نهج: [و] قال عليه السلام في خطبة [له]: فأين يتاه بكم؟! بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم؟! وهم أزمة الحق وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش. أيها الناس! خذوها من خاتم النبيين صلى الله عليه وآله إنه يموت من يموت منا وليس بميت ويبلى من بلي منا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإن أكثر الحق فيما تنكرون، واعذروا من لا حجة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر؟ وركزت فيكم راية الإيمان، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام، وألبستكم العافية من عدلي، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي؟ فلا تستعملوا
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث
٩٨٥ - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن علي بن [أبي] سيف [المدائني] عن أبي حباب عن ربيعة وعمارة قالا: إن طائفة من أصحاب علي عليه السلام مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين اعط هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ومن تخاف خلافه من الناس وفراره - قال: وإنما قالوا له ذلك للذي كان معاوية يصنع بمن أتاه - فقال لهم علي عليه السلام:
رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (٨٥) من كتاب نهج البلاغة. الرأي فيما لا يدرك قعره البصر، ولا يتغلغل إليه الفكر. تاه فلان: تحير. والعمه: التردد على وجه التحير. والواو في قوله: " وبينكم " للحال. والأزمة: جمع زمام وهو المقود: أي هم القادة للحق يدور معهم حيثما ما داروا. [قوله عليه السلام:
Show clickable narrator chain
] " وألسنة الصدق ": أي هم كاللسان للصدق لا يتكلم إلا بهم، أو هم المتكلمون به ولا يظهر إلا منهم. [قوله عليه السلام:] " فانزلوهم ": أي أنزلوا العترة في صدوركم وقلوبكم بالتعظيم والانقياد لأوامرهم ونواهيهم والتمسك بهم بأحسن المنازل التي تنزلون القرآن، أو بأحسن المنازل التي تدل عليها القرآن. [قوله عليه السلام:] " وردوهم ": من الورود وهو الحضور عند الماء للشرب. و " الهيم ": الإبل العطاش. قوله عليه السلام: " واعذروا " قال ابن ميثم: طلب عليه السلام منهم العذر فيما يصيبهم ويلحقهم من عذاب الله بسبب تقصيرهم في إطاعته عليه السلام. قوله عليه السلام: " فيما لا يدرك ": أي فيما ذكر لهم من خصائص العترة الطاهرة وفضلها: أي أمرنا صعب لا تهتدي إليه العقول [الساذجة]. والتغلغل: الدخول.
نهج: [ومن كلام له عليه السلام:] ولقد أحسنت جواركم، وأحطت بجهدي من ورائكم، وأعتقتكم من ربق الذل وحلق الضيم، شكرا مني للبر القليل، وإطراقا عما أدركه البصر وشهده
رواه السيد الرضي رضوان الله عليه في المختار: (١٥٧) من نهج البلاغة. البدن من المنكر الكثير. الإحاطة من الوراء [هو] دفع من يريدهم بشر، لأن العدو الغالب يكون من وراء المحارب. والحلق - بالتحريك وكعنب -: جمع حلقة. والضيم: الظلم. وأطرق: أي سكت وأرخى عينيه إلى الأرض، وإطراقه عليه السلام عن المنكر الكثير وسكوته عنه لعدم تأثير النهي، أو لانجراره إلى ما هو أعظم منه.
نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا، واتخذهم له أشراكا، فباض وفرخ في صدورهم، ودب ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزلل، وزين لهم الخطل، فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه، ونطق بالباطل على لسانه.
رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار السابع من كتاب نهج البلاغة.
نهج: [و] من خطبة له [عليه السلام]: في الملاحم: ألا بأبي وأمي من عدة أسماؤهم في السماء معروفة وفي الأرض مجهولة. ألا فتوقعوا ما يكون من إدبار أموركم وانقطاع وصلكم، واستعمال صغاركم ذاك، حيث تكون ضربة السيف على المؤمن أهون من الدرهم من حله. ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطي. ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النعمة والنعيم! وتحلفون من غير اضطرار وتكذبون من غير إحراج. ذاك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير. ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء! أيها الناس! ألقوا هذه الأزمة التي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم، ولا تصدعوا على سلطانكم فتذموا غب فعالكم، ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة، وأميطوا عن سننها وخلوا قصد السبيل لها، فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن ويسلم فيها غير المسلم. إنما مثلي بينكم كمثل السراج في الظلمة، يستضئ به من ولجها، فاسمعوا أيها الناس وعوا وأحضروا آذان قلوبكم تفهموا!
رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (١٨٥) من كتاب نهج البلاغة. [أقول:] وظاهر أن ذكر انتظار فرج الشيعة - كما اعترف به بعد هذا - لا ارتباط له بحكاية الأبدال. وأما كون أسمائهم في الأرض مجهولة، فلعل المراد به أن أكثر الناس لا يعرفون قدرهم ومنزلتهم، فلا ينافي معرفة الخواص لهم وإن كانوا أيضا لا يعرفونهم حق معرفتهم. أو أراد به جهالة أسمائهم في وقت إيراد [هذا] الكلام، والتخصيص في الاحتمال الأخير أقل منه في الأول. قوله عليه السلام:
Show clickable narrator chain
" وانقطاع وصلكم ": جمع وصلة: أي تفرق أموركم المنتظمة. والمراد باستعمال الصغار تقديمهم على المشايخ وأرباب التجارب في الأعمال والولايات. قوله عليه السلام: " حيث يكون المعطى ": على بناء المجهول " أعظم أجرا من المعطي ": على بناء الفاعل، لأن أكثر الأموال في ذلك الزمان يكون من الحرام، وأيضا لا يعطونها على الوجه المأمور به [بل] للأغراض الفاسدة. وأما المعطى فلما كان فقيرا يأخذ المال لسد خلته، لا يلزمه البحث عن المال وحله وحرمته فكان أعظم أجرا من المعطي. وقيل: لأن صاحب المال لما كان يصرفه في أغلب الأحوال في الفساد، فإذا أخذه الفقير فقد فوت عليه صرفه في القبائح، فقد كفه بأخذ المال من ارتكاب القبيح. ولا يخلو من بعد. والنعمة - بالفتح -: غضارة العيش. وفي بعض النسخ: بالكسر: أي الخفض والدعة والمال. قوله عليه السلام: " من غير إحراج ": أي من غير اضطرار إلى الكذب. وروي بالواو. قوله عليه السلام: " إذا عضكم البلاء " يقال: عض اللقمة - كسمع ومنع -: أي أمسكها بأسنانه وعض بصاحبه: أي لزمه. وعض الزمان والحرب: شدتهما. والقتب - بالتحريك معروف. والغارب: ما بين العنق والسنام. وقال ابن أبي الحديد: هذا الكلام غير متصل بما قبله كما هو عادة الرضي، وقد [كان عليه السلام] ذكر بين ذلك ما ينال من شيعته من البؤس والقنوط ومشقة انتظار الفرج. وقوله عليه السلام: " ما أطول هذا العناء وأبعد هذا الرجاء " حكاية كلام شيعته عليه السلام انتهى. فيكون المراد بالرجاء: رجاء ظهور القائم عليه السلام. وقال ابن ميثم: ويحتمل أن يكون الكلام متصلا ويكون قوله عليه السلام: " ما أطول هذا العناء " كلاما مستأنفا في معنى التوبيخ لهم على إعراضهم عنه وإقبالهم على الدنيا وإتعابهم أنفسهم في طلبها، وتنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبها وبعد الرجاء لما يرجى منها. قوله عليه السلام: " ألقوا ": أي ألقوا من أيديكم أزمة الآراء الفاسدة والأعمال الكاسدة التي هي كالنوق والمراكب في حمل التبعات والآثام. " ولا تصدعوا ": أي لا تتفرقوا. والسلطان: الأمير والإمام. وغب كل شئ: عاقبته. وفور نار الفتنة: وهجها وغليانها. " وأميطوا ": أي تنحوا. والسنن: الطريقة. قوله عليه السلام: " وخلوا ": أي دعوها تسلك طريقها ولا تتعرضوا لها تكونوا حبطا لنارها.
نهج: [ومن خطبة له عليه السلام:] الحمد لله الناشر في الخلق
رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (٩٨) من نهج البلاغة. فضله، والباسط فيهم بالجود يده، نحمده في جميع أموره، ونستعينه على رعاية حقوقه، ونشهد أن لا إله غيره، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بأمره صادعا وبذكره ناطقا، فأدى أمينا ومضى رشيدا وخلف فينا راية الحق، من تقدمها مرق ومن تخلف عنها زهق، ومن لزمها لحق. دليلها مكيث الكلام بطئ القيام سريع إذا قام، فإذا أنتم ألنتم له رقابكم وأشرتم إليه بأصابعكم جاءه الموت فذهب به، فلبثتم بعده ما شاء الله حتى يطلع الله لكم من يجمعكم ويضم نشركم. فلا تطمعوا في غير مقبل، ولا تيأسوا من مدبر، فإن المدبر عسى أن تزل إحدى قائمتيه وتثبت الأخرى فترجعا حتى تثبتا جميعا. ألا وإن مثل آل محمد صلى الله عليه وآله كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون. النشر: التفريق والبسط، وبسط اليد: كناية عن العطاء. وقيل: اليد هنا النعمة في جميع أموره: أي ما صدر منه من النعم والبلايا. ورعاية حقوق الله: شكره وطاعته. [قوله عليه السلام:] " بأمره صادعا ": أي مظهرا مجاهرا. والرشد: إصابة الصواب. وقيل: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. وراية الحق: الثقلان المخلفان. ومرق السهم من الرمية: إذا خرج عن المرمي به، والمراد هنا خروج من تقدمها ولم يعتد بها من الدين. وزهق الشئ - كمنع -: بطل وهلك. واللحوق: إصابة الحق. وأراد بالدليل: نفسه عليه السلام. والضمير راجع إلى الراية. [و] مكيث الكلام: أي بطيئه: أي لا يتكلم من غير روية. وبطئ القيام: كناية عن ترك العجلة والطيش. وإلانة الرقاب: كناية عن الإطاعة. والإشارة بالأصابع [كناية] عن التعظيم والإجلال. قال ابن أبي الحديد: نقل أن أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من الشهر الذي قتل عليه السلام فيه، اجتمع له مائة ألف سيف، وأخرج مقدمته يريد الشام، فضربه اللعين وانفضت تلك الجموع كالغنم فقدت رعاتها. وأشار [عليه السلام] بمن يجمعهم إلى المهدي عليه السلام. والنشر: المنشور التفرق. قوله عليه السلام: " فلا تطمعوا ": أي من لم يقبل على طلب هذا الأمر ممن هو أهله، فلا تطمعوا فيه، فإن ذلك لاختلال بعض شرائط الطلب، كما كان شأن أكثر أئمتنا عليهم السلام. وقيل: أراد بغير المقبل: من انحرف عن الدين بارتكاب منكر، فإنه لا يجوز الطمع في أن يكون أميرا لكم. وفي بعض النسخ: " فلا تطعنوا في عين ": أي من أقبل على هذا الأمر من أهل البيت فلا تدفعوه عما يريد. وقوله [عليه السلام:] " ولا تيأسوا ": أي من أدبر عن طلب الخلافة ممن هو أهل لها فلا تيأسوا من عوده وإقباله على الطلب، فإن إدباره يكون لفقد بعض الشروط كقلة الناصر. وزوال إحدى القائمتين كناية عن اختلال بعض الشروط، وثبات الأخرى [كناية] عن وجود بعضها. وقوله " فيرجعان حتى يثبتا ": [كناية] عن استكمال الشرائط، ولا ينافي النهي عن الإياس النهي عن الطمع، لأن عدم اليأس هو التجويز، والطمع فوق التجويز. أو لأن النهي عن الطمع في حال عدم الشروط والإعراض عن الطلب لذلك والنهي عن الإياس لجواز حصول الشرائط. وقيل [في تفسير قوله عليه السلام:] " ولا تيأسوا من مدبر ": أي إذا ذهب من بينكم إمام وخلفه إمام آخر فاضطرب أمره، فلا تشكوا فيهم، فإن المضطرب الأمر سينتظم أموره. وحينئذ يكون قوله عليه السلام " ألا إن مثل آل محمد صلى الله عليه وآله " كالبيان لهذا. [قوله عليه السلام:] " إذا خوى نجم ": أي مال للمغيب. والصنائع: جمع صنيعة وهي الإحسان: أي لا تيأسوا عسى أن يأتي الله بالفرج عن قريب والمتحقق الوقوع قريب وإن كان بعيدا. ويمكن أن يكون [أراد] إراءة المخاطبين ما يأملون في الرجعة.
نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: أيها الغافلون غير المغفول عنهم، والتاركون المأخوذ منهم! ما لي أراكم عن الله ذاهبين وإلى غيره راغبين؟! كأنكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبئ ومشرب دوي، [و] إنما هو كالمعلوفة للمدى، لا تعرف ماذا يراد بها، إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها وشبعها أمرها. والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت! ولكن أخاف
Show clickable narrator chain
أن تكفروا في برسول الله صلى الله عليه وآله، ألا وإني مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه. والذي بعثه بالحق واصطفاه على الخلق، ما أنطق إلا صادقا، ولقد عهد إلي بذلك كله وبمهلك من يهلك ومنجا من ينجو ومآل هذا الأمر، وما أبقي شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذني وأفضى به إلي. أيها الناس! والله لا أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم
رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٧٣) من كتاب نهج البلاغة. عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها. [قوله:] " والتاركون ": أي لما أمروا به المأخوذ منهم بانتقاص أعمارهم وقواهم واستلاب أحبابهم وأموالهم. والذهاب عن الله التوجه إلى غيره والاعراض عن جنابه. والنعم - بالتحريك - جمع لا واحد له من لفظه وأكثر ما يقع على الإبل. [قوله عليه السلام:
Show clickable narrator chain
] " أراح بها سائم ": شبههم بالنعم التي تتبع نعما أخرى. سائمة: أي راعية. وإنما قال ذلك، لأنها إذا اتبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل التي يسيمها راعيها. وما يظهر من كلام ابن ميثم من أن السائم بمعنى الراعي، ففيه ما لا يخفى. والمرعى الوبئ: ذو الوباء والمرض، وأصله الهمز. والدوي: ذو الداء، والأصل في الدوي، دوي - بالتخفيف - ولكنه شدد للازدواج. قال الجوهري: رجل دو بكسر الواو: أي فاسد الجوف من داء. والمدى بالضم جمع مدية وهي السكين. قوله عليه السلام: " تحسب يومها ": أي تظن أن ذلك العلف كما هو حاصل لها في هذا اليوم حاصل لها أبدا، أو نظرها مقصور على يومها تحسب أنه دهرها. " وشبعها أمرها ": أي تظن انحصار شأنها وأمرها في الشبع. قوله عليه السلام: " والله لشئت أن أخبر ": قال ابن أبي الحديد: [و] هذا كقول المسيح عليه السلام: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) [٤٩ / آل عمران: ٣] [ولكن] قال عليه السلام -: إلا أني أخاف عليكم الغلو في أمري، وأن تفضلوني على رسول الله صلى الله عليه وآله، بل أخاف عليكم أن تدعوا في الإلهية كما ادعت النصارى ذلك في المسيح عليه السلام لما أخبرهم بالأمور الغائبة. [ثم قال ابن أبي الحديد:] ومع كتمانه عليه السلام فقد كفر [فيه] كثير منهم، وادعوا فيه النبوة، وأنه شريك الرسول في الرسالة وإنه هو الرسول، ولكن الملك غلط، وأنه هو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله، وادعوا فيه الحلول والاتحاد. ويحتمل أن يكون كفرهم فيه بإسناد التقصير إليه عليه السلام في إظهار شأنه وجلالته. والمهلك - بفتح اللام وكسرها - يحتمل المصدر واسم الزمان والمكان. والمراد بالهلاك إما الموت والقتل أو الضلال والشقاء. وكذلك النجاة. والمراد بالأمر: الخلافة أو الدين وملك الإسلام. ومآله: انتهاؤه بظهور القائم عليه السلام وما يكون في آخر الزمان. وأفرغه كفرغه -: صبه.
نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: أما بعد، فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة ولا وحيا، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، يسوقهم إلى منجاتهم، ويبادر بهم الساعة أن تنزل بهم. يحسر الحسير ويقف الكسير فيقيم عليه حتى يلحقه غايته، إلا هالكا لا خير فيه، حتى أراهم منجاتهم، وبوأهم محلتهم، فاستدارت رحاهم، واستقامت قناتهم. وأيم الله لقد كنت من ساقتها حتى تولت بحذافيرها، واستوسقت في
رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (١٠٢) من كتاب نهج البلاغة. قيادها، ما ضعفت ولا جبنت، ولا خنت ولا وهنت. وأيم الله لأبقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته. المنجاة: مصدر أو اسم مكان. " ويبادر بهم الساعة ": أي يسارع إلى هدايتهم وإرشادهم حذرا من أن ينزل بهم الساعة فتدركه على الضلالة. والحسير: المعيي. وإقامته [صلى الله وآله] على الحسير والكسير ومراقبته من تزلزل عقائده، ليدفع شبهه حتى يبلغه الغاية التي خلق لأجلها، إلا من لم يكن قابلا للهداية. ومنهم من حمله على ظاهره من شفقته صلى الله عليه وآله على الضعفاء في الأسفار والغزوات. [قوله عليه السلام:
Show clickable narrator chain
] " حتى أراهم منجاتهم ": أي نجاتهم أو محل نجاتهم. ومحلتهم: منزلهم وغاية سفرهم الصوري أو المعنوي. واستدار الرحى واستقامة القناة، كنايتان عن انتظام الأمر كما مر. والساقة: جمع سائق، والضمير لغير مذكور [لفظا] والمراد الجاهلية، شبهها عليه السلام بكتيبة مصادفة لكتيبة الإسلام فهزمها. وفي القاموس: الحذفور - كعصفور -: الجانب - كالحذفار - والشريف والجمع الكثير. وأخذه بحذافيره: بأسره. أو بجوانبه أو بأعاليه. والحذافير: المتهيأون للحرب. واشدد حذافيرك: تهيأ. واستوسقت: أي اجتمعت وانتظمت يعني الملة الإسلامية أو الدعوة أو ما يجري هذا المجرى: أي لما ولت الجاهلية استوسقت هذه في قيادها كالإبل المقودة إلى أعطانها. ويحتمل عوده إلى الجاهلية: أي تولت بحذافيرها واجتمعت تحت ظل المقادة. والبقر: الشق. والخاصرة ما بين أسفل الأضلاع وعظم الورك، شبه عليه السلام الباطل بحيوان ابتلع الحق.
نهج: [ومن كلام له عليه السلام:] تالله لقد علمت تبليغ الرسالات وإتمام العدات وتمام الكلمات، وعندنا أهل البيت أبواب الحكم وضياء الأمر. ألا وإن شرائع الدين واحدة، وسبله قاصدة، من أخذ بها لحق وغنم، ومن وقف عنها ضل وندم. اعملوا ليوم تذخر له الذخائر، وتبلى فيه السرائر، ومن لا ينفعه حاضر لبه فعازبه عنه أعجز وغائبه أعوز. واتقوا نارا حرها شديد، وقعرها بعيد وحليتها حديد وشرابها صديد. ألا وإن اللسان الصالح يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه من لا يحمده.
رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٢٠) من كتاب نهج البلاغة. وفيه إشارة إلى قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) [١١٥ / الأنعام: ٦]. وإلى قول النبي صلى الله عليه وآله [له]:
Show clickable narrator chain
" اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ". ولعل ب " أبواب الحكم " بالضم أو " الحكم " بكسر الحاء وفتح الكاف - على اختلاف النسخ -: الأحكام الشرعية. وب " ضياء الأمر " العقائد العقلية أو بالعكس. وقال ابن ميثم: لعل المراد ب " شرائع الدين وسبله " أهل البيت عليهم السلام فإن أقوالهم في الدين واحدة خالية عن الاختلاف. قوله عليه السلام: " ومن لا ينفعه " فيه وجوه: الأول أن من لم يعتبر في حياته بلبه فأولى بأن لا ينتفع بعد الموت. الثاني أن المراد من لم يعمل بما فهم وحكم به عقله وقت إمكان العمل، فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته، بل لا يورثه إلا ندامة وحسرة. الثالث أن المراد من لم يكن له من نفسه واعظ وزاجر ولم يعمل بما فهم وعقل، فأحرى بأن لا يرتدع من القبيح بعقل غيره وموعظته له. و " اللسان الصالح ": الذكر الجميل. و " من لا يحمده " وارثه الذي لا يعد ذلك الإيراث فضلا ونعمة.
