Complete indexed hadith starts here; printed across pages 170-176.
Show clickable narrator chain
لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام البصرة بعد قتال أهل الجمل دعاه الأحنف بن قيس واتخذ له طعاما فبعث إليه صلوات الله عليه وإلى أصحابه فأقبل ثم قال: يا أحنف ادع لي أصحابي، فدخل عليه قوم متخشعون كأنهم شنان بوالي فقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي نزل بهم؟ أمن قلة الطعام؟ أو من هول الحرب؟. فقال صلوات الله عليه: لا يا أحنف إن الله سبحانه أجاب أقواما تنسكوا له في دار الدنيا تنسك من هجم على ما علم من قربهم من يوم القيامة، من قبل أن يشاهدوها: فحملوا أنفسهم على مجهودها وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على الله سبحانه توهموا خروج عنق يخرج من النار يحشر الخلائق إلى ربهم تبارك وتعالى وكتاب يبدو فيه على رؤس الاشهاد فضايح ذنوبهم، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا، وتفارقهم عقولهم إذا غلبت بهم مراجل المجرد إلى الله سبحانه غليانا. فكانوا يحنون حنين الواله في دجى الظلم، وكانوا يفجعون من خوف ما أو قفوا عليه أنفسهم، فمضوا ذبل الأجسام، حزينة قلوبهم، كالحة وجوههم، ذابلة شفاههم، خامصة بطونهم، تراهم سكارى سمار وحشة الليل متخشعون كأنهم شنان بوالي، قد أخلصوا لله أعمالا سرا وعلانية، فلم تأمن من فزعه قلوبهم. بل كانوا كمن حرسوا قباب خراجهم فلو رأيتهم في ليلتهم وقد نامت العيون، وهدأت الأصوات، وسكنت الحركات، من الطير في الوكور، وقد نهنههم هول يوم القيامة بالوعيد عن الرقاد كما قال سبحانه: " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون " فاستيقظوا لها فزعين، وقاموا إلى صلواتهم معولين، باكين تارة وأخرى مسبحين، يبكون في محاريبهم، ويرنون، يصطفون ليلة مظلمة بهماء يبكون. فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياما على أطرافهم منحنية [ظهورهم، يتلون] أجزاء القرآن لصلواتهم قد اشتدت إعوالهم ونحيبهم وزفيرهم، إذا زفروا خيلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفدت في أعناقهم فلو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الأرض هونا، ويقولون للناس حسنا " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وإذا مروا باللغو مروا كراما " قد قيدوا أقدامهم من التهمات، وأبكموا ألسنتهم أن يتكلموا في أعراض الناس وسجموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض، وكحلوا أبصارهم بغض البصر عن المعاصي وانتحوا دار السلام التي من دخلها كان آمنا من الريب والأحزان. فلعلك يا أحنف شغلك نظرك في وجه واحدة تبدي الأسقام بغاضرة وجهها، و دار قد اشتغلت بنفس روأتها ستور قد علقتها، والريح والآجام موكلة بثمرها وليست دارك هذه دار البقاء فأحمتك الدار التي خلقها الله سبحانه من لؤلؤة بيضاء ونشفق فيها أنهارها [4] [وغرس فيها أشجارها، وظلل عليها بالنضج من أثمارها] وكبسها بالعوابق من حورها، ثم أسكنها أولياءه وأهل طاعته. فلو رأيتهم يا أحنف وقد قدموا على زيادات ربهم سبحانه، فإذا ضربت جنائبهم، صوتت رواحلهم بأصوات لم يسمع السامعون بأحسن منها، وأظلتهم غمامة فأمطرت عليهم المسك والرادن وصهلت خيولها بين أغراس تلك الجنان، وتخللت بهم نوقهم بين كثب الزعفران، ويتطأ من تحت أقدامهم اللؤلؤ والمرجان، واستقبلتهم قهارمتها بمنابر الريحان، وتفاجت لهم ريح من قبل العرش فنثرت عليهم الياسمين والأقحوان، وذهبوا إلى بابها فيفتح لهم الباب رضوان، ثم سجدوا لله في فناء الجنان فقال لهم الجبار: ارفعوا رؤوسكم فاني قد رفعت عنكم مؤنة العبادة، وأسكنتكم جنة الرضوان. فان فاتك يا أحنف ما ذكرت لك في صدر كلامي لتتركن في سرابيل القطران ولتطوفن بينها وبين حميم آن، ولتسقين شرابا حار الغليان في أنضاجه، فكم يومئذ في النار من صلب محطوم، ووجه