Same indexed hadith bihar-28209; it ends on this printed page after beginning on pages 315-341.
Show complete hadith text
Show clickable narrator chain
همام كان رجلا عابدا، فقال له: يا أمير المؤمنين صف لي المتقين، حتى كأني أنظر إليهم، فتثاقل عن جوابه، ثم قال عليه السلام: يا همام اتق الله وأحسن! فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلم يقنع همام بذلك القول حتى عزم عليه، قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد فان الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه، فقسم بينهم معايشهم، ووضعهم من الدنيا مواضعهم. فالمتقون فيها هم أهل الفضائل: منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، و مشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الاجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب، و خوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيما منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، أجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن، يرتلونه ترتيلا يحزنون به أنفسهم، ويستشيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليه مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم. فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم، وأكفهم، وركبهم، وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء، علماء، أبرار، أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول: قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، وإذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم مني بنفسي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون. فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرجا عن طمع يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر يبيت حذرا، ويصبح فرحا: حذرا لما حذر من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة. إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله، سهلا أمره حريزا دينه، ميتة شهوته، مكظوما غيظه، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون. إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين، لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدا فحشه لينا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شره. في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق. إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لاخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة. قال: فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما والله لقد كنت أخافها عليه ثم قال: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال له قائل: فما بالك أنت يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: ويحك إن لكل أجل وقتا لا يعدوه وسببا لا يتجاوزه فمهلا لا تعد لمثلها فإنما نفث الشيطان على لسانك . وقال ابن ميثم : تثاقله عليه السلام لخوفه على همام كما يدل عليه قوله عليه السلام: أما والله لقد كنت أخافها عليه، وأقول: هذا أظهر. " اتق الله وأحسن " أي ليس عليك أن تعرف صفات المتقين على التفصيل ولعل الأصلح لك القناعة بما تعرفه مجملا من صفاتهم، ومراعاة التقوى والاحسان وكأن المراد بالتقوى الاجتناب عما نهى الله عنه، وبالاحسان فعل ما أمر الله به فالكلمة جامعة لصفات المتقين وفضائلهم. " حتى عزم عليه " عزمت على فلان: أقسمت عليه، وعزمت على الامر أي قطعت عليه، وأردت فعله حتما، فالضمير في " عليه " يحتمل عوده إليه عليه السلام، وإلى ما سأله من الوصف على التفصيل والأول أظهر، ورواية الصدوق تعينه . والتعرض للغنى والامن لدفع توهم أن مدح المتقين، والترغيب في الطاعة، والتخويف من المعصية، لانتفاعه سبحانه ودفع المضرة عنه، وليس المعنى أن أفعال الله سبحانه ليست معللة بالاعراض، كما زعمه الحكماء، بل إشارة إلى ما ذكره المتكلمون من أن الغرض لا يعود إليه سبحانه بل إلى العباد، لأنه أراد أن يثيبهم في الآخرة، والثواب هو النفع المقارن للتعظيم والاجلال، وفعله لمن لا يستحق أصلا قبيح عقلا، فلذا كلفهم وبعث إليهم الرسل ووعدهم وأوعدهم، وعرضهم للمثوبات الدائمة الجليلة، وتفصيل ذلك في كتب الكلام. و " المعايش " بالياء جمع معيشة، وهي ما يعاش به، أو فيه، وما يكون به الحياة، قال الله تعالى: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " ومواضع الخلق: مراتبهم، قال الله تعالى: " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات " وهي إشارة إلى الدرجات الدنيوية، كالغنى والفقر، والصحة والمرض، أو الدينية لاختلاف استعداداتهم وقابلياتهم في العلم والعمل، أو الأعم منهما وهو أظهر، والتفريع يؤيد الأخيرين: " منطقهم الصواب " المنطق: النطق أي لا يقولون إلا حقا، ويحترزون عن الكذب والفحش والغيبة وسائر الأقاويل الباطلة، وقيل: أي لا يتكلمون إلا في مقام التكلم، كذكر الله تعالى، وإظهار حق، وإبطال باطل، وكأن الابتداء بالمنطق لكون النفع والضرر في القول أكثر في الأغلب من أعمال سائر الجوارح و " الملبس " بفتح الباء: ما يلبس، والاقتصاد: التوسط بين طرفي الافراط والتفريط، والمعنى أنهم لا يلبسون ما يلحقهم بدرجة المترفين، ولا ما يلحقهم بأهل الخسة والدناءة، أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفين، أو المعنى أن الاقتصاد في الأقوال والافعال، صار شعارا لهم، محيطا بهم، كاللباس للانسان كما مر. " ومشيهم التواضع " أي لا يمشون مشي المختالين والمتكبرين، كما قال عز وجل: " ولا تمش في الأرض مرحا " الآية أو المراد أن سيرتهم وسلوكهم بين الخلق، أو في سبيل الله، بالتواضع والتذلل، " غضوا أبصارهم " غض فلان طرفه: