Usul16
بحار الانوار - ط دارالاحیاء التراث

بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث

Printed-page view →

٩١١ - كتاب الغارات لإبراهيم الثقفي عن محمد بن إسماعيل، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن أبي الوداك: أن علي بن أبي طالب عليه السلام لما فرغ من حرب الخوارج، قام في الناس بنهروان خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

bihar-14825

رواه الثقفي رحمه الله في الحديث (٦ - ٢٠) من كتاب الغارات: ج ١. وكثيرا، منها رواه ابن أبي الحديد - نقلا عن نصر بن مزاحم - في شرح المختار: (٣٤) من نهج البلاغة: ج ١، ص ١٧٩ وفي ط المدينة ببيروت: ج ١، ص ٤١٠، وفي ط مصر: ج ٢ ص ١٩٣. وسمعت

Show clickable narrator chain

أصحابنا عن أبي عوانة عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن قال: قال علي عليه السلام: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " فاعتلوا عليه فقال: أف لكم، إنها سنة جرت. وعن إبراهيم بن العباس عن ابن المبارك عن بكر بن عيسى عن عمر ابن عمير الهجري عن طارق بن شهاب: أن عليا عليه السلام انصرف من حرب النهروان، حتى إذا كان في بعض الطريق نادى في الناس فاجتمعوا، فحمد الله وأثنى عليه ورغبهم في الجهاد ودعاهم إلى المسير إلى الشام من وجهه ذلك، فأبوا وشكوا البرد والجراحات، وكان أهل النهروان قد أكثروا الجراحات في الناس. فقال: إن عدوكم يألمون كما تألمون، ويجدون البرد كما تجدون!! فأعيوه وأبوا، فلما رأى كراهيتهم، رجع إلى الكوفة وأقام بها أياما وتفرق عنه ناس كثير من أصحابه، فمنهم من أقام يرى رأي الخوارج، ومنهم من أقام شاكا في أمرهم. وعن محمد بن إسماعيل عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن نمير ابن وعلة عن أبي الوداك قال: لما أكره علي الناس على المسير إلى الشام أقبل بهم حتى نزل النخيلة، وأمر الناس أن ينزلوا معسكرهم، ويوطنوا على الجهاد أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم. وبهذا الإسناد عن أبي الوداك: أن الناس [أ] قاموا بالنخيلة مع علي عليه السلام أياما، ثم أخذوا يتسللون ويدخلون المصر. فنزل وما معه من الناس إلا رجال من وجوههم قليل، وترك المعسكر خاليا، فلا من دخل الكوفة خرج إليه، ولا من أقام معه صبر!! فلما رأى ذلك دخل الكوفة في استنفاره الناس. وعن محمد بن إسماعيل عن نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد عن نمير العبسي قال: مر علي عليه السلام على الشغار من همدان فاستقبله قوم فقالوا: أقتلت المسلمين بغير جرم، وداهنت في أمر الله، وطلبت الملك، وحكمت الرجال في دين الله؟ لا حكم إلا لله. فقال عليه السلام: حكم الله في رقابكم، ما يحبس أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم، إني ميت أو مقتول، بل قتلا، ثم جاء حتى دخل القصر. وعن إبراهيم بن قادم عن شريك عن شعيب بن غرقدة عن المستظل ابن حصين قال، قال علي عليه السلام: يا أهل الكوفة، والله لتجدن ولتقاتلن على طاعته، أو ليسوسنكم قوم أنتم أقرب إلى الحق منهم فليعذبنكم وليعذبنهم الله. وعن محمد بن إسماعيل عن يزيد بن معدل عن ابن وعلة عن أبي الوداك قال: لما تفرق الناس عن علي بالنخيلة ودخل الكوفة، جعل يستفزهم على جهاد أهل الشام حتى بطلت الحرب تلك السنة. وعن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام قال للناس وهو أول كلام له بعد النهروان وأمور الخوارج التي كانت فقال: يا أيها الناس! استعدوا إلى عدو في جهادهم القربة من الله، وطلب الوسيلة إليه، حيارى عن الحق لا يبصرونه، وموزعين بالكبر والجور، لا يعدلون به، جفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويتسكعون في غمرة الضلال، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا، وكفى بالله نصيرا. قال: فلم ينفروا ولم ينتشروا، فتركهم أياما حتى أيس من أن يفعلوا، ودعا رؤوسهم ووجوههم فسألهم عن رأيهم وما الذي يثبطهم، فمنهم المعتل ومنهم المنكر وأقلهم النشيط، فقام فيهم ثانية فقال: عباد الله! ما لكم إن أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ثوابا؟ وبالذل والهوان من العز خلفا؟ وكلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة، يرتج عليكم [حواري] فتبكون، فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون، لله أنتم! ما أنتم إلا اسود الشرى في الدعة، وثعالب رواغة حين تدعون، ما أنتم بركن يضال به ولا زوافر عز يعتصم إليها. لعمر الله لبئس حشاش نار الحرب أنتم. إنكم تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم ولا تتحاشون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون. إن أخا الحرب اليقظان، أودى من غفل، ويأتي الذل من وادع، غلب المتخاذلون والمغلوب مقهور ومسلوب. أما بعد، فإن لي عليكم حقا ولكم علي حق، فأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم. وأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم، والتوفير عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلموا، فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب تنالوا ما تحبون وتدركوا ما تأملون. وعن الفضل بن دكين عن أبي عاصم الثقفي عن أبي عون الثقفي قال: جاءت امرأة من بني عميس [عبس " خ "] وعلي عليه السلام على المنبر فقالت: يرتج عليكم حواري فتعمهون وفي الأصل المطبوع: فتبكمون. (٢) هذا هو الظاهر من السياق، وفي أصلي: وإن حقكم علي...). يا أمير المؤمنين ثلاث بلبلن القلوب [عليك] قال: وما هن؟ قالت: رضاؤك بالقضية، وأخذك بالدنية، وجزعك عند البلية. قال: ويحك إنما أنت امرأة، انطلقي فاجلسي على ذيلك. قالت: لا والله ما من جلوس إلا في ظلال السيوف. وبإسناده عن بكر بن عيسى: أن عليا عليه السلام كان يخطب الناس ويحضهم على المسير إلى معاوية وأهل الشام، فجعلوا يتفرقون عنه، ويتثاقلون عليه ويعتلون بالبرد مرة وبالحر أخرى. وبإسناده عن [قيس بن] أبي حازم قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: يا معشر المسلمين، يا أبناء المهاجرين! انفروا إلى أئمة الكفر وبقية الأحزاب وأولياء الشيطان، انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا!!! فوالذي فلق الحبة وبرء النسمة، إنه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا. قال إبراهيم: وحدثنا بهذا الكلام من قول أمير المؤمنين عليه السلام غير واحد من العلماء. وعن إسماعيل بن أبان الأزدي عن عمرو بن شمر عن جابر عن رفيع عن فرقد البجلي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: ألا ترون يا معاشر أهل الكوفة؟ والله لقد ضربتكم بالدرة التي أعظ بها السفهاء فما أراكم تنتهون، ولقد ضربتكم بالسياط التي أقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون، فما بقي إلا سيفي، وإني لأعلم الذي يقومكم بإذن الله، ولكني لا أحب أن آتي تلك منكم. والعجب منكم ومن أهل الشام، إن أميرهم يعصي الله وهم يطيعونه، وإن أميركم يطيع الله وأنتم تعصونه! إن قلت لكم: انفروا إلى عدوكم [في أيام الحر، قلتم هذه حمارة القيظ. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء] قلتم القر يمنعنا. أفترون عدوكم لا يجدون القر كما تجدونه؟ ولكنكم أشبهتم قوما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: انفروا في سبيل الله فقال كبراؤهم: لا تنفروا في الحر. فقال الله لنبيه: (قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) [٨١ / التوبة: ٩]. والله لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بحذافيرها على الكافر ما أحبني، وذلك أنه قضي فانقضى على لسان النبي الأمي: " أنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك كافر " وقد خاب من حمل ظلما وافترى. [٢] يا معاشر أهل الكوفة، والله لتصبرن على قتال عدوكم، أو ليسلطن الله عليكم قوما أنتم أولى بالحق منهم، فليعذبنكم وليعذبنهم الله بأيديكم أو بما شاء من عنده. أفمن قتلة بالسيف تحيدون إلى موتة على الفراش؟ فاشهدوا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله [يقول:] " موتة على الفراش أشد من ضربة ألف سيف أخبرني به جبرائيل " فهذا جبرائيل يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بما تسمعون. وعن محرز بن هشام عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة الضبي قال: كان أشراف أهل الكوفة غاشين لعلي، وكان هواهم مع معاوية، وذلك أن عليا عليه السلام كان لا يعطي أحدا من الفئ أكثر من حقه، وكان معاوية جعل الشرف في العطاء ألفي درهم. وعن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه: أن أهل دومة الجندل من كلب لم وانظر المختار: (٣٧٧) من نهج السعادة: ج ٢. يكونوا في طاعة علي عليه السلام ولا معاوية، وقالوا: نكون على حالنا حتى يجتمع الناس على إمام. قال: فذكرهم معاوية مرة فبعث إليهم مسلم بن عقبة فسألهم الصدقة وحاصرهم، فبلغ ذلك عليا عليه السلام فبعث إلى مالك بن كعب فقال: استعمل على " عين التمر " رجلا وأقبل إلي. فولاها عبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي وأقبل إلى علي عليه السلام فسرحه في ألف فارس، فما شعر مسلم بن عقبة إلا ومالك بن كعب إلى جنبه نازلا، فتواقفا قليلا ثم اقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل، حتى إذا كان من الغد صلى مسلم بأصحابه ثم انصرف، وقام مالك ابن كعب إلى دومة الجندل يدعوهم إلى الصلح عشرا فلم يفعلوا، فرجع إلى علي عليه السلام. وبإسناده عن أبي الكنود عن سفيان بن عوف الغامدي قال: دعاني معاوية فقال: إني باعثك في جيش كثيف فالزم لي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها، فإن وجدت بها جندا فأغر عليهم، وإلا فامض حتى تغير على الأنبار، فإن لم تجد بها جندا فامض حتى تغير على المدائن، ثم أقبل إلي واتق أن تقرب الكوفة، واعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن، فكأنك أغرت على الكوفة، إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترهب قلوبهم، وتجرئ كل من كان له فينا هوى منهم، ويرى فراقهم، وتدعو إلينا كل من كان يخاف الدوائر، وخرب كل ما مررت به، واقتل كل من لقيت ممن ليس هو على رأيك، وحرب الأموال فإنه شبيه بالقتل وهو أوجع للقلوب. والتوالي رواه ابن أبي الحديد نقلا عن كتاب الغارات في شرحه على المختار: (٢٧) من نهج البلاغة: ج ١، ص ٣٣٥. قال: فخرجت من عنده وعسكرت، وقام معاوية وندب الناس إلى ذلك، فما مرت بي ثلاثة حتى خرجت في ستة آلاف، ثم لزمت شاطئ الفرات فأسرعت السير حتى مررت بهيت، فبلغهم أني قد غشيتهم فقطعوا الفرات، فمررت بها وما بها عريب. كأنها لم تحلل قط فوطئتها حتى مررت بصندوداء، فتنافروا فلم ألق بها أحدا، فمضيت حتى أفتتح الأنبار وقد أنذروا بي، فخرج إلي صاحب المسلحة فوقف لي، فلم أقدم عليه حتى أخذت غلمانا من أهل القرية فقلت لهم: خبروني كم بالأنبار من أصحاب علي؟ قالوا: عدة رجال المسلحة خمسمائة، ولكنهم قد تبددوا ورجعوا إلى الكوفة ولا ندري الذي يكون فيها قد يكون مائتي رجل. قال: فنزلت فكتبت أصحابي كتائب، ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة، فيقاتلونهم والله ويصبرون لهم ويطاردونهم في الأزقة! فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحوا من مائتين ثم أتبعتهم الخيل، فلما مشت إليهم الرجال وحملت عليهم الخيل فلم يكن إلا قليلا حتى تفرقوا وقتل صاحبهم في رجال من أصحابه، فأتيناه في نيف وثلاثين رجلا فحملنا ما كان في الأنبار من أموال أهلها ثم انصرفت، فوالله ما غزوت غزوة أسلم ولا أقر للعيون ولا أسر للنفوس منها، وبلغني والله أنها أفزعت الناس. فلما أتيت معاوية فحدثته الحديث على وجهه قال: كنت والله عند ظني بك. قال: فوالله ما لبثنا إلا يسيرا حتى رأيت رجال أهل العراق يأتون على الإبل هرابا من قبل علي عليه السلام. وعن جندب بن عفيف قال: والله إني لفي جند الأنبار مع أشرس بن حسان البكري، إذ صبحنا سفيان في كتائب تلمع الأبصار منها، فهالونا والله، وعلمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا بهم طاقة ولا يد، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا، فلم يلقهم نصفنا ولم يكن لنا بهم طاقة. وأيم الله لقد قاتلناهم ثم إنهم والله هزمونا، فنزل صاحبنا وهو يتلو (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) [٢٣ / الأحزاب: ٣٣] ثم قال لنا: من كان لا يريد لقاء الله ولا يطيب نفسا بالموت فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم فإن قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب، ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار. ثم نزل في ثلاثين رجلا قال: فهممت والله بالنزول معه ثم إن نفسي أبت واستقدم هو وأصحابي فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله، فلما قتلوا أقبلنا منهزمين. وبإسناده عن محمد بن مخنف: أن سفيان بن عوف لما أغار على الأنبار قدم علج من أهلها على علي عليه السلام فأخبره الخبر فصعد المنبر فقال: أيها الناس! إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار، وهو مغتر لا يظن ما كان فاختار ما عند الله على الدنيا، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم، فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا. ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلموا أو يتكلم متكلم منهم بخير، فلما رأى صمتهم على ما في أنفسهم، خرج يمشي راجلا حتى أتى النخيلة، [والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من الأشراف] فقالوا: إرجع يا أمير المؤمنين نحن نكفيك. فقال: ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم. فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله فرجع وهو واجم كئيب. ودعا سعيد بن مسلم الهمداني فبعثه من النخيلة في ثمانية آلاف وقال: إتبع هذا الجيش حتى تخرجهم من أرض العراق. فخرج على شاطئ الفرات في طلبه حتى إذا بلغ عانات، سرح سعيد أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني فأتبع آثارهم حتى بلغ أداني أرض قنسرين وقد فاتوه ثم انصرف. قال فلبث علي عليه السلام ترى فيه الكآبة والحزن حتى قدم سعيد، فكتب كتابا وكان في تلك الأيام عليلا، فلم يطق القيام في الناس بكل ما أراد من القول، فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، فدعا سعيدا مولاه فدفع الكتاب إليه، فأمره أن يقرأه على الناس، فقام سعيد حيث يسمع علي عليه السلام قراءته، وما يرد عليه الناس، ثم قرأ الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى من قرئ عليه كتابي من المسلمين: سلام عليكم. أما بعد، فالحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين، ولا شريك لله الأحد القيوم، وصلوات الله على محمد والسلام عليه في العالمين. أما بعد، فإني قد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت، وراجعتموني بالهزء من قولكم حتى برمت هزءا من القول لا يعاد به، وخطلا لا يعز أهله، ولو وجدت بدا من خطابكم والعتاب إليكم ما فعلت. وهذا كتابي يقرأ عليكم فردوا خيرا وافعلوه، وما أظن أن تفعلوا والله المستعان. أيها الناس! إن الجهاد باب من أبواب الجنة... إلى آخر ما مر وسيأتي بروايات مختلفة. ثم قال: فقام إليه رجل من الأزد يقال له: حبيب بن عفيف آخذا بيد ابن أخ [له] يقال له: عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف، فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين عليه السلام بباب السدة، ثم جثا على ركبتيه وقال: يا أمير المؤمنين، ها أنا ذا لا أملك إلا نفسي وأخي فمرنا بأمرك، فوالله لننفذن له ولو حال دون ذلك شوك الهراس وجمر الغضا حتى ننفذ أمرك أو نموت دونه! فدعا لهما بخير وقال لهما: أين تبلغان بارك الله عليكما مما نريد. ثم أمر الحارث الأعور فنادى في الناس أين من يشري نفسه لربه، ويبيع دنياه بآخرته، أصبحوا غدا بالرحبة إن شاء الله، ولا يحضرنا إلا صادق النية في المسير معنا والجهاد لعدونا. فأصبح بالرحبة نحو من ثلاثمائة، فلما عرضهم قال: لو كانوا ألفا كان لي فيهم رأي. قال: وأتاه قوم يعتذرون وتخلف آخرون، فقال: وجاء المعذرون وتخلف المكذبون. قال: ومكث عليه السلام أياما باديا حزنه، شديد الكآبة، ثم إنه نادى في الناس فاجتمعوا، فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، أيها الناس فوالله لأهل مصركم في الأمصار، أكثر من الأنصار في العرب. وساق الحديث إلى آخر ما سيأتي برواية ابن الشيخ في مجالسه عن ربيعة بن ناجد [في أواخر هذا الباب]. وعن أبي مسلم قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: لولا بقية المسلمين لهلكتم. وعن إسماعيل بن رجاء الزبيدي: أن عليا عليه السلام خطبهم بعد هذا الكلام فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس المجتمعة أبدانهم المتفرقة أهواؤهم، ما عز من دعاكم ولا استراح من قاساكم. كلامكم يوهن الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم. إن قلت لكم: سيروا إليهم في الحر. قلتم: أمهلنا ينسلخ عنا الحر. وإن قلت لكم: سيروا إليهم في الشتاء. قلتم: حتى ينسلخ عنا البرد. فعل ذي الدين المطول، من فاز بكم فاز بالسهم الأخيب أصبحت لا أصدق قولكم، ولا أطمع في نصركم، فرق الله بيني وبينكم أي دار بعد داركم تمنعون؟! ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟! أما إنكم ستلقون بعدي أثرة تتخذها عليكم الضلال سنة، فقر يدخل في بيوتكم، وسيف قاطع، وتتمنون عند ذلك أنكم رأيتموني وقاتلتم معي وقتلتم دوني وكأن قد. وعن بكر بن عيسى: أنهم لما أغاروا بالسواد، قام علي عليه السلام فخطب إليهم فقال: أيها الناس ما هذا؟! فوالله إن كان ليدفع عن القرية بالسبعة نفر من المؤمنين تكون فيها. وعن ثعلبة بن يزيد الحماني أنه قال: بينما أنا في السوق إذ سمعت مناديا ينادي الصلاة جامعة، فجئت أهرول والناس يهرعون، فدخلت الرحبة فإذا علي عليه السلام على منبر من طين مجصص وهو غضبان، قد بلغه أن ناسا قد أغاروا بالسواد، فسمعته يقول: أما ورب السماء والأرض ثم رب السماء والأرض، إنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله أن الأمة ستغدر بي. وعن المسيب بن نجبة الفزاري أنه قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: إني قد خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم بطاعتهم إمامهم ومعصيتكم إمامكم، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم، وبصلاحهم في أرضهم وفسادكم في أرضكم، وباجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم حتى تطول دولتهم وحتى لا يدعو الله محرما إلا استحلوه، حتى لا يبقى بيت وبر ولا بيت مدر إلا دخله جورهم وظلمهم حتى يقوم الباكيان، باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه، وحتى لا يكون منكم إلا نافعا لهم أو غير ضار بهم وحتى يكون نصرة أحدكم منهم كنصرة العبد من سيده إذا شهد أطاعه وإذا غاب سبه، فإن أتاكم الله بالعافية فاقبلوا وإن ابتلاكم فاصبروا فإن العاقبة للمتقين. [١]

الهوامش9

[١]قوله (في استنفاره الناس) هو عنوان لما يتلوه في الأصل من الأحاديث.ص 47

[١]كذا في أصلي، وفي الغارات: زيد بن معد النمري.ص 48

[١]كذا في الأصل المطبوع عدا ما وضعناه بين المعقوفين، وفي المختار: (٣٤) من نهج البلاغة:ص 49

[١]ما بين المعقوفين أخذناه من المختار: (٢٧) من نهج البلاغة.ص 51

[٢]ورواه أيضا السيد الرضي في المختار: (٤٣) من الباب الثالث من نهج البلاغة.ص 51

[١]وهذا رواه أيضا البلاذري في الحديث: (٥٠٥) من ترجمة أمير المؤمنين: أنساب الأشراف: ج ٢ ص ٤٦٧ ط ١.ص 52

[١]فعمرو حريب، وفي أصلي وخرب الأموال وفي الغارات: وأحرب (١) يقال: ما بالدار معرب أو عريب أي ما فيها أحد.ص 53

[١]رواه في الحديث: (١٧٤) وما بعده من كتاب الغارات: ج ٢، ص ٤٨٥ - ٤٩٢ ط ١.ص 56

[١]وهذا هو الحديث: (١٧٨) من كتاب الغارات: ج ٢، ص ٤٨٩. وقريبا منه جدا رواه الطبراني في الحديث: (٣٦) من ترجمة الإمام الحسين من المعجم الكبير: ج ١ / الورق ١٢٥.ص 57

bihar-14826

نهج: أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله تعالى لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة. فمن تركه ألبسه الله لباس الذل، وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماء، وضرب على قلبه بالإسداد، وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف، ومنع النصف. ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم الأوطان. هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسان بن حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها. ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلا منهم كلم، ولا أريق لهم دم. فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا. فيا عجبا عجبا، والله يميت القلب، ويجلب الهم، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله فيكم وترضون. فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر، قلتم: هذه حمارة القيظ أمهلنا يسبخ عنا الحر. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر أمهلنا ينسلخ عنا البرد. كل هذا فرار من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون، فأنتم والله من

bihar-14827

رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (٢٧) من كتاب نهج البلاغة. السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة. والله جرت ندما وأعقبت ذما. قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم، وهل أحد منهم أشد لها مراسا، وأقدم فيها مقاما مني؟! ولقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، فها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكنه لا رأي لمن لا يطاع.

bihar-14828

كا: أحمد بن محمد بن سعيد عن جعفر بن عبد الله العلوي وأحمد بن محمد الكوفي عن علي بن العباس عن إسماعيل بن إسحاق، جميعا عن فرج بن قرة عن مسعدة بن صدقة عن ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عنه عليه السلام مثله.

