شاج: [و] من كلامه عليه السلام يجري مجرى الاحتجاج، مشتملا على التوبيخ لأصحابه على تثاقلهم لقتال معاوية، والتفنيد، متضمنا للوم والوعيد: أيها الناس! إني استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم فلم تنفروا، وأسمعتكم فلم تجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا، شهودا كالغيب. أتلو عليكم الحكمة فتعرضون عنها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتنفرون عنها، كأنكم حمر مستنفرة فرت من قسورة وأحثكم على جهاد أهل الجور فما آتي على آخر قولي، حتى أراكم متفرقين أيادي سبا ترجعون إلى مجالسكم تتربعون حلقا، تضربون الأمثال، وتنشدون الأشعار، وتجسسون الأخبار، حتى إذا تفرقتم، تسألون عن الأشعار. جهلة من غير علم، وغفلة من غير ورع، وتتبعا من غير خوف. ونسيتم الحرب والاستعداد لها، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأعاليل والأضاليل. فالعجب كل العجب - وكيف لا أعجب - من اجتماع قوم على باطلهم وتخاذلكم عن حقكم. يا أهل الكوفة! أنتم كأم مجالد، حملت فأملصت، فمات قيمها، وطال أيمها وورثها أبعدها. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إن من ورائكم الأعور الأدبر جهنم الدنيا، لا يبقي ولا يذر. ومن بعده النهاس الفراس، الجموع المنوع، ثم ليتوارثنكم من بني أمية عدة، ما الآخر [منهم] بأرأف بكم من الأول، ما خلا رجلا واحدا [منهم] بلاء قضاه الله على هذه الأمة، لا محالة كائن. يقتلون خياركم، ويستعبدون أرذالكم، ويستخرجون كنوزكم وذخائركم من جوف حجالكم، نقمة بما ضيعتم من أموركم وصلاح أنفسكم ودينكم. يا أهل الكوفة! أخبركم بما يكون قبل أن يكون، لتكونوا منه على حذر، ولتنذروا به من اتعظ واعتبر. كأني بكم تقولون: إن عليا يكذب كما قالت قريش لنبيها وسيدها نبي الرحمة محمد بن عبد الله حبيب الله صلى الله عليه وآله وسلم. فيا ويلكم، فعلى من أكذب! أعلى الله! فأنا أول من عبد الله ووحده، أم على رسول الله صلى الله عليه وآله! فأنا أول من آمن به وصدقه ونصره. كلا ولكنها لهجة خدعة كنتم عنها أغبياء. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لتعلمن نبأها بعد حين، وذلك إذا صيركم إليها جهلكم، ولا ينفعكم عندها علمكم. فقبحا لكم يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال. أما والله أيها الشاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهواؤهم! ما أعز الله نصر من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، ولا قرت عين من آواكم. كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب. يا ويحكم،: أي دار بعد داركم تمنعون! ومع: أي إمام بعدي تقاتلون! والمغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. أصبحت لا أطمع في نصركم، ولا أصدق قولكم. فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم، وأعقبكم بي من هو شر لكم مني. إمامكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. والله لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم والله لوددت أني لم أعرفكم، ولم تعرفوني، فإنها معرفة جرت ندما! لقد وريتم صدري غيظا، وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان، حتى لقد قالت قريش: إن عليا رجل شجاع [و] لكن لا علم له بالحروب. لله درهم! هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني وأشد لها مقاساة؟! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ثم ها أنا قد ذرفت على الستين، ولكن لا أمر لمن لا يطاع. أما والله لوددت أن ربي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه، وإن المنية لترصدني، فما يمنع أشقاها أن يخضبها؟ - ونزل [عليه السلام] يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي الأمي صلى الله عليه وآله. وقد خاب من افترى، ونجا من اتقى وصدق بالحسنى. يا أهل الكوفة! قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي، واستصعب عليكم أمري، واتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات، تمسيكم وتصبحكم كما فعل بأهل المثلات من قبلكم، حيث أخبر الله عز وجل عن الجبابرة العتاة الطغاة، والمستضعفين الغواة في قوله تعالى: (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) . أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد حل بكم الذي توعدون. عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم تستقيموا لي ، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا. ولقد علمت أن الذي يصلحكم هو السيف. وما كنت متحريا صلاحكم بفساد نفسي، ولكن سيسلط عليكم سلطان صعب، لا يوقر كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ولا يكرم عالمكم، ولا يقسم الفئ بالسوية بينكم، وليضربنكم وليذلنكم، وليجرنكم في المغازي، ويقطعن سبلكم، وليحجبنكم على بابه حتى يأكل قويكم ضعيفكم، ثم لا يبعد الله الا مم ظلم. ولقل ما أدبر شئ فأقبل، إني لأظنكم على فترة، وما علي الا النصح لكم. يا أهل الكوفة! منيت منكم بثلاث واثنتين: صم ذوو أسماع، وبكم ذوو ألسن، وعمي ذوو أبصار. لا إخوان صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء. اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني. اللهم لا ترض عنهم أميرا، ولا ترضهم عن أمير، وأمث قلوبهم كإيماث الملح في الماء. أما والله لو [كنت] أجد بدا من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت. ولقد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت الحياة، [وأنتم في] كل ذلك ترجعون بالهزء من القول، فرارا من الحق، وإلحادا إلى الباطل الذي لا يعز الله بأهله الدين، وإني لأعلم بكم أنكم لا تزيدونني غير تخسير. كلما أمرتكم بجهاد عدوكم اثاقلتم إلى الأرض، وسألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول. إن قلت لكم في القيظ: سيروا. قلتم: الحر شديد. وإن قلت لكم: سيروا في البرد. قلتم: القر شديد. كل ذلك فرارا عن الحرب إذا كنتم عن الحر والبرد تعجزون، فأنتم عن حرارة السيف أعجز وأعجز. فإنا لله وإنا إليه راجعون. يا أهل الكوفة! قد أتاني الصريح يخبرني أن ابن غامد قد نزل الأنبار على أهلها ليلا في أربعة آلاف، فأغار عليهم كما يغار على الروم والخزر، فقتل بها عاملي ابن حسان، وقتل معه رجالا صالحين ذوي فضل وعبادة ونجدة، بوء الله لهم جنات النعيم، وإنه أباحها. وقد بلغني أن العصبة من أهل الشام، كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فيهتكون سترها، ويأخذون القناع من رأسها، والخرص من أذنها، والأوضاح من يديها ورجليها وعضديها، والخلخال والمئزر عن سوقها، فما تمتنع إلا بالاسترجاع والنداء " يا للمسلمين " فلا يغيثها مغيث ولا ينصرها ناصر، فلو أن مؤمنا مات من دون هذا أسفا، ما كان عندي ملوما بل كان عندي بارا محسنا. واعجبا كل العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم! قد صرتم غرضا يرمى ولا ترمون، وتغزون ولا تغزون، ويعصون الله وترضون، فتربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما اجتمعت من جانب تفرقت من جانب. التفنيد: اللوم وتضعيف الرأي. والقسورة: الأسد. وقال الجوهري: أملصت المرأة بولدها