Same indexed hadith bihar-40845; it ends on this printed page after beginning on pages 240-257.
Show complete hadith text
تفسير الإمام العسكري: " بسم الله الرحمن الرحيم " هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق أي أستعين على أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة إلا له المغيث إذا استغيث والمجيب إذا دعي، قال الإمام عليه السلام وهو ما قال رجل للصادق عليه السلام يا ابن رسول الله دلني على الله ما هو؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني، فقال: يا عبد الله هل ركبت سفينة؟ قال: بلى، قال: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: بلى، قال: فهل تعلق قلبك هناك أن شيئا من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ قال: بلى، قال الصادق عليه السلام: فذلك الشئ هو الله القادر على الانجاء حين لا منجا، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث. وقال الصادق عليه السلام: ولربما ترك في افتتاح أمر بعض شيعتنا بسم الله الرحمن الرحيم فيمتحنه الله بمكروه لينبهه على شكر الله تعالى والثناء عليه، ويمحو فيه عنه وصمة تقصيره، عند تركه قول بسم الله، لقد دخل عبد الله بن يحيى على أمير المؤمنين عليه السلام وبين يديه كرسي فأمره بالجلوس عليه فجلس عليه فمال به حتى سقط على رأسه، فأوضح عن عظم رأسه، وسال الدم. فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بماء فغسل عنه ذلك الدم، ثم قال: ادن مني، فوضع يده على موضحته، وقد كان يجد من ألمها ما لا صبر له معه، ومسح يده عليها وتفل فيها، فما هو أن فعل ذلك حتى اندمل، فصار كأنه لم يصبه شئ قط. ثم قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: يا عبد الله الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنهم، لتسلم لهم طاعاتهم، ويستحقوا عليها ثوابها، فقال عبد الله بن يحيى: يا أمير المؤمنين! وإنا لا نجازي بذنوبنا إلا في الدنيا؟ قال: نعم، أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وآله: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر "؟ إن الله يطهر شيعتنا من ذنوبهم في الدنيا بما تبليهم به من المحن، وبما يغفره لهم فان الله يقول " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " حتى إذا أوردوا القيامة، توفرت عليهم طاعاتهم وعباداتهم، وإن أعداء آل محمد يجازيهم عن طاعة تكون منهم في الدنيا - وإن كان لا وزن لها لأنه لا إخلاص معها - إذا وافوا القيامة، حملت عليهم ذنوبهم، وبغضهم لمحمد وآله، وخيار أصحابه فقذفوا في النار. ولقد سمعت محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنه كان فيما مضى قبلكم رجلان أحدهما مطيع لله مؤمن، والآخر كافر به مجاهر بعداوة أوليائه وموالاة أعدائه وكل واحد منهما ملك عظيم في قطر من الأرض، فمرض الكافر واشتهى سمكة في غير أوانها لان ذلك الصنف من السمك كان في ذلك الوقت في اللجج بحيث لا يقدر عليه فآيسته الأطباء من نفسه، وقالوا له: استخلف على ملكك من يقوم به فلست بأخلد من أصحاب القبور، فان شفاءك في هذه السمكة التي اشتهيتها ولا سبيل إليها، فبعث الله ملكا وأمره أن يزعج تلك السمكة إلى حيث يسهل أخذها فأخذت له تلك السمكة فأكلها وبرئ من مرضه، وبقي في ملكه سنين بعدها. ثم إن ذلك الملك المؤمن مرض في وقت كان جنس ذلك السمك بعينه لا يفارق الشطوط التي يسهل أخذه منها، مثل علة الكافر، فاشتهى تلك السمكة ووصفها له الأطباء وقالوا: طب نفسا فهذا أوانه تؤخذ لك فتأكل منها، وتبرأ فبعث الله ذلك الملك وأمره أن يزعج جنس تلك السمكة عن الشطوط إلى اللجج لئلا يقدر عليها، فلم يوجد حتى مات المؤمن من شهوته وبعد دوائه. فعجب من ذلك ملائكة السماء وأهل ذلك البلد في الأرض حتى كادوا يفتنون لان الله تعالى سهل على الكافر ما لا سبيل إليه، وعسر على المؤمن ما كان السبيل إليه سهلا، فأوحى الله إلى ملائكة السماء وإلى نبي ذلك الزمان في الأرض. إني أنا الله الكريم المتفضل القادر، لا يضرني ما أعطي ولا ينقضي ما أمنع، ولا أظلم أحدا