قال ابن أبي الحديد قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني: فكتب إليه معاوية: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فقد وقفت على كتابك وقد أبيت على الغي إلا تماديا (١) وإني لعالم أن الذي يدعوك إلى ذاك مصرعك الذي لابد لك منه وإن كنت موائلا فازدد غيا إلى غيك فطال ما خف عقلك ومنيت نفسك ما ليس لك والتويت على من هو خير منك ثم كانت العافية لغيرك واحتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك والسلام. قال: فكتب علي عليه السلام إليه: أما بعد فإن ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه مما أتى به أهلك وقومك الذين حملهم الكفر وتمني الأباطيل على حسد محمد صلى الله عليه وآله حتى صرعوا مصارعهم حيث علمت لم يمنعوا حريما ولم يدفعوا عظيما وأنا صاحبهم في تلك المواطن الصالي بحربهم والفأل لحدهم والقاتل لرؤوسهم ورؤوس الضلالة والمتبع إنشاء الله خلفهم بسلفهم فبئس الخلف خلف اتبع سلفا ومحله محطه النار والسلام. فكتب إليه معاوية: أما بعد فقد طال في الغي ما استمررت أدراجك كما طال ما تمادى عن الحرب نكوصك وإبطاؤك تتوعد وعيد الأسد وتروغ روغان الثعلب فحتام تحيد عن اللقاء ومباشرة الليوث الضارية والأفاعي المقاتلة فلا تستبعدنها فكل ما هو آت قريب إنشاء الله والسلام. قال: فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك، وما أعلمني بما أنت صائر إليه، وليس إبطائي عنك إلا ترقبا لما أنت له مكذب وأنا له مصدق وكأني بك غدا تضج من الحرب ضجيج الجمال من الأثقال وستدعوني أنت وأصحابك إلى كتاب تعظمونه بألسنتكم وتجحدونه بقلوبكم والسلام. قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد فدعني من أساطيرك واكفف عني من أحاديث واقصر عن تقولك على رسول الله وافترائك من الكذب ما لم يقل وغرور من معك والخداع لهم فقد استغويتهم ويوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك ويعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل والسلام. قال فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فطال ما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشيطان الرجيم الحق أساطير الأولين ونبذتموه وراء ظهوركم وجهدتم في إطفاء نور الله بأيديكم وأفواهكم والله متم نوره ولو كره الكافرون. ولعمري ليتمن النور على كرهك ولينفذن العلم بصغارك ولتجازين بعملك فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك فكأنك بأجلك قد انقضى وعملك قد هوى ثم تصير إلى لظى لم يظلمك الله شيئا وما ربك بظلام للعبيد. قال: فكتب إليه معاوية: أما بعد، فما أعظم الرين على قلبك والغطاء على بصرك الشر من شيمتك. إلى آخر ما مر برواية أخرى. قال: فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فإن مساويك مع علم الله فيك حالت بينك وبين أن يصلح أمرك أو أن يرعوي قلبك يا ابن الصخر اللعين زعمت أن يزن الجبال حلمك ويفصل بين أهل الشك علمك وأنت الجلف المنافق الأغلف القلب القليل العقل الجبان الرذل فإن كنت صادقا فيما تسطر ويعينك عليه أخو بني سهم فدع الناس جانبا وابرز لما دعوتني إليه من الحرب والصبر على الضرب واعف الفريقين من القتال لتعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره فأنا أبو الحسن: قاتل جدك وأخيك وخالك وما أنت منهم ببعيد والسلام. قوله عليه السلام: " ومن رأى " عطف على " من كانت " أي السعيد من يريد الدنيا بعينها أي يعرفها بحقيقتها أو يراها بالعين التي بها تعرف وهي عين البصيرة ويعلم ما هي عليه من التغير والزوال وأنها خلقت لغيرها ليقدرها بمقدارها ويجعلها في نظره لما خلقت له. قوله عليه السلام: " ممن لا يرجو لله وقارا " أي لا يتوقع لله عظمة فيعبده ويطيعه والوقار الاسم من التوقير وهو التعظيم. وقيل الرجاء ها هنا بمعنى الخوف. والمهيل: المتداعي في التمزق ومنه رمل مهيل أي ينهال ويسيل. وأرديت أي أهلكت. والجيل: الصنف وروي بالباء الموحدة وهو الخلق. وتغشاهم أي تأتيهم وتحيط بهم. وحاروا: عدلوا وتحيروا. ونكصوا أي رجعوا. وعولوا على أحسابهم أي اعتمدوا على نخوة الجاهلية وتعصبهم ورجعوا عن الدين. إلا من فاء أي رجع. والموازرة: المعاونة. والصعب مقابلة الذلول كناية عن الباطل لاقتحامه بصاحبه في المهالك والقياد بالكسر: حبل يقاد به الدابة. ووائل منه على فاعل طلب النجاة ذكره الجوهري وقال: صليت اللحم وغيره أصليه صليا إذا شويته ويقال: أيضا صليت الرجل نارا إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها وصلى فلان النار بالكسر: احترق وصلى بالامر: قاسى حره وشدته. وقال: فللت الجيش: هزمته. ويقال: فله فانفل أي كسره فانكسر. قوله عليه السلام: " ومحله محطه " الضمير الأول راجع إلى الخلف والثاني إلى السلف والنار بدل أو عطف بيان ل [قوله] " محطه " ولعل الأصوب محله ومحطه فالضميران للسلف. ودرج الرجل: مشى وأدرجت الكتاب: طويته. وقولهم: خل درج الضب أي طريقه والجمع الادراج. وراغ: مال. قوله عليه السلام: " لما أنت به مكذب " أي ما أخبرني به النبي صلى الله عليه وآله من وقت الحرب وشرائطه أو إتمام الحجة واتباع أمره تعالى في ذلك ونزول الملائكة للنصرة وبكل ذلك كان لعنه الله مكذبا. قوله عليه السلام: " فعث " من عاث يعيث إذا أفسد وفي بعض النسخ " فعش ".
الهوامش2
[٤٠١]رواه ابن أبي الحديد - مع التوالي - في شرحه على المختار: (٣٢) من باب كتب نهج البلاغة: ج ١٦، ص ١٣٣، ط الحديث بمصر، وفي ط الحديث ببيروت: ج ٤ ص ٧٦٨.ص 85
[١]هذا هو الظاهر من السياق وفي شرح نهج البلاغة ط مصر: على الفتن. وفي ط الكمباني: على الغبن. (*)ص 85