ج : عن هشام بن الحكم أنه سأل الزنديق الصادق :
Show clickable narrator chain
عن قول من زعم أن الله لم يزل معه طينة موذية فلم يستطع التفصي منها إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها فمن تلك الطينة خلق الاشياء. قال : سبحان الله وتعالى ما أعجز إلها يوصف بالقدرة لا يستطيع التفصي من الطينة! إن كانت الطينة حية أزلية فكانا إلهين قديمين فامتزجا [١]اما المعنيان الاولان فهما بحسب الدقة واحد وهو الذى جبل عليه العقول ولا تأثير للشهرة العرفية في هذه المعانى ، واما الثالث فاحتمال فاسد من اصله لا يحمل عليه الاخبار اذ لا معنى لدعوة القرآن إلى الحقيقة الشرعية من غير بيان ولا إشارة إلغازا وتعمية. ظ ودبرا العالم من أنفسهما ، فإن كان ذلك كذلك فمن أين جاء الموت والفنا ، وإن كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الازلي القديم والميت لا يجيئ منه حي.[١] هذه مقالة الديصانية أشد الزنادقة قولا وأهملهم مثلا ، نظروا في كتب قد صنفتها أوائلهم ، وحبروها لهم بألفاظ مرخزفة من غير أصل ثابت ، ولا حجة توجب إثبات ما ادعوا ، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله ، وتكذيبا بما جاؤوا به عن الله. فأما من زعم أن الابدان ظلمة والارواح نور وأن النور لا يعمل الشر والظلمة لا تعمل الخير فلا يجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصيته ، ولا ركوب حرمة ، ولا إتيان فاحشة ، وأن ذلك على الظلمة غير مستنكر لان ذلك فعلها ، ولاله أن يدعوربا ، ولا يتضرع إليه ، لان النور رب ، والرب لا يتضرع إلى نفسه ، ولا يستعيذ بغيره ، ولا لاحد من أهل هذه المقالة أن يقول : أحسنت وأسأت ، لان الاساءة من فعل الظلمة وذلك فعلها ، والاحسان من النور ، ولا يقول النور لنفسه : أحسنت يا محسن ، وليس هناك ثالث ، فكانت الظلمة على قياس قولهم أحكم فعلا وأتقن تدبيرا وأعز أركانا من النور لان الابدان محكمة فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة ، وكل شئ يرى ظاهرا من الظهر والاشجار والثمار والطير والدواب يجب أن يكون إلها ثم حبست النور في حبسها والدولة لها ، وما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور فدعوى ، وينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل لانه أسير ، وليس له سلطان فلا فعل له ولا تدبير ، وإن كان له مع الظلمة تدبير فما هو بأسير بل هو مطلق عزيز فإن لم يكن كذلك وكان أسير الظلمة فإنه يظهر في العالم إحسان وخير مع فساد وشر ، فهذا يدل على أن الظلمة تحسن الخير وتفعله كما تحسن الشر وتفعله ، فإن قالوا : محال ذلك فلا نور يثبت ولا ظلمة ، وبطلت دعواهم ويرج الامر إلى أن الله واحد وما سواه باطل فهذه مقالة «ماني» الزنديق وأصحابه. وأما من قال : النور والظلمة بينهما حكم فلا بد من أن يكون أكبر الثلاثة [١]وفى نسخة : والميت لا يحيى منه حى. الحكم ، لانه لا يحتاج إلى الحاكم إلا مغلوب ، أو جاهل ، أو مظلوم ، وهذه مقالة المدقونية[١] والحكاية عنهم تطول. قال : فما قصة ماني؟ قال : متفحص أخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية ، فأخطأ الملتين ولم يصب مذهبا واحدا منهما ، وزعم أن العالم دبر من إليهن : نور وظلمة ، وأن النور في حصار من الظلمة على ما حكينا منه فكذبته النصارى وقبلته المجوس. الخبر. توضيح وتحقيق : اعلم أنه 7 أشار في هذا الخبر إلى إبطال مذاهب ثلاث فرق من الثنوية ولنحقق أصل مذاهبهم ليتضح ما أفاده 7 في الرد عليهم. الاول : مذهب الديصانية وهم أصحاب ديصان ، وهم أثبتوا أصلين : نورا و ظلاما ، فالنور يفعل الخير قصدا واختيارا ، والظلام يفعل