كمد أي خفضه، وكذلك غض من صوته، وكل شئ كففته فقد غضضته " ووقفت " كضربت أي دمت قائما، ووفقته أنا وقفا: أي فعلت به ما وقف ووقفت الرجل عن الشئ وقفا أي منعته عنه، ووقفت الدار وقفا أي حبستها في سبيل الله، والمراد الاقتصار على استماع العلم النافع، وفيه إيماء إلى ذم الاصغاء إلى القصص الكاذبة، بل وكثير من الصادقة، كما سيأتي إنشاء الله. و " الرخاء " بالفتح سعة العيش. قال القطب الراوندي رحمه الله: يعني أن المتقين يتعبون أبدانهم في الطاعات، فيطيبون نفسا بتلك المشقة التي يحتملونها مثل طيب قلب الذي نزلت نفسه في الرخاء، ولا بد من تقدير مضاف لان تشبيه الجمع بالواحد لا يصح أي كل واحد منهم إذا نزل في البلاء، يكون كالرجل الذي نزلت نفسه في الرخاء، ونحوه قوله تعالى: " مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق " قال: ويجوز أن يكون " الذي " بمعنى ما المصدرية كقوله تعالى: " وخضتم كالذي خاضوا " أي نزوله في البلاء كنزوله في الرخاء. وقال ابن ميثم: يحتمل أن يكون المراد بالذي: الذين، فحذف النون كما في قوله تعالى: و " خضتم كالذي خاضوا ". وقال ابن أبي الحديد : موضع كالذي نصب لأنه صفة مصدر محذوف والمراد كالنزول الذي، وقد حذف العائد إليه، وهو الهاء في نزلته كقولك: ضربت الذي ضربت أي ضربت الذي ضربته، وتقدير الكلام نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذي نزلته منهم في حال الرخاء. وقال الكيدري قدس سره: نزلت أنفسهم الخ لأنهم كسروا سورة الشهوة البهيمية، وطيبوا عن أنفسهم نفسا، ووقفوا أشباحهم وأرواحهم على مرضاة الله، وحبسوها في سبيله، فلا مطمح لهم إلى ما فيه نصيب أنفسهم، بل جل عنايتهم مصروفة إلى تحصيل ما خلقوا لأجله، من إعداد زاد المعاد، والاقبال بكل الوجوه على عبادة رب العباد، والتفاتهم إلى الأبدان يكون على طريق الطبع، كالتفات سالك البادية للحج الحقيقي إلى رعي الجمل، وعلموا يقينا أن ما أصابهم من الكد في الطريق وإن عظيما، فإنه كلا شئ في جنب ما يصلون به إليه من لقاء المحبوب، ونيل المطلوب، فالمحن عندهم كالملح، والبلية كالنعم. وقوله: " كالذي " نظير قوله تعالى: " وخضتم كالذي خاضوا " وبيت الحماسة: عسى الأيام أن يرجعن يوما كالذي كانوا. أي نزلت في البلاء كالنزول الذي نزلت في الرخاء انتهى. والمراد بالبلاء المرض والضيق ونحوهما أو الأعم من احتمال المشقة أيضا وليس مخصوصا به وطيب قلوبهم للرضا بقضاء اله كما في المجالس " فصغر ما دونه في أعينهم " في اختلاف التعبير دلالة على أن الخالق تمكن في قلوبهم بخلاف ما دونه فلم يتجاوز أعينهم. " فهم والجنة " قال الرواندي رحمه الله: الواو بمعنى " مع " وقال ابن أبي الحديد: بنصب " الجنة " وقد روي بالرفع على أنه معطوف على هم، والأول أحسن، وقوله " كمن قد رآها " وقوله " فهم فيها منعمون " إما كلاهما لقوة الايمان واليقين، أو لشدة الخوف والرجاء، أو الرؤية إشارة إلى قوة اليقين، والتنعم والعذاب: أي شدة الرجاء والخوف وهما أيضا من فروع اليقين، واختار الوالد قدس سره الأخير، وقال الكيدري: أي حصل لهم من العلوم اليقينية ما يجري مجرى الضرورية كما قال عليه السلام لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وروي " والجنة " بالنصب فيكون الواو بمعنى مع ويكون خبر المبتدا، الكاف في كمن رآها. " قلوبهم محزونة " حزن قلوبهم للخوف من العقاب، لاحتمال التقصير وعدم شرائط القبول كما قال عز وجل " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون " والامن من شرورهم لأنهم لا يهمون بظلم أحد، كما ورد في الخبر: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وقيل لان أفعالهم حسنة في الواقع وإن كانت سيئة في الظاهر، وهو بعيد. " نحيفة " أي مهزولة لكثرة الصيام والسهر والرياضات، أو للخوف أو لهما وخفة حاجاتهم لقلة الرغبة في الدنيا، وترك اتباع الهوى، وقصر الأمل، وقناعتهم بما رزقهم الله. والعفة كف النفس عن المحرمات، بل عن الشبهات والمكروهات أيضا وجملة " أعقبتهم " صفة للأيام و " تجارة " عطف بيان للراحة، أو بدل منه، أو منصوب على المدح، أو على الحال، أو على تقدير فعل، أي اتجروا تجارة. قال الراوندي رحمه الله: نصب المصدر مع حذف فعله كثير في الكلام وربح الرجل في تجارته كعلم، ويسند إلى التجارة مجازا قال تعالى " فما ربحت تجارتهم " وقال الأزهري ربح الرجل في تجارته أي صادف سوقاذات ربح، وأربحت الرجل إرباحا أعطيته ربحا فالتجارة المربحة كأنها تعطي ربحا أو هي الرابحة من أفعل بمعنى فعل. وقال الكيدري: تجارة انتصابه على المصدر من معنى الكلام السابق، لان مضمون قوله " صبروا أياما " الخ يدل على أنهم اتجروا بذلك أو يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده أي يسر لهم ربهم تجارة، أو على المدح أو التخصيص أي أعني تجارة، أو أخص تجارة، وجعلها بدلا من راحة على ما زعم صاحب المنهاج ليس بالقوي لان التجارة المربحة ليست بنفس الراحة، وإنما صبرهم المستعقب لتلك الراحة هي التجارة، انتهى. " أرادتهم الدنيا " أي أقبلت إليهم من الوجوه المذمومة أو مطلقا، وتمكنوا من تحصيلها بكسب المال والجاه، فلم يقبلوها ولم يسعوا في تحصيلها، وقيل: ويحتمل أن يراد أهل الدنيا. وأسره كضربه: أي شده وحبسه " والفدية " زخارف الدنيا وملاذها التي سلموها إلى الدنيا، بالترك والاعراض عنها. فأما أسرها إياهم فلان أرواح الأولياء قدسية ومقامها في العالم الجسد أي على خلاف مقتضى طبيعتها فهي غريبة في هذا العالم وصفوها بالكلية إلى عالمها فهي أسيرة هنا من حيث الغربة، وعدم الملاءمة، فدائما يستعد ويتهيأ للسفر الحقيقي ويزيل المثبطات، ويرفعها من البين، وذلك فداؤها. " أما الليل " في بعض النسخ بالنصب على حذف حرف الجر، أي أما حالهم في الليل، فالمقصود تفصيل حالهم في الليل والنهار وفي بعض النسخ بالرفع، فالغرض