الهوامش1

[٩٣٢]رواه ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه في الحديث (٦) من الباب (١) من كتاب الجهاد في الكفاية ج ٥ ص ٤.ص 65

bihar-14829

شا: [و] من كلامه عليه السلام في استبطاء من قعد عن نصرته:

Show clickable narrator chain

أيها الناس المجتمعة أبدانهم [وساق الخطبة الشريفة] إلى قوله وفعلكم

الهوامش1

[٩٣٤]رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل (٤١) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد. ص ١٤٦.ص 70

bihar-14830

رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (٢٩) من كتاب نهج البلاغة. يطمع فيكم عدوكم المرتاب ". [ثم ساقها] إلى قوله: " سألتموني التأخير دفاع ذي الدين ". [ثم ساق الكلام] إلى قوله: " أطمع في نصرتكم فرق الله بيني وبينكم، وأبدلني بكم من هو خير لي منكم. والله لوددت أن لي بكل عشرة منكم رجلا من بني فراس بن غنم، صرف الدينار بالدرهم. قال

Show clickable narrator chain

الشراح لما سمع معاوية اختلاف الناس على علي عليه السلام، وتفرقهم عنه، وقتله من قتل من الخوارج، بعث الضحاك بن قيس في أربعة آلاف وأوعز إليه بالنهب والغارة، فأقبل [الضحاك] يقتل وينهب حتى مر بالثعلبية وأغار على الحاج، فأخذ أمتعتهم، وقتل عمرو بن عميس بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقتل معه ناسا من أصحابه، فلما بلغ ذلك عليا عليه السلام، استصرخ أصحابه واستشارهم إلى لقاء العدو، فتلكأوا ورأى منهم فشلا، فخطبهم بهذه الخطبة. والوهي: الضعف. ووهي الحجر والسقاء - كوقي -: أي انشق. وأوهاه: شقه. والصم والصلاب من أوصاف الحجارة. والصخرة الصماء: التي ليس فيها صدع ولا خرق. و " كيت وكيت " كناية عن القول. قوله عليه السلام: " حيدي حياد " قال ابن أبي الحديد: هي كلمة يقولها الهارب الفار، وهي نظير قولهم: فيحي فياح أي اتسعي. وقال ابن ميثم: حياد: اسم للغارة، والمعنى: إعدلي عنا أيتها الحرب. ويحتمل أن يكون حياد من أسماء الأفعال كنزال فيكون قد أمر بالتنحي مرتين بلفظين مختلفين. والعزة: الغلبة والشدة وفي الإسناد إلى الدعوة توسع. [قوله عليه السلام:] " ولا استراح ": أي ما وجد الراحة. و " قاساه ": كابده. والباء في قوله عليه السلام: " بأضاليل " متعلقة ب‌ " أعاليل ": أي يتعللون بالأضاليل التي لا جدوى لها. وقال ابن ميثم رحمه الله: " أعاليل وأضاليل ": جمع أعلال وأضلال، وهما جمع علة اسم ما يتعلل به من مرض وغيره. وضلة: اسم الضلال وهو خبر مبتدأ محذوف، أي إذا دعوتكم إلى القتال تعللتم، وهي أعاليل باطلة ضلة عن سبيل الله. قوله عليه السلام: " دفاع " قال ابن ميثم: يحتمل أن يكون تشبيها لدفاعهم بدفاع ذي الدين المطول، فيكون منصوبا بحذف الجار. ويحتمل أن يكون استعارة لدفاعهم ليكون مرفوعا. و " المطول ": كثير المطال، وهو تطويل الوعد وتسويفه. و " الضيم ": الظلم. قوله عليه السلام: " أي دار بعد داركم " أي: دار الإسلام أو العراق، أي: إذا أخرجكم العدو عن دياركم ومساكنكم فعن أي دار أو في أي دار تمنعونهم؟ وفي بعض النسخ: " تمتعون " على التفعل بحذف إحدى التائين، أي: بأي دار تنتفعون. [قوله عليه السلام:] " المغرور ": أي: الكامل الغرور. أو ليس المغرور إلا من غررتموه. والتعبير عن الابتلاء بهم بالفوز على التهكم. وقال ابن ميثم: و " الأخيب ": أشد خيبة وهي الحرمان. و " السهم الأخيب ": التي لا غنم لها في الميسر، كالثلاثة المسماة بالأوغاد، أو التي فيها غرم، كالتي لم تخرج حتى استوفيت أجزاء الجزور فحصل لصاحبها غرم وخيبة. ويكون إطلاق الفوز على حصولها مجازا من باب إطلاق أحد الضدين على الآخر. و " الأفوق ": السهم المكسور الفوق وهو موضع الوتر منه. و " الناصل ": الذي لا نصل فيه. والإيعاد والوعيد في الشر غالبا كالوعد والعدة في الخير. وعدم الإيعاد إما لعدم الطمع في نصرهم، أو لعدم خوف العدو منهم. والبال: الحال والشان. قوله عليه السلام: " ما طبكم ": أي ما علاجكم. وقيل: أي: ما عادتكم. قوله عليه السلام: " أقولا بغير علم ". نصب المصادر بالأفعال المقدرة وقولهم بغير علم [هو] قولهم: " إنا نفعل بالخصوم كذا وكذا " مع أنه لم يكن في قلوبهم إرادة الحرب، أو دعواهم الإيمان والطاعة مع عدم الإطاعة، فكأنهم لا يذعنون بما يقولون. وفي بعض النسخ: " [أقولا] بغير عمل " وهو أظهر. و " غفلة ": أي عما يصلحكم. " من غير ورع " يحجزكم عن محارم الله وينبهكم عن الغفلة. وفي بعض النسخ: " وعفة من غير ورع، وطمعا في غير حق " [و] لعله عليه السلام كان علم أن سبب تسويف بعضهم، [هو] طمعهم في أن يعطيهم زيادة على ما يستحقونه كما فعل معاوية والخلفاء قبله.

bihar-14831

نهج: [و] من خطبة له عليه السلام في استنفار الناس إلى أهل الشام: أف لكم! لقد سئمت عتابكم. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا وبالذل من العز خلفا! إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم، كأنكم من الموت في غمرة، ومن الذهول في سكرة. يرتج عليكم حواري فتعمهون، فكأن قلوبكم مألوسة، فأنتم لا تعقلون. ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي، وما أنتم بركن يمال بكم ولا زوافر عز يفتقر إليكم. ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها، فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر. لبئس - لعمر الله - سعر نار الحرب أنتم! تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون. لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون [لاهون " خ "] غلب والله المتخاذلون. وأيم الله، إني لأظن بكم أن لو حمس الوغا، واستحر الموت، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس من الجسد. والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه، يعرق لحمه، ويهشم عظمه، ويفري جلده، لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره، أنت فكن ذاك إن شئت، فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية يطير منه فراش الهام، وتطيح السواعد والأقدام، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. أيها الناس! إن لي عليكم حقا، ولكم علي حق. فأما حقكم [علي] فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا [تعلموا " خ "]. وأما حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم.

bihar-14832

رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (٣٤) من نهج البلاغة. روي أنه عليه السلام خطب بهذه الخطبة بعد فراغه من أمر الخوارج، بالنهروان فحمد الله وأثنى عليه وقال:

Show clickable narrator chain

أما بعد فإن الله تعالى قد أحسن نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام. فقالوا له: قد نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ارجع بنا إلى مصرنا لنصلح عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منا لنستعين به. فأجابهم: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) [٢١ / المائدة: ٥]. فتلكأوا عليه وقالوا: إن البرد شديد. فقال [لهم]: إنهم يجدون البرد كما تجدون، ثم تلا قوله تعالى (قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) [٢٢ / المائدة: ٥]. فقام ناس منهم واعتذروا بكثرة الجراح في الناس، وطلبوا [منه] أن يرجع بهم إلى الكوفة أياما ثم يخرج [بهم]. فرجع بهم غير راض [بما اقترحوا] وأنزلهم النخيلة، وأمرهم أن يلزموا معسكرهم، ويقلوا زيارة أهلهم، فلم يقبلوا ودخلوا الكوفة حتى لم يبق معه إلا قليل، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس فقال: أيها الناس! استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى الله، ودرك الوسيلة عنده، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه، موزعين بالجور والظلم لا يعدلون به، وجفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويتسكعون في غمرة الضلالة، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا. فتركهم أياما ثم خطبهم بهذه الخطبة. و " أف " بالضم والتشديد والتنوين: كلمة تضجر وتكره، ولغاتها أربعون، منها: كسر الفاء كما في بعض النسخ. و [قوله عليه السلام] " عوضا " و " خلفا " نصبهما على التميز. ودوران أعينهم: إما للخوف من العدو، أو للحيرة والتردد بين مخالفته عليه السلام والإقدام على الحرب، وفي كليهما خطر عندهم. والغمرة: الشدة. وغمرات الموت: سكراته التي يغمر فيها العقل. والسكر - بالفتح -: ضد الصحو، والاسم بالضم. وسكرة الموت: شدته وغشيته. وفي الكلام إشارة إلى قوله تعالى: ([فإذا جاء الخوف رأيتهم] ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت). " يرتج عليكم حواري ": أي يغلق عليكم محاورتي ومخاطبتي. والألس: الجنون واختلاط العقل، يقال: ألس فهو مألوس. [و] " سجيس الليالي ": كلمة يقال للأبد، تقول: لا أفعله سجيس الليالي، أي: أبدا. [و] " يمال بكم " أي يستند إليكم ويمال بكم إلى العدو، أو الباء بمعنى إلى. وزوافر الرجل: أنصاره وعشيرته. وزفرت الحمل: حملته. و [لفظة] " زوافر في أكثر النسخ بالجر عطفا على المجرور. وفي بعضها بالنصب عطفا على الظرف. وهذه الأقوال كلها ذكرها كمال الدين البحراني في شرحه على المختار: (٣٤) من كتاب نهج البلاغة: ج ٢ ص ٨٠ ط بيروت. والإبل: اسم للجمع. [و] " ضل رعاتها ": أي ضاع وفقد من يعلم حالها والحيلة في جمعها، أو لم يهتد من يرعاها إلى طريق جمعها. " لبئس لعمرو الله ": اللام جواب القسم، والتكرير للتأكيد، والعمرو - بالفتح -: العمر وهو قسم ببقاء الله. والسعر اسم جمع لساعر، وإسعار النار وسعرها: إيقادها. والامتعاض: الغضب. و " أيم " مخفف أيمن. وهو جمع يمين، أي أيم الله قسمي. و " حمس " - كفرح -: أشتد. و " الوغا " الأصوات والجلبة، ومنه قيل للحرب وغا. و " استحر الموت ": أي اشتد وكثر. [قوله عليه السلام:] " قد انفرجتم ": أي تفرقتم. وانفرج الرأس مثل لشدة التفرق. قيل: أول من تكلم به أكثم بن ضيفي في وصية له [لبنيه قال:] يا بني لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرأس فإنكم بعد ذلك لا تجتمعون على عز. وفي معناه أقوال: الأول: قال ابن دريد: معناه أن الرأس إذا انفرج عند البدن لا يعود إليه. الثاني: قال المفضل: الرأس اسم رجل تنسب إليه قرية من قرى الشام يقال لها: بيت الرأس، وفيها تباع الخمر، وهذا الرجل قد انفرج عن قومه ومكانه فلم يعد فضرب به المثل. الثالث: قال بعضهم: معناه أن الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض، كان بعيدا عن الالتئام والعود إلى الصحة. الرابع: قيل معناه: انفرجتم عني رأسا. ورد بأن " رأسا " لا يعرف. الخامس: قيل: المعنى انفراج رأس من أدنى رأسه إلى غيره ثم حرف رأسه عنه. السادس: قيل: الرأس الرجل العزيز، لأن الأعزاء لا يبالون بمفارقة أحد. السابع: معناه انفراج المرأة عن رأس ولدها حالة الوضع، فإنه في غاية الشدة [و] نحوه قوله عليه السلام: في موضع آخر: " انفراج المرأة عن قبلها ". وبعده واضح. وعرق اللحم - كنصر -: أكله ولم يبق منه على العظم شيئا. وهشم العظم - كضرب -: كسره. وفريت الشئ قطعته. و " الجوانح ": الأضلاع التي تحت الترائب، وهي مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر. و " ما ضمت عليه ": هو القلب. والمذكورات كنايات عن النهب والأسر والاستئصال وأنواع الضرر. قوله عليه السلام: " فكن ذاك إن شئت " قال ابن أبي الحديد: خاطب من يمكن عدوه من نفسه خطابا عاما، لكن الرواية وردت بأنه عليه السلام خاطب بذلك الأشعث بن قيس، فإنه قال لعلي عليه السلام حين [كان] يلوم الناس على تقاعدهم [عنه] -: " هلا فعلت فعل ابن عفان! ". فقال: " إن فعل ابن عفان مخزاة على من لا دين له ولا وثيقة معه، إن امرء مكن عدوه من نفسه، يهشم عظمه، ويفري جلده لضعيف رأيه، مأفون عقله، فكن ذاك إن أحببت. فأما أنا فدون أن أعطي ذاك ضرب بالمشرفية " إلى آخر الفصل. انتهى. [قوله عليه السلام:] " فأما أنا فوالله ": الظاهر أن خبر " أنا " الجملة التي خبرها " دون "، والمبتدأ [هو قوله:] " ضرب ". و " [قوله:] " ذلك " إشارة إلى تمكين العدو، أو فعل ما فعله عثمان. والمشرفية بفتح الميم والراء: سيوف منسوبة إلى مشارف اليمن. وفراش الهام: العظام الرقيقة تلي القحف. وطاح يطيح أي: سقط. وأوزعه بالشئ: أغراه. وسكع - كمنع وفرح -: مشى مشيا متعسفا لا يدري أين يأخذ من بلاد الله وتحير كتسكع. [قوله عليه السلام:] " كيلا تجهلوا ": أي [كي لا] تبقوا على الجهالة. ٩٣٦ -

الهوامش2

[١]جميع ما ذكره المصنف هاهنا تقدم بأسانيد في الحديث: (٧٥٦) وما بعده في ص ٦٧٨ من ط الكمباني.ص 76

[٢]وتفصيلها في حرف الفاء من القاموس وتاج العروس.ص 76

bihar-14833

نهج: ومن كلام له عليه السلام في ذم أصحابه: كم أداريكم كما تداري البكار العمدة، والثياب المتداعية، كلما حيصت من جانب، تهتكت من أخرى. أكلما أظل عليكم منسر من مناسر أهل الشام، أغلق كل رجل منكم بابه، وانجحر انجحار الضبة في جحرها، والضبع في وجارها، الذليل والله من نصرتموه، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل. إنكم والله لكثير في الباحات، قليل تحت الرايات. وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم، ولكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي، أضرع الله خدودكم، وأتعس جدودكم، لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل، ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحق. وقال عليه السلام في سحرة اليوم الذي ضرب فيه: ملكتني عيني وأنا جالس، فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد. فقال: " ادع عليهم ". فقلت: أبدلني الله بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني. قال السيد [الرضي] رضي الله عنه: يعني عليه السلام ب‌ " الأود ": الاعوجاج، وب‌ " اللدد ": الخصام. وهذا من أفصح الكلام.

bihar-14834

٩٣٧ - رواهما الشريف الرضي في المختار: (٦٦) وتاليه من كتاب نهج البلاغة. والعمدة بكسر الميم من العمد [وهو]: الورم والدبر. وقيل العمدة: التي كسرها ثقل حملها. وقيل: التي قد انشدخت أسنمتها من داخل وظاهرها صحيح. والثياب المتداعية: الخلقة التي تنخرق، فكأنه يدعو الباقي إلى الانخراق. وحاص الثوب يحوصه حوصا: خاطه. وتهتكت أي: تخرقت. و " أظل عليكم ": أي أقبل إليكم ودنا منكم. وفي بعض النسخ: " [أطل عليكم] " - بالمهملة -: أي أشرف. والمنسر - كمجلس وكمنبر -: القطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكثير. والجحر - بالضم -: كل شئ يحتفره السباع والهوام لأنفسها. وجحر الضب - كمنع - أي: دخله. وجحره غيره: أدخله فانجحر وتجحر وكذلك أجحره. والضبع مؤنثة ووجارها - بالكسر -: جحرها. والأفوق: المكسور الفوق والناصل: النزوع النصل. والباحة: الساحة. والراية العلم. والأود - بالتحريك -: العوج. والمراد يصلحهم: إقامة مراسم السياسة [فيهم] من القتل والتعذيب والحيل والتدابير المخالفة لأمر الله تعالى. والضراعة: الذل والاستكانة. والتعس: الهلاك والانحطاط. والجد: البخت والحظ. ولغرض، الدعاء عليهم بالخزي والخيبة. قوله عليه السلام: " لا تعرفون الحق ": المراد بالحق، إما أوامر الله تعالى، أو أمور الآخرة. وبالباطل: زخارف الدنيا. أو الحق متابعته عليه السلام ونصره. والباطل: عصيانه وترك نصرته. أو الحق: الدلائل الدالة على فرض طاعته، والباطل: الشبه الفاسدة، كشبهتهم في خطر قتال أهل القبلة. و [المراد ب‌] المعرفة: إما العلم أو العمل بما يقتضيه من نصرة الحق وإنكار المنكر. والسحرة - بالضم -: السحر الأعلى. وملك العين: كناية عن غلبة النوم. و " سنح لي ": أي رأيته في المنام، أو مر بي معترضا. وبناء التفضيل في [قوله عليه السلام:] " شرا " على اعتقاد القوم، فإنهم لما لم يطيعوه حق الطاعة، فكأنهم زعموا فيه شرا.

