رواه الشريف الرضي رحمه الله في المختار: (٩٢) من كتاب نهج البلاغة. ألا إن الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت، ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات، يحمن حوم الرياح يصبن بلدا ويخطئن بلدا. ألا [و] إن أخوف الفتن عندي عليكم، فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة، عمت خطتها، وخصت بليتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من عمي عنها. وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي، كالناب الضروس، تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع درها. لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم، أو غير ضائر بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا مثل انتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية، وقطعا جاهلية، ليس فيها منار هدى ولا علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة، ولسنا فيها بدعاة. ثم يفرجها الله عنكم كتفريج الأديم، بمن يسومهم خسفا، ويسوقهم عنفا، ويسقيهم بكأس مصبرة لا يعطيهم إلا السيف، ولا يحلسهم إلا الخوف، فعند ذلك تود قريش بالدنيا وما فيها لو يروني [يرونني " خ "] مقاما واحدا، ولو قدر جزر جزور، لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني. قال ابن أبي الحديد: هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السيرة، وهي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها علي عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان، وفيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمه الله. ثم ذكر بعض الألفاظ المتروكة منها: قوله عليه السلام: " ولم يكن ليجترئ عليها غيري، ولو لم أك فيكم ما قوتل أهل الجمل والنهروان. وأيم الله لولا أن تتكلوا فتدعوا العمل، لحدثتكم بما قضى الله عز وجل على لسان نبيكم صلى الله عليه وآله، لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم، عارفا للهدى الذي نحن عليه. سلوني قبل أن تفقدوني، فإني ميت عن قريب أو مقتول، بل قتلا. ما ينتظر أشقاها أن يخضب هده بدم هذه! وضرب [عليه السلام] بيده على لحيته. ومنها في ذكر بني أمية: يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى يملأ الأرض عدوانا وظلما وبدعا، إلى أن يضع الله عز وجل جبروتها، ويكسر عمدها، وينزع أوتادها. ألا وإنكم مدركوها، فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين تؤجروا، ولا تمالئوا عليهم عدوهم، فيصير عليهم البلية ويحل بكم النقمة. ومنها: إلا مثل انتصار العبد من مولاه، إذا رآه أطاعه، وإذا توارى عنه شتمه. وأيم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم. ومنها: فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجن الله [الفتنة] برجل منا أهل البيت. بأبي ابن خيرة الإماء، لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا، موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر، حتى تقول قريش : لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا. يغريه الله ببني أمية، حتى يجعلهم حطاما ورفاتا " ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا " . ثم قال [ابن أبي الحديد:] فإن قيل: فمن هذا الرجل الموعود به! قيل: أما الإمامية فيزعمون أنه إمامهم الثاني عشر، وأنه ابن أمة اسمها نرجس. وأما أصحابنا، فيزعمون أنه فاطمي يولد في مستقبل الزمان، لأم ولد وليس بموجود الآن. فإن قيل: فمن يكون من بني أمية في ذلك الوقت موجودا حتى ينتقم منهم؟ قيل: أما الإمامية فتقول بالرجعة، ويزعمون أنه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أمية وغيرهم، إذا ظهر إمامهم المنتظر، وأنه يقطع أيدي أقوام وأرجلهم، ويسمل عيون بعضهم ويصلب قوما آخرين، وينتقم من أعداء آل محمد عليهم السلام المتقدمين [منهم] والمتأخرين. وأما أصحابنا فيزعمون أنه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلا من ولد فاطمة عليها السلام يستولي على السفياني وأشياعه من بني أمية . ثم قال: فإن قيل: لماذا خص أهل الجمل وأهل النهروان بالذكر، ولم يذكر [أهل] صفين؟ قيل: لأن الشبهة كانت في أهل الجمل وأهل النهروان ظاهرة الالتباس، أما أهل الجمل [ف] لحسن ظنهم بطلحة والزبير، وكون عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وآله معهم. وأما أهل النهروان، فكانوا أهل قرآن وعبادة واجتهاد، وعزوف عن الدنيا، وهم كانوا قراء العراق وزهادها. وأما معاوية، فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الإسلام، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره، عمرو بن العاص ومن اتبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الأعراب، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز قتالهم ومحاربتهم. انتهى. قوله عليه السلام: " فأنا فقأت " يقال: فقأت العين: أي شققتها أو قلعتها بشحمها، أو أدخلت الإصبع فيها. وفقأ عين الفتنة: كسر ثورانها. وحذف المضاف - أي عين أهلها - بعيد. وعدم اجتراء غيره عليه السلام على إطفاء تلك الفتنة، لأن الناس كانوا يهابون قتال أهل القبلة، ويقولون: كيف نقاتل من يؤذن كأذاننا ويصلي بصلاتنا؟ والغيهيب: الظلمة وتموجها وعمومها وشمولها، تشبيها لها بالبحر. والكلب - بالتحريك -: داء يعرض الإنسان من عض الكلب، والعطش. والمراد شرها وأذاها. والفئة: الطائفة والجماعة [و] لا واحد لها من لفظها. وناعقها: الداعي لها، أو إليها. والمناخ - بضم الميم - موضع الإناخة. والركاب: الإبل التي يسار عليها. والواحدة: راحلة والرحل - بالفتح -: كل شئ يعد للرحيل. وحططت الرحل: أنزلته عن الإبل. والمحط: اسم مكان. وقيل: هو والمناخ مصدران. والكريهة: النازلة: وكرائه الأمور: المصائب التي تكرهها النفوس. والحوازب: جمع حازب. وهو الأمر الشديد، وحزبه أمر: اشتد عليه ودهمه. والخطب - بالفتح -: الشأن والحال والأمر الذي تقع فيه المخاطبة. والإطراق: السكوت، وإطراق السائل لصعوبة الأمر وشدته [عليه] حتى أنه يبهته عن السؤال ويتحير كيف يسأل. والفشل: الجبن والضعف. قوله عليه السلام: " وذلك ": أي النزول والإطراق والفشل. و " قلصت " بالتشديد: أي اجتمعت وانضمت.. والحرب إذا كانت في موضع واحد يكون أشد وأصعب ويكون التشديد للمبالغة. وهي بالتخفيف بمعنى ارتفعت فالمراد شدتها وكثرتها. ويقال: [هي] بالتشديد بمعنى استمرت في المضي. ويقال: قلص قميصه فقلص تقليصا: أي شمر. لازم [و] متعد. وفي بعض النسخ: " قلصت حربكم عن ساق " بدون كلمة " شمرت ". ويروى " إذا قلصت عن حربكم " بالتخفيف: أي إذا انكشفت كرائه الأمور وحوازب الخطوب عن حربكم. و " شمرت عن ساق ": أي كشفت عن شدة ومشقة كما قيل في قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) [٤٢ / القلم: ٦٨]. وقيل: كشف الساق مثل في اشتداد الأمر وصعوبة الخطب. وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب. وقيل: يكشف عن ساق: أي عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانا. ويحتمل أن يكون الغرض تشبيه الحرب بالمجد في أمر، فإن الإنسان إذا جد في السعي شمر عن ساقه ورفع ثوبه لئلا يمنعه. واستطالة