تفصيل حال ليلهم ونهارهم، والصف ترتيب الجمع على صف، وصف القدمين وضعهما في الصلاة بحيث يتحاذى الابهامان ويتساوى البعد بين الصدر والعقب. وفي بعض النسخ: " تالون " مكان " تالين "، " يرتلونه " أي القرآن، و روي " يرتلونها " فالضمير لاجزاء القرآن، ورتل القرآن ترتيلا: أي أحسن تأليفه، وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه " حفظ الوقوف وأداء الحروف " وهو جامع لما يعتبره القراء. والحزن الهم وحزنه الامر كنصر، أي جعله حزينا وحزن كعلم أي صار حزينا، وحزنه تحزينا: جعل فيه حزنا، وفي أكثر النسخ على التفعيل وفي بعضها كينصرون، وتحزين النفوس بآيات الوعيد ظاهر وأما آيات الوعد فللخوف من الحرمان، وعدم الاستعداد. وثار الغبار: إذا سطع وهاج، وثار القطا: إذا نهضت من موضعها، وأثار الغبار واستثاره: هيجه، ولعل المراد بالدواء العلم وبالداء الجهل، واستثارة العلم بالتدبر والتذكر، قال في النهاية: في الحديث: " أثيروا القرآن فان فيه علم الأولين والآخرين، ويحتمل أن يراد استثارة العلم الكامنة في النفس، على حسب الاستعداد والكمال بالتدبر والتفكر والتذكر. وقال الوالد قدس سره: المراد أنهم يداوون بآيات الخوف داء الرجاء الغالب الذي كاد أن يبلغ حد الاغترار والامن لمكر الله، وبآيات الرجاء داء الخوف إذا قرب؟ ن القنوط، وبما يستكمل اليقين داء الشبهة، وبالعبر داء القسوة وبما ينفر عن الدنيا والميل إليها داء الرغبة فيها ونحو ذلك. وركن إلى الشئ: كنصر كما في النسخ وكعلم أيضا أي مال وسكن، و التطلع إلى الشئ: الاستشراف له والانتظار لوروده، ونصب الشئ رفعه، وأن يستقبل به شئ، والكلمة منصوبة على الظرفية أي ظنوا أنها فيما نصب بين أيديهم وفي بعض النسخ مرفوعة على أنها خبر أن. وقال الكيدري: " وتطلعت نفوسهم إليها " أي كادت تطلع شموس نفوسهم من أفق عوامل أبدانهم، فتصعد إلى العالم العلوي، شوقا إلى ما وعدوا به في تلك الآيات من أخائر الذخائر، وعظائم الكرائم، وانتصاب " نصب أعينهم " على الظرف أي في موضع يقابل أعينهم، ويجوز فيه الرفع. وقال الرواندي رحمه الله: الظن هنا بمعنى اليقين، قال تعالى " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون " أي أيقنوا أن الجنة معدة لهم بين أيديهم وقال ابن أبي الحديد: ويمكن أن يكون على حقيقته. وصغي إليه كرضي أي مال، وأصغى سمعه إليه أي أماله، وزفير النار صوت توقدها، والزفير أيضا إخراج النفس بعد مده فالمراد زفير أهل جهنم، والشهيق تردد البكاء في الصدر، مع سماع الصوت من الحلق، وشهيق الحمار صوته وكونهما في أصول الاذان كناية عن تمكنها في الاذان. " حانون أوساطهم " حنى ظهره يحنيه ويحنوه أي عطفه فانحنى وحنوهم على أوساطهم، وصف لحال ركوعهم، والافتراش البسط على الأرض، وهو وصف لحال سجودهم. قال الكيدري: " فهم حانون " أي منعطفون للركوع، وحنى قد جاء متعديا ولازما وتعديته أكثر، فيكون تقديره " حانون ظهورهم على أوساطهم ". " يطلبون إلى الله " أي يسألونه راغبين ومتوجهين إليه، وفك الرقبة كمد أي أعتقها، والأسير خلصه، " وأما النهار " بالنصب والرفع كما تقدم، قال الكيدري: " أما النهار " انتصابه على الظرفية، وتعلقه بما بعده من الصفات كحلماء وغيره، وحلماء خبر مبتدء محذوف، أي فهم حلماء في النهار، ويجوز فيه الرفع على تقدير " أما النهار فهم حلماء فيه " فيكن مبتدءا والجملة بعده خبره وفيها ضمير مقدر يعود إليه، والحلماء: ذوو الأناة أو العقلاء، وبرى السهم يبريه: أي نحته، والقداح جمع قدح بالكسر فيهما، وهو السهم قبل أن يراش وينصل، و هو كناية عن نحافة البدن، وضعف الجسد، أو زوال الآمال، والمطالب الدنيوية. وخولط فلان في عقله: إذ اختل عقله وصار مجنونا، وخالطه أي مازجه وقال الراوندي وغيره: المعنى يظن الناظر بهم الجنون وما بهم من جنة، بل مازج قلوبهم أمر عظيم وهو الخوف فتولهوا لأجله، وقيل: " ولقد خالطهم " أي صار سببا لجنونهم الذي يظنه الناظر " أمر عظيم " هو الخوف. وقال الكيدري: " قد براهم الخوف " أي أنضاهم وأنحفهم، " خولطوا " أي خالط عقولهم جنون. والاستكثار عد الشئ كثيرا، واتهمت فلانا: أي ظننت فيه ما نسب إليه واتهمته في قوله: أي شككت في صدقه، والاسم التهمة كرطبة، والسكون لغة، و أصل التاء واو، والمراد أنهم يظنون بأنفسهم التقصير أو الميل إلى الدنيا، أو عدم الاخلاص في النية أو الأعم، أو يشكون في شأنها ونياتها، ويخافون أن يكون مقصودها في العبادات الرئاء والسمعة، وأن تجرها العبادة إلى العجب، فلا يعتمدون عليها. والاشفاق: الخوف، وإشفاقهم من السيئات وإن تابوا منها لاحتمال عدم قبول توبتهم، ومن الحسنات لاحتمال عدم القبول، لاختلال بعض الشرائط، وشوب النية، أو للأعمال السيئة وقد قال الله عز وجل: " إنما يتقبل الله من المتقين . " إذا زكي أحدهم " التزكية: المدح، وخوفهم من الوقوع في العجب والاتكال على العمل وسؤال عدم المؤاخذة لذلك، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم الرضا بما يقولون، والتبري من التزكية وظن البراءة بالنفس فان النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله. " واجعلني أفضل مما يظنون " أي وفقني لدرجة فوق ما يظنون بي من حسن العمل والقبول. وقال ابن أبي الحديد: قد قاله لقوم مر عليهم، وهم مختلفون في أمره فمنهم الحامد له، ومنهم الذام، فقال عليه السلام: [اللهم] إن كان ما يقوله الذامون حقا فلا تؤاخذني به، وإن كان ما يقوله الحامدون حقا فاجعلني أفضل مما يظنون. " فمن علامة أحدهم أنك ترى له " في بعض النسخ " لهم فالضمير راجع إلى معنى أحدهم، والقوة في الدين: أن لا يتطرق إلى الايمان الشك والشبهات وإلى الأعمال الوساوس والخطرات أو أن لا يدرك العزم في الأمور الدينية ونى ولا فتور للوم وغيره، قال تعالى: " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " . والحزم