مثقال ذرة، فأما الكافر فإنما سهلت له أخذ السمكة في غير أوانها، ليكون جزاء على حسنة كان عملها إذ كان حقا علي ألا أبطل لاحد حسنة، حتى يرد القيامة ولا حسنة في صحيفته، ويدخل النار بكفره، ومنعت العابد تلك السمكة بعينها، لخطيئة كانت منه فأردت تمحيصها عنه بمنع تلك الشهوة وإعدام ذلك الدواء، وليأتيني ولا ذنب عليه فيدخل الجنة. فقال عبد الله بن يحيى: يا أمير المؤمنين قد أفدتني وعلمتني، فان أردت أن تعرفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجلس، حتى لا أعود إلى مثله، قال: تركك حين جلست أن تقول: بسم الله الرحمن الرحيم فعجل ذلك لسهوك عما ندبت إليه تمحيصا بما أصابك، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني عن الله عز وجل كل أمر ذي بال لم يذكر فيه بسم الله فهو أبتر، فقلت: بلى بأبي أنت وأمي لا أتركها بعدها، قال: إذا تحظى بذلك وتسعد. ثم قال عبد الله بن يحيى: يا أمير المؤمنين وما تفسير بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: إن العبد إذا أراد أن يقرأ أو يعمل عملا فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم فإنه تبارك له فيه، قال محمد بن علي الباقر عليه السلام: دخل محمد بن علي بن مسلم بن شهاب الزهري على علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام وهو كئيب حزين فقال له زين العابدين عليه السلام: ما بالك مهموما مغموما؟ قال: يا ابن رسول الله هموم وغموم تتوالى علي لما امتحنت به من جهة حساد نعمتي والطامعين في، وممن أرجوه وممن أحسنت إليه فيخلف ظني، فقال له علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام: احفظ لسانك تملك به إخوانك. قال الزهري: يا ابن رسول الله إني أحسن إليهم بما يبدر من كلامي، قال علي بن الحسين عليهما السلام: هيهات هيهات إياك وأن تعجب من نفسك بذلك، وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل من تسمعه نكرا يمكنك لان توسعه عذرا. ثم قال: يا زهري من لم يكن عقله أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه، ثم قال: يا زهري وما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك: فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة أخيك، فأي هؤلاء تحب أن تظلم؟ وأي هؤلاء تحب أن تدعو عليه وأي هؤلاء تحب أن تهتك ستره، وإن عرض لك إبليس لعنه الله بأن لك فضلا على أحد من أهل القبلة، فانظر إن كان أكبر منك، فقل: قد سبقني بالايمان والعمل الصالح، وهو خير مني، وإن كان أصغر منك، فقل: سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي، في شك من أمره، فمالي أدع يقيني بشكي، وإن رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإن رأيت منهم جفاء وانقباضا عنك فقل: هذا لذنب أحدثته، فإنك إن فعلت ذلك، سهل الله عليك عيشك، وكثر أصدقاؤك وقل أعداؤك، وفرحت بما يكون من برهم، ولم تأسف على ما يكون من جفائك. واعلم أن أكرم الناس على الناس من كان خيره فائضا عليهم، وكان عنهم مستغنيا متعففا، وأكرم الناس بعده عليهم من كان عنهم متعففا، وإن كان إليهم محتاجا، فإنما أهل الدنيا يعشقون الأموال، فمن لم يزاحمهم فيما يعشقونه كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيها ومكنهم من بعضها، كان أعز وأكرم. قال عليه السلام: ثم قام إليه رجل وقال: يا ابن رسول الله أخبرني ما معنى بسم الله الرحمن الرحيم، فقال علي بن الحسين عليهما السلام: حدثني أبي، عن أخيه عن أمير المؤمنين عليه السلام أن رجلا قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن بسم الله الرحمن الرحيم ما معناه؟ فقال: إن قولك: " الله " أعظم الأسماء من أسماء الله تعالى وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يتسمى به غير الله، ولم يتسم به مخلوق. فقال الرجل: فما تفسير قوله: " الله " قال: هو الذي إليه يتأله عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من دونه ويقطع الأسباب من كل من سواه، وذلك أن كل مترئس في الدنيا أو متعظم فيها، وإن عظم غناه وطغيانه، وكثرت حوائج من دونه إليه، فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعظم، كذلك هذا المتعظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته، حتى إذا كفى همه، عاد إلى شركه. أما تسمع الله عز وجل يقول: " قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون " فقال الله تعالى لعباده: أيها الفقراء إلى رحمتي إني قد ألزمتكم الحاجة إلى في كل حال، وذلة العبودية في كل وقت، إلى فافزعوا في كل أمر تأخذون فيه، وترجون تمامه، وبلوغ غايته، فاني إذا أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم، وإن أردت منعكم لم يقدر غيري على إعطائكم فأنا أحق من سئل، وأولى من تضرع إليه. فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير أو عظيم: بسم الله الرحمن الرحيم أي أستعين على هذا الامر بالله الذي لا تحق العبادة لغيره، المغيث إذا استغيث، والمجيب إذا دعي، الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا، الرحيم بنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا، خفف علينا الدين، وجعله سهلا خفيفا، وهو يرحمنا بتميزنا عن أعدائه. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من حزنه أمر تعاطاه فقال: بسم الله الرحمن الرحيم وهو يخلص لله، ويقبل عليه بقلبه إليه، لم ينفك عن إحدى اثنتين إما بلوغ حاجته الدنياوية، وإما ما يعد له ويدخر لديه، وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين. وقال الحسن عليه السلام: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: وإن بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب وهي سبع آيات تمامها ببسم الله الرحمن الرحيم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله عز وجل قال لي: يا محمد " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب وجعلها بإزاء القرآن العظيم وإن فاتحة الكتاب أشرف كنوز العرش، وإن الله خص بها محمدا وشرفه ولم يشرك معه فيها أحدا من أنبيائه ما خلا سليمان فإنه أعطاه منها بسم الله الرحمن الرحيم. ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد وآله الطيبين، منقادا لأمرهم، مؤمنا بظاهرهم وباطنهم، أعطاه الله عز وجل بكل حرف منها حسنة، كل حسنة منها أفضل من الدنيا وما فيها، من أصناف أموالها وخيراتها، ومن استمع قارئا يقرأها كان له قدر ثلث ما للقارئ فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض لكم، فإنه غنيمة فلا تذهبن أوانه، فتبقى في قلوبكم الحسرة. قوله عز وجل: " الحمد لله رب العالمين " قال الإمام عليه السلام: جاء رجل إلى الرضا عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: " الحمد لله رب العالمين " ما تفسيره؟ قال عليه السلام: لقد حدثني أبي، عن جدي، عن الباقر عن أبيه زين العابدين عليهم السلام أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: يا أمير - المؤمنين أخبرني عن قول الله عز وجل: " الحمد لله رب العالمين " ما تفسيرها؟ فقال: " الحمد لله " هو أن عرف الله عباده بعض نعمه جملا، إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل، لأنها أكثر من أن تحصى أو تعرف، فقال لهم: قولوا: " الحمد لله " على ما أنعم به علينا " رب العالمين " يعني مالك العالمين، وهم الجماعات من كل مخلوق، من الجمادات والحيوانات. فأما الحيوانات، فهو يقلبها في قدرته، ويغذوها من رزقه ويحيطها بكنفه ويدبر كلا منها بمصلحته، وأما الجمادات فهو يمسكها بقدرته، يمسك ما اتصل المتصل منها أن يتهافت، ويمسك المتهافت منها أن يتلاصق، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه، ويمسك الأرض أن تنخسف إلا بأمره، إنه بعباده لرؤف رحيم. قال: و " رب العالمين " مالكهم وخالقهم وسائق أرزاقهم إليهم، من حيث هم يعلمون، ومن حيث لا يعلمون، فالرزق مقسوم، وهو يأتي ابن آدم على أي سيرة سارها من الدنيا، ليس تقوى متق بزائده، ولا فجور فاجر بناقصه، وبينه وبينه ستر، وهو طالبه، ولو أن أحدكم يتربص رزقه لطلبه رزقه، كما يطلبه الموت. قال: فقال الله تعالى لهم: قولوا: " الحمد لله " على ما أنعم به