bihar-14835

نهج: من كلام له عليه السلام: " ولئن أمهل الله الظالم، فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجى من مساغ ريقه. أما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم، ولكن، لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي. استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، أشهود كغياب! وعبيد كأرباب! أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة وترجعون إلي عشية كظهر الحنية [الحية " خ "] عجز المقوم وأعضل المقوم. أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم، المبتلى بهم أمراؤهم! صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم. يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء لا إخوان ثقة عند البلاء. تربت أيديكم! يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها! كلما جمعت من جانب

bihar-14836

رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (٩٥) من كتاب نهج البلاغة. تفرقت من جانب [آخر]، والله لكأني بكم فيما إخال لو حمس الوغى، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها. وإني لعلى بينة من ربي، ومنهاج من نبيي، وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا. أنظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم، واتبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم فتضلوا، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا. لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى أحدا منكم يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، [و] قد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله سبحانه هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفا من العقاب، ورجاء الثواب. [قوله عليه السلام]: " فلن يفوت ": المفعول محذوف أي: فلن يفوته. والأخذ: التناول والعقوبة. والمرصاد: الطريق يرصد بها. والشجى: ما ينشب في الحلق من عظم وغيره، وموضع الشجى هو الحلق. ومساغ ريقه: موضع إساغته. وساغ الشراب: سهل مدخله في الحلق. وسغت الشراب يتعدى ولا يتعدى. وهذا [الكلام منه عليه السلام] إما تهديد لأهل الشام أو لأصحابه، كما سيأتي من نسبة الظلم إليهم. وظهر عليه: غلبه وراعي القوم: من ولي عليهم. والاستنفار. الاستنجاد والاستنصار أو طلب النفور والإسراع إلى القتال. قوله عليه السلام: " وعبيد كأرباب ": أي أخلاقكم أخلاق العبيد من الخلاف والنفاق ودناءة الأنفس، وفيكم مع ذلك كبر السادات وتيههم وعدم إطاعتهم، أو حكمكم حكم العبيد في وجوب الإطاعة وتأبون عنها كالسادة. وهذا أنسب بالفقرة السابقة. و " أيادي سبا ": مثل يضرب للمتفرقين، واصله قوله تعالى عن أهل سبأ: (ومزقناهم كل ممزق) [١٩ / سبأ: ٣٤] وسبأ مهموز يصرف ولا يصرف، ويمد ولا يمد، وهو بلدة " بلقيس " ولقب ابن يشجب بن يعرب يقال: ذهبوا أيدي سبا وأيادي سبا - الياء ساكنة وكذلك الألف هكذا نقل المثل - أي متفرقين، وهما اسمان جعلا واحدا، مثل معديكرب ضرب المثل بهم لأنهم لما غرق مكانهم وذهبت جناتهم تبددوا في البلاد، ولهم قصة غريبة مذكورة في كتب الأمثال. قوله عليه السلام: " وتتخادعون " المخادعة: هي الاستغفال عن المصلحة، أي إذا رجعتم عن مجلس الوعظ أخذ كل منكم يستغفل صاحبه ويشغله بالأحاديث، وإن لم يكن عن قصد خداع بل يقع منهم صورة المخادعة. كذا ذكره ابن ميثم. وقال ابن أبي الحديد: تتخادعون عن مواعظكم أي تمسكون عن الاتعاظ من قولهم: كان فلان يعطي ثم خدع أي أمسك وأقلع. ويجوز أن يريد تتلونون وتختلفون في قبول الوعظ من قولهم: خلق فلان خلق خادع أي: متلون. وسوق خادعة أي: متلونة مختلفة. ولا يجوز أن يراد المعنى المشهور منها، لأنه إنما يقال: فلان يتخادع فلانا إذا كان يريد أن ينخدع له وليس بمنخدع في الحقيقة، وهذا لا يناسب المقام. والحنية على فعلية: القوس، أي ترجعون [إلي] معوجا كاعوجاج ظهر القوس وأعضل وأشكل، وكأن غيبة عقولهم كناية عن تركهم العمل بما تقتضيه، أو عن ذهابها. قوله عليه السلام: " منيت ": أي ابتليت. وإنما لم يجمع الخمس لكون الثلاث من جنس، والاثنتين من [جنس] آخر أو لأن الثلاث إيجابية دون الاثنتين. والحر: خلاف العبد والخيار من كل شئ. واللقاء ملاقاة الأحباب أو العدو. وقوله [عليه السلام:] " تربت أيديكم ": كلمة يدعى على الإنسان بها: أي لا أصبتم خيرا. وأصل " ترب ": أصابه التراب، فكأنه يدعى عليه بأن يفتقر. وقال [ابن الأثير] في [مادة " ترب " من كتاب] النهاية: هذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولا وقوع الأمر بها، كما يقولون: قاتله الله. وقيل: معنى لله درك. قال: وكثيرا ترد للعرب ألفاظ ظاهرها الذم وإنما يريدون بها المدح، كقولهم: لا أب لك، ولا أم لك. وهوت أمه. ولا أرض لك. ونحو ذلك. وقال المطرزي في قولهم: " كأني بك تنحط " الأصل: كأني أبصرك تنحط ثم حذف الفعل وزيدت الباء. ويحتمل أن يكون الباء متعلقا بملتصق ونحوه، نحو " به داء " أو بمعنى في. وخال الشئ: يخاله أي ظنه. وتقول: خلت إخال بالكسر وبالفتح، لغة بني أسد كما في النسخ، و " ما مصدرية، أي في ظني. وحمس - كفرح - أي: اشتد. وحمي - كرضي -: اشتد حره. وانفرجتم: تفرقتم. قال ابن ميثم: شبه انفراجهم عنه بانفراج المرأة عن قبلها ليرجعوا إلى الأنفة، وتسليم المرأة قبلها وانفراجها عنه إما وقت الولادة، أو وقت الطعان. قوله [عليه السلام] " ألقطه ": كأنه إشارة إلى أن الضلال غالب على الهدى، فيحتاج السالك إلى التقاط طريق الهدى من بين طرق الضلالة. وفي بعض النسخ: " ألفظه لفظا ": أي أبينه بيانا. والسمت: الجهة والطريق وهيئة أهل الخير. " فإن لبدوا ": أي قعدوا عن طلب الخلافة والجهاد ولزموا البيوت فتابعوهم، وإن قاموا بها فانصروهم، يقال: لبد الشئ بالأرض - كنصر - أي: التصق بها. [وقوله عليه السلام]: " ولا تسبقوهم ": أي ما لم يأمروكم به. " ولا تتأخروا عنهم ": أي لا تخالفوهم فيما يأمرونكم به. [قوله عليه السلام:] " يراوحون ": أي يسجدون بالجبهة مرة وبالخدود أخرى، ووقوفهم على مثل الجمر - [وهو] جمع جمرة - وهي النار المتقدة: كناية عن قلقهم واضطرابهم من خوف المعاد. " والمعزى " بالكسر: خلاف الضأن كالمعز. والمراد ب‌ " بين أعينهم ": جباههم مجازا. [و] " هملت " أي: سالت. و " مادوا " أي تحركوا واضطربوا.

الهوامش1

[١]بل الظاهر أن الكلام إشارة إلى أن طلب استنفار الناس وبعضهم إياهم إلى قتال المبطلين.ص 84

bihar-14837

نهج: ومن كلام له عليه السلام في ذم [العصاة من] أصحابه: أحمد الله على ما قضى من أمر، وقدر من فعل، وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، وإذا دعوت لم تجب، إن أمهلتم [أهملتم] خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم [أجئتم " خ ل "] إلى مشاقة نكصتم، لا أبا لغيركم! ما تنتظرون بنصركم، والجهاد على حقكم! الموت أو الذل لكم! فوالله لئن جاء يومي - وليأتيني - ليفرقن بيني وبينكم، وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير كثير.

bihar-14838

رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٧٨) من كتاب نهج البلاغة. لله أنتم! أما دين يجمعكم، ولا محمية تشحذكم! أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء، وأنا أدعوكم - وأنتم تريكة الإسلام وبقية الناس - إلى المعونة أو طائفة من العطاء، فتفرقون عني وتختلفون علي! إنه لا يخرج إليكم من أمري رضي فترضونه، ولا سخط فتجتمعون عليه، وإن أحب ما أنا لاق إلي الموت. قد دارستكم الكتاب، وفاتحتكم الحجاج، وعرفتكم ما أنكرتم، وسوغتكم ما مججتم، لو كان الأعمى يلحظ، أو النائم يستيقظ! وأقرب بقوم من الجهل بالله قائدهم معاوية، ومؤدبهم ابن النابغة!. وفي بعض النسخ: " [إن] أهملتم " أي تركتم، " خضتم ": أي في الضلالة والأهواء الباطلة. [و] " خرتم " بالخاء من الخور: بمعنى الضعف. أو من خوار الثور بمعنى الصياح. ويروى [" جرتم "] بالجيم، أي: عدلتم عن الحق أو عن الحرب فرارا. قوله عليه السلام: " أجئتم ": قال

Show clickable narrator chain

ابن أبي الحديد: بالهمزة الساكنة بعد الجيم المكسورة، أي: ألجئتم قال تعالى: " فأجاءها المخاض ". وفي بعض النسخ: " أجبتم " على بناء المعلوم بالباء. والمشاقة: المقاطعة والمصارمة. والنكوص: الرجوع إلى ما وراء. قوله عليه السلام: " لا أبا لغيركم " قال ابن ميثم: أصله لا أب والألف مزيدة، إما لاستثقال توالي أربع حركات، أو لأنهم قصدوا الإضافة وأتوا باللام للتأكيد. وفي الدعاء بالذل لغيرهم نوع تلطف لهم. قوله عليه السلام: " الموت أو الذل ": في أكثر النسخ برفعهما، وفي بعضها بالنصب. قال ابن أبي الحديد: [وهذا] دعاء عليهم بأن يصيبهم أحد الأمرين، كأنه شرع داعيا عليهم بالفناء الكلي وهو الموت، ثم استدرك فقال: أو الذل، لأنه نظير الموت، ولقد أجيب دعاؤه بالدعوة الثانية، فإن شيعته ذلوا بعده في الأيام الأموية. وقيل: في قوله عليه السلام: " وليأتيني ": حشوة لطيفة بين الكلام، لأن لفظة " إن " أكثر ما تستعمل لما لا يعلم حصوله، فأتى بعدها بما يرد ما تقتضيه من الشك في إتيان الموت، وأشعر بأن الموضع موضع " إذا ". والقالي: المبغض. قوله عليه السلام: " غير كثير " أي لستم سبب كثرة أعواني. و [قوله عليه السلام] " لله أنتم ": من قبيل لله أبوك، ولعله هنا للتعجب على سبيل الذم، ويحتمل المدح تلطفا. وارتفاع قوله: " دين " بفعل مقدر يفسرها الفعل المذكور بعده. وشحذت النصل: حددته. والطغام: أراذل الناس الواحد والجمع سواء. ومعونة الجند: شئ يسير من المال يعطيهم الوالي لترميم أسلحتهم وإصلاح دوابهم سوى العطاء المفروض في كل شهر كما قيل [٢]. ومنشأ تعجبه عليه السلام أمور: أحدها: أن الداعي لهم معاوية، ولهؤلاء أمير المؤمنين، وكيف يساوي عاقل بينهما؟ وثانيها: أن المدعو هناك، الجفاة الطغام مع خلوهم غالبا عن الحمية والمروءة، وهاهنا أصحابه الذين هم تريكة الإسلام. وثالثها: أن أصحاب معاوية يتبعونه على غير معونة ولا عطاء، وأصحابه عليه السلام لا يجيبونه إلى المعونة والعطاء، فإن معاوية إنما كان يعطي رؤساء القبائل الأموال الجليلة، ولا يعطي الجند على وجه العطاء والمعونة شيئا، وهم كانوا يطيعون الرؤساء للحمية أو العطايا من هؤلاء لهم. والتريكة: بيضة النعامة تتركها في مجثمها، أي: أنتم خلف الإسلام وبقيته، كالبيضة التي تتركها النعامة. وقوله [عليه السلام] " إلى المعونة " متعلق ب‌ [قوله:] " أدعوكم ". قوله عليه السلام: " لا يخرج إليكم " أي: إنكم لا تقبلون مما أقول لكم شيئا، سواء كان مما يرضيكم أو مما يسخطكم. " وإلى " متعلق بقوله: " أحب ". ودرس الكتاب: - كنصر وضرب - أي قرأ فقوله: " دارستكم الكتاب ": أي قرأته عليكم للتعليم، وقرأتم علي للتعلم. قوله عليه السلام: " وفاتحتكم " أي حاكمتكم بالمحاجة والمجادلة. وساغ الشراب في الحلق أي: دخل بسهولة. ومججته من فمي: أي رميت به أي بينت لكم الأمور الدينية ما كنتم تنكرونه بآرائكم، وأعطيتكم من العطايا ما كنتم محرومين منها. وكلمة " لو " في قوله عليه السلام: " لو كان ": للتمني أو الجزاء محذوف. وقوله عليه السلام: " وأقرب بقوم " بصيغة التعجب، أي ما أقربهم إلى الجهل. وقوله عليه السلام: " قائدهم معاوية ": صفة لقوم، فصل بين الصفة والموصوف بالجار والمجرور، وهو مجوز. وورد مثله في الكلام المجيد.

الهوامش1

[١](١ - ٢) القائل في الموردين هو كمال الدين ابن ميثم البحراني في شرحه على الكلام من شرح نهج البلاغة: ج ٣ ص ٣٧٦ - ٣٧٧ ط بيروت.ص 87

bihar-14839

نهج: من خطبة له عليه السلام: عباد الله، إنكم وما تأملون من هذه الدنيا أثوياء مؤجلون، ومدينون مقتضون، أجل منقوص، وعمل محفوظ، فرب دائب مضيع ورب كادح خاسر. وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا، والشر فيه إلا إقبالا، والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا، فهذا أوان قويت عدته، وعمت مكيدته، وأمكنت فريسته. إضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا! أين خياركم وصلحاؤكم وأين أحراركم وسمحاؤكم؟ وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم؟ أليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا الدنية والعاجلة المنغصة؟ وهل خلفتم إلا في حثالة لا تلتقي بذمهم الشفتان استصغارا لقدرهم، وذهابا عن ذكرهم! فإنا لله وإنا إليه راجعون. ظهر الفساد فلا منكر مغير، ولا زاجر مزدجر. أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده؟! هيهات! لا يخدع الله عن جنته، ولا تنال مرضاته إلا بطاعته. لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به.

bihar-14840

رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (١٢٧) من كتاب نهج البلاغة. [قوله عليه السلام:

Show clickable narrator chain

] " أجل منقوص ": أي أجلكم أجل منقوص يوما بعد يوم، ولحظة فلحظة، وعملكم عمل محفوظ عند الله. والدائب: المجتهد ذو الجد والتعب. و " الكادح ": الساعي. و " أمكنت ": أي أمكنته، يقال: أمكنني الأمر أي سهل وتيسر. وكابده مكابدة: أي قاساه وتحمل المشاق فيه. وذكره في هذا المقام، إما لأن الغرض بيان ما سبق من إدبار الخير وإقبال الشر وعموم الضلال ومقاسات الفقراء بيان للأولين، فالخير والشر يعمان الدنيويين والأخرويين. وإما لأن شيوع الفقر لمنع الحقوق الواجبة، أو المراد بمكابدة الفقر ترك الصبر عليه وهو أيضا من المنكرات. [قوله عليه السلام:] " بدل نعمة الله ": أي الغنى. أو ولايته عليه السلام. والتخصيص لشدة إنكارهم لقوتهم أو الأعم. والوفر: المال الكثير. وقوله [عليه السلام]: " بحق الله " متعلق ب‌ [قوله:] " البخل " أي يعد بخله بحق الله توفير المال والزيادة فيه. والوقر: ثقل الأذن. " أين أحراركم ": أي الذين أعتقوا من رق الشهوات. والتورع. مبالغة في الورع. والتنزه: التباعد عن القبيح. وظعن - كمنع - أي سار وارتحل. وأنغص الله عليه العيش ونغصه: كدره والحثالة: الردئ من كل شئ. [قوله عليه السلام]: لا تلتقي بذمهم ": أي إنهم أحقر من أن يشتغل الإنسان بذمهم، لأنه لابد من الذم من إطباق إحدى الشفتين على الأخرى و " ذهابا " أي ترفعا يقال: فلان ذهب بنفسه عن كذا، أي رفعها عنه. " ولا زاجر مزدجر ": أي من يزجر غيره عن القبائح وتمتنع نفسه أيضا عنها. [قوله] " في دار قدسه " أي الجنة، لأن أهلها يقدسونه تعالى وهم منزهون عن العيوب. ومجاورة الله: سكون تلك الدار المنسوبة إليه سبحانه تشريفا. وقربه: مجاورة رحمته. " هيهات ": أي بعد ما تريدون. " لا يخدع الله عن جنته " أي: لا يمكن أخذها منه تعالى بالخديعة. والمرضاة: الرضا. وآخر الكلام يدل على اشتراط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعمل بهما، وسيأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله. ولعل غرضه عليه السلام التعريض بالسابقين الغاصبين.

bihar-14841

نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: أرسله داعيا إلى الحق، وشاهدا على الخلق فبلغ رسالات ربه غير وان ولا مقصر، وجاهد في الله أعداءه غير واهن ولا معذر، [فهو] إمام من اتقى، وبصر من اهتدى. [و] منها: ولو تعلمون ما أعلم مما طوي عنكم غيبه، إذا لخرجتم إلى الصعدات تبكون على أعمالكم، وتلتدمون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا خالف عليها ولهمت كل امرئ منكم نفسه لا يلتفت إلى غيرها. ولكنكم نسيتم ما ذكرتم، وأمنتم ما حذرتم، فتاه عنكم رأيكم وتشتت عليكم أمركم. لوددت أن الله فرق بيني وبينكم، وألحقني بمن هو أحق بي منكم، قوم - والله ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، متاريك للبغي مضوا قدما على الطريقة، وأوجفوا على المحجة، فظفروا بالعقبى الدائمة والكرامة الباردة. أما والله ليسلطن عليكم غلام ثقيف، الذيال الميال، يأكل خضرتكم، ويذيب شحمتكم، إيه أبا وذحة!

bihar-14842

رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (١١٤) من كتاب نهج البلاغة. قال السيد رحمه الله: الوذحة: الخنفساء، وهذا القول يومئ به إلى الحجاج وله مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره. [قوله عليه السلام:

