رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٥٠) من كتاب نهج البلاغة. الآراء عند نجومها. من أشرف لها قصمته، ومن سعى فيها حطمته، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة، قد اضطرب معقود الحبل، وعمي وجه الأمر، تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظلمة، وتدق أهل البدو بمسحلها، وترضهم بكلكلها. يضيع في غبارها الوحدان، ويهلك في طريقها الركبان، ترد بمر القضاء، وتحلب عبيط الدماء، وتثلم منار الدين، وتنقض عقد اليقين. تهرب منها الأكياس، وتدبرها الأرجاس، مرعاد مبراق، كاشفة عن ساق، تقطع فيها الأرحام، ويفارق عليها الإسلام، بريئها سقيم، وظاعنها مقيم. [و] منها: بين قتيل مطلول، وخائف مستجير، يختلون بعقد الأيمان، وبغرور الإيمان، فلا تكونوا أنصاب الفتن وأعلام البدع، والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة، واقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا عليه ظالمين، واتقوا مدارج الشيطان ومهابط العدوان، ولا تدخلوا بطونكم لعق الحرام، فإنكم بعين من حرم عليكم المعصية وسهل لكم سبيل الطاعة. " مداحر الشيطان ": الأمور التي يدحر ويطرد بها [الشيطان]. و " مزاجره ": الأمور التي يزجر بها. و " حبائله ": مكائده التي يضل بها البشر. و " مخاتله ": الأمور التي يختل بها - بالكسر - أي: يخدع بها. [قوله عليه السلام:] " لا يوازى ": أي لا يساوى. والأصل فيه الهمزة كما قيل. " والجهالة الغالبة " بالباء الموحدة وفي بعض النسخ بالمثناة: من الغلاء وهو الارتفاع أو من الغلو وهو مجاوزة الحد. والجفوة: غلظ الطبع. والوصف للمبالغة. [وقوله:] " والناس ": الواو للحال. والحريم: حرمات الله التي يجب احترامها ومحرماته. وقال [ابن الأثير] في النهاية: الفترة: ما بين الرسولين. وأصابني على فترة: أي في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات. والكفرة المرة من الكفرات. والمعشر: الجماعة. والغرض: الهدف. وسكرات النعمة: ما تحدثه النعم عند أربابها من الغفلة المشابهة للسكر. والبوائق: الدواهي. والتثبت: التوقف وترك اقتحام الأمر. والقتام - بالفتح -: الغبار. والعشو: ركوب الأمر على غير بيان ووضوح. ويروى " وتبينوا " كما قرئ في الآية. وكنى عليه السلام عن ظهور المستور المخفي منها بقوله: " عند طلوع جنينها وظهور كمينها ". والجنين: الولد ما دام في البطن. والكمين: الجماعة المختفية في الحرب. والمدار مصدر والمكان بعيد. و " انتصاب قطبها ومدار رحاها ": كنايتان عن انتظام أمرها. والمدرجة: المذهب والمسلك: أي إنها تكون ابتداء يسيرة ثم تصير كثيرة. والشباب - بالكسر -: نشاط الفرس ورفع يديه جميعا. وفي بعض النسخ [ذكره] بالفتح. والسلم: الحجارة أي أربابها يمرحون في أول الأمر كما يمرح الغلام، ثم يؤول إلى أن يعقب فيهم أو في الإسلام آثار كآثار الحجارة في الأبدان، فيحتمل أن يكون [هذا] كالتفسير لسابقه، أو يكون المراد أنها في الدنيا كنشاط الغلام وما أعقبها في الآخرة كآثار السلام. [قوله عليه السلام:] " تتوارثها الظلمة بالعهود ": الظرف متعلق بالفعل: أي توارثهم بما عهدوا بينهم من ظلم أهل البيت عليهم السلام وغصب حقهم. أو [هو متعلق] ب [قوله] " الظلمة ": أي الذين ظلموا عهد الله وتركوه. " ويتكالبون ": أي يتواثبون. و " المريحة ": المنتنة من [قولهم:] أراحت [الجيفة] إذا ظهر ريحها، أو من أراح البعير إذا مات. قوله عليه السلام: " وعن قليل ": أي بعد قليل من الزمان يتبرأ التابع [من المتبوع]. قال ابن أبي الحديد: ذلك التبرء في القيامة كما ورد في الكتاب العزيز، أما تبرء التابع من المتبوع [فقد] قال تعالى: (قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا) [٧٤ / غافر: ٤٠]. وأما تبرء القائد من المقود: أي المتبوع من التابع فقال تعالى: (إذ تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) [١٦٦ / البقرة: ٢]. وإما الأعم كما دل عليه قوله عليه السلام: " فيتزايلون... " فقال تعالى: (ويوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا) [٢٥ / العنكبوت: ٢٩]. وقوله عليه السلام: " يتزايلون ": أي يفترقون. وطالع الفتنة مقدماتها. وسماها رجوفا لشدة الاضطراب فيها. ولما ذكر عليه السلام رغبتهم في الدنيا وتكالبهم، أراد أن يذكر ما يؤكد التعجب من فعلهم، فأتى بجملة معترضة بين الكلامين فقال: " وعن قليل يتبرء التابع... إلخ ". ثم عاد إلى نظام الكلام فقال: " ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف ". وقال ابن ميثم: أشار عليه السلام إلى منافستهم في الدنيا في إثارة تلك الفتن، ثم أخبر عن انقضائها عن قليل وكنى عن ذلك بتبرء التابع من المتبوع. قيل: [وكان] ذلك التبرء عند ظهور الدولة العباسية، فإن العادة جارية بتبرء الناس عن الولاة المعزولين، خصوصا ممن تولى عزل أولئك أو قتلهم فيتباينون بالبغضاء ويتلاعنون عند اللقاء. [ثم] قال [ابن ميثم:] وقوله عليه السلام: " ثم يأتي [بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف "] إشارة إلى فتنة التتار، إذ الدائرة فيهم كانت على العرب. [ثم] قال: وقال بعض الشارحين: ذلك إشارة إلى الملحمة الكائنة في آخر الزمان، كفتنة الدجال، ووصفها بالرجوف كناية عن اضطراب الناس، أو أمر الإسلام فيها. و [كنى] بقصمها عن هلاك الخلق فيها تشبيها لها بالرجل الشجاع الكثير الزحف إلى أقرانه: أي يمشي إليهم قدما. ونجم الشئ ينجم - بالضم - نجوما: ظهر وطلع. قوله [عليه السلام:] " من أشرف لها ": أي صادمها وقابلها. " ومن سعى فيها ": أي في تسكينها وإطفائها. والحطم: الكسر. والتكادم: التعاض بأدنى الفم. والعانة: القطيع من حمر الوحش، ولعل المراد مغالبة مثيري تلك الفتنة بعضهم لبعض، أو مغالبتهم لغيرهم. ومعقود الحبل: قواعد التي كلفوا بها. وفي إسناد العمى إلى وجه الأمر تجوز. والغيض: القلة والنقص. والمسحل - كمنبر -: السوهان أو المنحت: أي يفعل بهم ما يفعل بالحديد أو الخشب. والرض: الدق. والكلكل: الصدر. والوحدان جمع واحد: أي من كان يسير وحده فإنه يهلك فيها بالكلية، وإذا كانوا جماعة فهم يضلون في طريقها فيهلكون. ولفظ الغبار مستعار للقليل اليسير من حركة أهلها: أي إذا أراد القليل من الناس دفعها هلكوا في غبارها من دون أن يدخلوا في غمارها، وأما الركبان وهم الكثير من الناس فإنهم يهلكون في طريقها وعند الخوض فيها. ويجوز أن يكون الوحدان جمع أوحد: أي يضل في غبار هذه الفتنة وشبهها فضلاء عصرها، لغموض الشبهة واستيلاء الباطل ويكون الركبان كناية عن أهل القوة، فهلاك أهل العلم بالضلال، وهلاك أهل القوة بالقتل. ومر القضاء: الهلاك والاستئصال