Same indexed hadith bihar-28808; it ends on this printed page after beginning on pages 212-218.
Show complete hadith text
Show clickable narrator chain
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لم يكون الرجل عند الله مؤمنا قد ثبت له الايمان عنده ثم ينقله الله بعد من الايمان إلى الكفر؟ قال: فقال: إن الله عز وجل هو العدل، إنما دعا العباد إلى الايمان به لا إلى الكفر، ولا يدعو أحدا إلى الكفر به، فمن آمن بالله ثم ثبت له الايمان عند الله لم ينقله الله عز وجل بعد ذلك من الايمان إلى الكفر. قلت له: فيكون الرجل كافرا قد ثبت له الكفر عند الله ثم ينقله الله بعد ذلك من الكفر إلى الايمان؟ قال: فقال: إن الله عز وجل خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها، لا يعرفون إيمانا بشريعة، ولا كفرا بجحود، ثم بعث الله الرسل تدعو العباد إلى الايمان به، فمنهم من هدى الله ومنهم من لم يهده الله . ويحتمل أن يكون بناؤها على الفرق بينهما، فحاصل الجواب الأول أن المؤمن الواقعي الذي ثبت إيمانه عند الله، ولم يكن منافقا ومستودعا لا يسلب الله منه توفيقه وهدايته، ولا يرجع عن الايمان أبدا، ومن تراه يرجع فليس بمؤمن واقعي بل هو ممن يظهر الايمان، ولم يستقر في قلبه، كما اختاره بعض المتكلمين وحاصل الثاني أن الكفر لما كان أمرا عدميا والناس في بدو الفطرة لم يتصفوا بالايمان، لكنهم على الفطرة القابلة للايمان، وللكفر بمعنى الجحود لا الكفر بمعنى عدم الايمان، فإنه متصف به قبل التصديق والاذعان، فبعث الله الرسل لاتمام الحجة عليهم، ثم بعد ذلك بعضهم يستحق الهدايات والالطاف الخاصة بحسن اختياره، وعدم إبطاله الفطرة الأصلية، فتشمله تلك الألطاف فيختار الايمان وبعضهم لم يستحق ذلك فيخذله الله فيختار الكفر بمعنى الجحود. وكأن هذا أظهر من الخبر، لكن فيه أنه لم يظهر منه أنه هل يمكن أن ينقله الله من كفر الجحود إلى الايمان؟ والظاهر أن مراد السائل كان استعلام ذلك ويمكن الجواب بوجهين الأول أن نحمل كلام السائل ثانيا على الاخبار أو التعجب لا الاستفهام، ولما كان كلامه موهما لكون ذلك على الجبر أفاد عليه السلام أن هدايته سبحانه وخذلانه لا يوجبان سلب الاختيار، فإنهم على الفطرة القابلة لهما، والثاني أن يقال إنه أفاد عليه السلام قاعدة كلية يظهر منه جواب ذلك، وهو أنه يمكن ذلك لكن بهذا النحو المذكور لا بالجبر. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن المؤمن بعد اتصافه بالايمان الحقيقي في نفس الامر، هل يمكن أن يكفر أم لا؟ ولا خلاف في أنه لا يمكن ما دام الوصف، وإنما النزاع في إمكان زواله بضد أو غيره، فذهب أكثرهم إلى جواز ذلك بل إلى وقوعه، وذلك لان زوال الضد بطريان ضده أو مثله على القول بعدم اجتماع الأمثال ممكن، لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال وظاهر كثير من الآيات الكريمة دال عليه كقوله تعالى " إن الذين آمنوا ثم كفروا [ثم آمنوا ثم كفروا] ثم ازدادوا كفرا " وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين " . وذهب بعضهم إلى عدم جواز زوال الايمان الحقيقي بضد أو غيره، وقال الشهيد الثاني قدس الله روحه ونسب ذلك إلى السيد المرتضى رضي الله عنه مستدلا بأن ثواب الايمان دائم، وعقاب الكفر دائم، والاحباط والموافاة عنده باطلان أما الاحباط فلاستلزام أن يكون الجامع بين الاحسان والإساءة بمنزلة من لم يفعلهما مع تساويهما، أو بمنزلة من لم يحسن