Complete indexed hadith starts here; printed across pages 192-199.
Show clickable narrator chain
أنه أخبره، عن نوف البكالي قال: عرضت لي إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حاجة فاستتبعت إليه جندب بن زهير والربيع بن خثيم وابن أخته همام بن عبادة بن خثيم وكان من أصحاب البرانس، فأقبلنا معتمدين لقاء أمير المؤمنين عليه السلام فألفيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر مبدنين قد أفاضوا في الأحدوثات تفكها، وبعضهم يلهي بعضا فلما أشرف لهم أمير المؤمنين عليه السلام أسرعوا إليه قياما فسلموا فرد التحية ثم قال: من القوم؟ قالوا: أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين فقال لهم خيرا ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا أهل البيت؟ فأمسك القوم حياء. قال نوف: فأقبل عليه جندب والربيع فقالا: ما سمة شيعتكم وصفتهم يا أمير المؤمنين؟ فتثاقل عن جوابهما، وقال: اتقيا الله أيها الرجلان وأحسنا فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. فقال همام بن عبادة وكان عابدا مجتهدا: أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم، وفضلكم تفضيلا إلا أنبأتنا بصفة شيعتكم، فقال: لا تقسم فسأنبئكم جميعا وأخذ بيد همام فدخل المسجد فسبح ركعتين أو جزهما وأكملهما وجلس وأقبل علينا، وحف القوم به، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد فان الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خلق خلقه فألزمهم عبادته وكلفهم طاعته، وقسم بينهم معايشهم، ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم، وهو في ذلك غني عنهم، لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه منهم، لكنه علم تعالى قصورهم عما تصلح عليه شؤونهم، وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم و آجلهم، فارتبطهم باذنه في أمره ونهيه، فأمرهم تخييرا، وكلفهم يسيرا، وأثابهم كثيرا وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته، بين الموجف من أنامه إلى مرضاته و محبته، وبين المبطئ عنها والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته. فذلك قول الله عز وجل " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه يده على منكب همام بن عبادة فقال: ألا من سأل عن شيعة أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم في كتابه مع نبيه تطهيرا، فهم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل والفواضل منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته، و خضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء رضى عن الله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب، وخوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون، وهم والنار كمن ادخلها فهم فيها يعذبون، قلوبهم محزونة; وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة ومعونتهم في الاسلام عظيمة. صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، وتجارة مربحة يسرها لهم رب كريم، أناس أكياس، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها. أما الليل فصافون أقدامهم، تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه، تارة، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه جل جلاله في فكاك رقابهم، هذا ليلهم; فأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء، براهم خوف باريهم فهم أمثال القداح، يحسبهم الناظر إليهم مرضى وما بالقوم من مرض، أوقد خولطوا، وقد خالط القوم من عظمة ربهم، وشده سلطانه أمر عظيم. طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استقاموا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزاكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف مما يقولون، وقال: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون، فإنك علام الغيوب، وساتر العيوب. هذا ومن علامة أحدهم أن ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا على علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في رفق، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة للمجهود، و إعطاء في حق، ورفقا في كسب، وطلبا في