم، وذلك لأنا لو جوزنا أن يرى الانسان صورا ويشاهدها ويتكلم معها ويسمع أصواتها ويرى أشكالها ثم إنها لا تكون موجودة البتة في الخارج، جاز أيضا في كل هذه الأشياء التي نراها ونسمعها من صور الناس والجبال والبحار وأصوات الرعود أن لا يكون لشئ منها وجود في الخارج، بل يكون محض الخيالات ومحض الصور المرتسمة في الحس المشترك، ومعلوم أن القول به محض السفسطة. بل نقول: هذا في البعد عن الحق والغوص في الجهالة أشد من الأول، لان على القول الذي نقول نحن جازمون بأن كل ما رأيناه فهو موجود حق، إلا أنه يلزمنا تجويز أن يكون قد حضر عندنا أشياء ونحن لا نراها، وتجويز هذا لا يوجب الشك في وجود ما رأيناه وسمعناه، أما على القول الذي يقولونه فإنه يلزم وقوع الشك في وجود كل صورة رأيناها وكل صوت سمعناه وذلك هو الجهالة والسفسطة الكاملة. فثبت أن القول الذي اختر تموه في غاية الفساد. فإن قالوا: إن حصول هذه الحالة لحصول أحوال، منها أن يكون كامل النفس قوي العقل كما في حق الأنبياء والأولياء، فإذا لم يحصل شئ من هذه الأحوال وكان الانسان باقيا على مقتضى المزاج المعتدل لم يحصل شئ من هذه الأحوال، فحينئذ يحصل القطع بوجود هذه الأشياء في الخارج. فنقول في الجواب: إن بالطريق الذي ذكرتم ظهر أنه لا يمتنع أن يحس الانسان بوجود صور مع أنها لا تكون موجودة أصلا وإذا ظهر جواز هذا المعنى فنحن إنما يمكننا انتفاء هذه الحالة إذا دللنا على أن الأسباب الموجبة لحصول هذه الحالة محصورة في كذا وكذا، ونقيم علي هذا الحصر برهانا يقينيا، ثم نبين في المقام الثاني أنها بأسرها منتفية زائلة بالبرهان اليقيني ثم نبين في المقام الثالث أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن السبب، فإن بتقدير أن يكون الامر كذلك لم يلزم من زوال تلك الأسباب زوال هذه الحالة، ثم على تقدير إقامة البراهين القاطعة على صحة هذه المقدمات يصير جزمنا بحصول هذه المحسوسات في الخارج موقوفا على إثبات هذه المقدمات النظرية الغامضة، والموقوف على النظري الغامض أولى أن يكون نظريا غامضا، وحينئذ تبطل هذه العلوم المستفادة من الحواس بطلانا كليا، فثبت أن القول الذي ذكر تموه قول باطل يوجب التزام السفسطة. واعلم أن الذي حمل هؤلاء الفلاسفة على ذكر هذه العلل والأسباب إطباقهم على إنكار الملائكة وعلى إنكار الجن، وقد بينا في كتاب الأرواح أنه ليس لهم شبهة ولا خيال يدل على نفي هذه الأشياء، وإذا كان أصل هذه الأقوال نفي الملائكة والجن - وقد عرفت أنه ليس لهم فيه دليل وفرعه مما يوجب القول بالسفسطة - كان هذا القول في غاية الفساد والبطلان. فهذا تمام الكلام في هذا الأصل. وأما الأصل الثاني فهو أن هذه الكلمات متفرعة على إثبات إدراك الحواس الباطنة، ونحن قد بينا بالبرهان القاهر القاطع أن المدرك لجميع الادراكات هو النفس الناطقة، وأن القول بتوزيع الادراكات على قوى متفرقة قول باطل وكلام فاسد، فثبت بهذه البيانات أن كلامهم في غاية الضعف والفساد. والحق أن هذا الباب يحتمل وجوها كثيرة: فأحدها أنا بينا أن النفوس الناطقة أنواع كثيرة ذو طوائف مختلفة، ولكل طائفة منها روح فلكي كلي هو العلة لوجودها، وهو المتكفل بإصلاح أحوالها، وذلك الروح الفلكي كالأصل والمعدن والينبوع بالنسبة إليها، وسميناه بالطباع التام، فلا يمتنع أن يكون الذي يراها في المنامات وفي اليقظة أخرى، وعلى سبيل الإلهامات ثالثا هو ذلك الطباع التام، ولا يمتنع كون ذلك الطباع التام قادرا على أن يتشكل بأشكال مختلفة بحسب جسم مخصوص هوائي في جميع أعماله. وثانيها أن تثبت طوائف الملائكة وطوائف الجن، ونحكم بكونها قادرة على أن تأتي بأعمال مخصوصة عندها يظهرون للبشر، وعلى أعمال أخرى عندها يحتجبون عن البشر، فهذا ما نقوله في هذا الباب (انتهى). وقال في المواقف وشرحه: وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين أي جمهورهم أما عند المعتزلة شرائط الادراك حالة النوم من المقابلة وإثبات الشعاع وتوسط الهواء الشفاف والبنية المخصوصة وانتفاء الحجاب، إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الادراكات، فما يراه النائم ليس من الادراكات في شئ بل هو من قبيل الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة. وأما عند الأصحاب إذا لم يشترطوا في الادراك شيئا من ذلك فلانه خلاف العادة: أي لم تجر عادته تعالى بخلق الادراكات في الشخص وهو نائم ولان النوم ضد للادراك فلا يجامعه، فلا يكون الرؤيا إدراكا حقيقة، بل هو من قبيل الخيال الباطل. وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه إدراك حق بلا شبهة، إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من إبصار المبصرات وسمع المسموعات وذوق وغيرها من الادراكات، وبين ما يجده اليقظان في إدراكاته، فلو جاز التشكيك فيه لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان، ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة حقيقتها بالبديهة، ولم يخالف الأستاذ في كون النوم ضدا للادراك، لكنه زعم أن الادراك يقوم بجزء من أجزاء الانسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه، فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد.
[١]في المصدر: لا تخلف.ص 194
[٢]فيه، أو ينام على غير طهور ولم يذكر.ص 194
[٣]روضة الكافي: ٩١.ص 194
[1]مسألة الرؤيا من غوامض المسائل النفسية، وقد بقيت بعد جهات منها في قيد الابهام. ولنبدأ بالإشارة إلى جوانب بينة منها لعلها تساعد على توضيح بعض جوانبها الأخرى.ص 195
[1]تناسبها (ظ).ص 200
[1]كذا، والظاهر " قوتها ".ص 201
[1]المنطبعة (ظ).ص 202
[1]فإنه (ظ).ص 203
[1]في أكثر النسخ " للمسموعات ".ص 205