علينا وذكرنا به من خير في كتب الأولين قبل أن نكون. ففي هذا إيجاب على محمد وآل محمد لما فضله وفضلهم، وعلى شيعته أن يشكروه بما فضلهم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لما بعث الله موسى بن عمران واصطفاه نجيا وفلق البحر فنجى بني إسرائيل، وأعطاه التوراة والألواح، رأى مكانه من ربه عز وجل فقال: رب لقد كرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا قبل، فقال الله عز وجل: يا موسى أما علمت أن محمدا أفضل عندي من جميع خلقي. قال موسى: يا رب فإن كان محمد أكرم من جميع خلقك، فهل في آل الأنبياء عندك أكرم من آلي؟ قال الله تعالى: يا موسى أما علمت أن فضل آل محمد على جميع آل النبيين كفضل محمد على جميع المرسلين؟ فقال: يا رب فإن كان فضل آل محمد عندك كذلك، فهل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله: يا موسى أما علمت أن فضل صحابة محمد على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع صحابة المرسلين. فقال موسى: يا رب فإن كان محمد وآله وأصحابه كما وصفت، فهل في أمم الأنبياء أفضل عندك من أمتي؟ ظللت عليهم الغمام، وأنزلت عليهم المن والسلوى وفلقت لهم البحر؟ فقال الله تعالى: يا موسى أما علمت أن فضل أمة محمد على جميع الأمم كفضلي على جميع خلقي؟ قال موسى: يا رب ليتني كنت أراهم. فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى إنك لن تراهم، فليس هذا أوان ظهورهم ولكن وسوف تراهم في الجنة جنات عدن والفردوس، بحضرة محمد، في نعيمها يتقلبون في خيراتها يتبجحون، أفتحب أن أسمعك كلامهم? قال: نعم يا رب، قال: قم بين يدي، واشدد مئزرك قيام العبد الذليل بين يدي السيد المالك الجليل، ففعل ذلك، فنادى ربنا عز وجل يا أمة محمد، فأجابوه كلهم، وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبيك، قال: فجعل الله تعالى الإجابة منهم شعار الحج. ثم نادى ربنا عز وجل يا أمة محمد إن قضائي عليكم أن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي قبل عقابي، فقد استجبت لكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صادق في أقواله، محق في أفعاله، وأن علي بن أبي طالب أخوه ووصيه من بعده ووليه، يلتزم طاعته كما يلتزم طاعته محمد، وأن أولياءه المصطفين المطهرين الميامين بعجائب آيات الله، ودلايل حجج الله من بعدهما أولياؤه ادخله جنتي وإن كانت ذنوبه مثل زبد البحر. قال: فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وآله قال الله تعالى: يا محمد وما كنت بجانب الطور إذ نادينا أمتك بهذه الكرامة، ولكن رحمة من ربك ثم قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وآله: قل الحمد لله رب العالمين على ما اختصنا به من هذه الفضيلة وقال لامته: وقو لوا أنتم: الحمد لله رب العالمين على ما اختصنا به من هذا الفضل. قوله عز وجل: الرحمن الرحيم قال الإمام عليه السلام: " الرحمن " العاطف على خلقه بالرزق، لا يقطع عنهم مواد رزقه، وإن انقطعوا عن طاعته " الرحيم " بعباده المؤمنين، في تخفيفه عليهم طاعاته، وبعباده الكافرين في الرفق بهم في دعائهم إلى موافقته. قال الإمام عليه السلام في معنى الرحمن: ومن رحمته أنه لما سلب الطفل قوة النهوض والتغذي جعل تلك القوة في أمه، ورققها عليه لتقوم بتربيته، وحضانته ؤ فان قسا قلب أم من الأمهات لوجب تربية هذا الطفل وحضانته على سائر المؤمنين ولما سلب بعض الحيوان قوة التربية لأولادها، والقيام بمصالحها، جعل تلك القوة في الأولاد لتنهض حين تولد، وتسير إلى رزقها المسبب لها. قال عليه السلام " الرحمن " أو قوله: الرحمن مشتق من الرحيم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال الله عز وجل: أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها اسما من اسمي، من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته، ثم قال علي عليه السلام: أو تدري ما هذه الرحم التي من وصلها وصله الرحمن، ومن قطعها قطعه الرحمن؟ فقيل: يا أمير المؤمنين حث بهذا كل قوم أن يكرموا آباءهم، ويوصلوا أرحامهم، فقال لهم: أيحثهم على أن يوصلوا أرحامهم الكافرين، وأن يعظموا من حقره الله وأوجب احتقاره من الكافرين؟ قالوا: لا، ولكنه يحثهم على صلة أرحامهم المؤمنين. قال: فقال: أوجب حقوق أرحامهم، لاتصالهم بآبائهم وأمهاتهم؟ قلت: بلى يا أخا رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فهم إذا إنما يقضون فيهم حقوق الآباء والأمهات؟ قلت: بلى يا أخا رسول الله، قال: وآباؤهم وأمهاتهم إنما غذوهم في الدنيا ووقوهم مكارهها، وهي نعمة زائلة، ومكروه ينقضي، ورسول ربهم ساقهم إلى نعمة دائمة لا ينقضي، ووقاهم مكروها مؤبدا لا يبيد، فأي النعمتين أعظم؟ قلت: نعمة رسول الله صلى الله عليه وآله أجل وأعظم وأكبر، قال: فكيف يجوز أن يحث على قضاء حق من صغر الله حقه، ولا يحث على قضاء حق من كبر الله حقه، قلت: لا يجوز ذلك، قال: فإذا حق رسول الله صلى الله عليه وآله أعظم من حق الوالدين، وحق رحمه أيضا أعظم من حق رحمهما، فرحم رسول الله صلى الله عليه وآله أيضا أعظم وأحق من رحمهما، فرحم رسول الله صلى الله عليه وآله أولى بالصلة، وأعظم في القطيعة. فالويل كل الويل لمن قطعها، فالويل كل الويل لمن لم يعظم حرمتها، أو ما علمت أن حرمة رحم رسول الله صلى الله عليه وآله حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله حرمة الله، وأن الله أعظم حقا من كل منعم سواه، فان كل منعم سواه إنما أنعم حيث قيضه له ذلك ربه، ووفقه له. أما علمت ما قال الله لموسى بن عمران؟ قلت: بأبي أنت وأمي ما الذي قال له؟ قال: قال الله تعالى: أو تدري ما بلغت رحمتي إياك؟ فقال موسى: أنت أرحم بي من أبي وأمي قال الله: يا موسى وإنما رحمتك أمك لفضل رحمتي أنا الذي رققتها عليك وطيبت قلبها لتترك طيب وسنها لتربيتك، ولو لم أفعل ذلك بها لكانت وسائر النساء سواء، يا موسى أتدري أن عبدا من عبادي تكون له ذنوب وخطايا تبلغ أعنان السماء فأغفرها له، ولا أبالي؟. قال: يا رب وكيف لا تبالي، قال تعالى: لخصلة شريفة تكون في عبدي أحبها، وهو أن يحب إخوانه المؤمنين، ويتعاهدهم، ويساوي نفسه بهم، ولا يتكبر عليهم، فإذا فعل ذلك غفرت له ذنوبه، ولا أبالي. يا موسى إن الفخر ردائي والكبرياء إزاري، من نازعني في شئ منهما عذبته بناري. يا موسى إن من إعظام جلالي إكرام عبدي الذي أنلته حظا من حطام الدنيا عبدا من عبادي مؤمنا، قصرت يده في الدنيا، فان تكبر عليه فقد استخف بعظيم جلالي. ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الرحم التي اشتقها الله عز وجل من قوله: " الرحمن " هي رحم محمد صلى الله عليه وآله وإن من إعظام الله إعظام محمد، وإن من إعظام محمد إعظام رحم محمد، وإن كل مؤمن ومؤمنة من شيعتنا هو رحم محمد، وإن إعظامهم من إعظام محمد صلى الله عليه وآله فالويل لمن استخف بحرمة محمد، وطوبى لمن عظم حرمته وأكرم رحمه، ووصلها. قوله عز وجل " الرحيم " قال الإمام عليه السلام: وأما قوله الرحيم معناه أنه رحيم بعباده، ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم فبها يتراحم الناس، وترحم الوالدة ولدها، وتحنن الأمهات من الحيوانات على أولادها، فإذا كان يوم القيامة، أضاف هذه الرحمة إلى تسعة وتسعين رحمة، فيرحم بها أمة محمد، ثم يشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة، حتى أن الواحد ليجئ إلى مؤمن من الشيعة، فيقول اشفع لي فيقول: وأي حق لك علي؟ فيقول: سقيتك يوما فيذكر ذلك، فيشفع له فيشفع فيه، ويجيئه آخر فيقول: إن لي عليك حقا فاشفع لي، فيقول: وما حقك علي؟ فيقول: استظللت بظل جداري ساعة في يوم حار فيشفع له فيشفع فيه، ولا يزال يشفع حتى يشفع في جيرانه وخلطائه ومعارفه فان المؤمن أكرم على الله مما يظنون. قوله عز وجل " مالك يوم الدين " قال الإمام عليه السلام: قادر على إقامة يوم الدين وهو يوم الحساب، قادر على تقديمه على وقته، وتأخيره بعد وقته، وهو المالك أيضا في يوم الدين، فهو يقضي بالحق لا يملك الحق والقضاء في ذلك اليوم من يظلم ويجور، كما يجور في الدنيا من يملك الاحكام. وقال: هو يوم الحساب سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ألا أخبركم بأكيس الكيسين وأحمق الحمقى؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أكيس الكيسين من حاسب نفسه، وعمل لما بعد الموت، وأحمق الحمقى من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكيف يحاسب الرجل نفسه، قال: إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه وقال: يا نفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبدا والله يسألك عنه فيما أفنيته، فما الذي عملت فيه؟ أذكرت الله أم حمدتيه أقضيت حق أخ مؤمن؟ أنفست عنه كربته؟ أحفظتيه بظهر الغيب في أهله وولده؟ أحفظتيه بعد الموت في مخلفيه؟ أكففت عن غيبة أخ مؤمن بفضل جاهك؟ أأعنت مسلما؟ ما الذي صنعت فيه؟ فيذكر ما كان منه. فان ذكر أنه جرى منه خير حمد الله عز وجل، وكبره على توفيقه، وإن ذكر معصية أو تقصيرا استغفر الله عز وجل على ترك معاودته، ومحا ذلك عن نفسه بتجديد الصلاة على محمد وآله الطيبين، وعرض بيعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه على نفسه وقبولها، وإعادة لعن شانئيه وأعدائه ودافعيه عن حقوقه، فإذا فعل ذلك قال الله عز وجل: لست أناقشك في شئ من الذنوب مع موالاتك أوليائي ومعاداتك أعدائي. قوله عز وجل: " إياك نعبد وإياك نستعين " قال الإمام عليه السلام: قال الله تعالى: قولوا يا أيها الخلق المنعم عليهم: " إياك نعبد " أيها المنعم علينا، نطيعك مخلصين مع التذلل والخشوع، بلا رياء ولا سمعة " وإياك نستعين " منك نسأل المعونة على طاعتك لنؤديها كما أمرت، ونتقي من دنيانا ما عنه نهيت، ونعتصم من الشيطان الرجيم، ومن سائر مردة الانس من المضلين، ومن المؤذين الضالين بعصمتك. وسئل أمير المؤمنين من العظيم الشقاء؟ قال: رجل ترك الدنيا للدنيا ففاتته الدنيا وخسر الآخرة، ورجل تعبد واجتهد وصام رئاء الناس، فذلك الذي حرم لذات الدنيا، ولحقه التعب لو كان به مخلصا لاستحق ثوابه فورد الآخرة وهو يظن أنه قد عمل ما يثقل به ميزانه، فيجده هباء منثورا. قيل: فمن أعظم الناس حسرة؟ قال: من رأى ماله في ميزان غيره، وأدخله الله به النار وأدخل وارثه به الجنة . ثم قال علي عليه السلام: الحمد لله الذي أخرجه منها ملوما مليما ببطال جمعها وفى حق منعها، جمعها فأوعاها، وشدها فأوكاها، قطع فيها المفاوز والقفار، ولجج البحار أيها الواقف لا تخدع كما خدع صويحبك بالأمس، ان أشد الناس حسرة يوم القيامة من رأى ماله في ميزان غيره، أدخل الله عز وجل هذا به الجنة وأدخل هذا به النار. قال الصادق عليه السلام وأعظم من هذا حسرة رجل جمع مالا عظيما بكد شديد ومباشرة الأهوال، وتعرض الاخطار، ثم أفنى ماله صدقات ومبرات، وأفنى شبابه وقوته في عبادات وصلوات، وهو مع ذلك لا يري لعلي بن أبي طالب عليه السلام حقه، ولا يعرف له في الاسلام محله، ويرى أن من لا يعشره ولا يعشر عشير معشاره أفضل منه عليه السلام يوقف على الحجج فلا يتأملها، ويحتج عليه بالآيات والاخبار فيأبى إلا تماديا في غيه، فذاك أعظم من كل حسرة، يأتي يوم القيامة، وصدقاته ممثلة له في مثال الأفاعي تنهشه، وصلواته وعباداته ممثلة له في مثل الزبانية تتبعه، حتى تدعه إلى جهنم دعا. يقول: يا ويلي ألم أك من المصلين؟ ألم أك من المزكين؟ ألم أك عن أموال الناس من المتعففين، فلما ذا دهيت؟ فيقال له: يا شقي ما نفعك ما عملت وقد ضيعت أعظم الفروض بعد توحيد الله، والايمان بنبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ضيعت ما لزمك من معرفة حق علي ولي الله، والتزمت ما حرم الله عليك من الايتمام بعدو الله، فلو كان بدل أعمالك هذه عبادة الدهر من أوله إلى آخره وبدل صدقاتك الصدقة بكل أموال الدنيا بل بملء الأرض ذهبا، لما زادك ذلك من رحمة الله إلا بعدا، ومن سخط الله إلا قربا. قال الإمام الحسن عليه السلام: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله تعالى: قولوا " إياك نستعين " على طاعتك وعبادتك، وعلى رفع شرور أعدائك، ورد مكائدهم، والمقام على ما أمرت به، وقال صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عن الله عز وجل: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاسألوني الهدى أهدكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، فاسألوني الغنا أرزقكم، وكلكم مذنب إلا من عافيته، فاسألوني المغفرة أغفر لكم. ومن علم أني ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني بقدرتي، غفرت له، ولا أبالي ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على إنقاء قلب عبد من عبادي لم يزيدوا في ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على إشقاء قلب عبد من عبادي لم ينقصوا من ملكي جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا فتمنى كل واحد ما بلغت أمنيته فأعطيته لم يتبين ذلك في ملكي، كما لو أن أحدكم مر على شفير البحر فغمس فيه أبرة ثم انتزعها ذلك بأني جواد ماجد واجد عطائي كلام، وعداتي كلام، فإذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون. يا عبادي اعملوا أفضل الطاعات وأعظمها لا سامحكم وإن قصرتم فيما سواها واتركوا أعظم المعاصي وأقبحها لئلا أناقشكم في ركوب ما عداها، إن أعظم الطاعات توحيدي، وتصديق نبيي والتسليم لمن ينصبه بعده، وهو علي بن أبي طالب والأئمة الطاهرين من نسله صلوات الله عليهم، وإن أعظم المعاصي عندي الكفر بي وبنبيي ومنابذة ولي محمد بعده علي بن أبي طالب وأولياؤه بعده. فان أردتم أن تكونوا عندي في المنظر الاعلى، والشرف الأشرف، فلا يكونن أحد من عبادي آثر عندكم من محمد، وبعده من أخيه علي، وبعدهما من أبنائهما القائمين بأمور عبادي بعدهما، فان من كان ذلك عقيدته جعلته من أشرف ملوك جناني. واعلموا أن أبغض الخلق إلي من تمثل بي وادعى ربوبيتي، وأبغضهم إلى بعده من تمثل بمحمد ونازعه نبوته وادعاها، وأبغضهم إلى بعده من تمثل بوصي محمد ونازعه محله وشرفه وادعا هما، وأبغضهم إلى بعد هؤلاء المدعين لما هم به لسخطي متعرضون، من كان لهم على ذلك من المعاونين، وأبغض الخلق إلي بعد هؤلاء من كان من الراضين بفعلهم، وإن لم يكن لهم من المعاونين. كذلك أحب الخلق إلى القوامون بحقي وأفضلهم لدي وأكرمهم علي محمد سيد الورى، وأكرمهم وأفضلهم بعده علي أخوا المصطفى المرتضى، ثم من بعده من القوامين بالقسط من أئمة الحق، وأفضل الناس بعدهم من أعانهم على حقهم وأحب الخلق إلى بعدهم من أحبهم وأبغض أعداءهم، وإن لم يمكنه معونتهم. قوله عز وجل: " اهدنا الصراط المستقيم " قال الإمام عليه السلام " اهدنا الصراط المستقيم " نقول: أدم لنا توفيقك الذي أطعناك في ماضي أيامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا. والصراط المستقيم، هو صراطان: صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة، فأما الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شئ من الباطل، والطريق الآخر طريق المؤمنين إلى الجنة الذي هو مستقيم، لا يعدلون عن الجنة إلى النار، ولا إلى غير النار سوى الجنة. وقال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: قوله عز وجل " اهدنا الصراط المستقيم " نقول: أرشدنا للصراط المستقيم، أي للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ إلى جنتك، والمانع أن نتبع أهواء نا فنعطب، ونأخذ بآرائنا فنهلك . ثم قال الصادق عليه السلام: طوبى للذين هم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدول ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " فقال رجل: يا ابن رسول الله إني عاجز ببدني عن نصرتكم ولست أملك إلا البراءة من أعدائكم، واللعن لهم، فكيف حالي؟ فقال له الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن أبيه عن جده عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت، فلعن في خلواته أعداءنا، بلغ الله صوته جميع الاملاك من الثرى إلى العرش، فكلما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا ساعدوه، ولعنوا من يلعنه، ثم ثنوا فقالوا: اللهم صل على عبدك هذا، الذي قد بذل ما في وسعه، ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله عز وجل: قد أجبت دعاءكم وسمت نداءكم، وصليت على روحه في الأرواح، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار. قوله عز وجل: " صراط الذين أنعمت عليهم " قال الإمام عليه السلام: " صراط الذين أنعمت عليهم " أي قولوا: اهدنا الصراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، وهم الذين قال الله تعالى: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " . ثم قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحة البدن وإن كان كل هذا نعمة من الله ظاهرة، ألا ترون أن هؤلاء قد يكونون كفارا أو فساقا؟ فما ندبتم بأن تدعوا بأن ترشدوا إلى صراطهم، وإنما أمرتم بالدعاء لان ترشدوا إلى صراط الذين أنعم عليهم بالايمان بالله، وتصديق رسول الله صلى الله عليه وآله وبالولاية لمحمد وآله الطيبين، وبالتقية الحسنة التي بها يسلم من شر عباد الله، ومن الزيادة في آثام أعداء الله وكفرهم، بأن تداريهم ولا تغريهم بأذاك وأذى المؤمنين، وبالمعرفة بحقوق الاخوان من المؤمنين. فإنه ما من عبد ولا أمة والى محمدا وآل محمد، وعادى من عاداهم إلا كان قد اتخذ من عذاب الله حصنا منيعا، وجنة حصينة، وما من عبد ولا أمة داري عباد الله بأحسن المداراة، ولم يدخل بها في باطل ولم يخرج بها من حق إلا جعل الله نفسه تسبيحا وزكى عمله، وأعطاه - لصبره على كتمان سرنا واحتمال الغيظ لما يسمعه من أعدائنا - ثواب المتشحط بدمه في سبيل الله. وما من عبد أخذ نفسه بحقوق إخوانه فوفاهم حقوقهم جهده، وأعطاهم ممكنه، ورضي منهم يعفوهم، وترك الاستقصاء عليهم، فما يكون من زللهم غفرها لهم، إلا قال الله عز وجل له يوم القيامة: يا عبدي قضيت حقوق إخوانك، ولم تستقص عليهم فيما لك عليهم، فأنا أجود وأكرم، وأولى بمثل ما فعلته من المسامحة والتكرم، فأنا أقضيك اليوم على حق وعدتك به، وأزيدك من فضلي الواسع، ولا أستقصي عليك في تقصيرك في بعض حقوقي قال: فيلحقه محمدا وآله وأصحابه، ويجعله من خيار شيعتهم. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله أحب في الله وأبغض في الله، وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد أحد طعم الايمان، وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون وعليها يتباغضون، وذلك لا يغني عنهم من الله شيئا. فقال الرجل: يا رسول الله وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله ومن ولي الله حتى أواليه؟ ومن عدو الله حتى أعاديه؟ فأشار له رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: أترى هذا؟ قال: بلى، قال: ولي هذا ولي الله فواله، وعدو هذا عدو الله فعاده، ووال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك وولدك. قوله عز وجل " غير المغضوب عليهم * ولا الضالين " قال أمير المؤمنين عليه السلام: أمر الله عباده أن يسألوه طريق المنعم عليهم، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وأن يستعيذوا من طريق المغضوب عليهم، وهم اليهود الذين قال الله تعالى فيهم: " هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه " وأن يستعيذوا به عن طريق الضالين، وهم الذين قال الله فيهم: " قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل " وهم النصارى. ثم قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: كل من كفر بالله فهو مغضوب عليه، وضال عن سبيل الله، وقال الرضا عليه السلام كذلك وزاد فيه: ومن تجاوز بأمير المؤمنين العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين .
الهوامش10
[١]الشورى: ٣٠.ص 241
[1]الانعام: 41.ص 244
[١]الحجر: ٨٧.ص 245
[1]المبانين خ، اللابسين خ.ص 247
[1]زاد في المصدر بعده: قيل: فكيف يكون هذا؟ قال: كما حدثني بعض إخواننا عن رجل دخل إليه وهو يسوق فقال له: يا أبا فلان ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق ما أديت منه زكاة قط، ولا وصلت منه رحما قط، قال: فقلت فعلى م جمعتها؟ قال: لجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة، ولخوف الفقر على العيال، ولروعة الزمان قال: ثم لم يخرج من عنده حتى فاضت نفسه.ص 251
[1]بعده كلام آخر تركه المؤلف رضوان الله عليه.ص 254
[١]النساء: ٦٩.ص 255
[١]المائدة: ٦٠.ص 256
[٢]المائدة: ٧٧.ص 256
[١]تفسير الامام ص ٩ - ٢٤.ص 257