إن زادت الإساءة، وبمنزلة من لم يسئ مع العكس، واللازم بقسميه باطل قطعا فالملزوم مثله وأما الموافاة فليست عندنا شرطا في استحقاق الثواب بالايمان، لان وجوه الافعال وشروطها التي يستحق بها ما يستحق، لا يجوز أن تكون منفصلة عنها ولا متأخرة عن وقت حدوثها، والموافاة منفصلة عن وقت حدوث الايمان، فلا يكون وجها ولا شرطا في استحقاق الثواب. لا يقال: الثواب إنما يستحقه العبد على الفعل كما هو مذهب العدلية، والايمان ليس فعلا للعبد وإلا لما صح الشكر عليه، لكن التالي باطل إذ الأمة مجتمعة على وجوب شكر الله تعالى على نعمة الايمان، فيكون الايمان من فعل الله تعالى إذ لا يشكر على فعل غيره، وإذا لم يكن من فعل العبد فلا يستحق عليه ثوابا فلا يتم دليله، على أنه لا يتعقبه كفر، لان مبناه على استحقاق الثواب على الايمان. لأنا نقول: بل هو من فعل العبد ونلتزم عدم صحة الشكر عليه، ونمنع بطلانه، قولك في إثباته " الأمة مجتمعة " الخ قلنا الشكر إنما هو على مقدمات الايمان وهي تمكين العبد من فعله، وإقداره عليه، وتوفيقه على تحصيل أسبابه وتوفيق ذلك له، لا على نفس الايمان الذي هو فعل العبد، فان ادعي الاجماع على ذلك سلمناه، ولا يضرنا، وإن ادعي الاجماع على غيره منعناه فلا ينفعهم. والاعتراض عليه رحمه الله من وجوه أحدها توجه المنع إلى المقدمة القابلة بأن الموافاة ليست شرطا في استحقاق الثواب، وما ذكره في إثباتها من أن وجوه الافعال وشروطها التي يستحق بها ما يستحق لا يجوز أن تكون منفصلة عنها، والموافاة منفصلة عن وقت الحدوث، فلا يكون وجها. لا دلالة له على ذلك، بل إن دل فإنما يدل على أن الموافاة ليست من وجوه الافعال، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون شرطا لاستحقاق الثواب، فلم لا يجوز أن يكون استحقاق الثواب مشروطا بوجوه الافعال مع الموافاة أيضا، لابد لنفي ذلك من دليل. ثانيها الآيات الكريمة التي مر بعضها، فإنها تدل على إمكان عروض الكفر بعد الايمان بل بعضها على وقوعه، وأجاب السيد عن ذلك بأن المراد والله أعلم من وصفهم بالايمان الايمان اللساني دون القلبي، وقد وقع مثله كثيرا في القرآن العزيز كقوله تعالى " آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " وحيث أمكن صحة هذا الاطلاق، ولو مجازا، سقط الاستدلال بها. ثالثها أن الشارع جعل للمرتد أحكاما خاصة به، لا يشاركه فيها الكافر الأصلي، كما هو مذكور في كتب الفروع، وهذا أمر لا يمكن دفعه، ولا مدخل للطعن فيه، فان الكتاب العزيز والسنة المطهرة ناطقان بذلك، والاجماع واقع عليه كذلك، ولا ريب أن الارتداد هو الكفر المتعقب للايمان، كما دل عليه قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " [" ومن يرتدد منكم عن دينه] فيمت وهو كافر " الآية فقد دل على ما ذكرناه، على أن المؤمن يمكن أن يكفر، أقول: وللسيد رحمه الله أن يجيب عن ذلك بأن ما ذكر إنما يدل على أن من اتصف في ظاهر الشرع بالارتداد، فحكمه كذا وكذا، ولا يدل على أنه صار مرتدا بذلك في نفس الامر فلعله كان كافرا في الأصل، وحكمنا بايمانه ظاهرا للاقرار بما يوجب الايمان مع بقائه على كفره عند الله تعالى، وبفعله ما يوجب الارتداد ظاهرا حكمنا بارتداده أو كان مؤمنا في الأصل وهو باق على إيمانه عند الله تعالى لكن لاقتحامه حرمات الشارع، وتعديه هذه الحدود العظيمة جعل الشارع الحكم بالارتداد عليه عقوبة له لتنحسم بذلك مادة الاقتحام والتعدي من المكلفين، فيتم نظام النواميس