Show clickable narrator chain

] " مما طوي عنكم " أي كتم وأخفي. وقال [ابن الأثير] في [مادة " صعد " من كتاب] النهاية: [و] فيه: " إياكم والقعود بالصعدات ": هي الطرق، وهي جمع صعد وصعد جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات. وقيل: جمع صعدة كظلمة، وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه. ومنه الحديث: " ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ". وقال ابن أبي الحديد: الصعيد: التراب. ويقال وجه الأرض. والجمع: صعد وصعدات. و [قال الفيروزآبادي] في القاموس: الصعيد: التراب أو وجه الأرض، والجمع: صعد وصعدات، والطريق، ومنه: " إياكم والقعود بالصعدات ". والقبر. انتهى. فالمعنى: خرجتم عن البيوت وتركتم الاستراحة والجلوس على الفرش، للقلق والانزعاج، وجلستم في الطريق أو على التراب أو لازمتم القبور. والالتدام: ضرب النساء وجوههن في النياحة. قوله عليه السلام: " ولا خالف ": أي ولا مستخلف عليها. قوله عليه السلام: " ولهمت " قال ابن أبي الحديد: أي أذابته وأنحلته من [قولهم:] هممت الشحم أي أذبته. ويروى " ولأهمت " وهو أصح من [قولهم:] أهمني الأمر: أي أحزنني. وفيه نظر، لأن " هم " أيضا يكون بمعنى " أهم ". قال [الفيروزآبادي] في القاموس: همه الأمر هما: حزنه، كأهمه فاهتم انتهى. و [كلمة] " كل " منصوب على المفعولية والفاعل [لفظة]: " نفسه ". ويقال: تاه فلان يتيه، إذا تحير وضل. وتاه يتوه أي هلك واضطرب عقله. وتشتت: أي تفرق. والمراد بمن هو أحق به عليه السلام [هو] رسول الله صلى الله عليه وآله، وحمزة وجعفر، ومن لم يفارق الحق من الصحابة. والمراجيح: الحكماء. وقال الجوهري: راجحته فرجحته: أي كنت أرزن منه، ومنه قوم مراجيح الحلم. انتهى. والمقاويل: جمع مقوال: أي حسن القول أو كثيره. والمتاريك: جمع متراك أي كثير الترك. قوله عليه السلام: " مضوا قدما " بالضم وبضمتين: أي متقدمين لا ينثنون. و " أوجفوا ": أي أسرعوا. و " الكرامة الباردة ": [هي] التي ليس فيها حر تعب، ولا مشقة حرب. و " الذيال ": هو الذي يجر ذيله على الأرض تبخترا، يقال: ذال فلان وتذيل: أي تبختر. و " الميال ": الظالم. قوله عليه السلام: " يأكل خضرتكم ": أي يستأصل أموالكم. و " الخضرة " بفتح الخاء وكسر الضاد: الزرع والبقلة الخضراء والغصن. وإذابة الشحمة مثله كما قيل، والمراد تعذيب الأبدان. قوله عليه السلام: " إيه أبا وذحة ": إيه: كلمة استزادة أي زد وهات. وقال ابن أبي الحديد في قول السيد " الوذحة الخنفساء ": ثم إن المفسرين بعد الرضي رضي الله عنه قالوا في قصة هذا الخنفساء وجوها: منها أن الحجاج رأى خنفساء تدب إلى مصلاه فطردها، فعادت، ثم طردها فعادت، فأخذها بيده فقرصته قرصا، ورمت يده منه ورما كانت فيه حتفه. قتله الله تعالى بأهون خلقه، كما قتل نمرود بن كنعان بالبقة. ومنها أن الحجاج كان إذا رآى خنفساء، يأمر بإبعادها ويقول: هذه وذحة من وذح الشيطان، تشبيها بالبعرة المعلقة بذنب الشاة. ومنها أنه قد رأى خنفساوات مجتمعات، فقال: واعجبا! لمن يقول: إن الله خلق هذه. قيل: فمن خلقها أيها الأمير! قال: الشيطان، إن ربكم لأعظم شأنا من أن يخلق هذه الوذح. قالوا: فجمعها على " فعل " كبدنة وبدن، فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره فأكفروه. ومنها: أن الحجاج كان مثفارا: أي ذا أبنة، وكان يمسك الخنفساء حية ليشفي بحركتها في الموضع حكاكه. قالوا: ولا يكون صاحب هذا الداء إلا شانئا مبغضا لأهل البيت عليهم السلام. قالوا: ولسنا نقول كل مبغض فيه هذا الداء، بل [نقول:] كل من فيه هذا الداء فهو مبغض. قالوا: وقد روى أبو عمر الزاهد - ولم يكن من رجال الشيعة - في أماليه وأحاديثه عن السياري، عن أبي خزيمة الكاتب قال: ما فتشنا أحدا فيه هذا الداء، إلا وجدناه ناصبيا. قال أبو عمر: وأخبرني العطافي عن رجاله، قالوا: سئل جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن هذا الصنف من الناس، فقال لهم: رحم منكوسة، يؤتى ولا يأتي. وما كانت هذه الخصلة في ولي الله تعالى أبدا قط، ولا تكون أبدا وإنما كانت في الفساق والكفار والناصب للطاهرين. وكان أبو جهل بن هشام المخزومي من القوم، وكان أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله. قالوا: ولذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر: يا مصفر أسته. [ثم قال ابن أبي الحديد:] ويغلب على ظني أنه [عليه السلام أراد] معنى آخر، وذلك أن عادة العرب أن تكني الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنة التعظيم، وإذا أرادت تحقيره [كنته] بما يستحقر ويستهان به، كقولهم في كنية يزيد بن معاوية لعنه الله: أبو زنة، يعنون القرد. وكقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدث: أبو الفار. وكقولهم للطفيلي: أبو لقمة. وكقولهم لعبد الملك: أبو الذبان لبخره. وكقول ابن بسام لبعض الرؤساء: فأنت لعمري أبو جعفر * ولكننا نحذف الفاء منه وقال أيضا: لئيم درن الثوب * نظيف القصب والقدر أبو النتن أبو الدفر * أبو البعر أبو الجعر فلنجاسته بالذنوب والمعاصي، كناه أمير المؤمنين عليه السلام أبا وذحة. ويمكن أن يكنيه بذلك لدمامته في نفسه، وحقارة منظره، وتشويه خلقته، فإنه كان دميما قصيرا سخيفا، أخفش العينين معوج الساقين قصير الساعدين، مجدور الوجه أصلع الرأس، فكناه بأحقر الأشياء وهو البعرة. وقد روى قوم [هذه اللفظة بصيغة أخرى، قالوا]: " إيه أبا ودجة " قالوا: [هي] واحدة الأوداج كناه بذلك، لأنه كان قتالا يقطع الأوداج بالسيف.

bihar-14843

نهج: [و] من كلام له عليه السلام وقد جمع الناس وحصنهم على الجهاد، فسكتوا مليا، فقال عليه السلام: ما بالكم! أمخرسون أنتم! فقال قوم منهم: يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك! فقال [عليه السلام]: ما بالكم - لا سددتم لرشد ولا هديتم لقصد؟ أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج! وإنما يخرج في مثل هذا رجل ممن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم، ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الخراج والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المسلمين [المطالبين " خ ل "] ثم أخرج في كتيبة أتبع أخرى، أتقلقل تقلقل القدح في الجفير الفارغ، وإنما أنا قطب الرحا تدور علي، وأنا بمكاني، فإذا فارقته استحار مدارها، واضطرب ثفالها، هذا لعمر الله الرأي السوء. والله لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدو - لو قد حم لي لقاؤه - لقربت ركابي، ثم شخصت عنكم فلا أطلبكم ما اختلف جنوب وشمال. [طعانين عيابين حيادين رواغين]. إنه لا غناء في كثرة عددكم مع قلة اجتماع قلوبكم.

bihar-14844

رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (١١٨) من كتاب نهج البلاغة. لقد حملتكم على الطريق الواضح التي لا يهلك عليها إلا هالك، من استقام فإلى الجنة ومن زل فإلى النار. قال ابن أبي الحديد [وهذا كلام] قاله [أمير المؤمنين] عليه السلام، في بعض غارات أهل الشام على أطراف العراق، عند انقضاء أمر صفين والنهروان. قوله:

Show clickable narrator chain

" مليا ": أي ساعة طويلة. [و] قوله عليه السلام: " لا سددتم " بالتخفيف والتشديد: دعاء عليهم بعدم السداد والاستقامة لما فيه رشدهم وصلاحهم. والقصد من الأمور: المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط. والشجعاء: جمع شجيع. وفي بعض النسخ: " شجعانكم " وهو بالضم والكسر: جمع شجاع. والبأس: الشجاعة. والكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش. والتقلقل: التحرك. والقدح - بالكسر -: السهم. والجفير: الكنانة. وقيل: وعاء السهام أوسع من الكنانة. والغرض [من هذا] التشبيه، في اضطراب الحال والانفصال عن الجنود والأعوان، بالقدح الذي لا يكون حوله قداح تمنعه من التقلقل ولا يستقر في مكانه. " واستحار مدارها ": أي اضطرب. والمدار هنا مصدر. كذا ذكره ابن أبي الحديد، ولم نجده بهذا المعنى في اللغة. [و] قال الجوهري: المستحير: سحاب ثقيل متردد ليس له ريح تسوقه. فالأنسب أن يكون [كلامه عليه السلام] كناية عن الوقوف عن الحركة. والثفال: الجلد الذي يوضع عليه الرحى، ليسقط عليه الدقيق ويسمى الحجر الأسفل من حجري الرحى أيضا ثفالا، ولعله أنسب. قوله عليه السلام: " لو قد حم لي " على [بناء] المجهول: أي قضي وقدر. والركاب: الإبل التي يسار عليها. وشخوص المسافر: خروجه. والاختلاف: التردد. ويحتمل [أيضا] المخالفة. والغناء بالفتح والمد: النفع. [قوله عليه السلام:] " لا يهلك عليها ": أي كائنا عليها أو بسببها. والطريق يذكر ويؤنث. [وقوله] " من استقام ": أي اعتزل ولزم الطريق الواضح. " ومن زل ": أي زلق وعدل عن الطريق.

bihar-14845

نهج: من خطبة له عليه السلام: أيها الناس! إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض، إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره. ومنهم المصلت بسيفه والمعلن بشره [بسره " خ "] والمجلب بخيله ورجله، قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه، أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه، ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا. ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا. قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصرته

bihar-14846

رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (٣٢) من نهج البلاغة. الحال على [عن " خ "] حاله، فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس أهل الزهادة، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى. وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد ناد، وخائف مقموع، وساكت مكعوم، وداع مخلص، وثكلان موجع، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة. فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامزة وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا. فلتكن الدنيا أصغر في أعينكم من حثالة القرظ وقراضة الجلم، واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف به منكم. عند عن الطريق - كنصر -: عدل ومال. والعنود فعول بمعنى فاعل. وقيل: مفاعل. والزمن اسم لقيل الوقت وكثيره. وقيل: الشديد بمعنى البخيل. وفي بعض النسخ: " وزمن كنود ": وهو الكفور. وقيل: اللوام. ووصف الزمان بتلك الأوصاف توصيف لأهله. وعد المحسن مسيئا، إما لعدم الإذعان بالحق، أو لحملهم الأفعال الجميلة على المحامل القبيحة، كزعم العابد مرائيا. والعتو: الاستكبار ومجاوزة الحد. قوله عليه السلام: " لا ننتفع " التعبير بلفظ المتكلم مع الغير، من قبيل: " إياك أعني واسمعي يا جارة " وعدم الانتفاع بالعلم لترك العمل، وعدم السؤال لعدم العلم بفضله مع عدم الرغبة في العمل به. والقارعة: الخطب العظيم والداهية. ومهانة النفس: حقارتها. [مشتقة] من " مهن " أو " هان ". وكل حد السيف وغيره، إذا وقف عن القطع. [قوله عليه السلام:] " ونضيض وفره ": أي قلة ماله. وهذا القسم هم المريدون للدنيا غير القادرين عليها. والمجلب: اسم فاعل من أجلب عليهم: أي تجمع وتألب. وكذلك إذا صاح به واستحثه. وأجلبه: أي أعانه. والرجل: جمع راجل. " قد أشرط نفسه ": أي هيأها وأعدها للفساد في الأرض. والحطام: المال وأصله ما تكسر من اليبس. والانتهاز: الاختلاس والاستلاب بقدر الإمكان. والمقنب بكسر الميم وفتح النون -: الجمع من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين. [و] " يفرعه ": أي يعلوه. وعمل الدنيا: ما يفعله المكلف فيها أو ما يصير بانضمام القربة والتوصل به إلى الطاعة طاعة. " وقد طامن ": أي خفض. ويقال: طامن منه أي سكنه. " وقارب من خطوه ": أي لم يسرع ومشى رويدا. " وشمر " [من ثوبه] ": أي قصر ثوبه أو رفعه إظهارا لمتابعة السنة. " وزخرف ": أي زين [نفسه] للأمانة، أي لأن يجعلوه أمينا على أموالهم وأعراضهم ويحتمل تعلقه بالأخير وبالجميع. [قوله عليه السلام:] " واتخذ ستر الله ": أي التقوى والعمل بشرائع الدين، فإن الله حرم تتبع عورات من ظاهره الصلاح وذكر عيوبه. قال الكيدري في كتاب المضاف والمنسوب ستر الله الإسلام، والشيب، والكعبة، وضمائر صدور الناس. يعني جعل ظاهر الإسلام وما يجنه صدره، بحيث لا يطلع عليه مخلوق وسيلة وطريقا إلى معصية الله. انتهى. وأقول: يحتمل أن يكون المراد أنه اتخذ ستر الله على عيوبه، حيث لم يفضحه ولم يطلع الناس على بواطنه، ذريعة إلى أن يخدع الناس. والضئولة: الحقارة. والسبب: الحبل، وما يتوصل به إلى غيره. والمراح: المكان الذي تأوي إليه الماشية في الليل. والمغدى: ما تأوي إليه بالغداة ولعل المعنى: ليس يومه كيومهم في الصوم وغيره، ولا ليله كليلهم في العبادات. والمرجع - بكسر الجيم -: مصدر أو اسم مكان، والمراد به من إليه مصير العباد أو القيامة أو الرجوع إليهما. [والمراد من قوله عليه السلام: " غض أبصارهم ذكر المرجع: هو] غض البصر عن المعاصي، أو الأعم لخشوعهم، أو للحياء، أو [غضهم] أبصار قلوبهم عما سوى الله. والشريد: الطريد. والناد: المنفرد والمراد به المتوحش من الناس الذاهب في الأرض، إما لعدم صبره على رؤية المنكرات، أو لكثرة أذى الظالمين في الأوطان، لإنكاره المنكر وأشباه ذلك. وقمعه: ضربه بالمقمعة وقهره وذلله. والمكعوم: الذي لا يمكنه الكلام، كأن شد فوه من التقية بالكعام الذي يجعل في فم البعير عند الهياج. والثكل: الحزن على فقد الأقارب. ولعل المعنى: أن بعضهم ترك الأوطان أو مجامع الناس لما ذكر، وبعضهم لم يترك ذلك، وينكر منكرا ثم يخاف مما يجري عليه بعد ذلك، ومنهم من هو بينهم ولا ينهاهم تقية ومعرض عنهم ومشتغل بالدعاء، ومنهم من هو بينهم بالضرورة ويرى أعمالهم ولا يؤثر نهيه فيهم، فهو كالثكلان الموجع. وخمل ذكره وصوته خفي. [قوله عليه السلام:] " فهم في بحر أجاج " كناية عن عدم استمتاعهم بالدنيا، كالسابح في ماء مالح، فإنه لا يمكنه التروي منه وشربه وإن بلغ غاية العطش. [قوله عليه السلام] " أفواههم ضامزة " بالزاي المعجمة، أي ساكنة. أو بالراء المهملة: كناية عن صومهم وعدم أكلهم من المحرمات والشبهات. قال الكيدري:: أي ساترة خفية من الضمير. ويروى بالزاي: أي مشدودة بالسكوت. " وقلوبهم قرحة ": لكثرة المنكرات مع عدم تمكنهم من إنكارها، أو لخوفهم من الله أو من الناس. و " القرض ": ورق السلم يدبغ به. وحثالته: ما يسقط منه. و " الحلم ": المقص يجز به أوبار الإبل. وقراضته: ما يسقط من قرضه وقطعه. [قوله عليه السلام:] " وارفضوها ذميمة ": أي اتركوا ما حاله الحقارة. والذمامة. والشغف: الحب الشديد.

bihar-14847

نهج: من خطبة له عليه السلام: إن الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، ولا يغدر من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم الله! قد يرى الحول القلب وجه الحيلة، ودونه مانع من أمر الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين.

bihar-14848

رواه السيد الرضي قدس الله روحه في المختار: (٤١) من كتاب نهج البلاغة. وقد يقال: الوفاء في الإنشاء [خاصة] والصدق في الأخبار، ولا يجتمعان. ويرده صادق الوعد وإن كان مجازا، والمراد تلازمهما غالبا مع تشاركهما في الفضل، وترتب الآثار الحسنة. و " المرجع ": مصدر، أي الرجوع إلى الله. أو اسم مكان. والكيس: الفطنة والذكاء. والضمير في " فيه " راجع إلى الزمان أو الغدر. و " الحول القلب ": هو الذي كثر تحوله وتقلبه في الأمور وجربها وعرف وجوهها. والوجه: الجهة. والضمير في [قوله:] " دونه " يعود إليه: في قبل الوصول إليه. أو إلى " الحول ": أي امامه. وفي بعض النسخ: " دونها " فيعود إلى الحيلة. " رأي عين ": أي رؤية معاينة فهو منصوب على المصدر من [قوله:] " يدع " بتقدير موصوف: أي يتركها تركا معاينا غير ناش عن غفلة، أو [منصوب] على الحالية: أي حال كونها مرئية له. وجوز بعضهم في قوله تعالى: " يرونهم مثليهم رأي العين " [١٣ / آل عمران ٣] أن يكون ظرف مكان. والحريجة: التحرج، وهو التحرز من الحرج والإثم. وقيل: الحريجة: التقوى.

bihar-14849

نهج: من كلام له عليه السلام في ذم أهل العراق: أما بعد يا أهل العراق، فإنما أنتم كالمرأة الحامل، حملت فلما أتمت أملصت ومات قيمها، وطال تأيمها وورثها أبعدها. أما والله ما أتيتكم اختيارا، ولكن جئت إليكم سوقا. ولقد بلغني أنكم تقولون: " علي يكذب "، قاتلكم الله فعلى من أكذب أعلى الله! فأنا أول من

bihar-14850

رواه الشريف الرضي الله تعالى عنه في المختار: (٦٩) من كتاب نهج البلاغة. آمن به! أم على نبيه فأنا أول من صدقه! كلا والله، ولكنها لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها، ويل أمه كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء! ولتعلمن نبأه بعد حين. " أملصت " ألقت ولدها ميتا. والمملاص: معتادته. وقيم المرأة: زوجها چ لأنه يقوم بأمرها. وتأيم المرأة خلوها من الزوج. و [قوله عليه السلام:

Show clickable narrator chain

] " [وورثها] أبعدها ": أي من لم يكن له قرابة الولد ونحوه. والتشبيه بالمرأة الموصوفة چ لأنهم تحملوا مشاق الحرب، فلما قرب الظفر رضوا بالتحكيم وحرموا الظفر، وصار بعضهم خوارج وبعضهم شكاكا. والمراد بالسوق: الاضطراري، كأن القضاء ساقه عليه السلام إليهم، فإنه خرج لقتال أهل الجمل، واحتاج إلى الاستنصار بأهل الكوفة، واتصلت تلك الفتن بفتنة أهل الشام، فاضطر إلى المقام بينهم. وفي بعض النسخ: " ولا جئتكم شوقا ". و " قاتلكم الله ": أي قتلكم الله أو لعنكم الله. " وكلا " للردع والإنكار. أو بمعنى حقا. واللهجة: اللسان، ويتجوز بها عن الكلام. والمراد إما لهجته عليه السلام ": أي [إن] ما أخبركم به أمور غابت عقولكم الضعيفة عن إدراكها ولستم أهلا لفهمها. أو لهجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي سمعت كلامه صلى الله عليه وآله، ولم تسمعوه ولو سمعتموه لم تكونوا من أهله. والويل: حلول الشر [أ] وكلمة عذاب، أو واد في جهنم. وإضافته إلى الأم، دعاء عليها بأن تصاب بأولادها، من قبيل " ثكلته أمه ". والضمير [في " أمه "] راجع إلى المكذب. وقيل: [الضمير راجع] إلى ما دل عليه الكلام من العلم الذي خصه به الرسول صلى الله عليه وآله. ويقال: هذه الكلمة قد تطلق للتعجب والاستعظام، يقال: ويل أمه فارسا، ومرادهم التعظيم والمدح. و " كيلا ": انتصب لأنه مصدر في موضع الحال أو تمييز: أي أنا أكيل لكم العلم والحكمة كيلا، ولا أطلب لذلك ثمنا لو وجدت حاملا للعلم. وقيل: الكلمة تستعمل للترحم والتعجب، والضمير راجع إلى الجاهل المكذب، فالمفاد الترحم عليهم لجهلهم، أو التعجب من قوة جهلهم، أو من كثرة كيله للحكم عليهم مع إعراضهم عنها. وقال [ابن الأثير في مادة " ويل " من كتاب] النهاية: قد يرد الويل بمعنى التعجب. ومنه الحديث: " ويل أمه مسعر حرب " تعجبا من شجاعته وجرأته وإقدامه، ومنه حديث علي عليه السلام: " ويلمه كيلا بغير ثمن لو أن له وعاء ": أي يكيل العلوم الجمة بلا عوض، إلا أنه لا يصادف واعيا. وقيل: " وي ": كلمة مفردة. [" ولأمه " أيضا كلمة مفردة] وهي كلمة تفجع وتعجب، وحذفت الهمزة من " أمه " تخفيفا، وألقيت حركتها على اللام، وينصب ما بعدها على التمييز. انتهى. والحين - بالكسر -: الدهر أو وقت مبهم يصلح لجميع الأزمان طال أو قصر، والمعنى لتعلمن ثمرة تكذبكم وإعراضكم عما أبين لكم، وأني صادق فيما أقول.