مهشوم، ومشوه مضروب على الخرطوم قد أكلت الجامعة كفه، والتحم الطوق بعنقه. فلو رأيتهم يا أحنف ينحدرون في أوديتها، ويصعدون جبالها، وقد البسوا المقطعات من القطران، واقرنوا مع فجارها وشياطينها، فإذا استغاثوا بأسوء أخذ من حريق شدت عليهم عقاربها وحياتها، ولو رأيت مناديا ينادي وهو يقول: يا أهل الجنة ونعيمها ويا أهل حليها وحللها، خلدوا فلا موت، فعندها ينقطع رجاؤهم و تنغلق الأبواب، وتنقطع بهم الأسباب، فكم يومئذ من شيخ ينادي: وا شيبتاه! و كم من شاب ينادي وا شباباه! وكم من امرأة تنادي وا فضيحتاه، هتكت عنهم الستور، فكم يومئذ من مغموس، بين أطباقها محبوس، يا لك غمسة ألبستك بعد لباس الكتان، والماء المبرد على الجدران، وأكل الطعام ألوانا بعد ألوان لباسا لم يدع لك شعرا ناعما كنت مطعمه إلا بيضه، ولا عينا كنت تبصر بها إلى حبيب إلا فقأها، هذا ما أعد الله للمجرمين، وذلك ما أعد الله للمتقين . نهنهه عن الامر فتنهنه كفه وزجره فكف وقال: " أعول " رفع صوته بالبكاء والصياح كعول، والاسم العول والعولة والعويل، وقال: صفده يصفده شده وأوثقه كأصفده وصفده " من التهمات " أي من مواضع التهمة، أو من تتبع عيوب الناس واتهامهم. قوله: " وسجموا أسماعهم " أي كفوها ومنعوها عن " أن يلجها " أي يدخلها كلمات المبطلين، قال الزمخشري في الأساس: سجم عن الامر أبطأ وانقبض وقال: خاضوا في الحديث وتخاوضوا فيه وهو يخوض مع الخائضين أي يبطل مع المبطلين، وهم في خوض يلعبون وقال الراغب: الخوض هو الشروع في الماء و المرور فيه، ويستعار في الأمور وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " " وخضتم كالذي خاضوا " وقال تعالى: " فذرهم في خوضهم يلعبون " و " إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " وتقول: أخضت دابتي في الماء " انتهى. وأقول: يمكن أن يقرأ سجموا هنا على بناء التفعيل أو على بناء المجرد فيكون أسماعهم بالرفع بدلا عن الضمير، ونحاه وانتحاه قصده، وانتحى جد " في وجه واحدة " أي دار واحدة " وتظهر الأسقام بغاضرة وجهها " من الغضارة وهي النعمة والسعة والحسن وطيب العيش، أي في عين النضارة والغضارة تظهر أنواع البلاء " قد اشتغلت " أي شغلتك عن الآخرة بنفائس روأتها وحسنها والأجام بالجيم من قولهم تأجم النهار أي اشتد حره أو بالحاء المهملة والميمين من قولهم أحم الماء سخنه. " فأحمتك " الضمير للدار المقدمة، وهي الدنيا، أي منعتك دار الدنيا عن دار الآخرة. في القاموس: حمى الشئ يحميه حميا وحماية: منعه، وحمى المريض ما يضره منعه إياه، فاحتمى وتحمى: امتنع، وأحمى المكان جعله حمى لا يقرب، وحمي من الشئ كرضي أنف، وقال: كبس البئر و النهر يكسبهما طمهما بالتراب، ورأسه في ثوبه أخفاه وأدخله فيه، وداره هجم عليه واحتاط، وقال: عبق به الطيب كفرح لزق به. أو هو بالتاء المثناة الفوقانية جمع عاتق، وهي الجارية أول ما أدركت والتي لم تتزوج ذكره الفيروزآبادي وقال: الحور جمع أحور وحوراء، وبالتحريك أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حواليها، أو شدة بياضها وسواها في شدة بياض الجسد أو اسوداد العين كلها مثل الظباء ولا يكون في بني آدم بل يستعار لها. قوله: " على زيادات ربهم " أي نعمهم الزائدة عن قدر أعمالهم كما قال سبحانه: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " وقال: " ولدينا مزيد " . " فإذا ضربت " أي أسرعت أو على بناء المجهول " والجنائب " جمع الجنيبة، وهي الفرس تقاد ولا تركب و " الرواحل " جمع الراحلة وهي المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى، وقيل هي الناقة التي تصلح أن ترحل " والرادن " الزعفران أو هو الألوان أي أنواع الطيب أو الأرجوان بالضم أي الورد الأحمر، أو الثوب الأرغواني والوردان جمع ورد لكنه لم يذكر في كتب اللغة " والكثب " بالضم جمع الكثيب وهو التل من الرمل و " يتطأ من تحت أقدامهم " افتعال