الأيام: عدها طويلة. ويوم البؤس والشدة يطول على الإنسان. ولعل المراد ببقية الأبرار، أولادهم وإن لم يكونوا أبرارا في أنفسهم، إن كان [الكلام] إشارة إلى دولة بني العباس. والأظهر أنه [عليه السلام] أراد القائم عليه السلام. قوله عليه السلام: " شبهت " على المعلوم: أي جعلت نفسها أو الأمور الباطلة شبيهة بالحق. أو على [بناء] المجهول أي أشكل أمرها والتبس على الناس. قوله عليه السلام " نبهت ": أي أيقظت القوم من النوم، وأظهرت بطلانها عليهم. " ينكرن ": أي لا يعرف حالهن. وحام الطائر حول الماء: إذا طاف ودار لينزل عليه. و [قوله عليه السلام] " حوم الرياح " أي كحومها. والخطة - بالضم -: شبه القصة والأمر والخطب. وعموم خطة تلك البلية لكونها رئاسة عامة وسلطنة شاملة. وخصوص البلية لكون حظ أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم منها أوفر. وإصابة البلاء من أبصر فيها، لحزن المبصر من مشاهدة أفعالهم الشنيعة، وقصدهم إياه بأنواع الأذى بخلاف الجاهل المنقاد لهم. ويطلق الرب على المالك والسيد والمدبر والمربي والمنعم. والباب: الناقة المسنة. والضروس: السيئة الخلق تعض حالبها. وعذم الفرس - كضرب - إذا أكل بجفاء أو عض. وخبط البعير إذا ضرب بيده الأرض شديدا. والزبن: الدفع. وزبنت الناقة إذا ضربت بثفنات رجلها عند الحلب. والدر: اللبن. ويقال لكل خير على التوسع. قوله عليه السلام: " لا يزالون بكم ": أي لا يزالون يؤذونكم بأنواع الأذى حتى لا يبقى منكم إلا من ينفعهم في مقاصدهم، أو لا يضرهم بإنكار المنكرات عليهم. والضائر: المضر. والانتصار: الانتقام. والصاحب: التابع. والمستصحب: المتبوع. والغرض إما نفي إمكان الانتصار، أو إثبات انتصار الأذلاء والمقهورين، كالغيبة والذم مع الأمن من الوصول إلى المغتاب. والشوهاء: القبيحة. والمخشية: المخوفة. والجاهلية: الحالة التي كانت العرب عليها قبل الإسلام. والمنجاة: موضع النجاة. والغرض خلاصهم من لحوق الآثام والمتابعة في الدعوة إلى الباطل، لا الخلاص من الأذية. والأديم الجلد. ووجه الشبه انكشاف الجلد عما تحته من اللحم. ويحتمل أن يكون المراد بالأديم، الجلد الذي يلف الإنسان فيه للتعذيب، لأنه يضغطه شديدا إذا جف وفي تفريجه راحة. ويسومهم: أي يكلفهم ويلزمهم. والخسف: النقصان والذل والهوان. والمصبرة: الممزوجة بالصبر المر. وقيل: أي المملوءة إلى أصبارها، أي جوانبها. والحلس - بالكسر -: كساء رقيق يكسى على ظهر البعير تحت البرذعة. وأحلس البعير: ألبسه الحلس. ويحتمل أن يكون من الحلس الذي يبسط تحت حر الثياب، إشعارا بأنهم في بيوتهم أيضا خائفون. وهو إشارة إلى ظهور دولة بني العباس. والجزور: الناقة التي تجزر. قوله عليه السلام: " ما أطلب اليوم بعضه ": أي الطاعة والانقياد، أي يتمنون أن يروني فيطيعوني إطاعة كاملة، وقد رضيت منهم اليوم بأن يطيعوني إطاعة ناقصة فلم يقبلوا. وقد روي في [كتب] السير: أن مروان بن محمد وهو آخر ملوك بني أمية، قال يوم الزاب - لما شاهد عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان -: لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى. ويحتمل أن يكون التمني عند قيام القائم عليه السلام.
الهوامش4
[١]كذا في أصلي المطبوع وفي شرح ابن أبي الحديد: ج ٢ ص ٦١٤ ط بيروت، فتصرعكم البلية وتحل بكم النقمة.ص 118
[٢]هذا هو الصواب المذكور في شرح ابن أبي الحديد: وفي أصلي: موضوعا على عاتقه يمانية حتى تقول قريش....ص 118
[٣]ما بين القوسين المزدوجين مقتبس من الآية: (٦١) من سورة الأحزاب: ٣٣.ص 118
[١]هذا محصل ما أفاده ابن أبي الحديد وليس نص كلامه.ص 119