فيهما : بياض ليس بالناصع. الطن التاسع عشر : أنه أوصى بدفنه في بيت النبي 9 وكذلك تصدى لدفن أبي بكر هناك ، وهو تصرف في ملك الغير من غير جهة شرعية ، وقد نهى الله الناس عن دخول بيته 9 من غير إذن بقوله :
Show clickable narrator chain
( لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) [١] ، وضربوا المعاول عند أذنه 9 ، قال تعالى : ( لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا . وتفصيل القول في ذلك ، أنه ليس يخلو موضع قبر النبي 9 من أن يكون باقيا على ملكه أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة كما ادعاه بعضهم فإن كان الأول لم يخل من أن يكون ميراثا بعده أو صدقة ، فإن كان ميراثا فما كان يحل لأبي بكر وعمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه إلا بعد إرضاء الورثة ، ولم نجد أحدا خاطب أحدا من الورثة على ابتياع هذا المكان ولا استنزله عنه بثمن ولا غيره ، وإن كان صدقة فقد كان يجب أن يرضى عنه جماعة المسلمين ، وابتياعه منهم إن جاز الابتياع لما يجري هذا المجرى ، وإن كان نقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله والحجة فيه ، فإن فاطمة / لم يقنع [١]الأحزاب : ٥٣. منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها ولا شهادة من شهد لها. وأما استدلال بعضهم بإضافة البيوت إليهن في قوله تعالى : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ .. ) [١] فمن ضعيف الشبهة ، إذ هي لا تقتضي الملك وإنما تقتضي السكنى ، والعادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة ، قال الله تعالى : ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) ولم يرد تعالى إلا حيث يسكن وينزلن دون حيث يملكن بلا شبهة ، وأيضا قوله تعالى : ( لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) متأخر في الترتيب عن قوله : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) ، فلو كان هذا دالا على ملكية الزوجات لكان ذلك دالا على كونها ملكه 9 ، والجمع بين الآيتين بالانتقال لا يجديهم ، لتأخر النهي عن الدخول من غير إذن عن الآية الأخرى في الترتيب ، والترتيب حجة عند كلهم أو جلهم ، مع أنه ظاهر أن البيوت كانت في يده 9 يتصرف فيها كيف يشاء ، واختصاص كل من الزوجات بحجرة لا يدل على كونها ملكا لها. وأما اعتذارهم بأن عمر استأذن عائشة في ذلك ، حيث روى البخاري ، عن عمرو بن ميمون في خبر طويل يشمل على قصة قتل عمر قال : قال لابنه عبد الله : انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل أمير المؤمنين ، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا ، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن [١]الأحزاب : ٣٣. يدفن مع صاحبيه ، [١] .. فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي ، فقال : يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي ، فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء ، قال : ارفعوني ، فأسنده رجل إليه ، فقال : ما لديك؟. فقال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ، أذنت. قال : الحمد لله ، ما كان شيء أهم إلي من ذلك. قال : فإذا أنا قبضت فاحملوني ، ثم سلم فقل يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين .. . فهذا دليل واضح على جهله أو تسويله وتمويهه على العوام ، لما قد عرفت من أنه إن كان صدقة يشترك فيه المستحقون كما يدل عليه الخبر الذي افتراه أبو بكر فتحريم التصرف فيه بالدفن ونحوه واضح ، وإن كان ميراثا فالتصرف فيه قبل القسمة من دون استئذان جميع الورثة أيضا محرم ، ولا ينفع طلب الإذن من عائشة وحدها [١]في المصدر زيادة : قال. القرآن وعن السؤال عما لم يقع. وقد وجدنا نماذج فلتت من أقلام أعلامهم وبرزت ، وروايات خفيت عن نقادهم بل كلمات صدرت من الصحابة في غفلة من درة عمر وسيف البغي. وفي هذا المقام فقد جاء عن عروة أنه قال : إن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله 9 في ذلك ، فأشاروا عليه أن يكتبها! فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له ، فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليه وتركوا كتاب الله ..!!. كما