bihar-14851

نهج: من خطبة له عليه السلام: أما بعد، فإن الله سبحانه لم يقصم جباري دهر قط، إلا بعد تمهيل

bihar-14852

رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (٨٦) من كتاب نهج البلاغة. ورخاء. ولم يجبر عظم أحد من الأمم، إلا بعد أزل وبلاء. وفي دون ما استقبلتم من خطب [عتب " خ "] واستدبرتم من خطب [خصب " خ "] معتبر، وما كل ذي قلب بلبيب، ولا كل ذي سمع بسميع، ولا كل ذي ناظر ببصير. فيا عجبا! وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي، ولا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب يعملون في الشبهات ويسيرون في الشهوات، المعروف فيهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، وتعويلهم في المبهمات على آرائهم، كأن كل امرئ منهم إمام نفسه، قد أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات. القصم: الكسر. والتمهيل: التأخير وكذلك الإرجاء والرخاء: سعة العيش. والجبر: إصلاح الكسر [وهو هنا] كناية عن دفع الجبارين والظالمين. [قوله:] " وفي دون ": أي [في] أقل من ذلك. والأزل - بالفتح -: الضيق والشدة. [قوله:] " ما استقبلتم من خطب ": أي شأن وأمر وداهية. وروي " من عتب ": أي مشقة. قيل: يعني ما لاقوه في مستقبل زمانهم من الشيب وولاة السوء وتنكر الوقت. " وما استدبرتم من خطب ": يعني ما تقدم من الحروب والوقائع التي قضوها. ويروى من " خصب " وهو رخاء العيش. فيمكن أن يراد بالأمور المستقبلة والمستدبرة جميعا المواضي بإعتبارين. قوله عليه السلام: " لا يعفون " في النسخ بالتشديد: من العفة، فالمراد بالعيب عيوب أنفسهم، وفي بعضها بالتخفيف فالمراد عيوب غيرهم. [قوله عليه السلام: " يعملون "] في الشبهات ": [لفظة] " في " بمعنى الباء، أو فيه توسع. قوله عليه السلام " [المعروف فيهم] ما عرفوا ": أي بعقولهم وأهوائهم. [وقوله عليه السلام:] " قد أخذ منها ": الضمير راجع إلى النفس أو إلى المبهمات والمعضلات.

الهوامش1

[١]وفي بعض النسخ: ثقات.ص 106

bihar-14853

نهج: من خطبة له عليه السلام في خطاب أصحابه: وقد بلغتم من كرامة الله منزلة، تكرم بها إماؤكم، وتوصل بها جيرانكم، ويفضلكم من لا فضل لكم عليه ولا يدلكم عنده، ويهابكم من لا يخاف لكم سطوة ولا لكم عليه إمرة، وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون، وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون. وكانت أمور الله عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع، فمكنتم الظلمة من منزلتكم وألقيتم إليهم أزمتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم، يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات. وأيم الله لو فرقوكم تحت كل كوكب، لجمعكم الله لشر يوم لهم.

bihar-14854

رواه الشريف الرضي رحمه الله في ذيل المختار: (١٠٥) من نهج البلاغة. قوله عليه السلام:

Show clickable narrator chain

" من لا يخاف لكم سطوة ": كالملوك في أقاصي البلاد، لما شاع وذاع من أنهم قوم صالحون، إذا دعوا الله استجاب لهم، وينصرهم بملائكته كما قيل. قوله عليه السلام: و " أنتم " الواو للحال. والذمة: العهد والأمان والضمان والحرمة والحق. وأنف - كفرح -: استنكف. والغرض توبيخهم على تركهم إنكار المنكرات. والمراد بنقض العهود ما ظهر من الناكثين والقاسطين والمارقين وغيرهم من نقض البيعة وقتل المسلمين والإغارة عليهم، ولا ريب أن السكوت عن إنكار تلك المنكرات مع الاستنكاف عن نقض ذمم الآباء، يدل على أن عهود الله أضعف عندهم من عهود آبائهم، وهو في حد الكفر. [قوله عليه السلام:] " وكانت أمور الله عليكم ترد ": أي وأنتم المخاطبون بالأوامر والنواهي، أو كنتم قبل ذلك في أيام الرسول صلى الله عليه وآله، موارد أمور الله ومصادرها، مطيعين له منكرين للمنكرات. وكأن المراد بالورود، السؤال. وبالصدور، الجواب، وبالرجوع، التحاكم. ويمكن تعميم الورود والصدور، فالمراد بالرجوع. رجوع النفع والضر في الدارين. وقيل: أي كانت أمور الله عليكم ترد: أي بتعليمي لكم، وعنكم تصدر إلى من تعلمونه إياها، ثم إليكم ترجع بأن يتعلمها بنوكم وإخوتكم منهم. [قوله عليه السلام:] " لشر يوم ": أي يوم ظهور المسودة، أو خروج المهدي عليه السلام. والجمع: في الرجعة، أو المراد جمع صنفهم.

bihar-14855

نهج: [و] من خطبة له عليه السلام:

bihar-14856

رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار: (١٩٥) من كتاب نهج البلاغة. ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، أني لم أرد على الله سبحانه ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته [آسيته " خ "] في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر الأقدام، نجدة أكرمني الله بها. ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري، وقد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي. ولقد وليت غسله صلى الله عليه وآله والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم، يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه. فمن ذا أحق به مني حيا وميتا، فانفذوا على بصائركم، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم، فوالذي لا إله إلا هو، إني لعلى جادة الحق، وإنهم لعلى مزلة الباطل. أقول ما تسمعون وأستغفر الله [العظيم " خ "] لي ولكم. استحفظته الشئ أودعته عنده وسألته أن يحفظه. و " المستحفظون " - على بناء المفعول -: المطلعون على أسرار الرسول صلى الله عليه وآله وسيرته، الصادقون في الشهادة الذي لم يغيروا ولم يبدلوا للأغراض الدنيوية. وقال ابن أبي الحديد: الظاهر أنه عليه السلام يومئ في قوله: " لم أرد على الله... " إلى أمور وقعت عن غيره. ثم ذكر أمورا كثيرة من مخالفات عمر ومعارضاته لرسول الله صلى الله عليه وآله. و [أيضا] قال [ابن أبي الحديد] في [شرح] قوله عليه السلام: " ولقد آسيته بنفسي ": يقال: واسيته، بالهمزة أفصح. وهذا مما اختص عليه السلام بفضيلته غير مدافع، ثبت معه يوم أحد. وفر الناس، وثبت معه يوم حنين وفر الناس، وثبت يوم خيبر حتى فتحها وفر من كان بعث بها قبله. انتهى. وقال الجوهري: نكص ينكص [من باب ضرب] وينكص [من باب نصر] رجع. و " نجدة ": منصوب على المصدر لفعل محذوف وهي الشجاعة. [قوله عليه السلام:] " وإن رأسه لعلى صدري ": قيل: لعله أسنده إلى صدره عند اشتداد علته، أو كان رأسه صلى الله عليه وآله على ركبته، فيكون رأسه في صدره عند إكبابه عليه. وقد يقال: المراد بسيلان النفس، هبوب النفس عند انقطاع الأنفاس. وقيل: أراد بنفسه دمه. يقال: إن رسول الله قاء عند وفاته دما يسيرا، وأن عليا مسح بذلك وجهه. ولا ينافي ذلك نجاسة الدم، لجواز أن يخصص دم الرسول صلى الله عليه وآله. والضجيج: الصياح عند المكروه والجزع. والهيمنة: الكلام الخفي لا يفهم. والصلاة: تحتمل الحقيقة والدعاء. وانتصاب قوله: " حيا وميتا " بالحالية عن الضمير المجرور في [قوله:] " به "، لا عن الضمير في " مني " كما لا يخفى. قوله عليه السلام: " فانفذوا ": أي أسرعوا إلى الجهاد على بصيرة منكم. والمزلة الموضع الذي يزل فيه الإنسان كالمزلقة.

bihar-14857

نهج: [و] من له كلام عليه عليه السلام: أيها [أيتها " خ "] النفوس المختلفة، والقلوب المتشتتة الشاهدة أبدانهم، والغائبة عنهم عقولهم، أظأركم على الحق وأنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد، هيهات! أن أطلع بكم سرار العدل، أو أقيم اعوجاج الحق.

bihar-14858

رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٢٩) من كلام أمير المؤمنين عليه السلام

Show clickable narrator chain

في نهج البلاغة. اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شئ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك. اللهم إني أول من أناب، وسمع وأجاب، لم يسبقني بالصلاة إلا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة. " الغائبة عنهم عقولهم ": غيبة العقول عن أربابها، أبلغ في الدلالة من غيبتها عمن اعتبر الشهود بالنسبة إليه. " أظأركم ": أي أعطفكم. يقال: ظأرت الناقة إذا عطفت على ولد غيرها. وقال الجوهري: المعز من الغنم: خلاف الضأن، وهو اسم جنس، وكذلك المعزى. والوعوعة: الصوت. قوله عليه السلام: " هيهات ": قال ابن أبي الحديد: يفسره الناس بمعنى هيهات أن أطلعكم مضيئين ومنورين سرار العدل! والسرار آخر ليلة من الشهر، وتكون مظلمة، ويمكن أن يفسر بوجه آخر، وهو أن يكون السرار بمعنى السرور وهو خطوط مضيئة في الجبهة وهو نص أهل اللغة على أنه يجوز فيه السرار . قالوا: ويجمع السرار على أسرة. ويقولون: برقت أسرة وجهه، فالمعنى: هيهات أن تلمع بكم لوامع العدل ويبرق وجهه! ويمكن أن ينصب " سرار " على الظرفية، ويكون التقدير: هيهات أن أطلع بكم الحق زمان استسراره واستخفائه، فيكون قد حذف المفعول وحذفه كثير. وقال الكيدري: سرار الشهر وسرره: آخر ليلة منه. والسرار: المسارة من السر. وجمع سرر: الكتف والجبهة: و " سرار العدل ": أي في سرار [العدل] فحذف حرف الجر ووصل الفعل. وقيل: أي هيهات أن أظهر بمعونتكم ما خفي واستسر من أقمار العدل وأنواره! انتهى. [أقول:] ولعل المراد ب‌ " الذي كان ": [هو] الرغبة في الخلافة أو الحروب أو الجميع. و " لم يكن ": ناقصة، و " كان " تامة. والمنافسة: المغالبة في الشئ. و " الحطام ": ما تكسر من اليبس، وهو كناية عن متاع الدنيا. والمراد بفضوله: زخارفها وزينتها وما لا يحتاج إليه منها. ومعالم الدين: الآثار التي يهتدى بها. والإنابة: الرجوع. قوله عليه السلام: " نهمته ": أي حرصه وجشعه على أموال رعيته. ومن رواه " نهمة " - بالتحريك - فهي إفراط الشهوة في الطعام. والجفاء: خلاف البر والصلة، ورجل جافي الخلقة والخلق: أي منقبض غليظ. [قوله عليه السلام:] " فيقطعهم ": أي عن الوصول إليه أو عن حاجاتهم أو بعضهم عن بعض لتفرقهم. والأول أظهر وإن لم يكن يذكره أحد. قوله عليه السلام: " ولا الحائف " بالحاء المهملة: من الحيف وهو الظلم والجور. والدول بضم الدال المهملة: جمع الدولة - بالضم - وهي اسم المال المتداول، قال الله تعالى: (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم) [٧٦ / الحشر: ٥٩]: أي إذا لم يقسم الإمام بالسوية، ويخص بالمال بعضهم دون بعض، فيتخذ قوما دون قوم فيفرق المسلمين. وروي " الخائف " بالمعجمة. والدول - بكسر الدال جمع دولة - بالفتح - وهي الغلبة: أي من يخاف دول الأيام وتقلب الدهور، فيتخذ قوما يتوقع نفعهم في دنياه، ويقويهم ويضعف آخرين. قوله عليه السلام: " دون المقاطع ": أي يقف عند مقطع الحكم فلا يقطعه، بأن يحكم بالحق بل يحكم بالباطل، أو يسوف الحكم حتى يضطر المحق ويرضى بالصلح، فيذهب بعض حقه. ويحتمل أن يكون " دون " بمعنى غير ": أي يقف في غير مقطعه. وقال ابن أبي الحديد: فإن قلت: أفتراه عنى بهذا قوما بأعيانهم؟ قلت: الإمامية تزعم أنه رمز بالجفاء والعصبية لقوم دون قوم إلى عمر. ورمز بالجهل إلى من كان قبله، ورمز بتعطيل السنة إلى عثمان ومعاوية. انتهى. والأظهر أن المراد بالبخيل [هو] عثمان، لما هو المعلوم من أكله أموال المسلمين، ولما مر منه عليه السلام في [الخطبة] الشقشقية. و [المراد] ب‌ " الجاهل " جميعهم. وب‌ " الجافي " عمر كما مر [أيضا] في [الخطبة] الشقشقية. وب‌ " الحائف للدول " عمر وعثمان كما هو المعلوم من سيرتهما. وب‌ " المعطل للسنة " أيضا جميعهم.

الهوامش1

[١]كذا في أصلي، وفي شرح ابن أبي الحديد: وقد نص أهل اللغة على أنه يجوز فيها سرر وسرار قالوا: ويجمع سرار على أسره مثل حمار وأحمرة...)ص 111

bihar-14859

نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: ليتأس صغيركم بكبيركم، وليرؤف كبيركم بصغيركم، ولا تكونوا كجفاة الجاهلية، لا في الدين يتفقهون، ولا عن الله يعقلون، كقيض بيض في أداح

bihar-14860

رواه السيد الرضي في المختار: (١٦٤) من نهج البلاغة. يكون كسره وزرا، ويخرج حضانها شرا.. [و] منها: افترقوا بعد ألفتهم، وتشتتوا عن أصلهم، فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه، على

Show clickable narrator chain

أن الله تعالى سيجمعهم لشر يوم لبني أمية، كما تجتمع قزع الخريف، يؤلف الله بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب، ثم يفتح الله لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين، حيث لم تسلم عليه قارة، ولم تثبت له أكمة، ولم يرد سننه رص طود، ولا حداب أرض. يذعذعهم الله في بطون أوديته، ثم يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، ويمكن لقوم في ديارهم قوم. وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين، كما تذوب الألية على النار. أيها الناس! لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يطمع فيكم من ليس مثلكم، ولم يقو من قوي عليكم، لكنكم تهتم متاه بني إسرائيل. ولعمري ليضعفن لكم التيه من بعدي أضعافا، بما خلفتم الحق وراء ظهوركم، وقطعتم الأدنى ووصلتم الأبعد. واعلموا أنكم إن اتبعتم الداعي لكم، سلك بكم منهاج الرسول، وكفيتم مؤنة الاعتساف، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق. [لزوم] تأسي الصغير بالكبير، لأنه أكثر تجربة وأحزم. وقال الكيدري: أي ليتأس من صغر منزلته في العلم والعمل بمن له متانة فيهما، وليرحم كل من له جاه ومنزلة في الدنيا بالمال والقوة كل من دونه. و " القيض " بالفتح قشرة البيض العليا اليابسة. وقيل: التي خرج ما فيها من فرخ أو ماء. وفي بعض النسخ: " كبيض هيض ": أي كسر. والأداحي: جمع الأدحي بالضم، وقد يكسر وهو الموضع الذي تبيض فيه النعامة وتفرخ، وهو أفعول من دحوت، لأنها تدحوه برجلها: أي تبسطه، ثم تبيض فيه وليس للنعام عش. وقال ابن أبي الحديد: وجه الشبه، أنه إن كسرها كاسر أثم، لأنه يظن بيض القطاة، وإن لم يكسر، يخرج حضانها شرا، إذ يخرج أفعى قاتلا. واستعار لفظ الأداحي للأعشاش مجازا، لأن الأداحي لا يكون إلا للنعام. وقال ابن ميثم: نهاهم أن يشبهوا جفاة الجاهلية في عدم تفقههم في الدين، فيشبهون إذا بيض الأفاعي في أعشاشها. ووجه الشبه أنه إن كسره كاسر أثم، لتأذي الحيوان به، فكذلك هؤلاء إذا أشبهوا جفاة الجاهلية، لا يحل أذاهم لحرمة الإسلام، وإن أهملوا وتركوا على الجهل، خرجوا شياطين. والحضان بالكسر: مصدر، حضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه، وهو مرفوع بالفاعلية. قوله عليه السلام: " افترقوا... " يذكر حال أصحابه وشيعته. وقال ابن أبي الحديد: الأخذ بالغصن من تمسك بعده عليه السلام بذرية الرسول صلى الله عليه وآله، وتقدير الكلام: ومنهم من لا يكون كذلك. ثم ذكر عليه السلام أن الفريقين يجتمعان لشر يوم. و " القزع " جمع قزعة وهي سحب صغار تجتمع فتصير ركاما، والركام: ما كثف من السحاب. و " مستثارهم " موضع ثورانهم وهيجانهم. والجنتان هما اللتان ذكرهما الله في القرآن في قصة أهل سبأ. والقارة: الجبل الصغير. والأكمة: الموضع يكون أشد ارتفاعا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا. و " سننه ": طريقه. وطود مرصوص: أي جبل شديد التصاق الأجزاء بعضها ببعض. والحداب: جمع حدبة وهي الروابي والنجاد. والذعذعة: التفريق ولعلها كناية عن اختفائهم بين الناس، ثم إظهارهم بالإعانة والتأييد. والمراد بالقوم ثانيا آل الرسول صلى الله عليه وآله، وهو إشارة إلى ظهور بني عباس وانقراض بني أمية. وقوله عليه السلام: " وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم ": يحتمل أن يكون إشارة إلى ذهاب ملك بني أمية أو بني العباس. وتاه في الأرض: ذهب متحيرا، والمتاه مصدر. والمراد بالأدنى نفسه عليه السلام، وبالأبعد من تقدم عليه. و [المراد ب‌] الداعي هو عليه السلام أو القائم عليه السلام. والاعتساف: سلوك غير الطريق. وفدحه الدين: أثقله. والمراد بالثقل الفادح الاثم والعذاب في الآخرة أو الأعم.

bihar-14861

نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: أما بعد أيها الناس! فأنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها واشتد كلبها. فاسألوني قبل أن تفقدوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألونني عن شئ فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة، إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من أهلها قتلا ومن يموت منهم موتا! ولو قد فقدتموني ونزلت [بكم " خ "] كرائه الأمور وحوازب الخطوب، لأطرق كثير من السائلين، وفشل كثير من المسؤولين، وذلك إذا قلصت حربكم، وشمرت عن ساق، وضاقت [و كانت " خ "] الدنيا عليكم ضيقا تستطيلون معه أيام البلاء عليكم، حتى يفتح الله لبقية الأبرار منكم .