نهج: [و] من خطبته [عليه السلام] المعروفة بالقاصعة:
رواه السيد الرضي في أواخر الخطبة القاصعة: المختار: (١٩٢) من كتاب نهج البلاغة. ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة، وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية، وإن الله سبحانه قد أمتن على جماعة هذه الأمة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة التي ينتقلون في ظلها ويأوون إلى كنفها، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة، لأنها أرجح من كل ثمن وأجل من كل خطر. واعلموا أنكم قد صرتم بعد الهجرة أعرابا، وبعد الموالاة أحزابا، ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه، ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه، تقولون: " النار ولا العار "، كأنكم تريدون أن تكفؤا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه، ونقضا لميثاقه الذي وضعه الله لكم، حرما في أرضه وأمنا بين خلقه. وإنكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر، ثم لا جبرئيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم إلا المقارعة بالسيوف حتى يحكم الله بينكم. وإن عندكم الأمثال من بأس الله وقوارعه وأيامه ووقائعه، فلا تستبطؤا وعيده جهلا بأخذه، وتهاونا ببطشه، ويأسا من بأسه. فإن الله سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلا لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلعن السفهاء لركوب المعاصي، والحلماء لترك التناهي. ألا وقد قطعتم قيد الإسلام، وعطلتم حدوده وأمتم أحكامه. ألا وقد أمرني الله بقتال أهل البغي والنكث والفساد في الأرض، فأما الناكثون فقد قاتلت، وأما القاسطون فقد جاهدت، وأما المارقون فقد دوخت، وأما شيطان الردهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ورجة صدره، وبقيت بقية من أهل البغي، ولئن أذن الله في الكرة عليهم لأديلن منهم إلا ما يتشذر في أطراف البلاد تشذرا. أنا وضعت [في الصغر] بكلاكل العرب وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر. وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمني إلى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة [خطيئة " خ "] في فعل.
نهج: [و] من كلام له عليه السلام: ألا وإن اللسان بضعة من الإنسان، فلا يسعده القول إذا امتنع، ولا يمهله النطق إذا اتسع، وإنا لأمراء الكلام، وفينا تنشبت عروقه، وعلينا تهدلت غصونه. واعلموا رحمكم الله أنكم في زمان، القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل، أهله معتكفون على العصيان، مصطلحون على الإدهان، فتاهم عارم، وشائبهم آثم، وعالمهم منافق، وقارؤهم مماذق، لا يعظم صغيرهم كبيرهم، ولا يعول غنيهم فقيرهم.
رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (٢٣٣) من كتاب نهج البلاغة. ذروة المنبر، فخطب خطبة طويلة هذه الكلمات منها. والبضعة: القطعة من اللحم. والضمير في [قوله عليه السلام:
Show clickable narrator chain
] " يسعده " و " يمهله " للسان، وفي [قوله:] " امتنع " و " اتسع " للإنسان. والمعنى أن اللسان لما كان آلة للإنسان يتصرف بتصريفه إياه، فإذا امتنع الانسان عن الكلام لشاغل أو صارف، لم يسعد اللسان القول ولم يواته، وإذا دعاه الداعي إلى الكلام وحضره واتسع الإنسان له، لم يمهله النطق بل يسارع إليه. ويحتمل أن يعود الضمير في " امتنع " إلى القول، وفي " اتسع " إلى النطق: أي فلا يسعد القول اللسان إذا امتنع القول من الإنسان ولم يحضره لوهم أو نحوه، أوجب حصره وعيه ولم يمهله النطق إذا اتسع عليه وحضره . ويحتمل أن يكون الضمير في " يسعده " و " يمهله " راجعا إلى الإنسان، وفي [قوله:] " امتنع " و " اتسع " إلى اللسان: أي إذا امتنع اللسان لعدم جرأة فلا يسعد القول الإنسان، وإذا اتسع لم يمهل النطق الإنسان. والأول أظهر. ونشب الشئ في الشئ بالكسر: أي علق وأنشبته أنا فيه: أي أعلقته فانتشب. ذكره الجوهري. والمراد بعروقه: أصوله ومواده، كالعلم بالمعاني والملكات الفاضلة. وغصونه: فروعه وأغصانه وآثاره. وتهدلت أغصان الشجرة: أي تدلت. [قوله عليه السلام:] " معتكفون على العصيان ": أي ملازمون [لها] من قولهم: عكف على الشئ: أي حبس نفسه عليه، ومنه الاعتكاف. والاصطلاح: افتعال من الصلح. والادهان: القول باللسان بمقتضى مصلحة حالهم دون الاتفاق في القلوب، أو بمعنى الغش. والعرامة: شراسة الخلق والبطر والفساد وقلة الأدب. [قوله عليه السلام:] " وشائبهم آثم ": [أي] لجهله وغفلته شاب في الإثم. قوله عليه السلام: " مماذق ": أي غير مخلص كما ذكره الجوهري. و " عاله ": أي كفله وقام بأمره وأنفق عليه.
الهوامش1
[١]من قوله: والمعنى... اليد هنا أخذناه من شرح نهج البلاغة لكمال الدين ابن ميثم رحمه الله، إذ كان في أصلي من طبع الكمباني من البحار تكرار ونقص.ص 225
نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: وأستعينه على مداحر الشيطان ومزاجره والاعتصام من حبائله ومخاتله. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ونجيبه وصفوته، لا يوازى فضله، ولا يجبر فقده، أضاءت به البلاد بعد الضلالة المظلمة والجهالة الغالبة والجفوة الجافية، والناس يستحلون الحريم ويستذلون الحكيم، يحيون على فترة ويموتون على كفرة. ثم إنكم معشر العرب! أغراض بلايا قد اقتربت، فاتقوا سكرات النعمة، واحذروا بوائق النقمة، وتثبتوا في قتام العشوة، واعوجاج الفتنة عند طلوع جنينها، وظهور كمينها، وانتصاب قطبها، ومدار رحاها، تبدأ في مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية، شبابها كشباب الغلام، وآثارها كآثار السلام، تتوارثها الظلمة بالعهود، أولهم قائد لآخرهم، وآخرهم مقتد بأولهم، يتنافسون في دنيا دنية، ويتكالبون على جيفة مريحة، وعن قليل يتبرأ التابع من المتبوع، والقائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء ويتلاعنون عند اللقاء. ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف والقاصمة الزخوف، فتزيغ قلوب بعد استقامة، وتضل رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها، وتلتبس
رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٥٠) من كتاب نهج البلاغة. الآراء عند نجومها. من أشرف لها قصمته، ومن سعى فيها حطمته، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة، قد اضطرب معقود الحبل، وعمي وجه الأمر، تغيض فيها الحكمة، وتنطق فيها الظلمة، وتدق أهل البدو بمسحلها، وترضهم بكلكلها. يضيع في غبارها الوحدان، ويهلك في طريقها الركبان، ترد بمر القضاء، وتحلب عبيط الدماء، وتثلم منار الدين، وتنقض عقد اليقين. تهرب منها الأكياس، وتدبرها الأرجاس، مرعاد مبراق، كاشفة عن ساق، تقطع فيها الأرحام، ويفارق عليها الإسلام، بريئها سقيم، وظاعنها مقيم. [و] منها: بين قتيل مطلول، وخائف مستجير، يختلون بعقد الأيمان، وبغرور الإيمان، فلا تكونوا أنصاب الفتن وأعلام البدع، والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة، وبنيت عليه أركان الطاعة، واقدموا على الله مظلومين ولا تقدموا عليه ظالمين، واتقوا مدارج الشيطان ومهابط العدوان، ولا تدخلوا بطونكم لعق الحرام، فإنكم بعين من حرم عليكم المعصية وسهل لكم سبيل الطاعة. " مداحر الشيطان ": الأمور التي يدحر ويطرد بها [الشيطان]. و " مزاجره ": الأمور التي يزجر بها. و " حبائله ": مكائده التي يضل بها البشر. و " مخاتله ": الأمور التي يختل بها - بالكسر - أي: يخدع بها. [قوله عليه السلام:] " لا يوازى ": أي لا يساوى. والأصل فيه الهمزة كما قيل. " والجهالة الغالبة " بالباء الموحدة وفي بعض النسخ بالمثناة: من الغلاء وهو الارتفاع أو من الغلو وهو مجاوزة الحد. والجفوة: غلظ الطبع. والوصف للمبالغة. [وقوله:] " والناس ": الواو للحال. والحريم: حرمات الله التي يجب احترامها ومحرماته. وقال [ابن الأثير] في النهاية: الفترة: ما بين الرسولين. وأصابني على فترة: أي في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات. والكفرة المرة من الكفرات. والمعشر: الجماعة. والغرض: الهدف. وسكرات النعمة: ما تحدثه النعم عند أربابها من الغفلة المشابهة للسكر. والبوائق: الدواهي. والتثبت: التوقف وترك اقتحام الأمر. والقتام - بالفتح -: الغبار. والعشو: ركوب الأمر على غير بيان ووضوح. ويروى " وتبينوا " كما قرئ في الآية. وكنى عليه السلام عن ظهور المستور المخفي منها بقوله: " عند طلوع جنينها وظهور كمينها ". والجنين: الولد ما دام في البطن. والكمين: الجماعة المختفية في الحرب. والمدار مصدر والمكان بعيد. و " انتصاب قطبها ومدار رحاها ": كنايتان عن انتظام أمرها. والمدرجة: المذهب والمسلك: أي إنها تكون ابتداء يسيرة ثم تصير كثيرة. والشباب - بالكسر -: نشاط الفرس ورفع يديه جميعا. وفي بعض النسخ [ذكره] بالفتح. والسلم: الحجارة أي أربابها يمرحون في أول الأمر كما يمرح الغلام، ثم يؤول إلى أن يعقب فيهم أو في الإسلام آثار كآثار الحجارة في الأبدان، فيحتمل أن يكون [هذا] كالتفسير لسابقه، أو يكون المراد أنها في الدنيا كنشاط الغلام وما أعقبها في الآخرة كآثار السلام. [قوله عليه السلام:] " تتوارثها الظلمة بالعهود ": الظرف متعلق بالفعل: أي توارثهم بما عهدوا بينهم من ظلم أهل البيت عليهم السلام وغصب حقهم. أو [هو متعلق] ب [قوله] " الظلمة ": أي الذين ظلموا عهد الله وتركوه. " ويتكالبون ": أي يتواثبون. و " المريحة ": المنتنة من [قولهم:] أراحت [الجيفة] إذا ظهر ريحها، أو من أراح البعير إذا مات. قوله عليه السلام: " وعن قليل ": أي بعد قليل من الزمان يتبرأ التابع [من المتبوع]. قال ابن أبي الحديد: ذلك التبرء في القيامة كما ورد في الكتاب العزيز، أما تبرء التابع من المتبوع [فقد] قال تعالى: (قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا) [٧٤ / غافر: ٤٠]. وأما تبرء القائد من المقود: أي المتبوع من التابع فقال تعالى: (إذ تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) [١٦٦ / البقرة: ٢]. وإما الأعم كما دل عليه قوله عليه السلام: " فيتزايلون... " فقال تعالى: (ويوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا) [٢٥ / العنكبوت: ٢٩]. وقوله عليه السلام: " يتزايلون ": أي يفترقون. وطالع الفتنة مقدماتها. وسماها رجوفا لشدة الاضطراب فيها. ولما ذكر عليه السلام رغبتهم في الدنيا وتكالبهم، أراد أن يذكر ما يؤكد التعجب من فعلهم، فأتى بجملة معترضة بين الكلامين فقال: " وعن قليل يتبرء التابع... إلخ ". ثم عاد إلى نظام الكلام فقال: " ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف ". وقال ابن ميثم: أشار عليه السلام إلى منافستهم في الدنيا في إثارة تلك الفتن، ثم أخبر عن انقضائها عن قليل وكنى عن ذلك بتبرء التابع من المتبوع. قيل: [وكان] ذلك التبرء عند ظهور الدولة العباسية، فإن العادة جارية بتبرء الناس عن الولاة المعزولين، خصوصا ممن تولى عزل أولئك أو قتلهم فيتباينون بالبغضاء ويتلاعنون عند اللقاء. [ثم] قال [ابن ميثم:] وقوله عليه السلام: " ثم يأتي [بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف "] إشارة إلى فتنة التتار، إذ الدائرة فيهم كانت على العرب. [ثم] قال: وقال بعض الشارحين: ذلك إشارة إلى الملحمة الكائنة في آخر الزمان، كفتنة الدجال، ووصفها بالرجوف كناية عن اضطراب الناس، أو أمر الإسلام فيها. و [كنى] بقصمها عن هلاك الخلق فيها تشبيها لها بالرجل الشجاع الكثير الزحف إلى أقرانه: أي يمشي إليهم قدما. ونجم الشئ ينجم - بالضم - نجوما: ظهر وطلع. قوله [عليه السلام:] " من أشرف لها ": أي صادمها وقابلها. " ومن سعى فيها ": أي في تسكينها وإطفائها. والحطم: الكسر. والتكادم: التعاض بأدنى الفم. والعانة: القطيع من حمر الوحش، ولعل المراد مغالبة مثيري تلك الفتنة بعضهم لبعض، أو مغالبتهم لغيرهم. ومعقود الحبل: قواعد التي كلفوا بها. وفي إسناد العمى إلى وجه الأمر تجوز. والغيض: القلة والنقص. والمسحل - كمنبر -: السوهان أو المنحت: أي يفعل بهم ما يفعل بالحديد أو الخشب. والرض: الدق. والكلكل: الصدر. والوحدان جمع واحد: أي من كان يسير وحده فإنه يهلك فيها بالكلية، وإذا كانوا جماعة فهم يضلون في طريقها فيهلكون. ولفظ الغبار مستعار للقليل اليسير من حركة أهلها: أي إذا أراد القليل من الناس دفعها هلكوا في غبارها من دون أن يدخلوا في غمارها، وأما الركبان وهم الكثير من الناس فإنهم يهلكون في طريقها وعند الخوض فيها. ويجوز أن يكون الوحدان جمع أوحد: أي يضل في غبار هذه الفتنة وشبهها فضلاء عصرها، لغموض الشبهة واستيلاء الباطل ويكون الركبان كناية عن أهل القوة، فهلاك أهل العلم بالضلال، وهلاك أهل القوة بالقتل. ومر القضاء: الهلاك والاستئصال والبلايا الصعبة. وعبيط الدماء: الطري الخالص منها. وتثلم: أي تكسر. [و] منار الدين: أي أعلامه. [قوله عليه السلام:] " مرعاد مبراق ": أي ذات رعد وبرق تشبيها بالسحاب. أو ذات وعيد وتهدد من [قولهم:] رعد الرجل وبرق إذا أوعد وتهدد. ويحتمل أن يكون [أراد من] الرعد صوت السلاح و [من] البرق ضوءه. وقال [ابن الأثير] في النهاية: الساق في اللغة: الأمر الشديد وكشف الساق: مثل في شدة الأمر، وأصله من كشف الإنسان عن ساقه وتشميره إذا وقع في أمر شديد. قوله عليه السلام: " بريئها ": أي من يعد نفسه بريئا سالما من المعاصي أو الآفات، أو من كان سالما بالنسبة إلى سائر الناس فهو أيضا مبتلى بها، أو المعنى أن من لم يكن مائلا إلى المعاصي أو أحب الخلاص من شرورها لا يمكنه ذلك. قوله عليه السلام: " وظاعنها مقيم ": أي لا يمكنه الخروج عنها. أو من اعتقد أنه متخلف عنها فهو داخل فيها لكثرة الشبه وعموم الضلالة. قوله عليه السلام: " مطلول ": أي مهدر لا يطلب به. [و] " يختلون ": أي يخدعون. [وقوله:] " بعقد الأيمان ": [إما] بصيغة المصدر أو كصرد بصيغة الجمع. و [قوله عليه السلام:] " يختلون ": في بعض النسخ على بناء المجهول، فيكون إخبارا عن حال المخدوعين الذي يختلهم غيرهم بالايمان المعقودة بينهم، أو بالعهود الذي يشدونها بمسح أيمانهم. وفي بعض النسخ على بناء المعلوم فيكون إخبارا من أهل ذلك الزمان جميعا، أو الخادعين الخائنين منهم. و " بغرور الإيمان ": أي بالإيمان الذي يظهره الخادعون لهؤلاء الموصوفين فيغرونهم بالمواعيد الكاذبة، أو الذي يظهره هؤلاء الموصوفون فيغرون الناس به على النسختين. قوله عليه السلام: " أنصاب الفتن ": [الأنصاب] جمع نصب وهو - بالفتح أو التحريك -: العلم أو بمعنى الغاية والحد ومنه أيضا أنصاب الحرم. وفي بعض النسخ: [أنصار الفتن] بالراء. قوله عليه السلام: [والزموا] ما عقد عليه حبل الجماعة ": أي القوانين التي ينتظم بها اجتماع الناس على الحق، وهي التي بنيت عليها أركان الطاعة. [قوله عليه السلام:] " واقدموا على الله مظلومين ": أي كونوا راضين بالمظلومية أو لا تظلموا الناس وإن استلزم ترك الظلم مظلوميتكم. و " مدارج الشيطان ": مذاهبه ومسالكه. " ومهابط العدوان ": المواضع التي يهبط هو وصاحبه فيها. واللعق: جمع لعقة بالضم، وهي اسم لما تأخذه الملعقة. واللعقة بالفتح: المرة منه. فنبه عليه السلام باللعق على قلتها بالنسبة إلى متاع الآخرة، أو المراد لا تدخلوا بطونكم القليل منه فكيف بالكثير. قوله عليه السلام: " [فإنكم] بعين من حرم ": أي بعلمه كقوله تعالى: (تجري بأعيننا) [١٤ / القمر: ٥٤].
نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: فبعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته، بقرآن قد بينه وأحكمه، ليعلم العباد ربهم إذ جهلوه، وليقروا به إذ جحدوه، وليثبتوه بعد إذا أنكروه. فتجلى سبحانه لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، بما أراهم من قدرته، وخوفهم من سطواته، وكيف محق من محق بالمثلات واحتصد من احتصد [واختضد من اختضد " خ "] بالنقمات. وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان، ليس فيه شئ أخفى من الحق ولا
رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٤٥) من كتاب نهج البلاغة. أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه، ولا في البلاد شئ أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر، فقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته، فالكتاب يومئذ وأهله منفيان طريدان، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد، لا يؤويهما مؤو، فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا. واجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ولا يعرفون إلا خطه وزبره. ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة، وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة. وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم وتغيب آجالهم، حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة، وترفع عنه التوبة، وتحل معه القارعة والنقمة. أيها الناس! إنه من استنصح الله وفق، ومن اتخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم، فإن جار الله آمن وعدوه خائف. وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له، وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب والباري من ذي السقم. واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه. فالتمسوا ذلك من عند أهله فإنهم عيش العلم وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، [فهو] بينهم شاهد صادق وصامت ناطق. " أحكمه ": أتقنه. وقيل في قوله تعالى: " كتاب أحكمت آياته " [١ / هود: ١١]: أي أحفظت من فساد المعنى وركاكته. ويمكن أن يكون المراد بالإقرار باللسان، وبالإثبات: التصديق بالقلب. [قوله عليه السلام:] " فتجلى لهم ": أي ظهر وانكشف، وربما يفسر الكتاب هنا بعالم الإيجاد. والمحق: النقض، والمحو والإبطال. والمثلاث: العقوبات. قوله عليه السلام: " واحتصد [من احتصد] ": في بعض النسخ بالمهملتين في الموضعين من الحصاد وهو قطع الزرع والنبات فهو كناية عن استئصالهم. وفي بعضها بالمعجمتين من [قولهم:] اختضد البعير: أي خطمه ليذل. والأول أظهر. والبوار: الهلاك وكساد السوق. وتلاوة الكتاب إما بمعنى قراءته، أو متابعته فإن من اتبع غيره يقال: تلاه. والتحريف بالثاني أنسب. ويقال: تناساه إذا أرى من نفسه أنه نسيه. ونفى الشئ: أي نحاه أو جحده. والطرد: الإبعاد. وأهل الكتاب [هم] أئمة الدين وأتباعهم العالمون بالكتاب العاملون به. قوله عليه السلام: " لأن الضلالة ": أي ضلالتهم مضادة لهدى الكتاب فلم يجتمعا حقيقة وإن اجتمعا ظاهرا. والزبر بالفتح: الكتابة وبالكسر: الكتاب. قوله عليه السلام: " ومن قبل ": أي من قبل ذلك الزمان وإن كان بعده عليه السلام. " ما مثلوا " بالتخفيف والتشديد: أي نكلوا. والظرف أعني قوله: " على الله " متعلق بالفرية، ويحتمل تعلقه بالصدق. والمراد بتغيب آجالهم نسيانهم إياها وترك استعدادهم لها ولما بعدها. والموعود: الموت فإنه لا تقبل فيه معذرة وعند نزوله [لا تقبل] توبة. " والقارعة ": المصيبة التي تقرع: أي تلقى بشدة وقوة. قوله عليه السلام " من استنصح الله " قال: [ابن الأثير] في النهاية: أي اتخذه ناصحا. انتهى. والاعتقاد بكونه تعالى ناصحا وأنه لا يريد للعبد إلا ما هو خير له، يوجب التوفيق بالرغبة في العمل بكل ما أمر [به] والانتهاء عما نهى عنه. قوله عليه السلام: " للتي هي أقوم ": أي للحالة والطريقة التي اتباعها وسلوكها أقوم. [قوله عليه السلام:] " فإن جار الله [آمن] ": أي من أجاره الله أو من كان قريبا منه. وفي بعض النسخ: " عظمته " و " قدرته " بالنصب، فكلمة " ما " فيهما زائدة. قوله عليه السلام: " حتى تعرفوا الذي تركه ": الغرض منه ومما بعده التنفير من أئمة الضلال والتنبيه على وجوب البراءة منهم. [قوله عليه السلام] " فإنهم عيش العلم ": أي أسباب لحياته. قوله عليه السلام: " وصمتهم عن منطقهم ": فإن لصمتهم وقتا وهيئة وحالة تكون قرائن دالة على حسن منطقهم لو نطقوا. قوله عليه السلام: " ولا يختلفون ": أي لا يخالف بعضهم بعضا فيكون البعض مخالفا للحق. [قوله عليه السلام:] " فهو بينهم ": الضمير راجع إلى الدين. [ومعنى قوله:] " شاهد صادق ": أي يأخذون بما حكم به ودل عليه. [قوله عليه السلام:] " وصامت ": لأنه لا ينطق في الظاهر [بنفسه وإنما هو] ناطق بلسان أهله والعالم به.