الشر طبعاواضطرارا ، فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور ، وما كان من شر وضر ونتن وقبح فمن الظلام ، وزعموا أن النور حي عالم قادر حساس دراك ، ومنه تكون الحركة والحياة ، الظلام ميت جاهل عاجز جماد موات ، لا فعل لها ولا تمييز ، وزعموا أن الشر بقع منه طباعا ، وزعموا أن النور جنس واحد ، وكذلك الظلام جنس واحد وأن إدراك النور إدراك متفق ، وأن سمعه وبصره هو حواسه ، وإنما قيل : سميع بصير لاختلاف التركيب لا لانهما في نفسهما شيئان مختلفان. وزعموا أن اللون هو الطعم وهو الرائحة وهو المجسة وأنما وجده لونا لان الظلمة خالطته ضربا من المخالطة ، ووجده طعمالانها خالطته بخلاف ذلك الضرب ، وكذلك يقول في لون الظلمة وطعمها ورائحتهاو مجستها ، وزعموا أن النور بياض كله ، وأن الظلمة سوادكلها ، وزعموا أن النور لم يزل يلقي الظلمة بأسفل صفيحة منه ، وأن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفيحة منها. [١]وفى نسخة : وهذه مقالة المرقوبية. واختلفوافي المزاج والخلاص فزعم بعضهم أن النور دخل الظلمة ، والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ فتأذى بها ، وأحب أن يرققهاويلينها ثم يتخلص منها ، وليس ذلك لاختلاف جسمها ، ولكن كما أن المنشار جنسه حديد وصفيحته لينة وأسنانه خشنة فاللين في النور والخشونة في الظلمة وهما جنس واحد ، فيلطف النور بلينه حتى يدخل فيما بين تلك الفرج فما أمكنه إلا بتلك الخشونة ، فلا يتصور الوصول إلى كمال ووجود إلا بلين وخشونة. وقال بعضهم : بل الظلام لما احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفيحته ودرجه فاجتهد النور حتى يتخلص منه ويدفعها عن نفسه اعتمد عليه فلجج فيه وذلك بمنزلة الانسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجا فيه ، فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه. وقال بعضهم : إن النور إنما دخل الظلام اختيارا ليصلحها ويستخرج منه أجزاء صالحة لعالمه ، فما دخل تشبث به زمانافصار يفعل الجور والقبيح اضطرار لا اختيارا ، ولو انفرد في عالمه ما كان يحصل إلا الخير المحض والحسن البحت ، [١] وفرق بين الفعل الضروري وبين الفعل الاختياري. الثانى : مذهب المانوية أصحاب ماني الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير ، وذلك بعد عيسى 7 أخذ دينا بين المجوسية والنصرانية ، وكان يقول بنبوة المسيح 7 ، ولا يقول بنبوة موسى 7. حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق أن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين : أحدهما نور والآخرة ظلمة ، وأنهما أزليان يزالاولن يزالا ، وأنكر وجود شئ لامن الاصل قديما ، وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين ، سميعين بصيرين ، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان ، والخير والشر متحاذيان تحاذي الشخص والظل : والنور جوهره حسن فاضل كريم صاف نقي طيب الريح حسن المنظر ، ونفسه خيرة كريمة حليمة نافعة عالمة ، وفعله الخير والصلاح والنفع والسرور والترتيب [١]البحت : الصرف الخالص. والنظام والاتفاق ، وجهته فوق ، وأكثرهم على أنه مرتفع من ناحية الشمال. وزعم بعضهم أنه بجنب الظلمة وأجناسه خمسة : أربعة منها أبدان ، والخامسة روحها : فالابدان النار والريح والنور والماء ، وروحها النسيم ، وهي تتحرك في هذه الابدان ، وصفاته حسنة خيرة طاهرة زكية. وقال بعضهم : كون النور لم يزل على مثال هذا العالم له أرض وجو ، وأرض النور لم تزل لطيفة على غير صورة هذه الارض بل على صورة جرم الشمس ، وشعاعها كشعاع الشمس ، ورائحتها طيبة أطيب رائحة ، وألوانها ألوان قوس قزح. وقال بعضهم : ولا شئ إلا الجسم ، والاجسام على ثلاثة أنواع : أرض النور ، وهي خمسة. وهناك جسم آخر ألطف منه وهو الجو وهو نفس النور ، وجسم آخر ألطف منه وهو النسيم وهو روح النور. قال : ولم يزل يولد ملائكة وآلهة أولياء ليس على سبيل المناكحة بل كما يتولد الحكمة من الحكيم ، والنطق الطيب من الناطق. وملك ذلك العالم هو روحه ، ويجمع عالمه الخير والحمد والنور. وأما الظلمة فجوهرها قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر ، و نفسها شريرة لئيمة سفيهة ضارة جاهلة ، وفعلها الشر والفساد ، والضرر والغم و التشويش والاختلاف ، وجهتها تحت ، وأكثرهم على أنها منحطة من جانب الجنوب. وزعم بعضهم : أنها بجنب النور ، وأجناسها خمسة : أربعة منها أبدان والخامسة روحها ، فالابدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب ، وروحها الدخان ، وهو يتحرك في هذه الابدان ، وأما صفاتها فهى خبيثة شريرة نجسة دنسة. وقال بعضهم : كون الظلمة لم يزل على مثال هذا العالم له أرض وجو ، فأعرض الظلمة لم تزل كثيفة لى غير صورة هذا الارض بل هي أكثف وأصلب ، ورائحتها كريهة أنتن الروائح وألوانها السواد. وقال بعضهم : ولا شي ء إلا الجسم ، والاجسام على ثلاثة أنواع : أرض الظلمة ، وجسم آخر أظلم منه وهو الدخان ، وجسم آخر أظلم منه وهو السموم ، وقال : ولم يزل تولد الظلمة وشياطين وعفاريت لا على سبيل المناكحة بل كما يتولد الحشرات من العفونات القذرة قال : وملك ذلك العالم هو روحه ، ويجمع عالمه الشر والذميمة و الظلمة. ثم اختلفت المانوية في المزاج وسببه ، والخلاص وسببه ، قال بعضهم إن النور والظلام امتزجا بالخبط والاتفاق لا بالقصد والاختيار ، وقال أكثرهم : إن سبب الامتزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل فنظرت الروح فرأت الابدان على ممازجة النور ، فأجابتها لاسراعها إلى الشر ، فلما رأى ذلك ملك النور وجه إليها ملكا من ملائكته في خمسة أجزاء من أجناسها الخمسة ، فاختلطت الخمسة النورية بالخمس الظلامية ، فخالط الدخان النسيم ، وإنما الحياة والروح في هذا العالم من النسيم ، والهلاك والآفات من الدخان ، وخالط الحريق النار ، والنور الظلمة ، والسموم الريح ، والضباب الماء. فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور ، وما فيه من مضرة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة ، فلما رأى ملك النور هذه الامتزاج أمر ملكا من ملائكته فخلق هذا العالم على هذه الهيئة ليخلص أجناس النور من أجناس الظلمة ، وإنما سارت الشمس والنجوم والقمر لاستصفاء أجزاء النور من أجزاء الظلمة. هذا ما ذكر الشهرستاني من تحقيق مذهبهم مع خرافات آخر نقلها عنهم. وقال ابن أبي الحديد : قالت المانوية : إن النورلانهاية له من جهة فوق وأما من جهة تحت فله نهاية ، والظلمة لا نهاية لها من جهة أسفل وأما من جهة فوق فلها نهاية ، وكان النور والظلمة هكذا قبل خلق العالم وبينهما فرجة ، وإن بعض أجزاء النور اقتحم تلك الفرجة لينظر إلى الظلمة فأشرقت الظلمة فأقبل عالم كثير من النور فجاءت الظلمة ليستخلص المأمورين من تلك الاجزاء ، [١] وطاعت الحرب واختلط كثير من أجزاء النور بكثير من أجزاء الظلمة ، فاقتضى حكمة نور الانوار وهو الباري سبحانه عندهم أن عمل الارض من لحوم القتلى ، والجبال من عظامهم ، والبحار من صديدهم ودمائهم ، والسماء من جلودهم ، وخلق الشمس والقمر وسيرهما لاستصفاء ما في العالم [١]وفى نسخة : ليتخلص المأمورين من تلك الاجزاء. من أجزاء النور المختلطة بأجزاء الظلمة ، وجعل حول العالم خندقا خارج الفلك الاعلى يطرح فيه الظلام