والبلايا الصعبة. وعبيط الدماء: الطري الخالص منها. وتثلم: أي تكسر. [و] منار الدين: أي أعلامه. [قوله عليه السلام:] " مرعاد مبراق ": أي ذات رعد وبرق تشبيها بالسحاب. أو ذات وعيد وتهدد من [قولهم:] رعد الرجل وبرق إذا أوعد وتهدد. ويحتمل أن يكون [أراد من] الرعد صوت السلاح و [من] البرق ضوءه. وقال [ابن الأثير] في النهاية: الساق في اللغة: الأمر الشديد وكشف الساق: مثل في شدة الأمر، وأصله من كشف الإنسان عن ساقه وتشميره إذا وقع في أمر شديد. قوله عليه السلام: " بريئها ": أي من يعد نفسه بريئا سالما من المعاصي أو الآفات، أو من كان سالما بالنسبة إلى سائر الناس فهو أيضا مبتلى بها، أو المعنى أن من لم يكن مائلا إلى المعاصي أو أحب الخلاص من شرورها لا يمكنه ذلك. قوله عليه السلام: " وظاعنها مقيم ": أي لا يمكنه الخروج عنها. أو من اعتقد أنه متخلف عنها فهو داخل فيها لكثرة الشبه وعموم الضلالة. قوله عليه السلام: " مطلول ": أي مهدر لا يطلب به. [و] " يختلون ": أي يخدعون. [وقوله:] " بعقد الأيمان ": [إما] بصيغة المصدر أو كصرد بصيغة الجمع. و [قوله عليه السلام:] " يختلون ": في بعض النسخ على بناء المجهول، فيكون إخبارا عن حال المخدوعين الذي يختلهم غيرهم بالايمان المعقودة بينهم، أو بالعهود الذي يشدونها بمسح أيمانهم. وفي بعض النسخ على بناء المعلوم فيكون إخبارا من أهل ذلك الزمان جميعا، أو الخادعين الخائنين منهم. و " بغرور الإيمان ": أي بالإيمان الذي يظهره الخادعون لهؤلاء الموصوفين فيغرونهم بالمواعيد الكاذبة، أو الذي يظهره هؤلاء الموصوفون فيغرون الناس به على النسختين. قوله عليه السلام: " أنصاب الفتن ": [الأنصاب] جمع نصب وهو - بالفتح أو التحريك -: العلم أو بمعنى الغاية والحد ومنه أيضا أنصاب الحرم. وفي بعض النسخ: [أنصار الفتن] بالراء. قوله عليه السلام: [والزموا] ما عقد عليه حبل الجماعة ": أي القوانين التي ينتظم بها اجتماع الناس على الحق، وهي التي بنيت عليها أركان الطاعة. [قوله عليه السلام:] " واقدموا على الله مظلومين ": أي كونوا راضين بالمظلومية أو لا تظلموا الناس وإن استلزم ترك الظلم مظلوميتكم. و " مدارج الشيطان ": مذاهبه ومسالكه. " ومهابط العدوان ": المواضع التي يهبط هو وصاحبه فيها. واللعق: جمع لعقة بالضم، وهي اسم لما تأخذه الملعقة. واللعقة بالفتح: المرة منه. فنبه عليه السلام باللعق على قلتها بالنسبة إلى متاع الآخرة، أو المراد لا تدخلوا بطونكم القليل منه فكيف بالكثير. قوله عليه السلام: " [فإنكم] بعين من حرم ": أي بعلمه كقوله تعالى: (تجري بأعيننا) [١٤ / القمر: ٥٤].
Hadith record
bihar-14922
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث
٩٨٥ - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن علي بن [أبي] سيف [المدائني] عن أبي حباب عن ربيعة وعمارة قالا: إن طائفة من أصحاب علي عليه السلام مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين اعط هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ومن تخاف خلافه من الناس وفراره - قال: وإنما قالوا له ذلك للذي كان معاوية يصنع بمن أتاه - فقال لهم علي عليه السلام:
No. ٩٩٦vol. 34 · pages 226-232
Citation
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 34, Page 226