نهج: [و] من خطبة له عليه السلام: حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله شهيدا وبشيرا ونذيرا، خير البرية طفلا وأنجبها كهلا، أطهر المطهرين شيمة وأجود المستمطرين ديمة. فما احلولت لكم الدنيا في لذتها، ولا تمكنتم من رضاع أخلافها، إلا من بعد [ما] صادفتموها جائلا خطامها، قلقا وضينها، قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود، وحلالها بعيدا غير موجود، وصادفتموها - والله - ظلا ممدودا إلى أجل معدود، فالأرض لكم شاغرة، وأيديكم فيها مبسوطة، وأيدي القادة عنكم مكفوفة، وسيوفكم عليها مسلطة، وسيوفهم عنكم مقبوضة. ألا [وإن] لكل دم ثائرا، ولكل حق طالبا، وإن الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه، وهو الله الذي لا يعجزه من طلب ولا يفوته من هرب. فأقسم بالله يا بني أمية، عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم وفي دار عدوكم. ألا إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخير طرفه، ألا إن أسمع الأسماع ما وعى التذكير وقبله.
رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٠٣) من كتاب نهج البلاغة. أيها الناس! استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متعظ، وامتاحوا من صفو عين قد روقت من الكدر. عباد الله! لا تركنوا إلى جهالتكم ولا تنقادوا لأهوائكم، فإن النازل بهذا المنزل نازل بشفا جرف هار، ينقل الردى على ظهره من موضع لرأي يحدثه بعد رأي، يريد أن يلصق ما لا يلتصق ويقرب ما لا يتقارب. فالله الله أن تشكوا إلى من لا يشكي شجوكم، ولا من ينقض برأيه ما قد أبرم لكم. إنه ليس على الإمام إلا ما حمل من أمر ربه، الإبلاغ في الموعظة، والاجتهاد في النصيحة، والإحياء للسنة، وإقامة الحدود على مستحقيها، وإصدار السهمان على أهلها. فبادروا العلم من قبل تصويح نبته، ومن قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستثار العلم من عند أهله، وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه فإنما أمرتم بالنهي بعد التناهي. [قوله عليه السلام:] " شهيدا ": أي على أوصيائه وأمته وعلى الأنبياء وأممهم. والكهل: من جاوز الثلاثين. وقيل: من بلغ الأربعين. وقيل: من جاوز أربعا وثلاثين إلى إحدى وخمسين. والشيمة - بالكسر -: الطبيعة والجبلة. والجود - بالفتح -: المطر الغزير. والديمة - بالكسر -: المطر الدائم في سكون. واحلولى الشئ: صار حلوا ضد المر. والرضاع - بالفتح - مصدر رضع الصبي أمه - بالكسر -: أي امتص ثديها. والأخلاف جمع خلف - بالكسر - وهو حلمة ضرع الناقة، أو الضرع لكل ذات خف وظلف. والجملتان كنايتان عن انتفاعهم وتمتعهم بالدنيا. وصادفته: أي وجدته. والجائل: الدائر المتحرك والذي يذهب ويجئ. وخطام البعير - بالكسر -: الحبل الذي يقاد به. والقلق: المتحرك الذي لا يستقر في مكانه. والوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعير ، كالحزام للسرج. والغرض عدم تمكنهم من الانتفاع بالدنيا وصعوبتها عليهم وعدم انقيادها لهم، كما يستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام ليس زمامها في يد راكبها، قلقة الوضين لا يثبت رحلها تحت راكبها. ويحتمل أن يكون كناية عن استقلال الدنيا واستبدادها في غرور الناس، وإقبالها على أهلها من غير أن يزجرها ويمنعها أحد. والسدر المخضود: الذي انثنت أغصانه من كثرة الحمل. أو الذي قطع شوكه ونزع. وهو كناية عن أكلهم الحرام برغبة كاملة وميل شديد. والظل الممدود: الدائم الذي لا تنسخه الشمس. وشغرت الأرض كمنعت: أي لم يبق بها أحد يحميها ويضبطها. وبلدة شاغرة برجلها: إذا لم تمنع من غارة أحد. [وقال ابن الأثير] في [مادة " شغر " من] النهاية: قيل: الشغر: البعد. وقيل: الاتساع ومنه حديث علي عليه السلام: [" قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها ". وحديثه الآخر:] " فالأرض لكم شاغرة ": أي واسعة. والقادة: ولاة الأمر المستحقون للإمارة والرياسة. وتسلط السيوف: إشارة إلى واقعة الحسين عليه السلام وما كان من بني أمية وغيرهم من القتل وسفك الدماء. والثار: طلب الدم. والمراد بكونه - هنا - كالحاكم في حق نفسه: استيفاؤه الحق بنفسه من غير افتقار إلى بينة وحكم حاكم. والضمير في [قوله:] " تعرفنها " راجع إلى الإمارة، أو إلى الدنيا كالضمائر المتقدمة، وهو إخبار بانتقال الدولة عن بني أمية إلى بني العباس. والطرف - بالفتح -: نظر العين، يطلق على الواحد وغيره. ونفوذه في الخير رؤية المحاسن واتباعها. ووعى الحديث كرمى: أي حفظه وتدبره. والامتياح: نزول البئر وملأ الدلو منها. والترويق: التصفية. والمراد ب " الواعظ " و " العين " [خ " ل "]: نفسه صلوات الله عليه. وركن - كعلم ونصر ومنع -: مال. والهوى: إرادة النفس. والشفا: شفير الشئ وجانبه. والجرف - بالضم وبضمتين -: ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض. والهار: الساقط الضعيف. والردى: جمع رداة بالفتح فيهما وهي الصخرة: أي هو في تعب دائما. وفسر هنا بالهلاك أيضا. وإلصاق ما لا يلتصق وتقريب ما لا يتقارب: إثبات الباطل بحجج باطلة. وأشكاه: أزال شكايته. والشجو: الهم والحزن. وأبرم الأمر: أي أحكمه. و [أحكم] الحبل: أي جعله طاقين ثم فتله. والغرض النهي عن اتباع إمام لا يقدر على كشف المعضلات وحل المشكلات في المعاش والمعاد لقلة البصيرة. وفي بعض النسخ: " ومن ينقض " بدون " لا " فالمعنى لا تتبعوا من ينقض برأيه الفاسد ما أحكمه الشرع. والسهمان - بالضم -: جمع سهم وهو الحظ والنصيب وإيصالها إليهم. وصوح النبات: أي يبس وتشقق أوجف أعلاه، وهو كناية عن ذهاب رونق العلم أو اختفاؤه أو مغلوبيته. والمستثار: مصدر بمعنى الاستثارة وهي الإنهاض والتهييج. والترتيب بين الأمر بالتناهي لا بين النهي والتناهي. ولا يبعد حمله على ظاهره.
الهوامش1
[١]وهكذا فسره ابن الأثير في مادة وضن من كتاب النهاية قال: ووفي حديث على إنك لقلق الوضين أراد أنه سريع الحركة: يصفه بالحنفة وقلة الثبات كالحزام إذا كان رخوا.ص 238
نهج: [و] من خطبة له عليه السلام وهي من خطب الملاحم:
رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٠٦) من كتاب نهج البلاغة. الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه، الظاهر لقلوبهم بحجته، خلق الخلق من غير روية، إذ كانت الرويات لا تليق بذوي الضمائر، وليس بذي ضمير في نفسه. خرق علمه باطن غيب السترات وأحاط بغموض عقائد السريرات. [و] منها في ذكر النبي صلى الله عليه وآله:
Show clickable narrator chain
اختاره من شجرة الأنبياء ومشكاة الضياء وذؤابة العلياء وسرة البطحاء ومصابيح الظلمة وينابيع الحكمة. [و] منها: طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع من ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي، وآذان صم، وألسنة بكم، متبع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة. لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة، فهم في ذلك كالأنعام السائمة والصخور القاسية. قد انجابت السرائر لأهل البصائر، ووضحت محجة الحق لخابطها، وأسفرت الساعة عن وجهها، وظهرت العلامة لمتوسمها. مالي أراكم أشباحا بلا أرواح! وأرواحا بلا أشباح! ونساكا بلا صلاح! وتجارا بلا أرباح! وأيقاظا نوما! وشهودا غيبا وناظرة عمياء! وسامعة صماء! وناطقة بكماء!. راية ضلالة قد قامت على قطبها، وتفرقت بشعبها، تكيلكم بصاعها وتخبطكم بباعها، قائدها خارج من الملة على الضلة، فلا يبقى يومئذ [منكم] إلا ثفالة كثفالة القدر، أو نفاضة كنفاضة العكم، تعرككم عرك الأديم، وتدوسكم دوس الحصيد، وتستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الطير الحبة البطينة من بين هزيل الحب! أين تذهب بكم المذاهب! وتتيه بكم الغياهب وتخدعكم الكواذب! ومن أين تؤتون! وأنى تؤفكون! فلكل أجل كتاب، ولكل غيبة إياب، فاستمعوا من ربانيكم، وأحضروه قلوبكم، واستيقظوا إن هتف بكم، وليصدق رائد أهله، وليجمع شمله، وليحضر ذهنه، فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة وقرفه قرف الصمغة. فعند ذلك أخذ الباطل مأخذه وركب الجهل مراكبه، وعظمت الطاغية وقلت الداعية، وصال الدهر صيال السبع العقور، وهدر فنيق الباطل بعد كظوم، وتواخى الناس على الفجور، وتهاجروا على الدين، وتحابوا على الكذب، وتباغضوا على الصدق. فإذا كان ذلك كان الولد غيظا، والمطر قيضا، وتفيض اللئام فيضا، وتغيض الكرام غيضا. وكان أهل ذلك الزمان ذئابا، وسلاطينه سباعا، وأوساطه أكالا، وفقراؤه أمواتا، وغار الصدق وفاض الكذب، واستعملت المودة باللسان، وتشاجر الناس بالقلوب، وصار الفسوق نسبا، والعفاف عجبا، ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا! الملحمة هي الحرب أو الوقعة العظيمة فيها. وموضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى. وقيل: [هي مأخوذة] من اللحم. والتجلي: الانكشاف. والخلق الثاني يحتمل المصدر والمخلوق. والروية: التفكر. والمراد بالضمير إما القلب أو ما يضمر من الصور. قوله عليه السلام: " في نفسه ": أي كائن في نفسه أو في حد ذاته إذا تأمل فيه متأمل بنظر صحيح والغامض من الأرض: المطمئن. ومن الكلام وغيره خلاف الواضح. والمشكاة: كوة غير نافذة يجعل فيها المصباح، أو عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، أو القنديل. والذؤابة بالضم مهموزا: الناصية أو منبتها من الرأس. والعلياء بالفتح والمد كل مكان مشرف، والسماء، ورأس الجبل. وسرة البطحاء: وسطها تشبيها بسرة الإنسان. والبطحاء والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. قيل: استعار [عليه السلام] الشجرة لصنف الأنبياء عليهم السلام وفروعها أشخاصهم وثمرتها العلوم والكمالات. ومشكاة الضياء لآل إبراهيم عليه السلام، وذؤابة العلياء لقريش، وسرة البطحاء لمكة، والمصابيح والينابيع هم الأنبياء عليهم السلام. والمراد بالطبيب: نفسه عليه السلام. والدوران بالطب: إتيان المرضى وتتبعهم، فهو تعريض للأصحاب