Same indexed hadith bihar-34683; it ends on this printed page after beginning on pages 28-30.
Show complete hadith text
قال نوف: عرضت لي حاجة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فاستتبعت إليه جندب بن زهير والربيع بن خثيم وابن أخيه همام بن عبادة بن خثيم وكان من أصحاب البرانس المتعبدين فأقبلنا إليه فألفيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر متدينين قد أفاضوا في الأحدوثات تفكها وهم يلهى بعضهم بعضا، فأسرعوا إليه قياما وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم؟ فقالوا أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال لهم: خيرا، ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا؟! فأمسك القوم حياء، فأقبل عليه جندب والربيع فقالا له: ما سمة شيعتك يا أمير المؤمنين؟ فسكت فقال همام - كان عابدا مجتهدا - أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتك؟ فقال: لا تقسم فسأنبئكم جميعا ووضع يده على منكب همام وقال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب مأكولهم القوت، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته وخضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء، رضوا عن الله تعالى بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب، وخوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون. وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون، صبروا أياما قليلة، فأعقبتهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها، أما الليل فصافون أقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأنفسهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه في فكاك أعناقهم، هذا ليلهم، وأما نهارهم فحلماء علماء بررة أتقياء، براهم خوف باريهم فهم كالقداح تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم، وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا اشتاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون. يرى لأحدهم قوة في دين، وحزما في لين وإيمانا في يقين، وحرصا على علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في قصد، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة في مجهود، وإعطاء في حق ورفقا في كسب، وطلبا من حلال وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع، ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل وهو من صالح عمله على وجل، يصبح وشغله الذكر ويمسي وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة. وإن استصعب عليه نفسه فيما تكره لم يطعها سؤلها مما إليه تسره، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العلم بالعمل والعمل بالحلم، ويظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا داؤه، كاظما غيظه، صافيا خلقه آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره، متينا صبره، كثيرا ذكره. لا يعمل شيئا من الخير رياء، ولا يتركه حياء. أولئك شيعتنا وأحبتنا ومنا ومعنا، آها وشوقا إليهم. فصاح همام صيحة ووقع مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا - رحمه الله تعالى - فغسل وصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام ونحن معه. فشيعته عليه السلام هذه صفتهم وهي صفة المؤمنين. وتقدم بعضها.
الهوامش3
[1]بخع نفسه - بتقديم الباء على الخاء المعجمة المفتوحة -: أنهكها وكاد يهلكها من غم أو غضب. وبخع - بكسر الخاء - بالحق: أقر وأذعن.ص 29
[2]أي نحتهم خوف ربهم، فإنما يخشى الله من عباده العلماء. والقداح جمع القدح بالكسر فيهما: السهم.ص 29
[3]الحزم في اللين أن يكون لينه حزما وفى موضعه، لا عن مهانة وذلة.ص 29