بالفتح: ضبط الامر، والاخذ فيه بالثقة، والحذر من فواته وكأن المعنى أنه لا يصير حزمه سببا لخشونته، بل مع الحزم يداري الخلق ويلاينهم. والقصد: التوسط بين طرفي الافراط والتفريط وترك الاسراف والتقتير: أي يقتصد في حال الغنا، أو في تحصيل الغنا، أو في الانفاق مع غنى النفس، والتجمل: التزين، وتكلف الجميل وإظهاره، والتجمل في الفاقة: سلوك مسلك الأغنياء والمتجملين في حال الفقر، وذلك بترك الشكوى إلى الخلق، والابتهاج بما أعطى الله، وإظهار الغنى عن الخلق، أو التجمل والتزين في الفاقة بما أمكن، وعدم إظهار الفاقة للناس، إلا ما لا يمكن ستره، أو زائدا على ما هو الواقع، كالفقراء الطامعين فيما في أيدي الناس. " والصبر في الشدة " الصبر على شدة الفقر، أو العبادة، أو المصائب، أو الأعم والطلب في الحلال: الكسب من غير الطرق التي نهي عنها، والنشاط بالفتح: طيب النفس للعمل وغيره، والهدى: الرشاد والدلالة، أي ينشط لهداية الناس، أو لإهتدائه في نفسه، والتحرج، التأثم، والمعنى جعل الطمع حرجا، وعده إثما وعيبا. وقال ابن أبي الحديد: حرف الجر في بعض هذه المواضع يتعلق بالظاهر فيكون موضعه نصبا بالمفعولية، وفي بعضها يتعلق بمحذوف، فيكون موضعه أيضا نصبا على الصفة، ففي قوله " في دين " يتعلق بالظاهر أي " قوة " يقال فلان قوى في كذا وعلى كذا، و " في لين " يتعلق بمحذوف أي حزما كائنا في لين و " في يقين " و " في علم " يتعلق بالظاهر، و " في " بمعنى " على " كقوله تعالى " ولأصلبنكم في جذوع النخل " و " في غنى " يتعلق بمحذوف و " في عبادة " يحتمل الامرين و " في فاقة " بمحذوف و " في شدة " يحتمل الامرين و " في حلال " يتعلق بالظاهر و " في " بمعنى اللام و " في هدى " يحتملها و " عن طمع " بالظاهر. والوجل: الخوف، وخوفهم من التقصير في العمل كما أو كيفا، أو من عذاب الله، إشارة إلى قوله سبحانه: " يؤتون ما آتوا " الآية ، والهم: أول العزم، وما قصده الانسان وأضمره في نفسه، وكأن تخصيص الشكر بالمساء لان الرزق وإفاضة النعم والفوز بالمكاسب، يكون في اليوم غالبا، وتخصيص الذكر بالصباح لان الشواغل عن الذكر في اليوم أكثر، وكل يوم كأنه وقت استيناف العمل. والحذر والفرح ككتف صفتان من الحذر والفرح بالتحريك، والمراد بالفضل والرحمة، التوفيق والهداية أو ما يشمل النعم الدنيوية، وهذا الفرح يعود إلى الشكر وقال بعض الشارحين: ليس المقصود تخصيص البيات بالحذر والصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا: يمسي ويصبح حذرا فرحا، وكذلك تخصيص الشكر بالمساء والذكر بالصباح، ويحتمل أن لا يكون مقصودا. والصعب نقيض الذلول، واستصعبت على فلان دابته: أي صعبت، واستصعبت عليه نفسه: أي لم تطعه في العبادات المكروهة للنفس وترك المعاصي، لان النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله. " ولم يعطها سؤلها فيما تحب " أي لم يطاوع النفس فيما تريده من هذا الامر الذي استصعبت عليه، أو في غير من اللذات لتنقاد وتترك الاستصعاب، إذ إطاعة النفس في لذاتها توجب طغيانها، وقوتها في الباطل، وبعدها عن الله، ولذا ترى القوة على العبادة في المرتاضين، ومن أنحلتهم العبادة أكثر منها في الأقوياء والمترفين بالنعم. وقرت عين فلان، وأقر الله عينه، كفر وعض أي سر وفرح، ومعناه: أبرد الله دمعة عينه لان دمعة الفرح والسرور باردة، ودمعة الحزن حارة، وقيل: معنى أقر الله عينك: بلغك أمنيتك، حتى ترضى نفسك وتسكن عينك، فلا تستشرف إلى غيره، وقيل: معناه أبرد الله عينك بأن ينقطع بكاؤها، وقرة عين كل أحد مأموله ومنتهى رضاه. وما لا يزول: ما عند الله والدار الآخرة، وما لا يبقى: الدنيا وزخارفها " يمزج الحلم بالعلم " أي يحلم للعالم بفضله لا لضعف النفس، وعدم المبالاة بما قيل له، أو فعل به، أو لا يطيش في المحاورات والمباحثات، مع أنه يقول عن علم، وقيل: المراد بالحلم: العقل، أي يتعلم عن تفكر وتدبر، ولا يعتمد على الظنون والأراء الواهية، أو يتفكر فيما علم ويحفظه حتى يتمكن في قلبه، " والقول بالعمل " أي إذا أمر الناس بمعروف أو نهاهم عن منكر عمل به، أو يفي بالوعد، أو يقرن الايمان بالأعمال الصالحة، أو يجمع بين القول الجميل والفعل الحسن. والنزر والمنزور: القليل، والاكل كعنق: الخط من الدنيا، وفي بعض النسخ " أكله " بالفتح أي لا يمتلئ من الطعام، لأنه من أسباب الكسل عن العبادة وكثرة النوم، والحرز: الموضع الحصين، وحرز حريز كحصن حصين، وحرزه كنصره: حفظه والمراد عدم إهماله في أمر دينه، وعدم تطرق الخلل إليه والمأمول: المرجو. " إن كان في الغافلين " لعل الغرض من القرينتين أنه لا يزال ذاكرا لله سواء كان مع الغافلين، أو مع الذاكرين، أما إذا كان في الغافلين، فيذكر الله بقلبه أو بلسانه أيضا فيصير سببا لذكرهم أيضا، فيكتب أنه في الذاكرين. وقوله عليه السلام " لم يكتب من الغافلين " كأنه تفنن في العبارة، أو المعنى أنه ليس ذكره بمحض اللسان ليكتب من الغافلين بل قلبه أيضا مشغول بذكره تعالى. والغالب في الصلة والقطع: الاستعمال في الرحم، وقد يستعملان في الأعم أيضا. " وبعيدا " عود إلى السياق السابق، والجمل معترضة، أو حال عن فاعل يصل، وقد يعبر بالبعد عن العدم، وكذلك الغيبة والحضور، والاقبال والادبار ويحتمل القلة فان التقوى غير العصمة، ويمكن أن يراد بالاقبال الازدياد وبالادبار الانتقاص أي لا يزال يسعى فيزداد خيره وينتقص شره. وقال الوالد رحمه الله: يمكن أن يراد بالمعروف والمنكر: الاحسان والإساءة إلى الخلق. والزلازل: الشدائد، والوقور فعول من الوقار بالفتح، وهو الحلم والرزانة والرخاء: سعة العيش، والحيف: الجور والظلم، والمراد بالاثم: الميل عن الحق والغرض أنه لا يترك الحق للعداوة والمحبة، إذا كان حاكما، أو لا يجور على العدو ولا يساعد المحب بما يخرج عن الحق. " لا يضيع ما استحفظ " أي ما أودع عنده من الأموال