بقعودهم عما يجب عليهم. أو المراد بيان كمال الطبيب، فإن الدوار أكثر تجربة من غيره كما قيل. والمرهم: طلاء لين يطلى به الجرح مشتق من الرهمة بالكسر وهي المطر الضعيف وإحكامها: إتقانها ومنعها عن الفساد. والوسم: أثر الكي والميسم - بالكسر -: المكواة. وأحماها: أي أسخنها ولعل إحكام المراهم إشارة إلى البشارة بالثواب، أو الأمر بالمعروف. وإحماء المواسم: [إشارة] إلى الإنذار من العقاب، أو النهي عن المنكر وإقامة الحدود. وقدح بالزند - كمنع -: رام الإيراء به واستخرج النار منه. والزند - بالفتح -: العود الذي يقدح به النار. وثقبت النار اتقدت. وثقب الكواكب: أضاء. والقاسية: الشديدة والغليظة. وانجابت السحابة: انكشفت. والمراد بالسرائر، ما أضمره المعاندون للحق في قلوبهم من إطفاء نور الله وهدم أركان الشريعة. وقيل: إشارة إلى انكشاف ما يكون بعده لنفسه القدسية ولأهل البصائر من استيلاء بني أمية وعموم ظلمهم. أو انكشاف أسرار الشريعة لأهلها. والخابط: السائر على غير هدى ولعل المراد أن ضلالهم ليس لخفاء الحق، بل للاصرار على الشقاوة والنفاق. وسفر الصبح وأسفر: أضاء وأشرق. وأسفرت المرأة: كشفت عن وجهها. والمراد بإسفار الساعة وظهور العلامة: قرب القيامة بعدم بقاء نبي ينتظر بعثته، وظهور الفتن والوقائع التي هي من أشراطها. والشبح - بالتحريك -: سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد. والمراد بكونهم أشباحا بلا أرواح: تشبيههم بالجمادات والأموات في عدم الانتفاع بالعقل، وعدم تأثير المواعظ فيهم كما قال تعالى: (كأنهم خشب مسندة) [٤ / المنافقون: ٦٣]. وأما كونهم أرواحا بلا أشباح فقيل: المراد بيان نقصهم، لأن الروح بلا جسد ناقصة عاطلة عن الأعمال. وقيل: إشارة إلى خفتهم وطيشهم في الأفعال. وقيل: المراد أن منهم من هو كالجماد والأموات، ومنهم من له عقل وفهم ولكن لا قوة له على الحرب، فالجميع عاطلون عما يراد بهم. وقيل: المراد أنهم إذا خافوا ذهلت عقولهم وطارت ألبابهم، فكانوا كأجسام بلا أرواح، وإذا أمنوا تركوا الاهتمام بأمورهم كأنهم أرواح لا تعلق لهم بالأجسام. والنساك: العباد: أي ليست عبادتهم مقرونة بالإخلاص وعلى الوجه المأمور به ومع الشرائط المعتبرة، فإن منها معرفة الإمام وطاعته. وكونهم تجارا بلا أرباح لعدم ترتب الثواب على أعمالهم. وقوله عليه السلام: " راية ضلالة ": منقطع عما قبله التقطه السيد [الرضي] رضي الله عنه من كلامه [عليه السلام] على عادته، وكأنه إشارة إلى ما يحدث في آخر الزمان من الفتن كظهور السفياني وغيره. والقطب: حديدة تدور عليها الرحى، وملاك الأمر ومداره وسيد القوم. وقيامها على قطبها كناية عن انتظام أمرها وتفرق شعبها عن انتشار فتنتها في الآفاق وتولد فتن أخر عنها. وقيل: ليس التفرق للراية نفسها، بل لنصارها وأصحابها. وحذف المضاف، ومعنى تفرقهم أنهم يدعون إلى تلك الدعوة المخصوصة في بلاد متفرقة. [قوله عليه السلام:] " وتكيلكم بصاعها ": أي تأخذهم للإهلاك زمرة زمرة، كالكيال يأخذ ما يكيله جملة جملة. أو يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم، ويتلاعبون بكم يرفعونكم ويضعونكم كما يفعل كيال البر بها إذا كاله بصاعه. أو تكيل لكم بصاعها على حذف اللام كما في قوله تعالى: (وإذا كالوهم) [٣ / المطففين: ٣٦]: أي تحملكم على دينها ودعوتها، وتعاملكم بما يعامل به من استجاب لها أو تفرز لكم من فتنها شيئا ويصل إلى كل منكم نصيب منها. والخبط - بالفتح -: ضرب الشجر بالعصى ليتناثر ورقها، وخبط البعير الأرض بيده خبطا: أي ضربها. والكلام على الوجهين يفيد الذلة والانقهار. والقيام على الضلة: الاصرار على الضلال. وثفالة القدر - بالضم -: ما ثفل فيه من الطبيخ، وهي كناية عن الأراذل ومن لا ذكر له بين الناس لعدم الاعتداد بقتلهم. والنفاضة - بالضم -: ما سقط من النفض. والعكم - بالكسر -: العدل، ونمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها. [و] قال [ابن الأثير] في [مادة " عكم " من] النهاية: العكوم: الأحمال التي تكون فيها الأمتعة وغيرها، واحدها عكم بالكسر، ومنه حديث علي عليه السلام: " نفاضة كنفاضة العكم ". انتهى. والمراد بها ما يبقى في العدل بعد التخلية من غبار أو بقية زاد لا يعبأ بها فتنفض. وعركه - كنصره -: دلكه وحكه. والأديم: الجلد أو المدبوغ منه. وداس الرجل الحنطة: دقها ليخرج الحب من السنبل. والحصيد الزرع المقطوع. واستخلصه لنفسه: أي استخصه. والغرض تخصيص المؤمن بالقتل والأذى. والبطينة: السمينة. والهزيل ضد السمين. قوله عليه السلام: " أين تذهب بكم " الباء في الموضعين للتعدية. والمذاهب: الطرق والعقائد وإسناد الإذهاب إليها على التجوز للمبالغة. وتاه يتيه تيها - بالفتح والكسر -: أي تحير وضل. والغيهب: الظلمة والشديد السواد من الليل. والكواذب: الأماني الباطلة والأوهام الفاسدة. قوله [عليه السلام:] " ومن أين تؤتون " على بناء المجهول: أي من أي جهة وطريق يأتيكم من يضلكم من الشياطين أو تلك الأمراض! " وأنى تؤفكون ": أي أنى تصرفون عن قصد السبيل! وأين تذهبون!. قوله عليه السلام: " فلكل أجل كتاب ": أي لكل أمد ووقت حكم مكتوب على العباد. والإياب - بالكسر -: الرجوع. قيل: هذا الكلام منقطع عما قبله. وقيل: تهديد بالإشارة إلى قرب الموت، وأنهم بمعرض أن يأخذهم على غفلتهم. والرباني: منسوب إلى الرب، وفسر بالمتأله العارف بالله، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله، أو العالم المعلم، والمراد: نفسه عليه السلام. وإحضار القلب: الإقبال التام إلى كلامه ومواعظه. قوله عليه السلام: " إن هتف بكم " بكسر الهمزة وفي بعض النسخ بالفتح: أي لهتافه بكم وهو الصياح. والرائد: الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلاء ومساقط الغيث، وفي المثل: " لا يكذب الرائد أهله ". ولعل المراد بالرائد: نفسه عليه السلام: أي وظيفتي وشأني الصدق فيما أخبركم به مما تردون عليه من الأمور المستقبلة في الدنيا والآخرة، كما أن وظيفتكم الاستماع وإحضار القلب. والشمل ما تشتت من الأمر والمراد به الأفكار والعزائم: أي يجب علي التوجه إلى نصحكم وتذكيركم بقلب فارغ عن الوساوس والشواغل، وإقبال تام على هدايتكم. ويحتمل أن يراد بالشمل من تفرق من القوم في فيافي الضلالة. والفاعل في [قوله] " فلق " هو الرائد. وقيل: المراد بالرائد: الفكر، لكونه مبعوثا من قبل النفس في طلب مرعاها وماء حياتها من العلوم وسائر الكمالات، فكنى به عنه وأهله هو النفس، فكأنه عليه السلام قال: فلتصدق أفكاركم ومتخيلاتكم نفوسكم، وصدقها إياها تصرفها على حسب إشارة العقل بلا مشاركة الهوى. أو المراد بالرائد: أشخاص من حضر عنده، فإن كلا منهم له أهل وقبيلة يرجع إليهم، فأمرهم أن يصدقهم بتبليغ ما سمع على الوجه الذي ينبغي والنصيحة والدعوة إليه. وقوله [عليه السلام:] " وليجمع شمله ": أي ما تفرق وتشعب من خواطره في أمور الدنيا ومهماتها. " وليحضر ذهنه ": أي يوجهه إلى ما أقول. انتهى. والفلق: الشق. والخرزة - بالتحريك -: الجوهر. " وقرفه قرف الصمغة ": أي قشره كما تقشر الصمغة من عود الشجرة وتقلع، لأنها إذا قلعت لم يبق لها أثر، وهذا مثل، والمعنى أوضح لكم أمر الفتن أو طريق الحق إيضاحا تاما، فأظهر لكم باطن الأمر كما يرى باطن الخرزة بعد شقها، ولا أدخر عنكم شيئا بل ألقي الأمر بكليته إليكم. قوله عليه السلام: " فعند ذلك " قيل: هو متصل بقوله: " من بين هزيل الحب "، فيكون التشويش من السيد رضي الله عنه. ويمكن أن يكون إشارة إلى كلام آخر سقط من البين. [قوله عليه السلام:] " وأخذ الشئ مآخذه ": أي تمكن واستحكم. والطاغية مصدر بمعنى الطغيان أو صفة محذوف: أي الفئة الطاغية. وكذا الداعية تحتمل الوجهين. وفي بعض النسخ " الراعية " بالراء المهملة. والفنيق: الفحل من الإبل " وهدر " ردد صوته في حنجرته في غير شقشقة. والكظوم: الامساك والسكوت. وكون الولد غيظا لكثرة العقوق أو لاشتغال كل امرء بنفسه، فيتمنى أن لا يكون له ولد. والمطر قيضا. بالضاد المعجمة: أي كثيرا. قيل: إنه من علامات تلك الشرور أو من أشراط الساعة. وقيل: إنه أيضا من الشرور إذا جاوز الحد. وفي بعض النسخ بالظاء المعجمة: وهو صميم الصيف وهو المطابق لما في النهاية، قال: ومنه حديث أشراط الساعة: " أن يكون الولد غيضا والمطر قيضا "، لأن المطر إنما يراد للنبات وبرد الهواء، والقيظ ضد ذلك انتهى. وحينئذ يحتمل أن يكون المراد تبدل المطر بشدة الحر وقلة المطر، أو كثرته في الصيف دون الربيع والشتاء. أو المراد أنه يصير سببا لاشتداد الحر لكثرته في الصيف، إذ تثور به الأبخرة ويفسد الهواء، أو يصير على خلاف العادة سببا لشدة الحر. " وتفيض اللئام ": أي تكثر. و " تغيض الكرام ": أي تقل. [قوله عليه السلام:] " وأهل ذلك الزمان ": أي أكابرهم. " أكالا " بالضم والتشديد: جمع آكل. وقال بعض الشارحين: روي " أكالا " بفتح الهمزة وتخفيف الكاف يقال: ما ذقت أكالا: أي طعاما، وقال: لم ينقل هذا إلا في النفي، فالأجود الرواية الأخرى وهي " آكالا " بمد الهمزة على أفعال جمع أكل وهو ما أكل، وقد روي " أكالا " بضم الهمزة على فعال. وقالوا: إنه جمع آكل للمأكول كعرق وعراق، إلا أنه شاذ: أي صار أوساط الناس طعمة للولاة وأصحاب السلاطين كالفريسة للأسد. وغار الماء: ذهب في الأرض. وفاض: أي كثر حتى سال. وفي بعض النسخ " وفار الكذب ". قوله عليه السلام: " وصار الفسوق نسبا ": أي يحصل أنسابهم من الزنا. وقيل: أي يصير الفاسق صديقا للفاسق حتى يكون ذلك كالنسب بينهم. وأما لبسهم الإسلام لبس الفرو فالظاهر أن المراد به: تبديل شرائع الإسلام وقلب أحكامه، أو إظهار النيات الحسنة والأفعال الحسنة وإبطان خلافها. وقيل: وجه القلب، أنه لما كان الغرض الأصلي من الإسلام أن يكون باطنا ينتفع به القلب ويظهر به منفعة، فقلب المنافقون غرضه واستعملوه بظاهر ألسنتهم دون قلوبهم، فأشبه قلبهم له لبس الفرو، إذ كان أصله أن يكون حمله ظاهرا لمنفعة الحيوان الذي هو لباسه، فاستعمله الناس مقلوبا.