الإلهية. وأقول: الحق أن المعلومات التي يتحقق الايمان بالعلم بها أمور متحققة ثابتة لا تقبل التغير والتبدل، وإذ لا يخفى أن وحدة الصانع تعالى ووجوده وأزليته وأبديته وعلمه وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات أمور تستحيل تغيرها وكذا كونه تعالى عدلا لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب وكذا النبوة والمعاد، فإذا علمها الشخص على وجه اليقين والثبات، صار علمه بها كعلمه بوجود نفسه، غير أن الأول نظري والثاني بديهي، لكن لما كان النظري إنما يصير يقينيا بانتهائه إلى البديهي ولم يبق فرق بين العلمين، امتنع تغير ذلك العلم وتبدله كما يمتنع تغير علمه بوجود نفسه. والحاصل أن العلم إذا انطبق على المعلوم الحقيقي الذي لا يتغير أصلا فمحال تغيره، وإلا لما كان منطبقا، فعلم أن ما يحصل لبعض الناس من تغيير عقيدة الايمان لم يكن بعد اتصاف أنفسهم بما ذكرناه من العلم، بل كان الحاصل لهم ظنا غالبا بتلك المعلومات، لا العلم بها، والظن يمكن تبدله وتغيره، وإن كان المظنون لا يمكن تبدله، لان الانطباق غير حاصل وإلا لصار علما. إن قلت: يتصور زوال الايمان بصدور بعض الأفعال الموجبة للكفر كما تقدم وإن بقي التصديق اليقيني بالمعارف المذكورة فقد صح أن المؤمن قد يكفر بعد اتصافه بالايمان. قلت: لا نسلم إمكان صدور فعل يوجب الكفر ممن اتصف بالعلم المذكور، بل صار ذلك الفعل ممتنعا بالغير الذي هو العلم اليقيني وإن أمكن بالذات، وحينئذ فصدور بعض الأفعال المذكورة إنما كان لعدم حصول العلم المذكور، وبالجملة فكلام علم الهدى ومذهبه هنا رضي الله عنه في غاية القوة والمتانة، بعد تدقيق النظر وقد ظهر مما حررناه أن القائلين بامكان زوال الايمان بعروض الكفر إن أرادوا به إمكان زوال العلم بالأمور المذكورة، فظاهر أنه ممتنع بالذات، كانقلاب الحقائق وإن أرادوا به إمكان انتفاء الايمان بعروض شئ من الافعال وإن بقي العلم فقد بينا أنه ممتنع بالغير، فان أرادوا بالامكان على هذا التقدير الامكان الذاتي فلا نزاع لاحد فيه، وإن أرادوا به عدم الامتناع ولو بالغير فقد بينا منعه وامتناعه. وبالجملة فظواهر كثير من الآيات الكريمة والسنة المطهرة تدل على إمكان طروء الكفر على الايمان، وعلى هذا بناء أحكام المرتدين، وهو مذهب أكثر المسلمين، نعم في الاعتبار ما يدل على عدم جواز طروئه عليه كما أشرنا إليه، إن جعلنا الايمان عبارة عن التصديق مع الاقرار أو حكمه، لكن الأول هو الأرجح في النفس انتهى. وأقول: إذا اكتفي في الايمان بالظن الحاصل من التقليد أو غيره، فلا ريب في أنه يجوز تبدل الايمان بالكفر، وإن اشترط فيه العلم القطعي ففي جواز زواله إشكال، ولما لم يقم دليل تام على عدم الجواز مع أن ظواهر الآيات والاخبار تدل على الجواز، فالجواز أقوى مع أن كثيرا ما يعرض للانسان أنه يقطع بأمر بحيث لا يحتمل عنده خلافه، ثم يتزلزل لشبهة قوية تعرض له، والقول بأنه ظن قوي يتوهم قطعا بعيد، نعم إن اعتبر في الايمان اليقين، وفسر بأنه اعتقاد جازم ثابت مطابق للواقع يمتنع زواله، فبعد زواله انكشف أنه لم يكن مؤمنا لكن اعتبار ذلك أول الكلام، وقد شرحنا الخبر في مرآة العقول وحققنا ذلك بوجه آخر فان أردت الاطلاع عليه فارجع إليه.
الهوامش6
[١]الكافي ج ٢ ص ٤١٦.ص 213
[١]النساء: ١٣٧ وتصحيح الآية من المصحف الشريف.ص 214
[٢]آل عمران: ١٠٠.ص 214
[١]المائدة: ٤١.ص 216
[٢]المائدة: ٥٤.ص 216
[٣]البقرة: ٢١٧، وقد اختلطت الآيتان عليهص 216