Same indexed hadith bihar-28900; it ends on this printed page after beginning on pages 325-329.
Show complete hadith text
Show clickable narrator chain
إن الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الاسماع والابصار والأفئدة، يذكرون بأيام الله، ويخوفون مقامه، بمنزلة الأدلة في الفلوات، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقة، وبشروه بالنجاة ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق وحذروه من الهلكة. وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط، ويأتمرون به، وينهون عن المنكر، ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عداتها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون. فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة، أمروا بها فقصروا عنها، ونهوا عنها ففرطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقام ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دجى، قد حفت بهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، واعدت لهم مقاعد الكرامات في مقام اطلع الله عليهم فيه فرضي سعيهم، وحمد مقامهم، يتنسمون بدعائه روح التجاوز، رهائن فاقة إلى فضله، وأسارى ذلة لعظمته جرح طول الأسى قلوبهم، وطول البكاء عيونهم، لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة بها يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه الراغبون، فحاسب نفسك لنفسك، فان غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك . بالانذار عن عقابه سبحانه والبشارة بثوابه والامر بطاعته والنهي عن معصيته وبالقلب: بمحاسبة النفس في طاعته ومعصيته، والاقدام على طاعته بذكر رحمته والانتهاء عن معصيته بذكر غضبه، والاعتراف بالذنب والندم على المخالفة، فان الجميع مما ينبعث عن ذكره سبحانه بالقلب بالعظمة والجلال والمهابة والانعام والاكرام. وجلا فلان السيف والمرآة جلوا بالفتح وجلاء ككساء أي صقلهما، والوقر الثقل في الاذن وذهاب السمع كله، والعشوة المرة من العشا بالفتح والقصر أي سوء البصر بالليل والنهار أو العمى، وقيل: أن لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار وبرح فلان مكانه كفرح أي زال عنه، وما برح أي دائما " وعزت آلاؤه " أي عظمت وكرمت نعمه وعطاياه، والبرهة بالضم كما في النسخ وبالفتح أيضا المدة أو الزمان الطويل، والفترة بالفتح ما بين كل نبيين من الزمان، وقيل انقطاع الوحي والمناجاة: المخاطبة سرا " في الكفر " أي الالهام، " وكلمهم في ذات عقولهم " أي في الباطن خفيا كما قيل في قوله تعالى " والله عليم بذات الصدور " أي بنفس الصدور، أي ببواطنها وخفياتها والمصباح السراج، واستصبح أي استسرج، ونور اليقظة في الاسماع: الاستماع للحكم والمواعظ، وكل كلام نافع في الدين والدنيا والعبرة بسماع أحوال الماضين، وترك الاصغاء إلى الملاهي، وكل كلام باطل وفي الابصار: النظر بعين العبرة، والاستدلال بآثار الصنع على العلم والقدرة، لا بعين الالتذاذ والميل إلى المحرمات، والرغبة في زهرات الدنيا، وفي الأفئدة: التفكر في آيات القدرة وكلام الله عز وجل وأحكامه، والحكم والمسائل الدينية، والتفكر فيما نزل بالماضين، وعاقبة المحسنين والمسيئين، وترك الاشتغال بالأفكار الباطلة وما يلهي عن ذكر الله عز وجل. " يذكرون بأيام الله " إشارة إلى قوله تعالى " وذكرهم بأيام الله " وقيل: معناه وقايع الله في الأمم الخالية، وإهلاك من هلك منهم، وأيام العرب حروبها، وقيل: أي بنعمه وآلائه، وروي عن الصادق عليه السلام أنه يريد بأيام الله سننه وأفعاله في عباده من إنعام وانتقام، وهو القول الجامع، ومقام الله كناية عن عظمته وجلالته المستلزمة للهيبة والخوف، وقيل في قوله تعالى " ولمن خاف مقام ربه جنتان " أي مقامه بين يدي ربه للحساب. والفلاة المفازة لا ماء فيها أو الصحراء الواسعة، والقصد الرشد واستقامة الطريق