الهوامش2

[١]وفي وسط السطر من أصلي نقلا عن بعض النسخ: ولا تسألوني...ص 116

[٢]وفي وسط الأسطر من أصلي نقلا عن نسخة من نهج البلاغة: وكانت الدنيا عليكمص 116

bihar-14862

رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (٩٢) من كتاب نهج البلاغة. ألا إن الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات، يحمن حوم الرياح يصبن بلدا ويخطئن بلدا. ألا [و] إن أخوف الفتن عندي عليكم، فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة، عمت خطتها، وخصت بليتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من عمي عنها. وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي، كالناب الضروس، تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع درها. لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم، أو غير ضائر بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية، وقطعا جاهلية، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة، ولسنا فيها بدعاة. ثم يفرجها الله عنكم كتفريج الأديم، بمن يسومهم خسفا، ويسوقهم عنفا، ويسقيهم بكأس مصبرة لا يعطيهم إلا السيف، ولا يحلسهم إلا الخوف، فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لو يروني [يرونني " خ "] مقاما واحدا، ولو قدر جزر جزور، لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني. قال ابن أبي الحديد: هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة، وهي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها علي عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمه الله. ثم ذكر بعض الألفاظ المتروكة منها: قوله عليه السلام: " ولم يكن ليجترئ عليها غيري، ولو لم أك فيكم ما قوتل أهل الجمل والنهروان. وأيم الله لولا أن تتكلوا فتدعوا العمل، لحدثتكم بما قضى الله عز وجل على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله، لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم، عارفا للهدى الذي نحن عليه. سلوني قبل أن تفقدوني، فإني ميت عن قريب أو مقتول، بل قتلا. ما ينتظر أشقاها أن يخضب هده بدم هذه! وضرب [عليه السلام] بيده على لحيته. ومنها في ذكر بني أمية: يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى يملأ الأرض عدوانا وظلما وبدعا، إلى أن يضع الله عز وجل جبروتها، ويكسر عمدها، وينزع أوتادها. ألا وإنكم مدركوها، فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين تؤجروا، ولا تمالئوا عليهم عدوهم، فيصير عليهم البلية ويحل بكم النقمة. ومنها: إلا مثل انتصار العبد من مولاه، إذا رآه أطاعه، وإذا توارى عنه شتمه. وأيم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم. ومنها: فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجن الله [الفتنة] برجل منا أهل البيت. بأبي ابن خيرة الإماء، لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا، موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر، حتى تقول قريش : لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا. يغريه الله ببني أمية، حتى يجعلهم حطاما ورفاتا " ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا " . ثم قال [ابن أبي الحديد:] فإن قيل: فمن هذا الرجل الموعود به! قيل: أما الإمامية فيزعمون أنه إمامهم الثاني عشر، وأنه ابن أمة اسمها نرجس. وأما أصحابنا، فيزعمون أنه فاطمي يولد في مستقبل الزمان، لأم ولد وليس بموجود الآن. فإن قيل: فمن يكون من بني أمية في ذلك الوقت موجودا حتى ينتقم منهم؟ قيل: أما الإمامية فتقول بالرجعة، ويزعمون أنه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أمية وغيرهم، إذا ظهر إمامهم المنتظر، وأنه يقطع أيدي أقوام وأرجلهم، ويسمل عيون بعضهم ويصلب قوما آخرين، وينتقم من أعداء آل محمد عليهم السلام المتقدمين [منهم] والمتأخرين. وأما أصحابنا فيزعمون أنه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلا من ولد فاطمة عليها السلام يستولي على السفياني وأشياعه من بني أمية . ثم قال: فإن قيل: لماذا خص أهل الجمل وأهل النهروان بالذكر، ولم يذكر [أهل] صفين؟ قيل: لأن الشبهة كانت في أهل الجمل وأهل النهروان ظاهرة الالتباس، أما أهل الجمل [ف‌] لحسن ظنهم بطلحة والزبير، وكون عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وآله معهم. وأما أهل النهروان، فكانوا أهل قرآن وعبادة واجتهاد، وعزوف عن الدنيا، وهم كانوا قراء العراق وزهادها. وأما معاوية، فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الإسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره، عمرو بن العاص ومن اتبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الأعراب، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز قتالهم ومحاربتهم. انتهى. قوله عليه السلام: " فأنا فقأت " يقال: فقأت العين: أي شققتها أو قلعتها بشحمها، أو أدخلت الإصبع فيها. وفقأ عين الفتنة: كسر ثورانها. وحذف المضاف - أي عين أهلها - بعيد. وعدم اجتراء غيره عليه السلام على إطفاء تلك الفتنة، لأن الناس كانوا يهابون قتال أهل القبلة، ويقولون: كيف نقاتل من يؤذن كأذاننا ويصلي بصلاتنا؟ والغيهيب: الظلمة وتموجها وعمومها وشمولها، تشبيها لها بالبحر. والكلب - بالتحريك -: داء يعرض الإنسان من عض الكلب، والعطش. والمراد شرها وأذاها. والفئة: الطائفة والجماعة [و] لا واحد لها من لفظها. وناعقها: الداعي لها، أو إليها. والمناخ - بضم الميم - موضع الإناخة. والركاب: الإبل التي يسار عليها. والواحدة: راحلة والرحل - بالفتح -: كل شئ يعد للرحيل. وحططت الرحل: أنزلته عن الإبل. والمحط: اسم مكان. وقيل: هو والمناخ مصدران. والكريهة: النازلة: وكرائه الأمور: المصائب التي تكرهها النفوس. والحوازب: جمع حازب. وهو الأمر الشديد، وحزبه أمر: اشتد عليه ودهمه. والخطب - بالفتح -: الشأن والحال والأمر الذي تقع فيه المخاطبة. والإطراق: السكوت، وإطراق السائل لصعوبة الأمر وشدته [عليه] حتى أنه يبهته عن السؤال ويتحير كيف يسأل. والفشل: الجبن والضعف. قوله عليه السلام: " وذلك ": أي النزول والإطراق والفشل. و " قلصت " بالتشديد: أي اجتمعت وانضمت.. والحرب إذا كانت في موضع واحد يكون أشد وأصعب ويكون التشديد للمبالغة. وهي بالتخفيف بمعنى ارتفعت فالمراد شدتها وكثرتها. ويقال: [هي] بالتشديد بمعنى استمرت في المضي. ويقال: قلص قميصه فقلص تقليصا: أي شمر. لازم [و] متعد. وفي بعض النسخ: " قلصت حربكم عن ساق " بدون كلمة " شمرت ". ويروى " إذا قلصت عن حربكم " بالتخفيف: أي إذا انكشفت كرائه الأمور وحوازب الخطوب عن حربكم. و " شمرت عن ساق ": أي كشفت عن شدة ومشقة كما قيل في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) [٤٢ / القلم: ٦٨]. وقيل: كشف الساق مثل في اشتداد الأمر وصعوبة الخطب. وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب. وقيل: يكشف عن ساق: أي عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانا. ويحتمل أن يكون الغرض تشبيه الحرب بالمجد في أمر، فإن الإنسان إذا جد في السعي شمر عن ساقه ورفع ثوبه لئلا يمنعه. واستطالة الأيام: عدها طويلة. ويوم البؤس والشدة يطول على الإنسان. ولعل المراد ببقية الأبرار، أولادهم وإن لم يكونوا أبرارا في أنفسهم، إن كان [الكلام] إشارة إلى دولة بني العباس. والأظهر أنه [عليه السلام] أراد القائم عليه السلام. قوله عليه السلام: " شبهت " على المعلوم: أي جعلت نفسها أو الأمور الباطلة شبيهة بالحق. أو على [بناء] المجهول أي أشكل أمرها والتبس على الناس. قوله عليه السلام " نبهت ": أي أيقظت القوم من النوم، وأظهرت بطلانها عليهم. " ينكرن ": أي لا يعرف حالهن. وحام الطائر حول الماء: إذا طاف ودار لينزل عليه. و [قوله عليه السلام] " حوم الرياح " أي كحومها. والخطة - بالضم -: شبه القصة والأمر والخطب. وعموم خطة تلك البلية لكونها رئاسة عامة وسلطنة شاملة. وخصوص البلية لكون حظ أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم منها أوفر. وإصابة البلاء من أبصر فيها، لحزن المبصر من مشاهدة أفعالهم الشنيعة، وقصدهم إياه بأنواع الأذى بخلاف الجاهل المنقاد لهم. ويطلق الرب على المالك والسيد والمدبر والمربي والمنعم. والباب: الناقة المسنة. والضروس: السيئة الخلق تعض حالبها. وعذم الفرس - كضرب - إذا أكل بجفاء أو عض. وخبط البعير إذا ضرب بيده الأرض شديدا. والزبن: الدفع. وزبنت الناقة إذا ضربت بثفنات رجلها عند الحلب. والدر: اللبن. ويقال لكل خير على التوسع. قوله عليه السلام: " لا يزالون بكم ": أي لا يزالون يؤذونكم بأنواع الأذى حتى لا يبقى منكم إلا من ينفعهم في مقاصدهم، أو لا يضرهم بإنكار المنكرات عليهم. والضائر: المضر. والانتصار: الانتقام. والصاحب: التابع. والمستصحب: المتبوع. والغرض إما نفي إمكان الانتصار، أو إثبات انتصار الأذلاء والمقهورين، كالغيبة والذم مع الأمن من الوصول إلى المغتاب. والشوهاء: القبيحة. والمخشية: المخوفة. والجاهلية: الحالة التي كانت العرب عليها قبل الإسلام. والمنجاة: موضع النجاة. والغرض خلاصهم من لحوق الآثام والمتابعة في الدعوة إلى الباطل، لا الخلاص من الأذية. والأديم الجلد. ووجه الشبه انكشاف الجلد عما تحته من اللحم. ويحتمل أن يكون المراد بالأديم، الجلد الذي يلف الإنسان فيه للتعذيب، لأنه يضغطه شديدا إذا جف وفي تفريجه راحة. ويسومهم: أي يكلفهم ويلزمهم. والخسف: النقصان والذل والهوان. والمصبرة: الممزوجة بالصبر المر. وقيل: أي المملوءة إلى أصبارها، أي جوانبها. والحلس - بالكسر -: كساء رقيق يكسى على ظهر البعير تحت البرذعة. وأحلس البعير: ألبسه الحلس. ويحتمل أن يكون من الحلس الذي يبسط تحت حر الثياب، إشعارا بأنهم في بيوتهم أيضا خائفون. وهو إشارة إلى ظهور دولة بني العباس. والجزور: الناقة التي تجزر. قوله عليه السلام: " ما أطلب اليوم بعضه ": أي الطاعة والانقياد، أي يتمنون أن يروني فيطيعوني إطاعة كاملة، وقد رضيت منهم اليوم بأن يطيعوني إطاعة ناقصة فلم يقبلوا. وقد روي في [كتب] السير: أن مروان بن محمد وهو آخر ملوك بني أمية، قال يوم الزاب - لما شاهد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان -: لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى. ويحتمل أن يكون التمني عند قيام القائم عليه السلام.

الهوامش4

[١]كذا في أصلي المطبوع وفي شرح ابن أبي الحديد: ج ٢ ص ٦١٤ ط بيروت، فتصرعكم البلية وتحل بكم النقمة.ص 118

[٢]هذا هو الصواب المذكور في شرح ابن أبي الحديد: وفي أصلي: موضوعا على عاتقه يمانية حتى تقول قريش....ص 118

[٣]ما بين القوسين المزدوجين مقتبس من الآية: (٦١) من سورة الأحزاب: ٣٣.ص 118

[١]هذا محصل ما أفاده ابن أبي الحديد وليس نص كلامه.ص 119

bihar-14863

نهج: [و] من كلام له عليه السلام: فلا أموال بذلتموها للذي رزقها، ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها، تكرمون بالله على عباده ولا تكرمون الله في عباده، فاعتبروا بنزولكم منازل

bihar-14864

رواه السيد الرضي قدس الله روحه في المختار: (١١٥) من كتاب نهج البلاغة. من كان قبلكم، وانقطاعكم عن أوصل إخوانكم. انتصاب [قوله:] " أموال " بفعل مقدر دل عليه " بذلتموها " وكذلك " أنفس ". وخاطر فلان بنفسه وبماله: أي ألقاهما في الهلكة. " تكرمون بالله ": أي يعزكم الناس بأنكم أهل طاعة الله. " ولا تكرمون الله ": أي لا تطيعونه في الإحسان إلى عباده، أو [في] إجراء أحكامه بينهم.

bihar-14865

نهج: من خطبة له عليه السلام: روي عن نوف البكالي قال:

Show clickable narrator chain

خطبنا [ب‌] هذه الخطبة أمير المؤمنين [عليه السلام] وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مدرعة من صوف، وحمائل سيفه ليف [من ليف " خ "] وفي رجليه نعلان من ليف، وكأن جبينه ثفنة بعير! فقال: الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق وعواقب الأمر، نحمده على عظيم إحسانه، ونير برهانه، ونوامي فضله وامتنانه، حمدا يكون لحقه قضاء، ولشكره أداء، وإلى ثوابه مقربا، ولحسن مزيده موجبا. ونستعين به استعانة راج لفضله مؤمل لنفعه، واثق بدفعه، معترف له بالطول، مذعن له بالعمل والقول. ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا، وأناب إليه مؤمنا، وخنع له مذعنا وأخلص له موحدا، وعظمه ممجدا، ولاذ به راغبا مجتهدا. لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم يتقدمه وقت ولا زمان، ولا يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر للعقول بما

bihar-14866

رواه الشريف الرضي الله تعالى عنه في المختار: (١٨٠) من كتاب نهج البلاغة. أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم. فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد، قائمات بلا سند، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات غير متلكئات ولا مبطئات، ولولا إقرارهن بالربوبية وإذعانهن بالطواعية، لما جعلهن موضعا لعرشه ولا مسكنا لملائكته ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه. جعل نجومها أعلاما يستدل به الحيران في مختلف فجاج الأقطار. لم يمنع ضوء نورها إدلهمام سجف الليل المظلم، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر. فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج، ولا ليل ساج في بقاع الأرضين المتطأطئات، ولا في يفاع السفع المتجاورات، وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء، وانهطال السماء. ويعلم مسقط القطرة ومقرها، ومسحب الذرة ومجرها، وما يكفي البعوضة من قوتها، وما تحمل الأنثى في بطنها. والحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش أو سماء أو أرض أو جان أو إنس. لا يدرك بوهم، ولا يقدر بفهم، ولا يشغله سائل، ولا ينقصه نائل، ولا ينظر بعين، ولا يحد بأين، ولا يوصف بالأزواج، ولا يخلق بعلاج، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، الذي كلم موسى تكليما وأراه من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات، ولا نطق ولا لهوات. بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك! فصف جبرئيل وميكائيل وجنود الملائكة المقربين، في حجرات القدس مرجحنين، متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين. وإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء. فلا إله إلا هو، أضاء بنوره كل ظلام، وأظلم بظلمته كل نور. أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش، وأسبغ عليكم المعاش، ولو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما، أو لدفع الموت سبيلا، لكان ذلك سليمان بن داود الذي سخر له ملك الجن والإنس مع النبوة، وعظيم الزلفة، فلما استوفى طعمته، واستكمل مدته، رمته قسي الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديار منه خالية، والمساكن معطلة وورثها قوم آخرون. وإن لكم في القرون السالفة لعبرة، أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفأوا سنن المرسلين وأحيوا سنن الجبارين؟ أين الذين ساروا بالجيوش وهزموا الألوف وعسكروا العساكر ومدنوا المدائن؟! [و] منها: قد لبس للحكمة جنتها، وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها، والمعرفة بها، والتفرغ لها، وهي عند نفسه ضالته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام، وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الأرض بجرانه بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه. ثم قال عليه السلام: أيها الناس! إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ بها الأنبياء أممهم، وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا، لله أنتم أتتوقعون إماما غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟! ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا، وأقبل منها ما كان مدبرا، وأزمع الترحال عباد الله الأخيار، وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى. ماضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم - وهم بصفين - أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص، ويشربون الرنق، قد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم، وأحلهم دار الأمن بعد خوفهم. أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟ قال [نوف:] ثم ضرب يده إلى لحيته وأطال البكاء، ثم قال عليه السلام: أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه! وتدبروا الفرض فأقاموه! وأحيوا السنة وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوا! ثم نادى بأعلى صوته. الجهاد الجهاد عباد الله! ألا وإني معسكر في يومي هذا، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج [فليبرح " خ "]. قال نوف: وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف، ولقيس بن سعد - رحمه الله - في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاري [في] عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم، لعنه الله، فتراجعت العساكر. فكنا كأغنام فقدت راعيها، تختطفها الذئاب من كل مكان. قد مر شرح صدر الخطبة في كتاب التوحيد، وقال [ابن الأثير] في [كتاب] النهاية: الرياش والريش: ما ظهر من اللباس. وقيل: الرياش: جمع الريش، ويقع الرياش على الخصب والمعاش والمال المستفاد. و " أسبغ ": أي أكمل وأوسع. والمعاش والمعيشة: مكسب الإنسان الذي يعيش به. والسلم كسكر -: ما يرتقى عليه. واستعمل هنا في الوسيلة. وكون النبوة والزلفة - أي القرب والمنزلة - من الوسائل إلى البقاء، لاستجابة الدعاء معهما، فهما مظنتان للتوصل إلى البقاء في الباطن، كما أن السلطنة الكاملة مظنة لأن تكون وسيلة إليه في الظاهر. والطعمة: الرزق المقدر. والقسي: جمع القوس. والنبل: السهام العربية، لا واحد من لفظها. وقال ابن أبي الحديد: نبال الموت أسبابه. والإضافة البيانية للمبالغة بعيدة. والعمالقة: أولاد عمليق أو عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. والفراعنة: ملوك مصر. وقد مضى ذكر أصحاب الرس. وعسكروا [العساكر]: أي جمعوها. ومدنوا المدائن: أي بنوها. قوله عليه السلام: " قد لبس للحكمة جنتها ": إشارة إلى القائم عليه السلام كما ذكره ابن أبي الحديد نقلا عن الإمامية. و " التفرغ لها ": أي عن العلائق والشواغل. قوله عليه السلام: " ضالته ": إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم " الحكمة ضالة المؤمن ". قوله عليه السلام: " فهو مغترب ": أي هذا الشخص يخفي نفسه ويخملها إذا ظهر الفسق والجور واغترب الإسلام باغتراب العدل والصلاح، وهو إشارة إلى غيبة القائم عليه السلام. وقال [ابن الأثير] في [مادة " ذنب " من كتاب] النهاية: في حديث علي عليه السلام: أنه ذكر فتنة فقال: " إذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه "

الهوامش1

[١]وهذا رواه أيضا الهروي في مادة ذنب من كتاب غريب الحديث.ص 128

bihar-14867

ما: جماعة عن محمد بن عمران المرزباني، عن محمد بن موسى عن محمد بن سهل عن هشام عن أبي مخنف عن ابن حصيرة عن أبي صادق عن جندب بن عبد الله الأزدي قال:

Show clickable narrator chain

قام علي بن أبي طالب عليه السلام في الناس، ليستنفرهم إلى أهل الشام، وذلك بعد انقضاء المدة التي كانت بينه وبينهم، وقد شن معاوية على بلاد المسلمين الغارات، فاستنفرهم في الرغبة في الجهاد والرهبة فلم ينفروا، فأضجره ذلك، فقال: يا أيها الناس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهواؤهم! ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم. كلامكم يوهن الصم الصلاب، وتثاقلكم عن طاعتي يطمع فيكم عدوكم [المرتاب]. إذا أمرتكم قلتم: " كيت وكيت وعسى " أعاليل بأباطيل وتسألوني التأخير، دفاع ذي الدين المطول. هيهات هيهات! لا يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجد والصبر. أي دار بعد داركم تمنعون! ومع أي إمام بعدي تقاتلون! المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. أصبحت لا أطمع في نصرتكم، ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم. أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة، يفرق جماعتكم، وتبكي عيونكم، وتمنون عما قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني، وستعرفون ما أقول لكم عما قليل، ولا يبعد الله إلا من ظلم. قال: فكان جندب لا يذكر هذا الحديث إلا بكى، وقال: صدق والله أمير المؤمنين، قد شملنا الذل ورأيناه الأثرة، ولا يبعد الله إلا من ظلم.