نهج: [و] خطبة له عليه السلام:
رواه الشريف الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٧٢) من كتاب نهج البلاغة. أمين وحيه وخاتم رسله وبشير رحمته ونذير نقمته. أيها الناس! إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعملهم بأمر الله فيه . فإن شغب شاغب استعتب، فإن أبى قوتل. ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس ما إلى ذلك سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار. ألا وإني أقاتل رجلين: رجلا ادعى ما ليس له، وآخر منع الذي عليه. أوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما تواصى العباد به وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة، ولا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر والعلم بمواقع الحق، فامضوا لما تؤمرون به وقفوا لما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر حتى تبينوا فإن لنا مع كل أمر تنكرونه غيرا. ألا وإن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها وأصبحت تغضبكم وترضيكم، ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له ولا الذي دعيتم إليه. ألا وإنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها، وهي وإن غرتكم منها فقد حذرتكم شرها، فدعوا غرورها لتحذيرها، وأطماعها لتخويفها، وسابقوا فيها إلى الدار التي دعيتم إليها، وانصرفوا بقلوبكم عنها، ولا يخنن أحدكم خنين الأمة على ما زوي عنه منها، واستتموا نعمة الله عليكم بالصبر على طاعة الله، والمحافظة على ما استحفظكم من كتابه. ألا وإنه لا يضركم تضييع شئ من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم. وأعلمهم ومثل ما في الهامش في شرح ابن أبي الحديد، ولكن المستفاد من شرح ابن ميثم رحمه الله انه كان في نسخته من نهج البلاغة: وأعملهم بتقديم الميم على اللام. ألا وإنه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شئ حافظتم عليه من أمر دنياكم، أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر. قوله عليه السلام: " بهذا الأمر ": أي الخلافة. " أقواهم عليه ": أي أحسنهم سياسة وأشجعهم، و [هذا] يدل على عدم جواز إمامة المفضول لا سيما مع قوله عليه السلام: " فان شغب... إلى آخره ". والشغب بالتسكين: تهييج الشر. والمراد بالاستعتاب: طلب الرجوع بالمراسلة والكلام ونحوهما. قوله عليه السلام: " لئن كانت الإمامة " قال ابن أبي الحديد: هذا تصريح بصحة مذهب أصحابنا في أن الاختيار طريق إلى الإمامة، ويبطل قول الإمامية من دعوى النص، وأنه لا طريق إلى الإمامة سوى النص. انتهى. [أقول:] وفيه نظر، أما أولا: فلأنه [عليه السلام] إنما احتج عليهم بالإجماع، إلزاما لهم لاتفاقهم على العمل به في خلافة أبي بكر وأخويه، وعدم تمسكه عليه السلام بالنص لعلمه عليه السلام بعدم التفاتهم إليه. كيف وقد أعرضوا عنه في أول الأمر مع قرب العهد بالرسول صلى الله عليه وآله وسماعهم عنه. وأما ثانيا: فلأنه عليه السلام لم يتعرض للنص نفيا وإثباتا، فكيف يكون مبطلا لما ادعاه الإمامية من النص؟! والعجب أنه جعل هذا تصريحا بكون الاختيار طريقا إلى الإمامة! ونفى الدلالة في قوله عليه السلام: " إن أحق الناس بهذا الأمر... " على نفي إمامة المفضول مع قوله عليه السلام: " فإن أبى قوتل ". مع أنه لم يصرح بأن الإمامة تنعقد بالاختيار، بل قال: إنها لا تتوقف على حضور عامة الناس، ولا ريب في ذلك، نعم يدل بالمفهوم عليه وهذا تقية منه عليه السلام. ولا يخفى على من تتبع سيره عليه السلام أنه لم يمكنه إنكار خلافتهم والقدح فيها صريحا في المجامع، فلذا عبر بكلام موهم لذلك. قوله عليه السلام: " وأهلها يحكمون ": وإن كان موهما له أيضا، لكن يمكن أن يكون المراد بالأهل الأحقاء بالإمامة. ولا يخفى على المتأمل أن ما مهد عليه السلام أولا بقوله: " إن أحق الناس أقواهم " يشعر بإن عدم صحة رجوع الشاهد واختيار الغائب، إنما هو في صورة الاتفاق على الأحق دون غيره، فتأمل. قوله عليه السلام: " رجلا ادعى ": كمن ادعى الخلافة. " وآخر منع ": كمن لا يطيع الإمام أو يمنع حقوق الله. " وخير عواقب الأمور ": عاقبة كل شئ آخره. والتقوى خير ما ختم به العمل في الدنيا أو عاقبتها خير العواقب. وقوله عليه السلام: " هذا العلم " بكسر العين أو بالتحريك كما في بعض النسخ، فعلى الأول: المعنى أنه لا يعلم وجوب قتال أهل القبلة وموقعه وشرائطه. وعلى الثاني: إشارة إلى حرب أهل القبلة والقيام به. ويحتمل على بعد أن يراد به الإمامة المشار إليها بقوله: " أحق الناس بهذا الأمر " فيكون إشارة إلى بطلان خلافة غير أهل البصر والصبر والعلم بمواقع الحق. قال ابن أبي الحديد: وذلك لأن المسلمين عظم عندهم حرب أهل القبلة وأكبروه، ومن أقدم منهم عليه أقدم مع خوف وحذر. قال الشافعي: لولا علي عليه السلام لما علم شئ من أحكام أهل البغي. قوله عليه السلام: " فإن لنا " قال ابن ميثم: أي إن لنا مع كل أمر تنكرونه تغييرا: أي قوة على التغيير، إن لم يكن في ذلك الأمر مصلحة في نفس الأمر، فلا تتسرعوا إلى إنكار أمر نفعله حتى تسألوا عن فائدته، فإنه يمكن أن يكون إنكاركم لعدم علمكم بوجهه. [و] قال ابن أبي الحديد: أي لست كعثمان أصبر على ارتكاب ما أنهى عنه، بل أغير كلما ينكره المسلمون ويقتضي الحال والشرع تغييره. انتهى. ويمكن أن يكون المعنى أن لنا مع كل أمر تنكرونه تغييرا: أي ما يغير إنكاركم ويمنعكم عنه من البراهين الساطعة أو الأعم منها، ومن السيوف القاطعة إن لم تنفعكم البراهين. وفي ذكر إغضاب الدنيا توبيخ لأهلها بالرغبة في شئ لا يراعي حقهم كما قال عليه السلام: " رغبتك في زاهد فيك ذل نفس ". وغرور الدنيا بتزيين الزخارف لأهلها وإغفالهم عن الفناء وتحذيرها بما أراهم من الفناء وفراق الأحبة ونحو ذلك. والدار التي دعوا إليها هي الجنة. قوله عليه السلام: " ولا يخنن أحدكم ": الخنين بالخاء المعجمة: ضرب من البكاء دون الانتحاب. وأصله خروج الصوت من الأنف كالحنين من الفم. ويروى بالمهملة أيضا، وإضافته إلى الأمة، لأن الإماء كثيرا ما يبكين ويسمع الحنين منهن، والحرة تأنف من البكاء والحنين. وزواه عنه: صرفه وقبضه. وفي بعض النسخ: " ما زوي عنه ": أي عن أحدكم ولعله أظهر. والصبر على الطاعة: حبس النفس عليها كقوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) [٢٨ / الكهف: ١٨]، أو عدم الجزع من شدتها أو من البلايا إطاعة لله، وعلى أي حال هو من الشكر الموجب للمزيد فيه بطلب تمام النعمة. و " من " في قوله: " من كتابه " بيان ل " ما ". والقائمة: واحدة قوائم الدواب. وقائمة السيف: مقبضه. ولعل المراد بقائمة الدين. أصوله وما يقرب منها، ويحتمل أن تكون الإضافة بيانية، فإن الدين بمنزلة القائمة لأمور الدنيا والآخرة.