والاسرار، والتضييع في الأول بالخيانة والتفريط، وفي الثانية بالإذاعة والإفشاء، ويحتمل شموله لما استحفظه الله من دينه وكتابه، " ولا ينسى ما ذكر " أي ما أمر بتذكره من آيات الله وعبره وأمثاله، أو الأعم منها ومن أحكام الله والموت والمصير إلى الله وأهوال الآخرة. والنبز بالتحريك اللقب قيل وكثر فيما كان ذما، والمنابزة والتنابز: التعاير والتداعي بالألقاب، والمضارة: الاضرار، والجار: المجاور في السكنى، ومن آجرته من أن يظلم، وشمت كفرح شماتة بالفتح أي فرح ببلية العدو " لا يدخل في الباطل " أي في مجالس الفسق واللهو والفساد، أو المراد عدم ارتكاب الباطل، وكذا " الخروج من الحق " أي من مجالسه، أو عدم ترك الحق. " لم يغمه صمته " لعلمه بمفاسد الكلام، وعدم التذاذه بالباطل من القول، أو لاشتغال قلبه حين الصمت بذكر الله، " لم يعل صوته " أي لا يشتد صوته أو يكتفي بالتبسم، إذ الخروج عنه يكون غالبا بالضحك بالصوت العالي، والواسطة نادرة " وأراح الناس " لاشتغاله بنفسه، والزهد: خلاف الرغبة، وكثيرا ما يستعمل في عدم الرغبة في الدنيا، والنزاهة بالفتح التباعد عن كل قذر ومكروه، وإنما كان تباعده زهدا ونزاهة، لأنه إنما يرغب عن أهل الدنيا وأهل الباطل، وقيل: نزاهة عن تدنس العرض. والخديعة ككريهة: الاسم من خدعه أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم، وصعق كسمع: أي غشي عليه، من صوت شديد سمعه أو من غيره، وربما مات منه " كانت نفسه فيها ": أي مات بها، ويحتمل أن يراد بالصعقة الصيحة، كما هو الغالب في هذا المقام، ويراد بكون نفسه فيها، خروج روحه بخروجها، و " ويح " كلمة رحمة، ويستعمل في التعجب كما مر مرارا، والتلطف في مثل هذا المقام من قبيل الاحسان إلى من أساء، وقد مر الكلام في هذا المقام وفي بعض ما تقدم في شرح رواية الكافي فلا نعيده. وأقول: روى في تحف العقول أيضا مثله . وأقول: لما سلك قدوة المحققين ابن ميثم البحراني في شرح هذا الحديث مسلكا آخر، أردت إيراده ليطلع الناظر في كتابنا على أكثر ما قيل في ذلك فأوردته. قال قدس سره: وصف عليه السلام المتقين بالوصف المجمل، فقال: " فالمتقون فيها هم أهل الفضائل " أي الذين استجمعوا الفضائل المتعلقة باصلاح قوتي العلم والعمل، ثم شرع في تفصيل تلك الفضائل ونسقها. فالأولى: الصواب في القول، وهو فضيلة العدل المتعلقة باللسان، وحاصله أن لا يسكت عما ينبغي أن يقال، فيكون مفرطا، ولا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه، فيكون مفرطا، بل يضع كلا من الكلام في موضعه اللائق به وهو أخص من الصدق، لجواز أن يصدق الانسان فيما لا ينبغي من القول. الثانية: " وملبسهم الاقتصاد " وهو فضيلة العدل في الملبوس، فلا يلبس ما يحلقه بدرجة المترفين، ولا يلحقه بأهل الخسة والدناءة مما يخرج به عن عرف الزاهدين في الدنيا. الثالثة: مشي التواضع، والتواضع ملكة تحت العفة، يعود إلى العدل بين رذيلتي المهانة والكبر، ومشي التواضع مستلزم للسكون والوقار. الرابعة: غض الابصار عما حرم الله وهو ثمرة العفة. الخامسة: وقوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع، وهو فضيلة العدل في قوة السمع، والعلوم النافعة، ما هو كمال القوة النظرية من العلم الإلهي وما يناسبه وما هو كمال للقوة العملية وهي الحكمة العملية. السادسة: نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء، أي لا تقنط من بلاء ينزل بها، ولا تبطر برخاء يصيبها، بل مقامها في الحالين مقام الشكر، و " الذي " صفة مصدر محذوف، والضمير العائد إليه محذوف أيضا، والتقدير: نزلت كالنزول الذي نزلته في الرخاء، ويحتمل أن يكون المراد ب " الذي ": " الذين " فحذف النون كما في قوله تعالى " كالذي خاضوا " ويكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء، بالذي نزلت أنفسهم منهم في الرخاء، والمعنى واحد. السابعة: غلبة الشوق إلى ثواب الله، والخوف من عقابه على نفوسهم، إلى غاية أن أرواحهم لا تستقر في أجسادهم من ذلك، لولا الآجال التي كتبت لهم وهذا الشوق والخوف إذا بلغ إلى حد الملكة، فإنه يستلزم دوام الجد في العمل، والاعراض عن الدنيا، ومبدؤهما تصور عظمة الخالق، وبقدر ذلك يكون تصور عظمة وعده ووعيده، وبحسب قوة ذلك التصور يكون قوة الخوف والرجاء وهما بابان عظيمان للجنة. الثامنة: عظم الخالق في أنفسهم، وذلك بحسب الجواذب الإلهية إلى الاستغراق في محبته ومعرفته، وبحسب تفاوت تصور عظمته تعالى يكون تصورهم لأصغرية ما دونه، ونسبته إليه في أعين بصائرهم. وقوله " فهم والجنة كمن قد رآها " إلى قوله " معذبون " إشارة إلى أن العارف وإن كان في الدنيا بجسده، فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنة وسعادتها، وأحوال النار وشقاوتها، كالذين شاهدوا الجنة بعين حسهم، وتنعموا فيها، وكالذين شاهدوا النار، وعذبوا فيها، وهي مرتبة عين اليقين، فبحسب هذه المرتبة كانت شدة شوقهم إلى الجنة وشدة خوفهم من النار. التاسعة: حزن قلوبهم، وذلك ثمرة الخوف الغالب. العاشرة، كونهم مأموني الشرور، وذلك أن مبدء الشرور محبة الدنيا وأباطيلها، والعارفون بمعزل عن ذلك. الحادية عشر: نحافة أجسادهم، ومبدء ذلك كثرة الصيام والسهر، وجشوبة المطعم، وخشونة الملبس، وهجر الملاذ الدنيوية. الثانية عشر: خفة حاجاتهم، وذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضروري من ملبس ومأكل، ولا أخف من هذه الحاجة. الثالثة عشر: عفة أنفسهم، وملكة العفة فضيلة القوة الشهوية وهي الوسط بين رذيلتي خمود الشهوة والفجور. الرابعة عشر: الصبر على المكاره أيام حياتهم من ترك الملاذ الدنيوية، و احتمال أذى الخلق، وقد عرفت أن الصبر مقاومة النفس الامارة بالسوء لئلا ينقاد إلى قبائح اللذات، وإنما ذكر قصر مدة الصبر، واستعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه وتلك الراحة بالسعادة