المستصفى ، فهو لا يزال يزيد ويتضاعف ويكثر في ذلك الخندق وهو ظلام صرف قد استصفى نوره. وأما النور المستخلص فيلحق بعد الاستصفاء بعالم الانوار فلا تزال الافلاك متحركة والعالم مستمرا إلى أن يتم استصقاء النور الممتزج ، وحينئذ يبقى من النور الممتزج شئ منعقد باطل لا تقدر النيران على استصفائه ، فعند ذلك تسقط الاجسام العالية ـ وهي الافلاك ـ على الاجسام السافلة ـ وهي الارضون ـ وتفور تضطرم في تلك الاسافل وهي المسماة بجهنم ، ويكون الاضطرام مقدار ألف وأربعمائة سنة ، فتحلل بتلك النار تلك الاجزاء المنعقدة من النورالمتتزجة بأجزاء الظلمة التي عجز الشمس والقمر عن استصفائها فيرتفع إلى عالم الانوار ويبطل حينئذ ، ويعود النور كله إلى حاله الاولى قبل الامتزاج وكذلك الظلمة. الثالث : المرقوبية أثبتوا أصلين متضادين : أحدهما النور ، والثاني الظلمة ، و أثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع وهو سبب المزاج ، فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع ، وقالوا : الجامع دون النور في الرتبة ، وفوق الظلمة وحصل من الاجتماع والامتزاج هذا العالم. ومنهم من يقول : الامتزاج إنما يحصل بين الظلمة والمعدل إذهو قريب منها فامتزج به ليتطيب به ويلتذ ملاذه فبث النور إلى العالم الممتزج روحا مسيحية وهو روح الله وابنه تحننا على المعدل السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم حتى يخلصه من حبائل الشياطين ، فمن اتبعه فلم يلامس النساء ولم يقرب الزهومات أفلت ونجا ، ومن خالفه خسرو هلك. قالوا : وإنما أثبتنا المعدل لان النور الذي هوالله تعالى لا تجوز عليه مخالطة الشيطان ، فإن الضدين يتنافران طبعا ، ويتمانعان ذاتا ونفسا فكيف يجوز اجتماعهما وامتزاجهما؟ فلابد من معدل تكون منزلته دون النور وفوق الظلام فيقع المزاج معه. كذا ذكره الشهرستاني. وقال ابن أبي الحديد : قول المجوس هو أن الغرض من خلق العالم أن يتحصن الخالق جل اسمه من العدو [١] وأن يجعل العالم شبكة له ليوقع العدوفيه ، ويجعله في ربط ووثاق. والعدو عندهم هو الشيطان وبعضهم يعتقد قدمه وبعضهم حدوثه. قال قوم منهم : إن الباري عزوجل استوحش ففكر فكرة ردية فتولد منها الشيطان. وقال آخرون : بل شك شكا رديا فتولد الشيطان من شكه. وقال آخرون : بل تولد من عفونة ردية قديمة. وزعموا أن الشيطان حارب الباري سبحانه ، وكان في الظلمة لم يزل بعيدا عن سلطان الباري سبحانه فلم يزل يزحف حتى رأى النور فوثب وثبة عظيمة فصار في سلطان الله تعالى في النور ، وأدخل معه البلايا والشرور فبنى الله سبحانه هذه الافلاك والارض والعناصر شبكة له ، وهو فيها محبوس لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه الاول والظلمة فهو أبدا يضطرب ويرمي الآفات على خلق الله سبحانه فمن أحياه الله رماه الشيطان بالموت ، ومن أصحه رماه الشيطان بالسقم ، ومن سره رماه الشيطان بالحزن والكأبة فلا يزال كذلك. وكل يوم ينتقص سلطانه وقوته لان الله تعالى يحتال له كل يوم ويضعفه إلى أن تذهب قوته كلها ، ويخمد ويصير جمادا جامدا هوائيا ، و يجمع الله تعالى أهل الاديان فيعذبهم بقدر ما يطهرهم ويصفيهم من طاعة الشيطان ، ويغسلهم من الادناس ثم يدخلهم الجنة وهي لا أكل فيها ولا شرب ولا تمتع ، ولكنها موضع لذة وسرور.
الهوامش · 6⌄
[٢]التفصى : التخلص.ص 209
[٢]اى زينوها وحسنوها بألفاظ أباطيل مموهة.ص 210
[٢]اى زادها ببعض النصرانية.ص 211
[٣]قال الفيروز آبادي : مجوس كصبور رجل صغير الاذنين وضع ذينا ودعا إليه ، معرب «ميج كوش»ص 211
[٤]المجس والمجسة : موضع اللمس.ص 211
[٢]الصديد : القيح المختلط بالدم.ص 214