رواه الشريف الرضي الله تعالى عنه في المختار: (١٨٠) من كتاب نهج البلاغة. أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم. فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد، قائمات بلا سند، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات غير متلكئات ولا مبطئات، ولولا إقرارهن بالربوبية وإذعانهن بالطواعية، لما جعلهن موضعا لعرشه ولا مسكنا لملائكته ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه. جعل نجومها أعلاما يستدل به الحيران في مختلف فجاج الأقطار. لم يمنع ضوء نورها إدلهمام سجف الليل المظلم، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر. فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج، ولا ليل ساج في بقاع الأرضين المتطأطئات، ولا في يفاع السفع المتجاورات، وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء، وانهطال السماء. ويعلم مسقط القطرة ومقرها، ومسحب الذرة ومجرها، وما يكفي البعوضة من قوتها، وما تحمل الأنثى في بطنها. والحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش أو سماء أو أرض أو جان أو إنس. لا يدرك بوهم، ولا يقدر بفهم، ولا يشغله سائل، ولا ينقصه نائل، ولا ينظر بعين، ولا يحد بأين، ولا يوصف بالأزواج، ولا يخلق بعلاج، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، الذي كلم موسى تكليما وأراه من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات، ولا نطق ولا لهوات. بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك! فصف جبرئيل وميكائيل وجنود الملائكة المقربين، في حجرات القدس مرجحنين، متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين. وإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء. فلا إله إلا هو، أضاء بنوره كل ظلام، وأظلم بظلمته كل نور. أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش، وأسبغ عليكم المعاش، ولو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما، أو لدفع الموت سبيلا، لكان ذلك سليمان بن داود الذي سخر له ملك الجن والإنس مع النبوة، وعظيم الزلفة، فلما استوفى طعمته، واستكمل مدته، رمته قسي الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديار منه خالية، والمساكن معطلة وورثها قوم آخرون. وإن لكم في القرون السالفة لعبرة، أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين وأطفأوا سنن المرسلين وأحيوا سنن الجبارين؟ أين الذين ساروا بالجيوش وهزموا الألوف وعسكروا العساكر ومدنوا المدائن؟! [و] منها: قد لبس للحكمة جنتها، وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها، والمعرفة بها، والتفرغ لها، وهي عند نفسه ضالته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام، وضرب بعسيب ذنبه، وألصق الأرض بجرانه بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه. ثم قال عليه السلام: أيها الناس! إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ بها الأنبياء أممهم، وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا، لله أنتم أتتوقعون إماما غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟! ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا، وأقبل منها ما كان مدبرا، وأزمع الترحال عباد الله الأخيار، وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى. ماضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم - وهم بصفين - أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص، ويشربون الرنق، قد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم، وأحلهم دار الأمن بعد خوفهم. أين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين؟ وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة؟ قال [نوف:] ثم ضرب يده إلى لحيته وأطال البكاء، ثم قال عليه السلام: أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه! وتدبروا الفرض فأقاموه! وأحيوا السنة وأماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعوا! ثم نادى بأعلى صوته. الجهاد الجهاد عباد الله! ألا وإني معسكر في يومي هذا، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج [فليبرح " خ "]. قال نوف: وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف، ولقيس بن سعد - رحمه الله - في عشرة آلاف، ولأبي أيوب الأنصاري [في] عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد أخر، وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم، لعنه الله، فتراجعت العساكر. فكنا كأغنام فقدت راعيها، تختطفها الذئاب من كل مكان. قد مر شرح صدر الخطبة في كتاب التوحيد، وقال [ابن الأثير] في [كتاب] النهاية: الرياش والريش: ما ظهر من اللباس. وقيل: الرياش: جمع الريش، ويقع الرياش على الخصب والمعاش والمال المستفاد. و " أسبغ ": أي أكمل وأوسع. والمعاش والمعيشة: مكسب الإنسان الذي يعيش به. والسلم كسكر -: ما يرتقى عليه. واستعمل هنا في الوسيلة. وكون النبوة والزلفة - أي القرب والمنزلة - من الوسائل إلى البقاء، لاستجابة الدعاء معهما، فهما مظنتان للتوصل إلى البقاء في الباطن، كما أن السلطنة الكاملة مظنة لأن تكون وسيلة إليه في الظاهر. والطعمة: الرزق المقدر. والقسي: جمع القوس. والنبل: السهام العربية، لا واحد من لفظها. وقال ابن أبي الحديد: نبال الموت أسبابه. والإضافة البيانية للمبالغة بعيدة. والعمالقة: أولاد عمليق أو عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. والفراعنة: ملوك مصر. وقد مضى ذكر أصحاب الرس. وعسكروا [العساكر]: أي جمعوها. ومدنوا المدائن: أي بنوها. قوله عليه السلام: " قد لبس للحكمة جنتها ": إشارة إلى القائم عليه السلام كما ذكره ابن أبي الحديد نقلا عن الإمامية. و " التفرغ لها ": أي عن العلائق والشواغل. قوله عليه السلام: " ضالته ": إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم " الحكمة ضالة المؤمن ". قوله عليه السلام: " فهو مغترب ": أي هذا الشخص يخفي نفسه ويخملها إذا ظهر الفسق والجور واغترب الإسلام باغتراب العدل والصلاح، وهو إشارة إلى غيبة القائم عليه السلام. وقال [ابن الأثير] في [مادة " ذنب " من كتاب] النهاية: في حديث علي عليه السلام: أنه ذكر فتنة فقال: " إذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه "
الهوامش1
[١]وهذا رواه أيضا الهروي في مادة ذنب من كتاب غريب الحديث.ص 128