في الجنة كما قال تعالى " وجزاهم بما صبروا جنة و حريرا " الآية، وقوله " تجارة مربحة " استعار لفظ التجارة لاعمالهم الصالحة وامتثال أوامر الله، ووجه المشابهة كونهم متعوضين بمتاع الدنيا وبحركاتهم في العبادة متاع الآخرة، ورشح بلفظ الربح لأفضلية متاع الآخرة وزيادته في النفاسة على ما تركوه وظاهر أن ذلك بتيسير الله لأسبابه وإعدادهم له بالجواذب الإلهية. الخامسة عشر: عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم، وهو إشارة إلى الزهد الحقيقي وهو ملكة تحت العفة، وكنى بإرادتها لهم عن كونهم أهلا لان يكونوا فيها رؤسا وأشرافا كقضاة ووزراء ونحو ذلك، وكونها بمعرض أن تصل إليهم لو أرادوها، ويحتمل أن يريد أرادهم أهل الدنيا فحذف المضاف. السادسة عشر: افتداء من أسرته لنفسه منها، وهو إشارة إلى من تركها، وزهد فيها بعد الانهماك فيها، والاستمتاع بها، ففك بذلك الترك والاعراض والتمرن على طاعة الله أغلال الهيئات الردية المتلبسة منها عن عنقه، ولفظ الأسر استعارة في تمكن تلك الهيئات من نفوسهم، ولفظ الفدية استعارة لتبديل ذلك الاستمتاع بها بالاعراض عنها، والمواظبة على طاعة الله، وإنما عطف بالواو في قوله " ولم يريدوها " وبالفاء في قوله " ففدوا " لان زهد الانسان في الدنيا كما يكون متأخرا عن إقبالها عليه، كذلك قد يكون متقدما عليه لقوله صلى الله عليه وآله ومن جعل الآخرة أكبر همه جمع الله عليه همه وأتته الدنيا وهي راغمة، فلم يحسن العطف هنا بالفاء، وأما الفدية فلما لم يكن إلا بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء. السابعة عشر: كونهم صافين أقدامهم بالليل يتلون القرآن ويرتلونه إلى قوله " آذانهم " وذلك إشارة إلى تطويع نفوسهم الامارة بالسوء بالعبادات وشرح لكيفية استيثارهم للقرآن العزيز في تلاوته، وغاية ترتيلهم له بفهم مقاصده، وتحزينهم لأنفسهم به عند ذكر الوعيدات من جملة استيثارهم لدواء دائهم، ولما كان داؤهم هو الجهل، وسائر الرذائل العملية، كان دواء الجهل بالعلم ودواء كل رذيلة الحصول على الفضيلة المضادة لها، فهم بتلاوة القرآن يستثيرون بالتحزين الخوف عن وعيد الله المضاد للانهماك في الدنيا، وداؤه العلم الذي هو دواء الجهل، وكذلك كل فضيلة حث القرآن عليها، فهي دواء لما يضادها من الرذائل، وباقي الكلام شرح لكيفية التحزين والتشويق. وقوله " فهم حانون على أوساطهم " ذكر لكيفية ركوعهم، وقوله " مفترشون لجباههم " إلى قوله " أقدامهم " إشارة إلى كيفية سجودهم وذكر الأعظم السبعة وقوله " يطلبون - إلى قوله - رقابهم " إشارة إلى غايتهم من عبادتهم تلك. الثامنة عشر: من صفاتهم بالنهار كونهم حكماء وأراد الحكمة الشرعية وما فيها من كمال القوة العلمية والعملية، لكونها المتعارفة بين الصحابة والتابعين وروي حلماء، والحلم فضيلة تحت ملكة الشجاعة هي الوسط بين رذيلتي المهانة، و الافراط في الغضب، وإنما خص الليل بالصلاة لكونها أولى بها من النهار. التاسعة عشر: كونهم علماء وأراد كمال القوة النظرية بالعلم النظري، وهو معرفة الصانع وصفاته. العشرون: كونهم أبرارا والبر يعود إلى العفيف لمقابلته الفاجر. الحادية والعشرون: كونهم أتقياء، والمراد بالتقوى ههنا الخوف من الله وقد مر ذكر العفة والخوف، وإنما كررهما هنا في عداد صفاتهم بالنهار، وذكرها هناك في صفاتهم المطلقة وقوله " وقد براهم الخوف " إلى قوله " عظيم " شرح لفعل الخوف الغالب بهم، وإنما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النفس المدبرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن، ووقوف القوة الشهوية والغاذية عن أداء بدل ما يتحلل وشبه بري الخوف لهم ببري القداح، ووجه التشبيه شدة النحافة، ويتبع ذلك تغير السحنات والضعف عن الانفعالات النفسانية من الخوف والحزن، حتى يحسبهم الناظر مرضى وإن لم يكن بهم مرض. " ويقول قد خولطوا " وذلك إشارة إلى ما يعرض لبعض العارفين عند اتصال نفسه بالملأ الأعلى واشتغالها عن تدبير البدن وضبط حركاته أن يتكلم بكلام خارج عن المتعارف، يستبشع بين أهل الشريعة الظاهرة، فينسب ذلك منه إلى الاختلاط والجنون، وتارة إلى الكفر والخروج عن الدين وقوله " ولقد خالطهم أمر عظيم " هو اشتغال أسرارهم بملاحظة جلال الله، ومطالعة أنوار الملأ الأعلى. الثانية والعشرون: كونهم لا يرضون [من أعمالهم] القليل إلى قوله " الكبير " وذلك لتصورهم شرف غايتهم المقصودة بأعمالهم وقوله " فهم لأنفسهم متهمون - إلى قوله - ما لا يعلمون " فتهمتهم لأنفسهم وخوفهم من أعمالهم يعود إلى شكهم فيما يحكم به أوهامهم من حسن عبادتهم، وكونها مقبولة أو واقعة على الوجه المطلوب الموصل إلى الله تعالى فان هذا الوهم يكون مبدءا للعجب بالعبادة والتقاصر عن الازدياد عن العمل والتشكك في ذلك وتهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الامارة يستلزم خوفها أن يكون تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب وغير واقعة عليه، وذلك باعث على العمل وكاسر للعجب به، وقد عرفت أن العجب من المهلكات كما قال عليه السلام: ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهو متبع، وإعجاب المرء بنفسه. وكذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ من تلك التزكية من الكبر والعجب بما يزكون به، فيكون جواب أحدهم عند تزكيته أني أعلم بنفسي من غيري إلى آخره. ثم شرع عليه السلام بعد ذلك في علاماتهم التي بجملتها يعرف أحدهم، والصفات السابقة وإن كان كثير منها مما يخص أحدهم ويعرف به إلا أن بعضها قد يدخله الرياء، فلا يدل على التقوى الحقة، فجمعها ههنا ونسقها. فالأولى: القوة في الدين، وذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخناس، ولا يدخل فيه خداع الناس، وهذا إنما يكون في الدين العالم. الثانية: الحزم في الأمور الدنيوية والدينية، والتثبت