رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: (١٤٥) من كتاب نهج البلاغة. أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه، ولا في البلاد شئ أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر، فقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته، فالكتاب يومئذ وأهله منفيان طريدان، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد، لا يؤويهما مؤو، فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم، ومعهم وليسا معهم، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا. واجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ولا يعرفون إلا خطه وزبره. ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة، وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة. وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم وتغيب آجالهم، حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة، وترفع عنه التوبة، وتحل معه القارعة والنقمة. أيها الناس! إنه من استنصح الله وفق، ومن اتخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم، فإن جار الله آمن وعدوه خائف. وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له، وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب والباري من ذي السقم. واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه. فالتمسوا ذلك من عند أهله فإنهم عيش العلم وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، [فهو] بينهم شاهد صادق وصامت ناطق. " أحكمه ": أتقنه. وقيل في قوله تعالى: " كتاب أحكمت آياته " [١ / هود: ١١]: أي أحفظت من فساد المعنى وركاكته. ويمكن أن يكون المراد بالإقرار باللسان، وبالإثبات: التصديق بالقلب. [قوله عليه السلام:] " فتجلى لهم ": أي ظهر وانكشف، وربما يفسر الكتاب هنا بعالم الإيجاد. والمحق: النقض، والمحو والإبطال. والمثلاث: العقوبات. قوله عليه السلام: " واحتصد [من احتصد] ": في بعض النسخ بالمهملتين في الموضعين من الحصاد وهو قطع الزرع والنبات فهو كناية عن استئصالهم. وفي بعضها بالمعجمتين من [قولهم:] اختضد البعير: أي خطمه ليذل. والأول أظهر. والبوار: الهلاك وكساد السوق. وتلاوة الكتاب إما بمعنى قراءته، أو متابعته فإن من اتبع غيره يقال: تلاه. والتحريف بالثاني أنسب. ويقال: تناساه إذا أرى من نفسه أنه نسيه. ونفى الشئ: أي نحاه أو جحده. والطرد: الإبعاد. وأهل الكتاب [هم] أئمة الدين وأتباعهم العالمون بالكتاب العاملون به. قوله عليه السلام: " لأن الضلالة ": أي ضلالتهم مضادة لهدى الكتاب فلم يجتمعا حقيقة وإن اجتمعا ظاهرا. والزبر بالفتح: الكتابة وبالكسر: الكتاب. قوله عليه السلام: " ومن قبل ": أي من قبل ذلك الزمان وإن كان بعده عليه السلام. " ما مثلوا " بالتخفيف والتشديد: أي نكلوا. والظرف أعني قوله: " على الله " متعلق بالفرية، ويحتمل تعلقه بالصدق. والمراد بتغيب آجالهم نسيانهم إياها وترك استعدادهم لها ولما بعدها. والموعود: الموت فإنه لا تقبل فيه معذرة وعند نزوله [لا تقبل] توبة. " والقارعة ": المصيبة التي تقرع: أي تلقى بشدة وقوة. قوله عليه السلام " من استنصح الله " قال: [ابن الأثير] في النهاية: أي اتخذه ناصحا. انتهى. والاعتقاد بكونه تعالى ناصحا وأنه لا يريد للعبد إلا ما هو خير له، يوجب التوفيق بالرغبة في العمل بكل ما أمر [به] والانتهاء عما نهى عنه. قوله عليه السلام: " للتي هي أقوم ": أي للحالة والطريقة التي اتباعها وسلوكها أقوم. [قوله عليه السلام:] " فإن جار الله [آمن] ": أي من أجاره الله أو من كان قريبا منه. وفي بعض النسخ: " عظمته " و " قدرته " بالنصب، فكلمة " ما " فيهما زائدة. قوله عليه السلام: " حتى تعرفوا الذي تركه ": الغرض منه ومما بعده التنفير من أئمة الضلال والتنبيه على وجوب البراءة منهم. [قوله عليه السلام] " فإنهم عيش العلم ": أي أسباب لحياته. قوله عليه السلام: " وصمتهم عن منطقهم ": فإن لصمتهم وقتا وهيئة وحالة تكون قرائن دالة على حسن منطقهم لو نطقوا. قوله عليه السلام: " ولا يختلفون ": أي لا يخالف بعضهم بعضا فيكون البعض مخالفا للحق. [قوله عليه السلام:] " فهو بينهم ": الضمير راجع إلى الدين. [ومعنى قوله:] " شاهد صادق ": أي يأخذون بما حكم به ودل عليه. [قوله عليه السلام:] " وصامت ": لأنه لا ينطق في الظاهر [بنفسه وإنما هو] ناطق بلسان أهله والعالم به.
Hadith record
bihar-14924
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث
٩٨٥ - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن علي بن [أبي] سيف [المدائني] عن أبي حباب عن ربيعة وعمارة قالا: إن طائفة من أصحاب علي عليه السلام مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين اعط هذه الأموال وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ومن تخاف خلافه من الناس وفراره - قال: وإنما قالوا له ذلك للذي كان معاوية يصنع بمن أتاه - فقال لهم علي عليه السلام:
No. ٩٩٧vol. 34 · pages 232-236
Citation
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 34, Page 232