أي أسقطته. ونهس اللحم: أخذه بمقدم الأسنان. ونهس الحية: لسعها. وفرس الأسد فريسته: دق عنقها. والمراد بالنهاس الفراس، إما هشام بن عبد الملك لاشتهاره بالبخل، أو سليمان بن عبد الملك، فإنه الذي قيضت له الخلافة بعد وفاة الحجاج بقليل. والأول أنسب. والمراد بالرجل الواحد [هو] عمر بن عبد العزيز. قوله عليه السلام: " ولكنها لهجة خدعة ": أي إذا قلت لكم: سأظفر على الخصم إن شاء الله، فليس هذا من الكذب، بل هو كما مر وكذا أشباهه من مصالح الحرب وغيره. ويحتمل إرجاع ضمير " لكنها " إلى ما ذكره من نسبته عليه السلام إلى الكذب، خصوصا على نسخة " أغنياء " بالنون، أي ما ذكرتم لهجة خدعتم فيها من الشيطان، ولم تكن لكم حاجة إلى ذكرها. وفي الصحاح: وهي السقاء يهي وهيا إذا انخرق وانشق. وفيه: ورى القيح جوفه يريه وريا: أكله والاسم الورى بالتحريك. وورى الجرح سائره تورية: أصابه الورى. والمراس: الممارسة والمعالجة. ورصده: رقبه. والترصد: الترقب. قوله عليه السلام: " تمسيكم وتصبحكم ": لعل الضمير المستتر فيهما راجع إلى الفواحش والمنكرات: أي يأتيكم إما صباحا أو مساءا عقوبات تلك المنكرات كما فعل بمن قبلكم. أو الكاف اسمي: أي يأتيكم مثل ما فعل بهم. أو قبله تقدير: أي يأتيكم عقوبته كما فعل بهم. أو الضميران راجعان إلى شن الغارات وظهور الفواحش والمنكرات، ويكون المراد ظهورها من المخالفين فيهم فهذه عقوبة أعمالهم. قوله عليه السلام: " وليجرنكم ": أي يبعثكم جبرا. وفي بعض النسخ: " وليجهزنكم ". وفي بعضها: " وليجمرنكم " وتجمير الجيش أن تحبسهم في أرض العدو ولا تقفلهم من الثغر. وتجمروا: أي تحبسوا. و [قوله عليه السلام:] " وليحجبنكم ": ضمن معنى القيام فعدي ب " على ". قوله عليه السلام: " إن قلت لكم في القيظ " [كذا في كتاب الإحتجاج و] في [كتاب] الإرشاد: " إذا قلت لكم: انفروا في الشتاء. قلتم: هذا أوان قر وصر. وإن قلت لكم: انفروا في الصيف. قلتم: " هذه حمارة القيظ أنظرنا ينصرم الحر عنا كل ذلك فرارا عن الجنة. [و] إذا كنتم عن الحر والبرد... " إلى آخر الكلام. قوله عليه السلام: " قد أتاني الصريح " [كذا] في أكثر النسخ بالحاء المهملة، وهو الرجل الخالص النسب. وكل خالص صريح. والأظهر أنه بالخاء المعجمة كما في [كتاب] الإرشاد: أي المستغيث أي من يطلب الإغاثة والمدد لدفع ظلمهم. والعصبة من الرجال - بالضم -: ما بين العشرة إلى الأربعين. وفي القاموس: الخرص بالضم - ويكسر -: حلقة الذهب والفضة أو حلقة القرط أو الحلقة الصغيرة من الحلي. وفي النهاية: [الخرص - بالضم والكسر -]: الحلقة الصغيرة من الحلي وهو من حلي الأذن. و [أيضا] قال [ابن الأثير:] فيه: " أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها ": هي نوع من الحلي يعمل من الفضة سميت بها لبياضها، واحدها وضح. وقد أوردنا شرح بعض الفقرات في الروايات الأخر.
الهوامش4
[٩٥٦]رواه الشيخ المفيد في الفصل: (٤٦) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد. ص ١٤٨. ورواه أيضا الطبرسي في كتاب الاحتجاج ص ١٧٣.ص 135
[١]والآية الكريمة قد وردت في ثلاث سور من القرآن المجيد في الآية: (٤٩) من سورة البقرة، وفي الآية (١٤١) من سورة الأعراف، وفي الآية: (٦) من سورة إبراهيم.ص 138
[٢]في النسخة الخطية: وأدبتكم بالدرة فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم تستقيموا لي الظاهر أنه خطا من الناسخ، والصحيح ما أثبتناه في المتن، وهو مطابق لرواية الاحتجاج.ص 138
[١]كذا في أصلي من البحار، ومثله في طبع النجف من كتاب الارشاد، ولعل الصواب: وإخلادا إلى الباطل...)ص 139