فيها ممزوجا باللين للخلق، وعدم الفضاضة عليهم كما في المثل " لا تكن حلوا فتسترط ولا مرا فتلفظ " وهكذا ذكره الميداني في مجمع الأمثال تحت الرقم 3604 ج 2 ص 232، وقال: الاستراط: الابتلاع، والاعقاء: أن تشتد مرارة الشئ حتى يلفظ لمرارته وبعضهم يروى " فتعقى " بوزن فتسترط والصواب كسر القاف، يقال: أعقى الشئ، والمعنى لا تتجاوز الحد في المرارة فترمى، ولا في الحلاء فتبلع، أي كن متوسطا. وهي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق وقد علمت أن اللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " وقد يكون من مهانة وضعف يقين، والأول هو المطلوب، وهو المقارن للحزم في الدين ومصالح النفس والثاني رذيلة ولا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كل جاذب. الثالثة: الايمان في اليقين، ولما كان الايمان عبارة عن التصديق بالصانع وبما وردت به الشريعة، وكان ذلك التصديق قابلا للشدة والضعف، فتارة يكون عن التقليد وهو الاعتقاد المطابق لا لموجب، وتارة يكون عن العلم وهو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدليل، وتارة عن العلم به مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك وهو علم اليقين ومحققو السالكين لا يقفون عند هذه المرتبة بل يطلبون بعين اليقين بالمشاهدة، بعد طرح حجب الدنيا والاعراض عنها، أراد أن علمهم علم اليقين لا يتطرق إليه احتمال. الرابعة: الحرص في العلم والازدياد منه. الخامسة: مزج العلم - وهو فضيلة القوة الملكية - بالحلم، وهو من فضائل القوة السبعية. السادسة: القصد في الغنى، وهو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا، وحذف الفضول عن قدر الضرورة. السابعة: الخشوع في العبادة وهو من ثمرة الفكر في جلال المعبود، وملاحظة عظمته الذي هو روح العبادة. الثامنة التجمل في الفاقة، وذلك بترك الشكوى إلى الخلق والطلب منهم وإظهار الغنى عنهم، وينشأ عن القناعة والرضا، وعلو الهمة ويعين على ذلك ملاحظة الوعد العاجل، وما أعد للمتقين. التاسعة: وكذلك الصبر في الشدة. العاشرة: الطلب في الحلال وينشأ عن العفة. الحادية عشر: النشاط في الهدى وسلوك سبيل الله وينشأ عن قوة الاعتقاد فيما وعد المتقون، وتصور شرف الغاية. الثانية عشر: عمل الصالحات على وجل، أي من أن يكون على غير الوجه اللائق فلا يقبل كما روي عن زين العابدين عليه السلام أنه كان في التلبية وهو على راحلته وخر مغشيا عليه، فلما أفاق قيل له في ذلك فقال: خشية أن يقول لي: لا لبيك لا سعديك. الثالثة عشر: أن يكون همهم عند المساء الشكر على ما رزقوا بالنهار وما لم يرزقوا، ويصبحوا وهمهم الذكر لله ليذكرهم الله فيرزقهم من الكمالات النفسانية والبدنية كما قال تعالى: " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون . الرابعة عشر: أن يبيت حذرا ويصبح فرحا وقوله حذرا إلى قوله الرحمة تفسير للمحذور، وما به الفرح، وليس مقصود تخصيص البيات بالحذر، والصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا يمسي فلان ويصبح حذرا فرحا وكذلك تخصيصه الشكر بالمساء والذكر بالصباح يحتمل أن لا يكون مقصودا. الخامسة عشر: " إن استصعبت - إلى قوله - تحب " إشارة إلى مقاومته لنفسه الامارة بالسوء، عند استصعابها عليه، وقهره لها على ما تكره، وعدم متابعته لها في ميولها الطبيعية ومحابها. السادسة عشر: أن يرى قرة عينه فيما لا يزول، أي من الكمالات النفسانية الباقية، كالعلم والحكمة ومكارم الأخلاق المستلزمة للذات الباقية، والسعادة الدائمية، وقرة عينه كناية عن لذته وابتهاجه لاستلزامهما لقرار العين، وبردها برؤية المطلوب، وزهادته فيما لا يبقى من متاع الدنيا. السابعة عشر، أن يمزج العلم بالحلم، فلا يجهل ولا يطيش، والقول بالعمل فلا يقول ما لا يفعل، فلا يأمر بمعروف فيقف دونه، ولا ينهى عن منكر ثم يفعله ولا يعد فيخلف فيدخل في مقت الله كما قال تعالى: " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " الثامنة عشر: قصر أمله وقربه، وذلك لكثرة ذكر الموت، والوصول إلى الله. التاسعة عشر: قلة زلله، وقد عرفت أن زلل العارفين يكون من باب ترك الأولى لان صدور الخيرات عنهم صار ملكة، والجواذب فيهم إلى الزلل والخطيئات نادرة، تكون لضرورة منهم أو سهو، ولا شك في قلته. العشرون: خشوع قلبه عن تصور عظمة المعبود. الحادية والعشرون: قناعة نفسه وينشأ عن ملاحظة حكمة الله في قدرته، وقسمته الأرزاق، ويعين عليها تصور فوائدها الحاضرة، وغايتها في الآخرة. الثانية والعشرون: قلة أكله وذلك لما يتصور في البطنة من ذهاب الفطنة، و زوال الرقة، وحدوث القسوة، والكسل عن العمل. الثالثة والعشرون: سهولة أمره أي لا يتكلف لاحد ولا يكلف أحدا. الرابعة والعشرون: حرز دينه، فلا يهمل منه شيئا ولا يطرق إليه خللا. الخامسة والعشرون: موت شهوته، ولفظ الموت مستعار لخمود شهوته عما حرم عليه، ويعود إلى العفة. السادسة والعشرون: كظم غيظه، وهو من فضائل القوة الغضبية. السابعة والعشرون: كونه " مأمول الخير " وذلك لأكثرية خيريته " مأمون الشرور " وذلك لعلم الخلق بعدم قصده للشرور. الثامنة والعشرون: قوله " إن كان من الغافلين " إلى قوله " الغافلين " أي إن رآه الناس في أعداد الغافلين عن ذكر الله، لتركه الذكر باللسان، كتب عند الله من الذاكرين لاشتغال قلبه بالذكر، وإن تركه بلسانه، وإن كان من الذاكرين بلسانه بينهم، فظاهر أنه لا يكتب من الغافلين. لذكر الله ممادح كثيرة، وهو باب عظيم من أبواب الجنة والاتصال بجناب الله وقد أشرنا إلى فضيلته وأسراره. التاسعة والعشرون: عفوه عمن ظلمه، والعفو فضيلة تحت الشجاعة، وخص من ظلمه، ليتحقق عفوه، مع قوة الداعي إلى الانتقام. الثلاثون: ويعطي من حرمه، وهي فضيلة تحت السخاء. الحادية والثلاثون: ويصل من قطعه، والمواصلة فضيلة تحت العفة. الثانية والثلاثون: بعد فحشه، وأراد ببعد الفحش عنه أنه قلما يخرج في أقواله إلى ما لا ينبغي. الثالثة والثلاثون: لينه في القول عند محاورات الناس، ووعظهم، ومعاملتهم وهو من أجزاء التواضع. الرابعة والثلاثون: غيبة منكره وحضور معروفه وذلك للزومه حدود الله. الخامسة والثلاثون: إقبال خيره وإدبار شره، وهو كقوله " الخير منه مأمول والشر منه مأمون " ويحتمل باقبال خيره أخذه في الازدياد من الطاعة، وتشميره فيها، وبقدر ذلك يكون إدباره عن الشر لان من استقبل أمرا وسعى فيه بعد عما يضاده وأدبر عنه. السادسة والثلاثون: وقاره في الزلازل، وكنى بها عن الأمور العظام والفتن الكار؟