رواه السيد الرضي رضي الله عنه في المختار: (٢٦) من الباب الثاني من نهج البلاغة. ولا تسمع فيها دعوة ولا تفرج فيها كربة. وإن استطعتم أن يشتد خوفكم من الله وأن يحسن ظنكم به فاجمعوا بينهما فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربه على قدر خوفه من ربه وإن أحسن الناس ظنا بالله أشدهم خوفا لله. واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر فأنت محقوق أن تخالف على نفسك وأن تنافح عن دينك ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر فلا تسخط الله برضاء أحد من خلقه فإن في الله خلفا من غيره وليس من الله خلف في غيره، صل الصلاة لوقتها الموقت ولا تعجل وقتها لفراغ ولا تؤخرها عن وقتها لاشتغال واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك. ومنه: فإنه لا سواء إمام الهدى وإمام الردى وولي النبي وعدو النبي ولقد قال
Show clickable narrator chain
لي رسول الله صلى الله عليه وآله إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيقمعه الله بشركه ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون. وقال في قوله عليه السلام " في حيفك لهم " الضمير في لهم راجع إلى رعيته لا إلى العظماء وقد كان سبق ذكرهم في أول الخطبة أي حتى لا يطمع العظماء في أن تتحيف الرعية وتظلمهم وتدفع أموالهم إليهم ويجوز أن يرجع الضمير إلى العظماء أي حتى لا يطمع العظماء في جورك في القسم الذي إنما تفعله لهم ولاجلهم. انتهى. والحيف يكون بمعنى الميل عن القصد وبمعنى الظلم والثاني بالأول والأول بالثاني أنسب. قوله عليه السلام: " فأنتم أظلم " أي من أن لا تعذبوا أو لا تستحقوا العقاب " وإن يعف فهو أكرم " من أن لا يعفو أو يستغرب منه العفو. أو المعنى أنه سبحانه إن عذب فظلمكم أكثر من عذابه ولا يعاقبكم بمقدار الذنب، وإن يعف فكرمه أكثر من ذلك العفو ويقدر على أكثر منه وربما يفعل أعظم منه. وقال ابن أبي الحديد أي أنتم الظالمون كقوله تعالى: * (وهو أهون عليه) * وكقولهم: الله أكبر. وقال ابن ميثم: ويحتمل أن يكون قد سمى ما يجازيهم من العذاب ظلما مجازا لمشابهة الظلم في الصورة كما في قوله عليه السلام: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " فصدق إذن اسم التفضيل لابتدائهم بالمعصية انتهى. وقوله: " سكنوا الدنيا " بيان لقوله " ذهبوا " وقال ابن ميثم وإنما كان ما فعلوا أفضل لأنهم استعملوها على الوجه الذي ينبغي لهم وأمروا باستعمالها عليه وظاهر أن ذلك أفضل الوجوه وهو الاخذ من لذات الدنيا المباحة لهم بقدر ضرورتهم وحاجتهم بل نقول: إن لذتهم بما استعملوا منها أتم وأكمل وذلك إن كل ما استعملوه من مأكول ومشروب ومنكوح ومركوب إنما كان عند الحاجة والضرورة وكلما كان الحاجة إلى الملذات أتم كانت اللذة أقوى وأعظم. والطرداء بضم الطاء وفتح الراء: جمع طريد أي يطردكم عن أوطانكم ويخرجكم منها. وقال في النهاية: فيه " كنت أطارد حية " أي أخادعها لأصيدها ومنه طراد الصيد. قوله عليه السلام: " معقود بنواصيكم " أي ملازم لكم. قوله عليه السلام: " وإن أحسن الناس ظنا " التلازم بينهما لكونهما لازمين للمعرفة فكلما صارت هذه المعرفة أكمل والعلم بجلالته سبحانه أتم كان حسن الظن والخوف أبلغ. قوله عليه السلام " أعظم أجنادي " أي عساكري وأعواني وأقاليمي وبلداني. قال ابن أبي الحديد: يقال للأقاليم والأطراف: أجناد. وقال الجوهري: الجند: الأعوان والأنصار والشام خمسة أجناد دمشق وحمص وقنسرين وأردن وفلسطين يقال: لكل مدينة منها جند والظاهر هو الأول لقوله: أهل مصر. " فأنت محقوق " أي حقيق وجدير. وقال في النهاية: المنافحة والمكافحة: المدافعة والمضاربة ومنه حديث علي عليه السلام [في صفين] " نافحوا بالظبى " أي قاتلوا بالسيف وأصله أن يقرب أحد المتقاتلين من الآخر بحيث يصل نفح كل واحد منهما إلى صاحبه وهي ريحه ونفسه وقال: اللهم أعط كل منفق خلفا أي عوضا. والمراد بإمام الردى معاوية كقوله تعالى: " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " وكذا هو المراد بعدو النبي قال ابن أبي الحديد لان عدوه عليه السلام عدو النبي لقوله صلى الله عليه وآله " وعدوك عدوي وعدوي عدو الله " ولان دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من أفعاله وفلتات لسانه.