حلال، وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع أي دنس - ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله على وجل يصبح وشغله الذكر، ويمسي وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا لما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما إليه تشره، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العمل بالعلم والعلم بالحلم، يظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا داؤه، كاظما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره بينا صبره، كثيرا ذكره، لا يعمل شيئا من الخير رئاء، ولا يتركه حياء. الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان بين الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، قريب معروفه، صادق قوله، حسن فعله، مقبل خيره مدبر شره، غايب مكره، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد ما عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه، لا يضيع ما استحفظه، ولا ينابز بالألقاب، لا يبغي على أحد، ولا يغلبه الحسد، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصاب مؤد للأمانات، عامل بالطاعات، سريع إلى الخيرات، بطئ عن المنكرات، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، لا يدخل في الأمور بجهل ولا يخرج من الحق بعجز، إن صمت لم يعيه الصمت، وإن نطق لم يعيه اللفظ، وإن ضحك لم يعل به صوته، فانع بالذي قدر له، لا يجمح به الغيظ، ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره الشح يخالط الناس بعلم، ويفارقهم بسلم، يتكلم ليغنم، ويسأل ليفهم، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أراح الناس من نفسه، وأتعبها لاخرته، إن بغي عليه صبر ليكون الله تعالى هو المنتصر له، يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله، فهو قدوة لمن خلف من طالب البر بعده أولئك عمال الله، ومطايا أمره وطاعته، وسرج أرضه وبريته، أولئك شيعتنا وأحبتنا، ومنا ومعنا، ألا ها شوقا إليهم، فصاح همام بن عبادة صيحة وقع مغشيا عليه فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا رحمة الله عليه. فاستعبر الربيع باكيا وقال: لأسرع ما أودت موعظتك يا أمير المؤمنين بابن أخي ولوددت لو أني بمكانه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها، أما والله لقد كنت أخافها عليه، فقال له قائل: فما بالك أنت يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويحك، إن لكل واحد أجلا لن يعدوه، وسببا لن يجاوزه. فمهلا لا تعد لها، فإنما نفثها على لسانك الشيطان، قال: فصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام عشية ذلك اليوم، وشهد جنازته ونحن معه. قال الراوي عن نوف: فصرت إلى الربيع بن خثيم فذكرت له ما حدثني نوف، فبكى الربيع حتى كادت نفسه أن تفيض، وقال: صدق أخي، لاجرم أن موعظة أمير المؤمنين وكلامه ذلك مني بمرءى ومسمع، وما ذكرت ما كان من همام ابن عبادة يومئذ وأنا في بلهنية إلا كدرها، ولا شدة إلا فرجها. البرنس قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام، أي كان من الزهاد والعباد المشهورين بذلك، وفي المصباح أفضيت إلى الشئ وصلت إليه. " مبدنين " بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة أي سمانا ملحمين كما هو هيئة المترفين بالنعم في القاموس البادن والبدين والمبدن كمعظم الجسيم، وفي أساس اللغة بدنت لما بدنت أي سمنت لما أسننت، يقال: بدن الرجل وبدن بدنا وبدانة فهو بدين وبادن، وبادنني فلان وبدنته أي كنت أبدن، ورجل مبدان مبطان سمين ضخم وفي القاموس أفاضوا في الحديث اندفعوا، وحديث مفاض فيه وقال: الأحدوثة ما يتحدث به، وقال: فكههم بملح الكلام تفكيها أطرفهم بها، و هو فكه وفاكه طيب النفس ضحوك، أو يحدث صحبه فيضحكهم، وفاكهه مازحه وتفكه تندم، وبه تمتع، وقال: لها لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك ولهى عنه غفل وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا. فسبح أي صلى السبحة وهي النافلة، وكأنها صلاة التحية. في النهاية قد يطلق التسبيح على صلاة التطوع والنافلة، ويقال أيضا للذكر ولصلاة النافلة سبحة، يقال: قضيت سبحتي، وإنما خصت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لان التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة " أو جزهما " أي كما و " أكملهما " أي كيفية من رعاية حضور القلب والخشوع وغير ذلك " جل ثناؤه " عن أن يأتي به كما هو أهله أحد " وتقدست أسماؤه " عن أن تدل على نقص أو عن أن يبلغ إلى كنهها أحد " دهماؤهم " أي أكثرهم أو جماعتهم مع كثرتهم، في القاموس الدهماء العدد الكثير " فأماز " على بناء الافعال أي ميز وفرق، في القاموس مازه يميزه ميزا عزله وفرزه كأمازه وميزه، فامتاز وانماز وتميز، والشئ فضل بعضه على بعض، والايجاف الاسراع وإيجاف الخيل والبعير ركضهما، والوجيف نوع من عدو الإبل، واستعير هنا للاسراع في الطاعات، والاستظهار الاستعانة وكأن المراد هنا من يستعين على تحصيل نعمة الله ورزقه المقدر له بمعصية الله كالخيانة، ويحتمل أن يكون على القلب أي يستعين بنعمة الله على معصيته " أم حسب الذين اجترحوا السيئات " قال البيضاوي: أم منقطعة، ومعنى الهمزة إنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب " أن نجعلهم " أن نصيرهم " كالذين آمنوا وعملوا الصالحات " مثلهم وهو ثاني مفعول يجعل، وقوله " سواء محياهم ومماتهم " بدل منه، إن كان الضمير لموصول الأول لان المماثلة فيه إذ المعنى إنكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيان في البهجة والكرامة، كما هو للمؤمنين، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص " سواء " بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف، أو المفعولية، والكاف حال، وإن كان للثاني فحال منه أو استيناف يبين المقتضي للانكار وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني، وضمير الأول، والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة أو استيناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في الهدى والضلال، وقرئ مماتهم بالنصب على أن محياهم ومماتهم ظرفان كمقدم الحاج " ساء ما يحكمون " ساء حكمهم هذا، وبئس شيئا حكموا به. وفي القاموس الفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل، والاسم الفاضلة، والفواضل الأيادي الجسيمة أو الجميلة، وقال: بخع نفسه كمنع قتلها غما وبالحق بخوعا أقر به وخضع له، كبخع بالكسر بخاعة وبخوعا " فمضوا " أي في الطاعة أو إلى الآخرة " خوف باريهم " أي خالقهم، وكونه من البري بعيد " هذا " أي خذ هذا، و هو فصل في الكلام شايع " في طمع " كأن في بمعنى " عن " وإن لم يكن مذكورا في الكتب المشهورة أو بمعنى " مع " فالمراد الطمع من الله " أي دنس " كأنه كلام الكراجكي ويحتمل غيره من الرواة وفي النهاية الطبع بالتحريك الدنس وأصله من الدنس والوسخ يغشيان السيف ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرهما من المقابح ومنه الحديث أعوذ بالله من طمع يهدي إلى طبع أي يؤدي إلي شين وعيب، ومنه حديث ابن عبد العزيز لا يتزوج من العرب في الموالي إلا الطمع الطبع " لا يغره ما جهله " أي من عيوبه والأظهر " ثناء من جهله " كما مر والاعتصام الامتناع، وفي القاموس شره كفرح غلب حرصه فهو شره " عازبا " أي غائبا " محرزا " بكسر الراء أو بفتحها " دينه " بالنصب أو الرفع " لم يعيه الصمت " أي لا يصير صمته سببا لقلة علمه و إعيائه عن بيان الحق بل صمته تدبر وتفكر أو ليس صمته بسبب الاعياء والعجز عن الكلام بل لمفاسد الكلام، وهو بعيد لفظا، " به " أي بالضحك أو الباء للتعدية " بعلم " أي مع علمه بمن صاحبه، وأنه أهل لذلك، أو لتحصيل العلم ليوافق ما مر وإن كان بعيدا. " بسلم " أي مع مسالمة ومصالحة لا لعداوة ومنازعة و " المطايا " جمع المطية وهي الدابة تمطو أي تسرع في مسيرها أي يحملون أوامر الله وطاعاته إلى الخلق ويعلمونهم ويروون لهم أو يتحملونها ويعملون بها مسرعين في ذلك " ألاها " ألا حرف تنبيه، وها إما اسم فعل بمعنى خذ، أو حكاية عن تنفس طويل تحسرا على عدم لقائهم و " شوقا " على الأول مصدر فعل محذوف أي أشتاق شوقا وعلى الثاني يحتمل ذلك، وأن يكون علة لما يدل عليه " ها " من التحسر والتحزن، وفي كلامه عليه السلام في مواضع أخرى " آه آه شوقا إلى رؤيتهم " وفي القاموس أودى: هلك، وبه الموت ذهب، وقال البلهنية بضم الباء الرخاء وسعة العيش. 20. * (باب) * * " (النهى عن التعجيل على الشيعة) " * " (وتمحيص ذنوبهم) *
الهوامش1
[١]الجاثية: ٢١.ص 193