، المستلزمة لاضطراب القلوب وأحوال الناس، والوقار ملكة تحت الشجاعة. السابعة والثلاثون: كثرة صبره في المكاره، وذلك عن ثباته وعلو همته عن أحوال الدنيا. الثامنة والثلاثون: كثرة شكره في الرخاء وذلك لمحبته المنعم الأول جلت قدرته، فيزداد شكره في رخائه وإن قل. التاسعة والثلاثون: كونه لا يحيف على من يبغض، وهو سلب للحيف والظلم مع قيام الداعي إليها، وهو البغض لمن يتمكن من حيفه وظلمه. الأربعون: كونه لا يأثم فيمن يحب وهو سلب لرذيلة الفجور عنه باتباع الهوى فيمن يحب إما باعطائه ما لا يستحق أو دفع ما يستحق عليه عنه كما يفعله قضاة السوء وامراء الجور، فالمتقي لا يأثم بشئ من ذلك، مع قيام الداعي إليه، وهو المحبة لمن يحبه، بل يكون على فضيلة العدل في الكل على السواء. الحادية والأربعون: اعترافه بالحق قبل أن يشهد عليه، وذلك لتحرزه في دينه من الكذب، إذ الشهادة إنما يحتاج إليها مع إنكار الحق وذلك كذب. الثانية والأربعون: كونه لا يضيع أماناته، ولا يفرط فيما استحفظه الله من دينه وكتابه، وذلك لورعه ولزوم حدود الله. الثالثة والأربعون: ولا ينسى ما ذكر من آيات الله وعبره وأمثاله، ولا يترك العمل بها، وذلك لمداومة ملاحظتها، وكثرة إخطارها بباله، والعمل بها لعنايته المطلوبة منه. الرابعة والأربعون: ولا ينابز بالألقاب، وذلك لملاحظته النهي في الذكر الحكيم " ولا تنابزوا بالألقاب " ولسر ذلك النهي وهو كون ذلك مستلزما لإثارة الفتن، والتباغض بين الناس، والفرقة المضادة لمطلوب الشارع. الخامسة والأربعون: ولا يضار بالجار لملاحظة وصية الله تعالى به " والجار ذي القربى والجار الجنب " ووصية رسول الله صلى الله عليه وآله في المرفوع إليه: أوصاني ربي بالجار حتى ظننت أنه يورثه، ولغاية ذلك وهي الألفة والاتحاد في الدين. السادسة والأربعون: ولا يشمت بالمصائب، وذلك لعلمه بأسرار القدر وملاحظته لأسباب المصائب، وأنه في معرض أن تصيبه، فيتصور أمثالها في نفسه فلا يفرح بنزولها على غيره. السابعة والأربعون: أنه لا يدخل في الباطل ولا يخرج عن الحق أي لا يدخل فيما يبعد عن الله تعالى من باطل الدنيا، ولا يخرج عما يقرب إليه من مطالبه الحقة، وذلك لتصور شرف غايته. الثامنة والأربعون: كونه لا يغمه صمته، لوضعه كلا من الصمت والكلام في موضعه وإنما يستلزم الغم الصمت عما ينبغي من القول، وهو صمت في غير موضعه. التاسعة والأربعون: كونه لا يعلو ضحكه، وذلك لغلبة ذكر الموت وما بعده على قلبه، ومما نقل من صفات الرسول صلى الله عليه وآله: كان أكثر ضحكه التبسم وقد يفتر أحيانا ولم يكن من أهل القهقهة والكركرة، وهما كيفيتان للضحك. الخمسون: صبره في البغي عليه إلى غاية انتقام الله له، وذلك منه نظرا إلى ثمرة الصبر إلى الوعد الكريم " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله " الآية [1] وقوله " ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " . الحادية والخمسون: كون نفسه منه في عناء أي نفسه الامارة بالسوء لمقاومته لها، وقهرها ومراقبته إياها والناس من أذاه في راحة لذلك. الثانية والخمسون: كون بعده عمن تباعد عنه، لزهده فيما في أيدي الناس ونزاهته عنه، لا عن كبر وتعظم عليهم، وكذلك دنوه ممن دنا منه عن لين ورحمة منه لهم، لا لمكر بهم وخديعة لهم عن بعض المطالب، كما هو عادة الخبيث المكار وهذه الصفات والعلامات قد يتداخل بعضها، ولكن تورد بعبارة أخرى أو تذكر مفردة ثم تذكر ثانيا مركبة مع غيرها [3].
الهوامش32
[١]رواه الكليني في الكافي ج ٢ ص ٢٢٦ باب المؤمن وعلاماته وصفاته مع اختلاف.ص 315
[١]نهج البلاغة ج ١ ص ٤١٩ ط عبده مصر، تحت الرقم 191 من الخطب [2] شرح النهج لابن أبي الحديد ط مصر ج 2 ص 547 [3] شرح النهج لابن ميثم ص 364.ص 317
[١]حيث قال: فقال همام: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أكرمك بما خصك الخ والرواية في الأمالي ص ٣٤٠ المجلس: ٨٤ كما سيأتي.ص 318
[٢]يعنى في قوله عليه السلام: خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم الخ.ص 318
[٣]الزخرف: ٣٢.ص 318
[٤]الزخرف: ٣٢.ص 318
[١]الاسراء: ٣٧.ص 319
[٢]البقرة: ١٧١.ص 319
[3]براءة: 70.ص 319
[1]راجع ج 2: ص 548 - 549. ط مصر.ص 320
[2]براءة: 70.ص 320
[3]حيث قال: نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت منهم في الرخاء، رضى منهم عن الله بالقضاء.ص 320
[١]المؤمنون: ٦٠.ص 321
[٢]البقرة: ١٦.ص 321
[١]المطففين: ٤.ص 324
[١]المائدة: ٢٧.ص 325
[١]المائدة: ٥٤.ص 326
[١]طه: ٧١.ص 327
[١]بل سيجئ في آخر الباب.ص 330
[٢]تحف العقول: ١٥٤ - 158 ط اسلامية.ص 330
[1]براءة: 70.ص 331
[١]الانسان: ١٢.ص 332
[1]السحنة - بالتحريك - الهيئة واللون، ولين البشرة والنعمة.ص 334
[1]ذكره الجوهري في " سرط " (الصحاح ص 1130) ولفظه: لا تكن حلوا فتسترط ولا مرا فتعقى " وتعقى بمعنى تلفظ من قولهم: أعقيت الشئ: إذا أزلته من فيك لمرارته كما يقال: أشكيت الرجل: إذا أزلته عما يشكوه.ص 335
[١]الشعراء: ١١٥.ص 336
[١]البقرة: ١٥٢.ص 337
[١]الصف: ٣.ص 338
[١]الحجرات: ١١.ص 340
[٢]النساء: ٣٦.ص 340
[١]الحج: ٦٠.ص 341
[٢]النحل: ١٢٦.ص 341
[3]شرح النهج لابن ميثم البحراني ص 364 - 369.ص 341