أوردها الدارمي في سننه ١ ـ ١٢٥ ، والحاكم في مستدركه ١ ـ ١٠٤ ـ ١٠٦ ، وجاء في مختصر جامع العلم : ٣٦ و ٣٧ وغيرهم. وها هو الطبري يحكي عن عمر قوله ـ كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣ ـ ١٢٠ ـ أربع مجلدات ـ : جردوا القرآن ولا تفسروه! ، وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم. وقد قال ابن كثير في تاريخه : ٨ ـ ١٠٧ : هذا معروف عن عمر ، وإن عمر حبس ثلاثة : ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري حتى مات عمر. وقاله غير واحد كما في مجمع الزوائد ١ ـ ١٤٩ ، وتذكرة الحفاظ ١ ـ ٧. وجاء في مستدرك الحاكم ١ ـ ١١٠ : أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر : ما هذا الحديث عن رسول الله 9 ، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب. وقد سبقه الأول ـ كما جاء في كنز العمال ٥ ـ ٢٣٧ ، وتذكرة الحفاظ ١ ـ ٥ ، والبداية والنهاية وغيرها عن عائشة ، قالت : جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث! فبات يتقلب ، فقلت : يتقلب لشكوى أو لشيء بلغه؟ ، فلما أصبح قال : أي بنية! هلمي بالأحاديث التي عندك ، فجئته بها فأحرقها. وسار الثاني على منهاج الأول ، فها هو ابن سعد في الطبقات الكبرى ٥ ـ ١٨٨ ، والخطيب البغدادي في تقيد العلم وغيرهما قالا : إن عمر خطب في خلافته فقال : لا يبقين أحد عنده كتابا إلا أتاني به فأرى فيه رأيي ، فظنوا أنه يريد النظر فيها ليقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار! ، بل هو بعث في الأمصار يأمرهم : من كان عنده شيء فليمحه ، كما جاء في جامع بيان العلم لابن عبد البر. وعلى كل ، فإن السلطة الحاكمة والسياسة الوقتية السائدة اقتضت مصالحها محو السنة وحرقها ، وعدم التحدث بها ، ومعاقبة من يقول بها وينشرها ، بل وحتى من يعمل بها ، وإحياء البدع ونشرها ، وإعطاءها صبغة شرعية ، ولذا كان الاجتهاد بالرأي والقياس والاستحسان مسألة طبيعية في الأحقاب اللاحقة نتيجة فقد النص ، ولذا تشبثوا بالاقتداء بسنة أبي بكر ومن لحق به وشايعه . كمعاوية ونغله ومروان بن الحكم وعبد الملك وولده الوليد وسليمان .. وهكذا دواليك إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فطلب من أبي بكر الحزمي أن يكتب له ما كان من حديث رسول الله أو سنته أو حديث عمر بن الخطاب! كما صرح بذلك مالك في الموطإ ١ ـ ٥ وغيره. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الهوامش21
[٢]الحجرات : ٢.ص 88
[٣]في مطبوع البحار : كحرمة ـ بلا ضمير ـ.ص 88
[٤]هذا ما تسالم عليه الفريقان ، وجاء في سنن الدارمي في كتاب المناسك : ٧٦ وغيره.ص 88
[٥]في ( س ) : لم يزل.ص 88
[٦]الكلمة مشوشة في المطبوع من البحار.ص 88
[٧]في ( س ) : يبتاعه.ص 88
[٢]كذا ، والظاهر : ضعف.ص 89
[٣]الطلاق : ١.ص 89
[٤]الأحزاب : ٥٣.ص 89
[٥]الطلاق : ١.ص 89
[٦]لا توجد : على ، في ( س ).ص 89
[٧]في ( س ) : لا يدله.ص 89
[٨]صحيح البخاري ٥ ـ ١٩ ـ ٢٢ ـ دار الشعب ـ كتاب المناقب ، باب مناقب عثمان ، الحديث الأخير ، باختلاف يسير.ص 89
[٢]في ( ك ) : وقال.ص 90
[٣]زيادة : قال ، قبل : فقالت ، جاءت في صحيح البخاري.ص 90
[٤]في المصدر : فقال : قال.ص 90
[٥]في المصدر : من شيء ، ومثله في جامع الأصول.ص 90
[٦]في صحيح البخاري : وقل.ص 90
[٧]قريب منه في صحيح البخاري ٢ ـ ١٢٨ كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر النبي (ص) وأبي بكر وعمر ، حديث ٥. وأورده ابن سعد في الطبقات ٣ ـ ٣٣٨ ، وابن الأثير في الكامل ٣ ـ ٢٧ ، وكذا في جامع الأصول ٤ ـ ١٢٠ خلال حديث ٢٠٨٥ ، وابن حجر في فتح الباري ٧ ـ ٥٦ ـ ٥٧.ص 90
[٨]وضع في المطبوع من البحار على : فيه ، رمز نسخة بدل.ص 90
[٩]والذي نظنه ـ وظن الألمعي الصواب ـ أن من أعظم المطاعن على الخليفة الثاني وأفجع مثالبه ـ مع كثرتها وقل ما وصل منها إلينا ـ عدا ظلمه لآل الله وغصبه لحق ولي الله وتغييره لسنة رسول الله 9 واستخفافه بأحكام الله ، وبدعه وجهله وتلونه ونفاقه .. وكل ما سردناه لك نهيه عن الحديث ، نقلا وكتابة ، فهو تارة ينهى عن نقل الحديث عن رسول الله 9 ، وأخرى عن الإكثار به ، وثالثة عن تفسيره ، ورابعة عن تأويله .. وهكذا بعد أن عرف عنه أنه نهى عن مشكل .ص 90