من الوطئ في القاموس وطئه بالكسر يطاؤه داسه كوطأه ووطأته توطئة، واستوطأه وجده وطيئا ووطئه هيأه ودمثه وسهله كوطأ في الكل فاتطأ، واتطأ كافتعل استقام وبلغ نهايته، وتهيأ ورجل موطئ الأكناف كمعظم سهل دمث كريم مضياف. وقال في الأساس: اطمأن بالمكان، ووتد الله الأرض بالجبال فاطمأنت، و من المجاز وقار وطمأنينة، ورأيته قلقا فرقا فطامنت منه حتى اطمأن، ومن المجاز في فلان وقار وتطأ من، وتقول قلبه آمن، وجاشه متطامن، وأرض مطمئنة ومتطأمنة منخفضة انتهى. وأقول: فيتحمل أن يكون " من " جزء الكلمة من " يتطأمن " أي يمشون على اللؤلؤ والمرجان من غير عسر وحزونة، وكأن الأول أظهر. " والقهارمة " جمع القهرمان، وفي النهاية هو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس " بمنابر الريحان " أي ما اجتمع وارتفع منه في القاموس نبر الشئ رفعه، ومنه المنبر بكسر الميم، وقال: النبرة كل مرتفع من شئ ويمكن أن يكون منائر بالهمز من النور بالفتح أي الأزهار، و " تفاجت " من الفجأة بالتخفيف والحذف وأصله تفاجأت أي ثارت فجأة وفي بعض النسخ هاجت من الهيجان وفي القاموس السربال بالكسر القميص أو الدرع أو كل ما لبس. " من قطران " قال البيضاوي: وجاء قطران وقطران لغتين فيه وهو ما يتحلب من الا بهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحدته، وهو أسود منتن يشتعل فيه النار بسرعة يطلى به جلود أهل النار حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص ليجتمع عليهم لذع القطران، ووحشة لونه ونتن ريحه مع إسراع النار في جلودهم، وعن يعقوب من قطر آن والقطر النحاس أو الصفر المذاب والاني المتناهي حره، وقال: " يطوفون بينها " أي بين النار يحرقون بها و " بين حميم آن " أي ماء حار بلغ النهاية في الحرارة، يصب عليهم أو يسقون منه، وقيل إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم و " الحطم " الكسر و " الهشم " كسر اليابس، و شوهه الله: قبح وجهه، و " الخرطوم " كزنبور الانف قال تعالى: " سنسمه على الخرطوم " و " الجامعة " الغل و " التحم الطوق " أي دخل في اللحم ونشب فيه " خلدوا " أي كونوا مخلدين. و " تنقطع بهم الأسباب " إشارة إلى قوله سبحانه: " إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب " قال البيضاوي: الأسباب الوصل التي كانت بينهم من الاتباع والاتفاق على الدين والاغراض الداعية إلى ذلك " على الجدران " لأنهم كانوا يضعونه فوق الجدار ليزيد تبريده " كنت مطعمه " أي رزقته على بناء المجهول فيهما مجازا. وهذا الخبر كان في غاية السقم ولم أجده في كتاب آخر أصححه به، وكان فيه بعض التصحيف والحذف.
الهوامش18
[1]الشنان جمع الشن - بالفتح - القربة الخلقة الصغيرة، لكن يكون الماء فيها أبرد من غيرها، فالبوالي صفة تأكيدية.ص 170
[2]أثاب خ ل، وفى المصدر المطبوع: أحب.ص 170
[3]المجرد: اناء يغلى لتصفية ما فيه من العصير، وفى المصدر: من أجل التجرد وهو تصحيف.ص 170
[4]جر ثوابت جراحهم خ، حرسوا قباب خراجهم خ، والجملة مصحفة.ص 170
[١]الأعراف: ٩٧ [2] الفرقان: 63.ص 171
[2]في المصدر: أشغلت بنقش رواقها، وهو الصحيح المناسب لقوله بعده " وستور قد علقتها ".ص 171
[3]الزيادة من المصدر المطبوع.ص 171
[١]في المصدر: وهاجت.ص 172
[٢]صفات الشيعة ص ١٨٣.ص 172
[1]براءة: 65.ص 173
[2]براءة: 69.ص 173
[3]الانعام: 91، والآية هكذا منقولة في المصدر المطبوع، وفى المصحف الشريف " قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون "، نعم في المصحف الشريف " فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون، في سورة المعارج 42، وسورة الزخرف " 83.ص 173
[١]الانعام: ٦٨.ص 174
[٢]كان لفظ الحديث، " تبدى ".ص 174
[٣]يونس: ٢٦، ق 35.ص 174
[1]تفسير البيضاوي ص 220، والآية في إبراهيم: 50.ص 175
[١]تفسير البيضاوي: ٤١٩. والآية في الرحمن: ٤٠.ص 176
[٢]القلم: ١٦.ص 176