الهوامش1
[١]كذا في متن طبع الكمباني من البحار، وذكر في هامشه نقلا عن نسخة من نهج البلاغة:ص 249
نهج: [و] من خطبة له عليه السلام
رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (٨٧) من كتاب نهج البلاغة. أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور وتلظ من الحروب، [و] الدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست أعلام الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف. فاعتبروا عباد الله! واذكروا تيك التي آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون وعليها محاسبون، ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون، وما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد. والله ما أسمعكم الرسول صلى الله عليه وآله شيئا إلا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس، ولا شقت لهم الأبصار وجعلت لهم الأفئدة في ذلك الأوان إلا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان. ووالله ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه، ولا أصفيتم به وحرموه، ولقد نزلت بكم البلية جائلا خطامها، رخوا بطانها، فلا يغرنكم ما أصبح فيه أهل الغرور، فإنما هو ظل ممدود إلى أجل معدود. " فترة [من الرسل ": الفترة] بين الرسل انقطاع الوحي والرسالة. والهجعة: النومة من الليل أو من أوله. والمراد نوم غفلة الأمم. والاعتزام: العزم، كأن الفتنة مصممة للفساد والهرج. والاعتزام أيضا: لزوم القصد في المشي، فالمعنى أنها مقتصدة في مشيها لاطمئنانها وأمنها. ويروى [" واعترام من الفتن "] بالراء المهملة: أي كثرة [من الفتن.]. ويروى " [و] اعتراض " من اعترض الفرس في الطريق: إذا مشى عرضا. والتلظي: التلهب. وفي إضافة الكسف إلى النور توسع. وغار الماء: ذهب وكذا اغوراره: ذهابه في الأرض. والتجهم: العبوس. وطعامها الجيفة: أي الحرام، لأنهم كانوا يأخذونه بالنهب والغارات. أو الميتة لأنهم لم يكونوا يذبحون الحيوانات، ولما كان الخوف باطنا شبهه بالشعار والسيف ظاهرا شبهه بالدثار. و " تيك ": إشارة إلى الدنيا أو أعمالهم القبيحة و " الأحقاب ": جمع حقب بضمتين وهو الدهر. " ووالله ما بصرتم ": لما بين عليه السلام أولا أنه لم تكن الهداية للسابقين أكمل من جهة الفاعل ولا القابل فقطع عذر الحاضرين من هذه، وكان مظنة أن يدعي مدع منهم العلم بأمر يقتضي العدول عن المتابعة لم يعلم به آباؤهم، دفع عليه السلام ذلك التوهم بهذا الكلام. والصفي: ما يصفه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة. ولعل المراد بالبلية فتنة معاوية. وقوله عليه السلام: " جائلا خطامها ": كناية عن خطرها وصعوبة حالها [بالنسبة إلى] من ركن إليها وركبها، أو عن كونها مالكة لأمرها، فإن البعير إذا لم يكن له من يقوده يجول خطامه والخطام: الزمام. والبطان: الحزام التي تجعل تحت بطن البعير، رخاوتها مستلزمة لصعوبة ركوبها. وتشبيه الدنيا وزخارفها بالظل لعدم تأصله في الوجود ولكونه زائلا بسرعة. والأجل: مدة العمر، ووصفها بالمعدود باعتبار أجزائه وكونه منتهى غاية المد على تقدير مضاف: أي ممدود إلى انقضاء أجل معدود. ويحتمل أن يكون المراد بالأجل غاية العمر، ووصفه بالمعدود على المجاز.
يف: محمد بن محمد النيسابوري، بإسناد متصل إلى جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه عن جده عليه السلام:
Show clickable narrator chain
أن عليا كان في حلقة من رجال قريش ينشدون الأشعار ويتفاخرون حتى بلغوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: قل يا أمير المؤمنين فقد قال أصحابك. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الله وفقنا لنصر محمد * وبنا أقام دعائم الإسلام وبنا أعز نبيه وكتابه * وأعزنا بالنصر والإقدام في كل معركة تطير سيوفنا * فيها الجماجم عن فراش الهام ينتابنا جبريل في أبياتنا * بفرائض الإسلام والأحكام فنكون أول مستحل حله * ومحرم لله كل حرام نحن الخيار من البرية كلها * وإمامها وإمام كل إمام الخائضون غمار كل كريهة * والضامنون حوادث الأيام إنا لنمنع من أردنا منعه * ونجود بالمعروف والإنعام فقالوا: يا أبا الحسن ما تركت لنا شيئا نقوله . الأبيات موجودة في الديوان وزاد بعد السابع: والمبرمون قوى الأمور بعزة * والناقضون مرائر الإبرام و [زاد] بعد الأخير: وترد عادية الخميس سيوفنا * ونقيم رأس الأصيد القمقام والدعامة - بالكسر -: عماد البيت. وفراش الرأس: عظام دقاق تلي القحف. وفي الديوان: " فراخ الهام ". وقال [الجوهري] في [كتاب] الصحاح، وقول الفرزدق: ويوم جعلنا البيض فيه لعامر * مصممة تفآ فراخ الجماجم يعني به الدماغ. [وبدل] قوله عليه السلام: " ينتابنا " [ورد] في الديوان: " يزورنا ". [وبدل] قوله عليه السلام: " وإمامها " [ورد] في الديوان: " ونظامها وزمام كل زمام " [وبدل قوله: " الخائضون غمار.. " ورد في الديوان:] " الخائضو غمرات كل كريهة " والقوى: جمع القوة وهي الطاقة من الحبل. والمرير من الحبال: ما لطف وطال واشتد فتله، والجمع: المرائر. والعادية: الظلم والشر. وفي بعض النسخ: [الغادية] بالمعجمة وهي سحابة تنشأ سحابا. والأصيد: الملك. والقمقام: السيد.
الهوامش2
[١٠٠٢]رواه السيد ابن طاووس رفع الله مقامه في الحديث ١٢٧ من كتاب الطرائف ص ١٩.ص 254
[١]هذا هو الظاهر، وفي أصلي من البحار ما تركت شيئا إلا تقوله.ص 255
ختص: أحمد بن محمد بن عيسى عن عمر بن عبد العزيز عن غير واحد [من أصحابنا] منهم بكار بن كردم وعيسى بن سليمان عن أبي عبد الله عليه السلام قالوا سمعناه يقول:
Show clickable narrator chain
جاءت امرأة متنقبة وأمير المؤمنين عليه السلام على المنبر، وقد قتل أخاها وأباها فقالت: هذا قاتل الأحبة. فنظر إليها أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا سلفع يا جرية يا بذية يا متكبرة، يا التي لا تحيض كما تحيض النساء، يا التي على هنها شئ بين مدلى. فمضت [المرأة] وتبعها عمرو بن حريث - وكان عثمانيا - فقال: يا أيتها المرأة إنا لا نزال يسمعنا [علي] العجائب، ما ندري حقها من باطلها، وهذه داري فادخلي فإن لي أمهات أولاد حتى ينظرن حقا ما قال أم باطلا؟ وأهب لك شيئا. فدخلت [المرأة بيت عمرو] فأمر أمهات أولاده فنظرن إليها، فإذا شئ على ركبها مدلى فقالت: يا ويلها اطلع منها علي بن أبي طالب على شئ لم تطلع [عليه] إلا أمي أو قابلتي. قال: ووهب لها عمرو بن حريث شيئا.
الهوامش1
[١٠٠٣]١٠٠٤ - رواهما الشيخ المفيد قبيل وصايا لقمان، إلى ولده في أواخر كتاب الاختصاص ص ٢٩٧ - ٢٩٨ ط النجف. وروى نحوهما فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره بسندين.ص 256
ختص: اليقطيني وإبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن حماد عن الحارث بن حصيرة عن ابن نباتة قال:
Show clickable narrator chain
كنا وقوفا على أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة وهو يعطي العطاء في المسجد، إذ جاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين أعطيت العطاء جميع الأحياء ما خلا هذا الحي من مراد لم تعطهم شيئا فقال [لها]: اسكتي يا جريئة يا بذيئة يا سلفع يا سلقلق يا من لا تحيض كما تحيض النساء! قال: فولت فخرجت من المسجد فتبعها عمرو بن حريث فقال لها: أيتها المرأة قد قال علي فيك ما قال أفصدق عليك؟ فقالت: والله ما كذب وإن كل ما رماني به لفي، وما أطلع علي أحد إلا الله الذي خلقني وأمي التي ولدتني. فرجع عمرو بن حريث فقال: يا أمير المؤمنين تبعت المرأة فسألتها عما رميتها به في بدنها، فأقرت بذلك كله، فمن أين علمت ذلك؟ فقال [عليه السلام]: إن رسول الله صلى الله عليه وآله علمني ألف باب من الحلال والحرام، يفتح [من] كل باب ألف باب، حتى علمت المنايا والوصايا وفصل الخطاب وحتى علمت المذكرات من النساء، والمؤنثين من الرجال.
ختص: عباد بن سليمان عن محمد بن سليمان عن أبيه عن هارون بن الجهم عن ابن طريف عن أبي جعفر عليه السلام قال:
Show clickable narrator chain
بينا أمير المؤمنين عليه السلام يوما جالسا في المسجد وأصحابه حوله، فأتاه رجل من شيعته فقال له: يا أمير المؤمنين إن الله يعلم أني أدينه بولايتك وأحبك في السر كما أحبك في العلانية، وأتولاك في السر كما أتولاك في العلانية. فقال له أمير المؤمنين [عليه السلام]: صدقت، أما للفقر فاتخذ جلبابا، فإن الفقر أسرع إلى شيعتنا من السيل إلى قرار الوادي! قال: فولى الرجل وهو يبكي فرحا لقول أمير المؤمنين [عليه السلام له]: " صدقت " قال: وكان هناك رجل من الخوارج وصاحب له قريبا من أمير المؤمنين، فقال أحدهما: الله إن رأيت كاليوم قط، انه أتاه رجل فقال له: إني أحبك فقال له: صدقت. فقال له الآخر: ما أنكرت من ذلك! أيجد بدا من أن إذا قيل [له]: " إني أحبك " أن يقول: صدقت؟ أتعلم أني أحبه! فقال: لا. قال: فأنا أقوم فأقول له مثل ما قال له الرجل فيرد علي مثل ما رد عليه. قال: نعم. فقام الرجل فقال له مثل مقالة الرجل الأول، فنظر [أمير المؤمنين] إليه مليا ثم قال: كذبت لا والله ما تحبني ولا أحببتني [يوما]. قال: فبكى الخارجي ثم قال يا أمير المؤمنين تستقبلني بهذا وقد علم الله خلافه! أبسط يدك أبايعك. فقال علي: على ماذا؟ قال: على ما عمل به أبو بكر وعمر. قال: فمد يده فقال له: اصفق لعن الله الاثنين والله لكأني بك قد قتلت على ضلال ووطئ وجهك دواب العراق ولا يعرفك قومك. قال: فلم يلبث أن خرج عليه أهل النهروان وخرج الرجل معهم فقتل.
الهوامش1
[١٠٠٥]رواه الشيخ المفيد قدس الله نفسه - مع حديثين آخرين في معناه - قبيل وصايا لقمان في أواخر كتاب الاختصاص ص ٣٠٧ ط النجف.ص 257