Complete indexed hadith starts here; printed across pages 14-16.
تفسير : قال الطبرسي رحمه الله : « إلا الذين تابوا » أي ندموا على ما قدموا وأصلحوا نياتهم فيما يستقبل من الاوقات ، « وبينوا » اختلف فيه : فقال أكثر المفسرين : بينوا ما كتموه من البشارة بالنبي (ص) ، وقيل : بينوا التوبة وإصلاح السريرة بالاظهار لذلك ، فإن من ارتكب المعصية سرا كفاه التوبة سرا ، ومن أظهر المعصية يجب عليه أن يظهر التوبة. وقيل : بينوا التوبة بإصلاح العمل « فاولئك أتوب عليهم » أي أقبل توبتهم « وأنا التواب الرحيم » هذه اللفظة للمبالغة ، إما لكثرة ما يقبل التوبة ، وإما لانه لا يرد تائبا منيبا أصلا ، ووصفه نفسه بالرحيم عقيب التواب يدل على أن إسقاط العقاب بعد التوبة تفضل من الله سبحانه ورحمة من جهته على ما قاله أصحابنا ، وإنه غير واجب عقلا على ما ذهب (١) قال الطبرسى رحمه الله : ثم خاطب سبحانه عائشة وحفصة فقال : « إن تتوبا إلى الله »من التعاون على النبى 9 بالايذاء والتظاهر عليه فقد حق عليكما التوبة ووجب عليكما الرجوع إلى الحق ، فقد « صغت »أى مالت « قلوبكما »إلى الاثم عن ابن عباس ومجاهد. وقيل : معناه : ضاقت قلوبكما عن سبيل الاستقامة وعدلت عن الثواب إلى ما يوجب الاثم. وقيل : تقديره : إن تتوبا إلى الله يقبل توبتكما. وقيل : إنه شرط في معنى الامر ، أى توبا إلى الله فقد صغت قلوبكما. إليه المعتزلة ، فإن قالوا : قد يكون الفعل الواجب نعمة إذا كان منعما بسببه كالثواب والعوض لما كان منعما بالتكليف وبالآلام التي يستحق بها الاعواض جاز أن يطلق عليهما اسم النعمة ، فالجواب أن ذلك إنما قلناه في الثواب والعوض ضرورة ، ولا ضرورة ههنا تدعو إلى ارتكابه. وقال رحمه الله في قوله تعالى « إنما التوبة » : معناه لا توبة مقبولة على الله ، أي عند الله إلا « للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب » واختلف في معنى قوله بجهالة على وجوه : أحدها أن كل معصية يفعلها العبد جهالة وإن كانت على سبيل العمد لانه يدعو إليها الجهل ويزينها للعبد ، عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وقتادة ، وهو المروي عن أبي عبدالله 7. وثانيها أن معنى قوله تعالى : « بجهالة » أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة كما يعلم الشئ ضرورة ، عن الفراء. وثالثها أن معناه أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاص فيفعلونها ، إما بتأويل يخطؤون فيه ، وإما بأن يفرطوا في الاستدلال على قبحها عن الجبائي. وضعف الرماني هذا القول لانه بخلاف ما أجمع عليه المفسرون ، ولانه يوجب أن لا يكون لمن علم أنها ذنوب توبة لان قوله : « إنما التوبة » يفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم. وقال أبوالعالية وقتادة أجمعت الصحابة على أن كل ذنب أصابه العبد فبجهالة. وقال الزجاج : إنما قال : بجهالة لانهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال فهو جهل في الاختيار ومعنى « يتوبون من قريب » أي يتوبون قبل الموت لان ما بين الانسان وبين الموت قريب ، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت. وقال الحسن والضحاك وابن عمر : القريب ما لم يعاين الموت. وقال السدي : هو ما دام في الصحة قبل المرض والموت. وروي عن أميرالمؤمنين صلوات الله عليه أنه قيل : فإن عاد وتاب مرارا؟ قال : يغفر الله له ، قيل : إلى متى؟ قال : حتى يكون الشيطان هو المحسور. وفي كتاب من لا يحضره الفقيه قال : قال رسول الله (ص) في آخر خطبة خطبها : من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه ، ثم قال : وإن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ، ثم قال وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه ، ثم قال : وإن يوما لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ، ثم قال : وإن الساعة لكثيرة ، من تاب وقد بلغت نفسه هذه ـ وأهوى بيده إلى حلقه ـ تاب الله عليه. « ص ٣٢ » وروى الثعلبي بإسناده عن عبادة بن الصامت ، عن النبي 9 هذا الخبر بعينه إلا أنه قال في آخره : وإن الساعة لكثيرة من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه. وروى أيضا بإسناده عن الحسن قال : قال رسول الله 9 : لما هبط إبليس قال : وعزتك وجلالك وعظمتك لا افارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده ، فقال الله سبحانه : وعزتي وجلالي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغربها. « فاولئك يتوب الله عليهم » أي يقبل توبتهم ، « وكان الله عليما » بمصالح العباد « حكيما » فيما يعاملهم به ، « وليست التوبة » المقبولة التي تنفع صاحبها « للذين يعملون السيئات » أي المعاصي ويصرون عليها ويسوفون التوبة « حتى إذا حضر أحدهم الموت » أي أسبابه : من معاينة ملك الموت ، وانقطع الرجاء من الحياة وهو حال اليأس التي لا يعلمها أحد غير المحتضر « قال إني تبت الآن » أي فليس عند ذلك توبة. وأجمع أهل التأويل على أن هذه قد تناولت عصاة أهل الاسلام ، إلا ما روي عن الربيع أنه قال : إنها في المنافقين ، وهذا لا يصح لان المنافقين من جملة الكفار ، وقد بين الكفار بقوله : « ولا الذين يموتون وهم كفار » أي وليست التوبة أيضا للذين يموتون على الكفر ثم يندمون بعد الموت « اولئك أعتدنا » أي هيأنا « لهم عذابا أليما » أي موجعا. إنما لم يقبل الله عز اسمه التوبة في حال البأس واليأس من الحياة لانه يكون العبد ملجئا هناك إلى فعل الحسنات وترك القبائح فيكون خارجا من حد التكليف إذ لا يستحق على فعله المدح ولا الذم ، وإذا زال عنه التكليف لم تصح منه التوبة ، ولهذا لم يكن أهل الآخرة مكلفين ولا تقبل توبتهم. انتهى كلامه رفع الله مقامه.