رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (٣٤) من نهج البلاغة. روي أنه عليه السلام خطب بهذه الخطبة بعد فراغه من أمر الخوارج، بالنهروان فحمد الله وأثنى عليه وقال:
Show clickable narrator chain
أما بعد فإن الله تعالى قد أحسن نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام. فقالوا له: قد نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ارجع بنا إلى مصرنا لنصلح عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا لنستعين به. فأجابهم: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) [٢١ / المائدة: ٥]. فتلكأوا عليه وقالوا: إن البرد شديد. فقال [لهم]: إنهم يجدون البرد كما تجدون، ثم تلا قوله تعالى (قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) [٢٢ / المائدة: ٥]. فقام ناس منهم واعتذروا بكثرة الجراح في الناس، وطلبوا [منه] أن يرجع بهم إلى الكوفة أياما ثم يخرج [بهم]. فرجع بهم غير راض [بما اقترحوا] وأنزلهم النخيلة، وأمرهم أن يلزموا معسكرهم، ويقلوا زيارة أهلهم، فلم يقبلوا ودخلوا الكوفة حتى لم يبق معه إلا قليل، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس فقال: أيها الناس! استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى الله، ودرك الوسيلة عنده، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، موزعين بالجور والظلم لا يعدلون به، وجفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويتسكعون في غمرة الضلالة، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا. فتركهم أياما ثم خطبهم بهذه الخطبة. و " أف " بالضم والتشديد والتنوين: كلمة تضجر وتكره، ولغاتها أربعون، منها: كسر الفاء كما في بعض النسخ. و [قوله عليه السلام] " عوضا " و " خلفا " نصبهما على التميز. ودوران أعينهم: إما للخوف من العدو، أو للحيرة والتردد بين مخالفته عليه السلام والإقدام على الحرب، وفي كليهما خطر عندهم. والغمرة: الشدة. وغمرات الموت: سكراته التي يغمر فيها العقل. والسكر - بالفتح -: ضد الصحو، والاسم بالضم. وسكرة الموت: شدته وغشيته. وفي الكلام إشارة إلى قوله تعالى: ([فإذا جاء الخوف رأيتهم] ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت). " يرتج عليكم حواري ": أي يغلق عليكم محاورتي ومخاطبتي. والألس: الجنون واختلاط العقل، يقال: ألس فهو مألوس. [و] " سجيس الليالي ": كلمة يقال للأبد، تقول: لا أفعله سجيس الليالي، أي: أبدا. [و] " يمال بكم " أي يستند إليكم ويمال بكم إلى العدو، أو الباء بمعنى إلى. وزوافر الرجل: أنصاره وعشيرته. وزفرت الحمل: حملته. و [لفظة] " زوافر في أكثر النسخ بالجر عطفا على المجرور. وفي بعضها بالنصب عطفا على الظرف. وهذه الأقوال كلها ذكرها كمال الدين البحراني في شرحه على المختار: (٣٤) من كتاب نهج البلاغة: ج ٢ ص ٨٠ ط بيروت. والإبل: اسم للجمع. [و] " ضل رعاتها ": أي ضاع وفقد من يعلم حالها والحيلة في جمعها، أو لم يهتد من يرعاها إلى طريق جمعها. " لبئس لعمرو الله ": اللام جواب القسم، والتكرير للتأكيد، والعمرو - بالفتح -: العمر وهو قسم ببقاء الله. والسعر اسم جمع لساعر، وإسعار النار وسعرها: إيقادها. والامتعاض: الغضب. و " أيم " مخفف أيمن. وهو جمع يمين، أي أيم الله قسمي. و " حمس " - كفرح -: أشتد. و " الوغا " الأصوات والجلبة، ومنه قيل للحرب وغا. و " استحر الموت ": أي اشتد وكثر. [قوله عليه السلام:] " قد انفرجتم ": أي تفرقتم. وانفرج الرأس مثل لشدة التفرق. قيل: أول من تكلم به أكثم بن ضيفي في وصية له [لبنيه قال:] يا بني لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرأس فإنكم بعد ذلك لا تجتمعون على عز. وفي معناه أقوال: الأول: قال ابن دريد: معناه أن الرأس إذا انفرج عند البدن لا يعود إليه. الثاني: قال المفضل: الرأس اسم رجل تنسب إليه قرية من قرى الشام يقال لها: بيت الرأس، وفيها تباع الخمر، وهذا الرجل قد انفرج عن قومه ومكانه فلم يعد فضرب به المثل. الثالث: قال بعضهم: معناه أن الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض، كان بعيدا عن الالتئام والعود إلى الصحة. الرابع: قيل معناه: انفرجتم عني رأسا. ورد بأن " رأسا " لا يعرف. الخامس: قيل: المعنى انفراج رأس من أدنى رأسه إلى غيره ثم حرف رأسه عنه. السادس: قيل: الرأس الرجل العزيز، لأن الأعزاء لا يبالون بمفارقة أحد. السابع: معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع، فإنه في غاية الشدة [و] نحوه قوله عليه السلام: في موضع آخر: " انفراج المرأة عن قبلها ". وبعده واضح. وعرق اللحم - كنصر -: أكله ولم يبق منه على العظم شيئا. وهشم العظم - كضرب -: كسره. وفريت الشئ قطعته. و " الجوانح ": الأضلاع التي تحت الترائب، وهي مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر. و " ما ضمت عليه ": هو القلب. والمذكورات كنايات عن النهب والأسر والاستئصال وأنواع الضرر. قوله عليه السلام: " فكن ذاك إن شئت " قال ابن أبي الحديد: خاطب من يمكن عدوه من نفسه خطابا عاما، لكن الرواية وردت بأنه عليه السلام خاطب بذلك الأشعث بن قيس، فإنه قال لعلي عليه السلام حين [كان] يلوم الناس على تقاعدهم [عنه] -: " هلا فعلت فعل ابن عفان! ". فقال: " إن فعل ابن عفان مخزاة على من لا دين له ولا وثيقة معه، إن امرء مكن عدوه من نفسه، يهشم عظمه، ويفري جلده لضعيف رأيه، مأفون عقله، فكن ذاك إن أحببت. فأما أنا فدون أن أعطي ذاك ضرب بالمشرفية " إلى آخر الفصل. انتهى. [قوله عليه السلام:] " فأما أنا فوالله ": الظاهر أن خبر " أنا " الجملة التي خبرها " دون "، والمبتدأ [هو قوله:] " ضرب ". و " [قوله:] " ذلك " إشارة إلى تمكين العدو، أو فعل ما فعله عثمان. والمشرفية بفتح الميم والراء: سيوف منسوبة إلى مشارف اليمن. وفراش الهام: العظام الرقيقة تلي القحف. وطاح يطيح أي: سقط. وأوزعه بالشئ: أغراه. وسكع - كمنع وفرح -: مشى مشيا متعسفا لا يدري أين يأخذ من بلاد الله وتحير كتسكع. [قوله عليه السلام:] " كيلا تجهلوا ": أي [كي لا] تبقوا على الجهالة. ٩٣٦ -
الهوامش2
[١]جميع ما ذكره المصنف هاهنا تقدم بأسانيد في الحديث: (٧٥٦) وما بعده في ص ٦٧٨ من ط الكمباني.ص 76
[٢]وتفصيلها في حرف الفاء من القاموس وتاج العروس.ص 76