الهوامش1

[٩٥٤]رواه الشيخ الطوسي في الحديث ٢٤ من الجزء السابع من أماليه ج ١ ص ١١٣.ص 131

bihar-14868

شاج: روي أنه لما عزم على المسير إلى الشام لقتال معاوية، قال بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله:

Show clickable narrator chain

اتقوا الله عباد الله! وأطيعوه وأطيعوا إمامكم، فإن الرعية الصالحة تنجو بالإمام العادل، ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر. وقد أصبح معاوية غاصبا لما في يديه من حقي، ناكثا لبيعتي، طاعنا في دين الله عز وجل. وقد علمتم أيها المسلمون ما فعل الناس بالأمس، فجئتموني راغبين إلي

الهوامش1

[٩٥٥]رواه الشيخ المفيد أعلى الله مقامه في الفصل: (٣٠) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد ص ١٣٩، ط النجف.ص 132

bihar-14869

شاج: [و] من كلامه عليه السلام يجري مجرى الاحتجاج، مشتملا على التوبيخ لأصحابه على تثاقلهم لقتال معاوية، والتفنيد، متضمنا للوم والوعيد: أيها الناس! إني استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهودا كالغيب. أتلو عليكم الحكمة فتعرضون عنها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها، كأنكم حمر مستنفرة فرت من قسورة وأحثكم على جهاد أهل الجور فما آتي على آخر قولي، حتى أراكم متفرقين أيادي سبا ترجعون إلى مجالسكم تتربعون حلقا، تضربون الأمثال، وتنشدون الأشعار، وتجسسون الأخبار، حتى إذا تفرقتم، تسألون عن الأشعار. جهلة من غير علم، وغفلة من غير ورع، وتتبعا من غير خوف. ونسيتم الحرب والاستعداد لها، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأعاليل والأضاليل. فالعجب كل العجب - وكيف لا أعجب - من اجتماع قوم على باطلهم وتخاذلكم عن حقكم. يا أهل الكوفة! أنتم كأم مجالد، حملت فأملصت، فمات قيمها، وطال أيمها وورثها أبعدها. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إن من ورائكم الأعور الأدبر جهنم الدنيا، لا يبقي ولا يذر. ومن بعده النهاس الفراس، الجموع المنوع، ثم ليتوارثنكم من بني أمية عدة، ما الآخر [منهم] بأرأف بكم من الأول، ما خلا رجلا واحدا [منهم] بلاء قضاه الله على هذه الأمة، لا محالة كائن. يقتلون خياركم، ويستعبدون أرذالكم، ويستخرجون كنوزكم وذخائركم من جوف حجالكم، نقمة بما ضيعتم من أموركم وصلاح أنفسكم ودينكم. يا أهل الكوفة! أخبركم بما يكون قبل أن يكون، لتكونوا منه على حذر، ولتنذروا به من اتعظ واعتبر. كأني بكم تقولون: إن عليا يكذب كما قالت قريش لنبيها وسيدها نبي الرحمة محمد بن عبد الله حبيب الله صلى الله عليه وآله وسلم. فيا ويلكم، فعلى من أكذب! أعلى الله! فأنا أول من عبد الله ووحده، أم على رسول الله صلى الله عليه وآله! فأنا أول من آمن به وصدقه ونصره. كلا ولكنها لهجة خدعة كنتم عنها أغبياء. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لتعلمن نبأها بعد حين، وذلك إذا صيركم إليها جهلكم، ولا ينفعكم عندها علمكم. فقبحا لكم يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال. أما والله أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم! ما أعز الله نصر من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، ولا قرت عين من آواكم. كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب. يا ويحكم،: أي دار بعد داركم تمنعون! ومع: أي إمام بعدي تقاتلون! والمغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. أصبحت لا أطمع في نصركم، ولا أصدق قولكم. فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم، وأعقبكم بي من هو شر لكم مني. إمامكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. والله لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم والله لوددت أني لم أعرفكم، ولم تعرفوني، فإنها معرفة جرت ندما! لقد وريتم صدري غيظا، وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان، حتى لقد قالت قريش: إن عليا رجل شجاع [و] لكن لا علم له بالحروب. لله درهم! هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني وأشد لها مقاساة؟! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ثم ها أنا قد ذرفت على الستين، ولكن لا أمر لمن لا يطاع. أما والله لوددت أن ربي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه، وإن المنية لترصدني، فما يمنع أشقاها أن يخضبها؟ - ونزل [عليه السلام] يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي الأمي صلى الله عليه وآله. وقد خاب من افترى، ونجا من اتقى وصدق بالحسنى. يا أهل الكوفة! قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي، واستصعب عليكم أمري، واتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات، تمسيكم وتصبحكم كما فعل بأهل المثلات من قبلكم، حيث أخبر الله عز وجل عن الجبابرة العتاة الطغاة، والمستضعفين الغواة في قوله تعالى: (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) . أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد حل بكم الذي توعدون. عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم تستقيموا لي ، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا. ولقد علمت أن الذي يصلحكم هو السيف. وما كنت متحريا صلاحكم بفساد نفسي، ولكن سيسلط عليكم سلطان صعب، لا يوقر كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ولا يكرم عالمكم، ولا يقسم الفئ بالسوية بينكم، وليضربنكم وليذلنكم، وليجرنكم في المغازي، ويقطعن سبلكم، وليحجبنكم على بابه حتى يأكل قويكم ضعيفكم، ثم لا يبعد الله الا مم ظلم. ولقل ما أدبر شئ فأقبل، إني لأظنكم على فترة، وما علي الا النصح لكم. يا أهل الكوفة! منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو ألسن، وعمي ذوو أبصار. لا إخوان صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء. اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني. اللهم لا ترض عنهم أميرا، ولا ترضهم عن أمير، وأمث قلوبهم كإيماث الملح في الماء. أما والله لو [كنت] أجد بدا من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت. ولقد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت الحياة، [وأنتم في] كل ذلك ترجعون بالهزء من القول، فرارا من الحق، وإلحادا إلى الباطل الذي لا يعز الله بأهله الدين، وإني لأعلم بكم أنكم لا تزيدونني غير تخسير. كلما أمرتكم بجهاد عدوكم اثاقلتم إلى الأرض، وسألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول. إن قلت لكم في القيظ: سيروا. قلتم: الحر شديد. وإن قلت لكم: سيروا في البرد. قلتم: القر شديد. كل ذلك فرارا عن الحرب إذا كنتم عن الحر والبرد تعجزون، فأنتم عن حرارة السيف أعجز وأعجز. فإنا لله وإنا إليه راجعون. يا أهل الكوفة! قد أتاني الصريح يخبرني أن ابن غامد قد نزل الأنبار على أهلها ليلا في أربعة آلاف، فأغار عليهم كما يغار على الروم والخزر، فقتل بها عاملي ابن حسان، وقتل معه رجالا صالحين ذوي فضل وعبادة ونجدة، بوء الله لهم جنات النعيم، وإنه أباحها. وقد بلغني أن العصبة من أهل الشام، كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فيهتكون سترها، ويأخذون القناع من رأسها، والخرص من أذنها، والأوضاح من يديها ورجليها وعضديها، والخلخال والمئزر عن سوقها، فما تمتنع إلا بالاسترجاع والنداء " يا للمسلمين " فلا يغيثها مغيث ولا ينصرها ناصر، فلو أن مؤمنا مات من دون هذا أسفا، ما كان عندي ملوما بل كان عندي بارا محسنا. واعجبا كل العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم! قد صرتم غرضا يرمى ولا ترمون، وتغزون ولا تغزون، ويعصون الله وترضون، فتربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما اجتمعت من جانب تفرقت من جانب. التفنيد: اللوم وتضعيف الرأي. والقسورة: الأسد. وقال الجوهري: أملصت المرأة بولدها أي أسقطته. ونهس اللحم: أخذه بمقدم الأسنان. ونهس الحية: لسعها. وفرس الأسد فريسته: دق عنقها. والمراد بالنهاس الفراس، إما هشام بن عبد الملك لاشتهاره بالبخل، أو سليمان بن عبد الملك، فإنه الذي قيضت له الخلافة بعد وفاة الحجاج بقليل. والأول أنسب. والمراد بالرجل الواحد [هو] عمر بن عبد العزيز. قوله عليه السلام: " ولكنها لهجة خدعة ": أي إذا قلت لكم: سأظفر على الخصم إن شاء الله، فليس هذا من الكذب، بل هو كما مر وكذا أشباهه من مصالح الحرب وغيره. ويحتمل إرجاع ضمير " لكنها " إلى ما ذكره من نسبته عليه السلام إلى الكذب، خصوصا على نسخة " أغنياء " بالنون، أي ما ذكرتم لهجة خدعتم فيها من الشيطان، ولم تكن لكم حاجة إلى ذكرها. وفي الصحاح: وهي السقاء يهي وهيا إذا انخرق وانشق. وفيه: ورى القيح جوفه يريه وريا: أكله والاسم الورى بالتحريك. وورى الجرح سائره تورية: أصابه الورى. والمراس: الممارسة والمعالجة. ورصده: رقبه. والترصد: الترقب. قوله عليه السلام: " تمسيكم وتصبحكم ": لعل الضمير المستتر فيهما راجع إلى الفواحش والمنكرات: أي يأتيكم إما صباحا أو مساءا عقوبات تلك المنكرات كما فعل بمن قبلكم. أو الكاف اسمي: أي يأتيكم مثل ما فعل بهم. أو قبله تقدير: أي يأتيكم عقوبته كما فعل بهم. أو الضميران راجعان إلى شن الغارات وظهور الفواحش والمنكرات، ويكون المراد ظهورها من المخالفين فيهم فهذه عقوبة أعمالهم. قوله عليه السلام: " وليجرنكم ": أي يبعثكم جبرا. وفي بعض النسخ: " وليجهزنكم ". وفي بعضها: " وليجمرنكم " وتجمير الجيش أن تحبسهم في أرض العدو ولا تقفلهم من الثغر. وتجمروا: أي تحبسوا. و [قوله عليه السلام:] " وليحجبنكم ": ضمن معنى القيام فعدي ب‌ " على ". قوله عليه السلام: " إن قلت لكم في القيظ " [كذا في كتاب الإحتجاج و] في [كتاب] الإرشاد: " إذا قلت لكم: انفروا في الشتاء. قلتم: هذا أوان قر وصر. وإن قلت لكم: انفروا في الصيف. قلتم: " هذه حمارة القيظ أنظرنا ينصرم الحر عنا كل ذلك فرارا عن الجنة. [و] إذا كنتم عن الحر والبرد... " إلى آخر الكلام. قوله عليه السلام: " قد أتاني الصريح " [كذا] في أكثر النسخ بالحاء المهملة، وهو الرجل الخالص النسب. وكل خالص صريح. والأظهر أنه بالخاء المعجمة كما في [كتاب] الإرشاد: أي المستغيث أي من يطلب الإغاثة والمدد لدفع ظلمهم. والعصبة من الرجال - بالضم -: ما بين العشرة إلى الأربعين. وفي القاموس: الخرص بالضم - ويكسر -: حلقة الذهب والفضة أو حلقة القرط أو الحلقة الصغيرة من الحلي. وفي النهاية: [الخرص - بالضم والكسر -]: الحلقة الصغيرة من الحلي وهو من حلي الأذن. و [أيضا] قال [ابن الأثير:] فيه: " أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها ": هي نوع من الحلي يعمل من الفضة سميت بها لبياضها، واحدها وضح. وقد أوردنا شرح بعض الفقرات في الروايات الأخر.

الهوامش4

[٩٥٦]رواه الشيخ المفيد في الفصل: (٤٦) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد. ص ١٤٨. ورواه أيضا الطبرسي في كتاب الاحتجاج ص ١٧٣.ص 135

[١]والآية الكريمة قد وردت في ثلاث سور من القرآن المجيد في الآية: (٤٩) من سورة البقرة، وفي الآية (١٤١) من سورة الأعراف، وفي الآية: (٦) من سورة إبراهيم.ص 138

[٢]في النسخة الخطية: وأدبتكم بالدرة فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم تستقيموا لي الظاهر أنه خطا من الناسخ، والصحيح ما أثبتناه في المتن، وهو مطابق لرواية الاحتجاج.ص 138

[١]كذا في أصلي من البحار، ومثله في طبع النجف من كتاب الارشاد، ولعل الصواب: وإخلادا إلى الباطل...)ص 139

bihar-14870

مع: الطالقاني عن الجوهري عن الجلودي وهشام بن علي معا عن ابن عائشة، بإسناد ذكره:

Show clickable narrator chain

أن عليا [عليه السلام] انتهى إليه أن خيلا لمعاوية وردت الأنبار، فقتلوا عاملا له يقال له: حسان بن حسان. فخرج مغضبا يجر ثوبه حتى أتى النخيلة، وأتبعه الناس فرقي رباوة من الأرض، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وسيماء الخسف، وديث بالصغار. وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم من قبل أن يغزوكم، فوالذي نفسي بيده ما غزي قوم قط في عقر ديارهم، إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان ورجالا منهم كثيرا ونساءا، والذي نفسي بيده لقد بلغني أنه كان [الرجل من أهل الشام] يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة فينتزع أحجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين لم يكلم أحد منهم كلما. فلو أن امرءا مسلما مات من دون هذا أسفا، ما كان عندي فيه ملوما، بل كان عندي به جديرا. يا عجبا كل العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقكم! إذا قلت لكم: اغزوهم في الشتاء، قلتم: هذا أوان قر وصر. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف، قلتم: هذه حمارة القيظ، أنظرنا ينصرم الحر عنا. فإذا أنتم من الحر والبرد تفرون، فأنتم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال! ويا طغام الأحلام ويا عقول ربات الحجال. والله لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، ولقد ملأتم جوفي غيظا حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب شجاع ولكن لا رأي له في الحرب. لله درهم! ومن ذا يكون أعلم بها وأشد لها مراسا مني! فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيفت اليوم على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع. يقولها ثلاثا. فقام إليه رجل ومعه أخوه فقال: يا أمير المؤمنين! أنا وأخي هذا كما قال الله عز وجل حكاية عن موسى: (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) فمرنا بأمرك، فوالله لننتهين إليه ولو حال بيننا وبينه جمر الغضا وشوك القتاد. فدعا له بخير ثم قال: وأين تقعان مما أريد! ثم نزل [عليه السلام]. قال الصدوق رضي الله عنه: تفسير: قال المبرد: سيماء الخسف تأويله: علامة [الخسف] قال الله عز وجل: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) [٢٩ / الفتح] وقال الله عز وجل: (يعرف المجرمون بسيماهم) [٤١ / الرحمان] وقال الله عز وجل: (يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) [١٢٥ / آل عمران: ٣] أي معلمين. وقوله: " ديث بالصغار ": تأويل ذلك يقال للبعير إذ ذللته الرياضة: بعير مديث: أي مذلل. وقوله: " في عقر ديارهم ": أي في أصل ديارهم. والعقر: الأصل. ومن ثم يقال: لفلان عقار: أي أصل مال. وقوله: " تواكلتم ": هو مشتق من وكلت الأمر إليك ووكلته إلي إذا لم يتوله أحد دون صاحبه، ولكن أحال به كل واحد على الآخر. ومن ذلك قول الحطيئة: أمور إذا واكلتها لا تواكلوا. وقوله: " واتخذتموه وراءكم ظهريا ": أي لم تلتفتوا إليه. يقال في المثل: لا تجعل حاجتي منك بظهري: أي لا تطرحها غير ناظر إليها. وقوله: " حتى شنت عليكم الغارات ": يعني صبت. يقال: شننت الماء على رأسه: أي صببته. ومن كلام العرب: فلما لقي فلان فلانا شنه بالسيف: أي صبه عليه صبا. وقوله: " هذا أخو غامد ": فهو رجل مشهور من أصحاب معاوية من بني غامد بن نصر من الأزد. قوله " فينتزع أحجالهما ": يعني الخلاخيل، واحدها حجل، ومن ذلك قيل للدابة: محجلة. ويقال للقيد: حجل لأنه يقع في ذلك الموضع. و [أما] قوله: " ورعثهما ": فهي الشنوف واحدها رعثة، وجمعها رعاث وجمع الجمع رعث. وقوله: " ثم انصرفوا موفورين " من الوفر: أي لم ينل أحد منهم بأن يرزأ في بدن ولا مال. يقال: فلان موفور، وفلان ذو وفر: أي ذو مال، ويكون موفورا في بدنه. وقوله: " لم يكلم أحد منهم كلما ": أي لم يخدش أحد منهم خدشا، وكل جرح صغير أو كبير فهو كلم. وقوله: " مات من دون هذا أسفا ": يقول تحسرا، وقد يكون الأسف الغضب، قال الله عز وجل: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " [٥٥ / الزخرف: ٤٣] والأسيف يكون الأجير، ويكون الأسير. وقوله: " من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم ": أي من تعاونهم وتظاهرهم. وقوله: " وفشلكم من حقكم " يقال: فشل فلان عن كذا إذا هابه فنكل عنه وامتنع من المضي فيه. وقوله: " قلتم هذا أوان قر وصر ". فالصر: شدة البرد، قال الله عز وجل: " كمثل ريح فيها صر " [آل عمران: ٣]. وقوله: " هذه حمارة القيظ ". فالقيظ: الصيف، وحمارته: اشتداد حره. قوله: " وجمع الجمع: رعث ". [قال ابن أثير] في [مادة " رعث " من كتاب] النهاية: الرعاث: القرطة وهي من حلي الأذن، واحدتها: رعثة رعثه وجنسها: الرعث.

الهوامش2

[٩٥٧]رواه الشيخ الصدوق رحمه الله في الباب: (٣٤٦) وهو باب معاني الألفاظ التي ذكرها أمير المؤمنين في خطبته بالنخيلة - من كتاب معاني الأخبار: ج ٢ ص ٣٠٩.ص 142

[١]ما بين المعقوفين زيادة منا مأخوذة من مصادر أخر منها المختار: (٢٧) من كتاب نهج البلاغة كما أن جملة: والذي نفسي بيده في هذا الحديث من وهم الرواة ولا مورد لها هاهنا.ص 143

bihar-14871

ما: قال أمير المؤمنين عليه السلام

الهوامش1

[٩٥٨]رواه الشيخ الطائفة - مع أخر عنه عليه السلام - في الحديث: (٢٨) وما حوله من الجزء الأول من أماليه: ج ١، ص ٢٢.ص 145

bihar-14872

ما: المفيد عن التمار عن محمد بن الحسين عن أبي نعيم، عن صالح بن عبد الله عن هشام عن أبي مخنف عن الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي عن الأصبغ بن نباتة رحمه الله، قال:

Show clickable narrator chain

إن أمير المؤمنين [عليه السلام] خطب ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس! اسمعوا مقالتي وعوا كلامي، إن الخيلاء من التجبر، والنخوة من التكبر، وإن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل. ألا إن المسلم أخو المسلم، فلا تنابزوا ولا تخاذلوا، فإن شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة، من أخذ بها لحق، ومن تركها مرق ومن فارقها محق. ليس المسلم بالخائن إذا ائتمن، ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالكذوب إذا نطق. نحن أهل بيت الرحمة، وقولنا الحق، وفعلنا القسط، ومنا خاتم النبيين، وفينا قادة الإسلام وأمناء الكتاب، ندعوكم إلى الله ورسوله، وإلى جهاد عدوه والشدة في أمره وابتغاء رضوانه، وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وتوفير الفئ لأهله. ألا وإن [من] أعجب العجب أن معاوية بن أبي سفيان الأموي وعمرو ج ١، ص ٣١١ ط ٢.