وضد الافراط والتفريط " وحمدوا إليه " أي منهيا أو متوجها ونحو ذلك كقولهم في أوائل الكتب " أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو " وكذلك " ذموا إليه " والهلكة بالتحريك والهلكاء الهلاك وهلكة هلكاء توكيد. والتجارة ككتابة الاسم من قولك تجر فلان كنصر، واتجر أي باع و اشترى، وقيل: التجارة المعاملة الرابحة، وذكر البيع بعد التجارة مبالغة بالتعميم بعد التخصيص، إن أريد به مطلق المعاوضة، أو بأفراد ما هو أعم من قسمي التجارة فان الربح يتوقع بالشري ويتحقق بالبيع، وهذا بناء على أن يكون كل من الامرين قسما منها لا جزءا وقيل المراد: بالتجارة الشرى فإنه أصلها ومبدؤها. وهتفت الحمامة كضربت أي صاتت، وهتف به هتافا بالضم أي صاح به ودعاه، وهتف به هاتف أي سمع صوته ولم ير شخصه وفي بعض النسخ " يهتفون " بدون حرف العطف، والقسط بالكسر العدل، يقال: قسط كضرب ونصر وأقسط ويقال قسط قسطا كضرب ضربا أي جاز وعدل عن الحق فهو من الأضداد، و تناهى عن الامر وانتهى عنه أي امتنع. قوله عليه السلام " إلى الآخرة " أي منتهين أو واصلين إليها، وفي بعض النسخ: " وكأنما " بالواو في الموضعين " وغيوب أهل البرزخ " ما غاب عن الناس من أحوالهم والوعد يستعمل في الخير والشر يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير الوعد وفي الشر الايعاد، وكشف الغطاء عن العداة بيانها لهم على أوضح وجه، والمقاوم جمع مقام، وشهده كسمعه أي حضره، و الديوان بالكسر وقد يفتح مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وقيل: جريدة الحساب، ويطلق على موضع الحساب وهو معرب. " وفرغوا لمحاسبة أنفسهم " أي فرغوا عن سائر الاشغال، وتركوها لمحاسبة أنفسهم " وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم " أي تدبروا في ثقل الآثام والمعاصي، و طاقة حملهم، فأذعنوا بأن ثقلها يزيد عن قوتهم ولا يطيقون حملها وعذابها، و الاستقلال بالشئ الاستبداد والانفراد به، واستقل القوم أي مضوا وارتحلوا، و استقله أي حمله ورفعه. ونشج الباكي كضرب نشيجا أي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب " وتجاوبوا " أي جاوب بعضهم بعضا، والنحيب أشد البكاء، والظاهر من التجاوب أن نشر الدواوين ومحاسبتهم أنفسهم في مجمعهم ومحضرهم كما هو الظاهر من لفظ المشهودة في أول الكلام، لا أن يحاسب كل واحد نفسه على حدة، ويحتمل التجوز في لفظ التجاوب، وعج كضر كما في النسخ وكعض عجا وعجيجا أي صاح ورفع صوته " لرأيت " الجملة جزاء للشرط السابق، والدجى جمع دجية بالضم أي الظلمة. " وحفت بهم " أي أحاطت وطافت حولهم. والسكينة الطمأنينة والمهابة والوقار ولعل المراد به اليقين الذي تسكن به نفوسهم، وتطمئن قلوبهم، فلا يتزلزل لشبهة أو لما أصابها من فتنة كما قال عز وجل " ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه " . " وأبواب السماء " الأبواب التي تنزل منها الرحمة أو تصعد الأعمال الصالحة وأعده إعدادا هيأه وأحضره، والنسم محركة نفس الريح، إذا كان ضعيفا كالنسيم وتنسم أي تنفس وتنسم النسيم أي تشممه، والروح بالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح، والمعنى يدعون ويتوقعون بدعائه تجاوزه عن ذنوبهم، والرهينة والمرتهنة الرهن، والاسى الحزن، وأبواب الرغبة كلما يتقرب به إلى الله، واليد القارعة تطرق هذه الأبواب بالتقرب بها إلى الله تعالى، والندح بالفتح والضم الأرض الواسعة، والمنادح المفاوز، و " عليه " متعلق بيخيب على تضمين معنى القدوم والوفود ونحو ذلك، والحسيب المحاسب، والمراد إما أسرع الحاسبين أو كل أحد من المكلفين، فإنه مكلف بأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب في موقف الحساب.
الهوامش7
[١]النور: ٣٧.ص 325
[١]نهج البلاغة ج ١ ص ٤٧٣ تحت الرقم ٢٢٠ من الخطب.ص 326
[٢]آل عمران: ١٥٤.ص 326
[١]إبراهيم: ٥.ص 327
[٢]الرحمن: ٤٦.ص 327
[1]يعنى من بابي ضرب وعلم.ص 328
[١]الحج: ١١.ص 329