الهوامش1

[٩٥٩]رواه الشيخ الطوسي في الحديث: (١٣) من الجزء الأول من أماليه ص ٩ ط بيروت.ص 146

bihar-14873

ما: المفيد عن الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي، عن محمد بن إسماعيل عن زيد بن المعدل عن يحيى بن صالح الطيالسي عن إسماعيل بن زياد عن ربيعة بن ناجد قال:

Show clickable narrator chain

لما وجه معاوية بن أبي سفيان ابن عوف الغامدي إلى الأنبار إلى الغارة، بعثه في ستة آلاف فارس، فأغار على " هيت " " والأنبار " وقتل المسلمين وسبي الحريم وعرض الناس على البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام، استنفر أمير المؤمنين عليه السلام الناس وقد كانوا تقاعدوا عنه واجتمعوا على خذلانه، وأمر مناديه في الناس فاجتمعوا فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد أيها الناس! فوالله لأهل مصركم في الأمصار، أكثر في العرب من الأنصار. وما كان يوم عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين، حتى يبلغ رسالات الله إلا قبيلتان، صغير مولدهما، ما هما بأقدم العرب ميلادا، ولا بأكثرهم عددا، فلما آووا رسول الله صلى الله عليه وآله، ونصروا الله ودينه، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم القبائل قبيلة بعد قبيلة. فتجردوا للدين، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل، وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن وأهل السهل، قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد، حتى دانت لرسول الله صلى الله عليه وآله العرب، ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه. فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب. فقام إليه رجل آدم طوال فقال: ما أنت كمحمد، ولا نحن كأولئك الذين ذكرت، فلا تكلفنا ما لا طاقة لنا به. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: اخسأ [أحسن " خ "] مستمعا تحسن إجابة، ثكلتكم الثواكل ما تزيدوني إلا غما، هل أخبرتكم أني مثل محمد! أو أنكم مثل أنصاره! وإنما ضربت [لكم] مثلا، وأنا [كنت] أرجو أن تأسوا بهم. ثم قام رجل آخر وقال: ما أحوج أمير المؤمنين ومن معه إلى أصحاب النهروان. ثم تكلم الناس من كل ناحية ولغطوا. فقام رجل فقال بأعلى صوته: استبان فقد الأشتر على أهل العراق، أن لو كان حيا لقل اللغط، ولعلم كل امرئ ما يقول. فقال لهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه: هبلتكم الهوابل، لأنا أوجب عليكم حقا من الأشتر، وهل للأشتر عليكم من الحق إلا حق المسلم على المسلم؟! وغضب فنزل. فقام حجر بن عدي وسعيد بن قيس فقالا: لا يسوءك الله يا أمير المؤمنين، مرنا بأمرك نتبعه، فوالله العظيم ما يعظم جزعنا على أموالنا أن تفرق، ولا على عشائرنا أن تقتل في طاعتك. فقال لهم: تجهزوا للمسير إلى عدونا. ثم دخل عليه السلام منزله، ودخل عليه وجوه أصحابه فقال لهم: أشيروا علي برجل صليب ناصح يحشر الناس من السواد. فقال سعيد بن قيس: عليك يا أمير المؤمنين بالناصح الأريب [و] الشجاع الصليب معقل بن قيس التميمي. قال: نعم. ثم دعاه فوجهه وسار [معقل] ولم يعد حتى أصيب أمير المؤمنين عليه السلام. المراد بالقبيلتين الأوس والخزرج. وقال الجوهري: تجرد للأمر: جد فيه. قوله عليه السلام: " وتصبروا تحت أحلاس الجلاد ": أي صبروا صبرا شديدا على ملازمة القتال. [قال ابن الأثير] في [مادة " حلس " من كتاب] النهاية: " كونوا أحلاس بيوتكم ": أي الزموها. وفيه: " نحن أحلاس الخيل ": يريدون لزومهم ظهورها. واستحلسنا الخوف: أي لم نفارقه. وفي بعض النسخ: " تحت حماس الجلاد " [قال الفيروزآبادي] في القاموس: حمس كفرح: اشتد وصلب في الدين. والقتال والحمس: الأمكنة الصلبة، والأحمس: الشجاع كالحميس. والحمس: الصوت. والآدم من الناس: الأسمر. والطوال بالضم: الطويل. قوله عليه السلام: " اخسأ ": أي أبعد، يقال: خسأت الكلب خسأ: طردته. وخسأ الكلب بنفسه. يتعدى ولا يتعدى. و " مستمعا " على بناء الفاعل. وفي بعض النسخ: " أحسن " بالحاء المهملة والنون. و " مستمعا " بفتح الميم مصدر. واللغط - بالتحريك -: الصوت والجلبة وهبلته أمه ثكلته.

الهوامش1

[٩٦٠]رواه الشيخ في الحديث: (٤٤) من الجزء السادس من أماليه ص ١٧٦، وص ١٠٩، وفي طبعة أخرى ١٧٧، وتقدم صدر الخطبة نقلا عن كتاب الغارات في ص ٦٨٠ ط الكمباني.ص 147

bihar-14874

شا: [و] من كلامه صلوات الله عليه حين نقض معاوية العهد،

bihar-14875

رواه الشيخ المفيد رفع الله مقامه في الفصل: (٣٨) من مختار كلام أمير المؤمنين عليه وبعث بالضحاك بن قيس للغارة على أهل العراق، فلقي عمرو بن عميس بن مسعود فقتله وقتل ناسا معه من أصحابه، وذلك بعد أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال:

Show clickable narrator chain

يا أهل الكوفة! اخرجوا إلى العبد الصالح وإلى جيش لكم قد أصيب منه طرف. اخرجوا فقاتلوا عدوكم، وامنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين. قال: فردوا عليه ردا ضعيفا، ورأى منهم عجزا وفشلا فقال: والله لوددت أن لي بكل ثمانية منكم رجلا منهم! ويحكم اخرجوا معي ثم فروا عني إن بدا لكم، فوالله ما أكره لقاء ربي على نيتي وبصيرتي، وفي ذلك روح لي عظيم، وفرج من مناجاتكم ومقاساتكم ومداراتكم مثل ما تدارى البكار العمدة، والثياب المتهترة، كلما خيطت من جانب، تهتكت من جانب على صاحبها. قال الجوهري: الطرف - بالتحريك -: الناحية من النواحي، والطائفة من الشئ. و [قوله عليه السلام:] " المتهترة " في بعض النسخ بالتاء المثناة قال [الفيروزآبادي] في القاموس: الهتر: مزق العرض. وبالكسر: السقط من الكلام. وهتره الكبر يهتره: [جعله خرفا وأفقده عقله]. وفي بعضها [" المهبرة "] بالباء الموحدة من قولهم: " هبره ": قطعه قطعا كبارا وهو أنسب. ويحتمل الياء من قولهم هار البناء: هدمه، فهار وتهور وتهير وانهار، وهو أنسب بما في بعض الروايات مكانه من المتداعية.

bihar-14876

شا: [و] من كلامه عليه السلام في استنفار القوم واستبطائهم السلام في كتاب الارشاد ص ١٤٥، ط النجف. عن الجهاد، وقد بلغه مسير بسر بن أرطاة إلى اليمن:

Show clickable narrator chain

أما بعد أيها الناس! فإن أول رفثكم وبدء نقضكم، ذهاب أولي النهى وأهل الرأي منكم، الذين كانوا يلقون فيصدقون، ويقولون فيعدلون، ويدعون فيجيبون. وإني والله قد دعوتكم عودا وبدءا، وسرا وجهرا، وفي الليل والنهار، والغدو والأصال، [ف] ما يزيدكم دعائي إلا فرارا وإدبارا. أما يعظكم [تنفعكم " خ "] العظة والدعاء إلى الهدى والحكمة! وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم لي أودكم، ولكني - والله - لا أصلحكم بفساد نفسي. ولكن أمهلوني قليلا فكأنكم والله بامرئ قد جاءكم، يحرمكم ويعذبكم فيعذبه الله كما يعذبكم. إن من ذل المسلمين وهلاك الدين، أن ابن [ظ] أبي سفيان يدعو الأرذال فيجاب، وأدعوكم وأنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون وتدافعون. ما هذا فعل المتقين! " أول رفثكم " في أكثر النسخ بالفاء والثاء المثلثة: وهو الفحش من القول. ولا يناسب كثيرا. ويحتمل التاء [المثناة الفوقانية] من قولهم: " رفته يرفته [من باب ضرب ونصر]: كسره ودقه. و [رفت الشئ]: انكسر واندق. و [رفت الحبل:] انقطع. لازم ومتعد. وفي بعض النسخ: بالقاف والتاء - وهو أظهر -: أي ضعفكم وقلتكم. ومراوغة الثعلب وروغانه مشهوران.

الهوامش1

[٩٦٢]٩٦٤ - رواه الشيخ المفيد قدس الله نفسه في الفصل: ٣٩ وما بعده مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد، ص ١٤٥ - ١٤٨ ط النجف.ص 150

bihar-14877

شا: [و] من كلامه صلوات الله عليه في هذا المعنى، بعد حمد الله والثناء عليه: ما أظن هؤلاء القوم - يعني أهل الشام - إلا ظاهرين عليكم. فقالوا له: بماذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: أرى أمورهم قد علت، ونيرانكم قد خبت، وأراهم جدين، وأراكم وانين، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرقين، وأراهم لصاحبهم مطيعين، وأراكم لي عاصين. أم والله لئن ظهروا عليكم لتجدنهم أرباب سوء من بعدي لكم. لكأني أنظر إليهم وقد شاركوكم في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم فيئكم. وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب، ولا تأخذون حقا ولا تمنعون لله من حرمة. وكأني أنظر إليهم يقتلون صالحيكم، ويخيفون قراءكم، ويحرمونكم ويحجبونكم ويدنون الناس دونكم. فلو قد رأيتم الحرمان والأثرة ووقع السيوف ونزول الخوف، لقد ندمتم وحسرتم على تفريطكم في جهادكم، وتذاكرتم ما أنتم فيه اليوم من الخفض والعافية، حين لا ينفعكم التذكار. قال الجوهري: كشيش الأفعى: صوتها من جلدها لا من فمها، وقد كشت تكش. وقال: الحسرة: أشد التلهف على الشئ الفائت، تقول منه: حسر على الشئ - بالكسر - يحسر حسرا وحسرة فهو حسير.

bihar-14878

شا: [و] من كلامه عليه السلام لما نقض معاوية بن أبي سفيان شرط الموادعة، وأقبل يشن الغارات على أهل العراق، فقال

Show clickable narrator chain

بعد أن حمد الله وأثنى وعليه: ما لمعاوية قاتله الله! لقد أرادني على أمر عظيم، أراد أن أفعل كما يفعل فأكون قد هتكت ذمتي ونقضت عهدي، فيتخذها علي حجة، فيكون علي شينا إلى يوم القيامة كلما ذكرت. فإن قيل له: أنت بدأت، قال: ما عملت ولا أمرت. فمن قائل يقول: صدق. ومن قائل يقول: كذب. أم والله إن الله لذو أناة وحلم عظيم، لقد حلم عن كثير من فراعنة الأولين، وعاقب فراعنة، فإن يمهل الله فلم يفته، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، فليصنع ما بدا له فإنا غير غادرين بذمتنا، ولا ناقضين لعهدنا، ولا مروعين لمسلم ولا معاهد حتى ينقضي شرط الموادعة بيننا إن شاء الله تعالى.

bihar-14879

شا: ومن كلامه عليه السلام في مقام آخر. الحمد لله وسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله. أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله رضيني لنفسه أخا، واختصني له وزيرا. أيها الناس! أنا أنف الهدى وعيناه، فلا تستوحشوا من طريق الهدى لقلة من يغشاه من زعم أن قاتلي مؤمن فقد قتلني. ألا وإن لكل دم ثائرا يوما، وإن الثائر في دمائنا والحاكم في حق نفسه وحق ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، [هو] الذي لا يعجزه ما طلب، ولا يفوته ما هرب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وأقسم بالله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لتنتحرن عليها يا بني أمية، ولتعرفنها في أيدي غيركم ودار عدوكم عما قليل، وستعلمن نبأه بعد حين.

الهوامش1

[٩٦٥]رواه الشيخ في الفصل: (٤٣) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص ١٤٧.ص 153

bihar-14880

شا: ومن كلامه عليه السلام في معنى ما تقدم: يا أهل الكوفة! خذوا أهبتكم لجهاد عدوكم معاوية وأشياعه. فقالوا: يا أمير المؤمنين أمهلنا يذهب عنا القر. فقال: أما والله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ليس بأنهم أولى بالحق منكم، ولكن لطاعتهم معاوية ومعصيتكم لي. والله لقد أصبحت الأمم كلها تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أنا أخاف ظلم رعيتي! لقد استعملت منكم رجالا فخانوا وغدروا، ولقد جمع بعضهم ما ائتمنته عليه من فئ المسلمين، فحمله إلى معاوية. وآخر حمله إلى منزله تهاونا بالقرآن، وجرأة على الرحمان، حتى أني لو ائتمنت أحدكم على علاقة سوط لخان ، ولقد أعييتموني. ثم رفع [عليه السلام] يده إلى السماء وقال: اللهم إني سئمت الحياة بين ظهراني هؤلاء القوم، وتبرمت الأمل، فأتح لي صاحبي حتى استريح منهم ويستريحوا مني، ولن يفلحوا بعدي.

الهوامش1

[١]وكتب في أصلي فوق كلمة: حان نقلا عن نسخة من مصدره خانني.ص 154

bihar-14881

شا: روى مسعدة بن صدقة قال:

Show clickable narrator chain

سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول: خطب الناس أمير المؤمنين [عليه السلام] بالكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أنا سيد الشيب، وفي سنة من أيوب، وسيجمع الله لي أهلي كما جمع ليعقوب شمله، وذلك إذا استدار الفلك، وقلتم: مات أو هلك. ألا فاستشعروا قبلها بالصبر وبوءوا إلى الله بالذنب، فقد نبذتم قدسكم، وأطفأتم مصابيحكم، وقلدتم هدايتكم من لا يملك لنفسه ولا لكم سمعا ولا بصرا، ضعف والله الطالب والمطلوب. هذا ولو لم تتواكلوا أمركم، ولم تتخاذلوا عن نصرة الحق بينكم، ولم تهنوا عن توهين الباطل، لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم، ولم يقو من قوي عليكم، ولا هضم الطاعة وأزوائها عن أهلها فيكم. تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى. وبحق أقول: ليضعفن عليكم التيه من بعدي باضطهادكم ولدي، ضعف ما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى. وبحق قد استكملتم نهلا، وامتلأتم عللا من سلطان الشجرة الملعونة في القرآن. لقد اجتمعتم على ناعق ضلال، ولأجبتم الباطل ركضا، ثم لغادرتم داعي الحق، وقطعتم الأدنى من أهل بدر، ووصلتم الأبعد من أبناء حرب. ألا ولو ذاب ما في أيديهم. لقد دنا التمحيص للجزاء، وكشف الغطاء، وانقضت المدة، وأزف الوعد، وبدا لكم النجم من قبل المشرق، وأشرق لكم قمركم كملاء شهره، وكليلة تم، فإذا استبان ذلك، فراجعوا التوبة، وخالفوا الحوبة، واعلموا أنكم إن أطعتم طالع المشرق سلك بكم منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله، فتداويتم من الصمم، واستشفيتم من البكم، وكفيتم مؤنة التعسف والطلب، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق. فلا يبعد الله إلا من أبى الرحمة، وفارق العصمة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

الهوامش2

[٩٦٧]رواه الشيخ المفيد في الفصل (٥١) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد، ص ١٥٤.ص 155

[١]كذا في أصلي، وفي ط النجف من كتاب الارشاد: فلو قد استكملتم نهلا وامتلأتم عللا...).ص 155

bihar-14882

جا: الكاتب عن الزعفراني عن الثقفي عن محمد بن إسماعيل، عن زيد ابن المعدل عن يحيى بن صالح عن الحارث بن حصيرة عن أبي صادق عن جندب بن عبد الله الأزدي قال:

Show clickable narrator chain

سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [عليه السلام] يقول لأصحابه، وقد استنفرهم أياما إلى الجهاد فلم ينفروا: - أيها الناس! إني قد استنفرتكم فلم تنفروا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، فأنتم شهود كأغياب وصم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة، وأعظكم بالموعظة الحسنة وأحثكم على جهاد عدوكم الباغين، فما آتي على آخر منطقي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ، فإذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين تضربون الأمثال وتتناشدون الأشعار وتسألون عن الأخبار، قد نسيتم الاستعداد للحرب وشغلتم قلوبكم بالأباطيل. تربت أيديكم اغزوا القوم من قبل أن يغزوكم! فوالله ما غزي قوم قط في عقر ديارهم إلا ذلوا. وأيم الله ما أراكم تفعلون حتى يفعلوا، ولوددت أني لقيتهم على نيتي

الهوامش1

[١]كذا في النسخة، ومثله في الأمالي، وفي سائر المصادر: كغياب. وهو الصواب.ص 156

bihar-14883

رواه الشيخ المفدى رفع الله مقامه في المجلس: (١٨) من أماليه. وبصيرتي فاسترحت من مقاساتكم، فما أنتم إلا كإبل جمة أضل راعيها، فكلما ضمت من جانب انتشرت من جانب آخر. والله لكأني بكم لو حمس الوغا وأحم البأس، قد انفرجتم عن علي بن أبي طالب انفراج الرأس، وانفراج المرأة عن قبلها. فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي فقال

Show clickable narrator chain

له: يا أمير المؤمنين! فهلا فعلت كما فعل ابن عفان؟ فقال له عليه السلام: يا عرف النار ويلك! إن فعل ابن عفان لمخزاة على من لا دين له ولا حجة معه، فكيف وأنا على بينة من ربي [و] الحق في يدي؟! والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه، يخذع لحمه ويهشم عظمه ويفري جلده ويسفك دمه، لضعيف ما ضمت عليه جوانح صدره أنت فكن كذلك إن أحببت، فأما أنا فدون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفي، يطير منه فراش الهام، وتطيح منه الأكف والمعاصم، ويفعل الله بعد ما شاء. فقام أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أيها الناس! إن أمير المؤمنين قد أسمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم بكرامة لم تقبلوها حق قبولها، إنه نزل بين أظهركم ابن عم نبيكم وسيد المسلمين من بعده، يفقهكم في الدين، ويدعوكم إلى جهاد المحلين، فكأنكم صم لا تسمعون، أو على قلوبكم غلف، مطبوع عليها، فأنتم لا تعقلون. أفلا تستحيون عباد الله! أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس! قد شمل البلاء وشاع في البلاد، فذو حق محروم وملطوم وجهه وموطأ بطنه، وملقى بالعراء تسفي عليه الأعاصير، لا يكنه من الحر والقر وصهر الشمس والضح، إلا الأثواب الهامدة وبيوت الشعر البالية، حتى جاءكم الله بأمير المؤمنين، فصدع بالحق، ونشر العدل، وعمل بما في الكتاب. يا قوم! فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تولوا مدبرين، ولا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، اشحذوا السيوف، واستعدوا لجهاد عدوكم، فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم فاسمعوا وأطيعوا، وما قلتم فليكن ما أضمرتم عليه تكونوا بذلك من الصادقين.