يف : وإني لاستطرف من الاربعة المذاهب إقدامهم تارة على ترك العمل بوصايا نبيهم محمد 9 التي تضمنتها أخبارهم الصحاح المقدم ذكر بعضها ، وإقدامهم تارة اخرى على تقبيح ذكر نبيهم 9 فيما نسبوه صلوات الله عليه وآله إلى إهمال رعيته وأنه توفي وتركهم بغير وصية بالكلية! وقد روى مسلم في صحيحه في الجزء الثالث من الاجزاء الستة في الثلث الاخيرة منه في كتاب الفرائض بإسناده إلى ابن شهاب عن أبيه
Show clickable narrator chain
أنه سمع رسول الله 9 قال : ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته عنده مكتوبة . وروى نحو ذلك من عدة طرق ، فكيف تقبل العقول أن النبي 9 يقول ما لا يفعل؟ وقد تضمن كتاب الله تعالى « أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون » وقال الله تعالى عمن هو دون محمد 9 من [١]في المصدر : والمخالطة الانبياء « وما اريد أن اخالفكم إلى ما أنهاكم عنه [١] » فكيف يأمر نبينا 9 بالوصية ولو في الشئ اليسير ويتركها هو في الامر الكبير والجم الغفير؟ لا سيما وقدرووا أن الله تعالى عرفه ما يحدث في امته من الاختلاف العظيم ، وسيأتي أخبارهم ببعض ذلك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ، ما هكذا تقتضي صفات السياسة المرضية وعموم الرحمة الالهية وثبوت الشفقة المحمدية ، وكيف يصدق عاقل أو جاهل أن محمدا 9 يترك الامة بأسرها كبيرها وصغيرها غنيها وفقيرها عالمها وجاهلها في ظلمة الحيرة والاختلاف والاهمال والضلال؟ لقد أعاذه الله من هذه الحال ، ولقد نسبوه إلى غير صفاته الشريفة ، وما عرفوا أو عرفوا وجحدوا حقوق ذاته المعظمة المنيفة. ومن الحوادث التي حدثت بطريق ذلك القول وبطريق يلزم الاربعة المذاهب في الامامة بالاختيار من بعض الامة أن الناس لما أرادوا دفع بني هاشم عن حقوقهم ومقام نبيهم وإطراح وصايا النبي 9 بهم ، تعصب قوم لآل حرب وبني امية ، واختاروا منهم خلفاء وبايعوهم ، وتأسوا في ذلك على من جعل الخلافة بالاختيار ، فكان ذلك أيضا سبب وصول الخلافة إلى معاوية الذي قاتل خليفة المسلمين ووصي رسول رب العالمين ، وقاتل وجوه بني هاشم والصحابة والتابعين ، وفعل ما فعل ، وكان ذلك أيضا سبب وصول الخلافة إلى يزيد بن معاوية الذي قتل في أول خلافته الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله 9 ولد رسول الله وأحد سيدي شباب أهل الجنة ، وقد تقدم في رواياتهم من كتبهم الصحاح بعض ما أثبتوه من وصايا النبي 9 فيه وفي أخيه وأبيه وتعظيم الله لهم ودلالته عليهم ما لا حاجة إلى تكراره ، وبلغ يزيد بن معاوية إلى منع الحسين 7 وحرمه على يد عمر بن سعد من شرب ماء الفرات وقتل خواصه وجماعة من أهل بيته ، ثم قتله 7 بعده ونهب رحاله وسلب عياله وحمل رأسه على رماح أهل الاسلام ، وسير حرم رسول الله من العراق إلى الشام على الاقتاب مكشوفات الوجوه بين الاعداء وبين أهل الارتياب ، وأتبع يزيد ذلك بنهب مدينة الرسول 9 فقد رووا في صحاحهم [١]سورة هود : ٨٨. في مسند أبي هريرة وغيره أن النبي 9 لعن من يحدث في المدينة حدثا ، وجعلها حرما ، وكان ذلك النهب على يد مسلم بن عقبة نائبه الذي نفذه إليهم ، وسبى أهل المدينة وبايعهم على أنهم عبيدقن [١] ليزيد بن معاوية ، وأباحها ثلاثة أيام حتى ذكر جماعة من أصحاب التواريخ أنه ولد منهم في تلك المدة أربعة آلاف مولود لا يعرف لهم أب ، وكان في المدينة وجوه بني هاشم والصحابة والتابعين وحرم خلق عظيم من المسلمين ، وأتبع يزيد ذلك في وصيته لمسلم بن عقبة بإنفاذ الحصين بن نمير السكوني لقتال عبدالله ابن الزبير بمكة ، فرمى الكعبة بخرق الحيض والحجارة ! وهتك حرمة حرم الله تعالى وحرم رسوله 9 وتجاهر بالفساد في العباد والبلاد ، وكان ذلك الاختيار سبب وصول الخلافة إلى سفهاء بني امية ، وإلى هرب بني هاشم منهم خوفا على أنفسهم ، وإلى قتل الصالحين والاخيار ، وإلى إحياء سنن الجبابرة والاشرار ، حتى وصل الامر إلى خلافة الوليد بن يزيد الزنديق الذي تفأل يوما من المصحف فخرج « واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد » فرمى المصحف من يده ، وأمر أن يجعل هدفا ورماه بالنشاب ! وأنشد « نظم » تهددني بجبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد! إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد! [١]القن بكسر أوله عبد ملك هو وأبواه. ولو كان المسلمون قد قنعوا باختيار الله تعالى ورسوله لهم وما نص النبي صلى الله عليه وآله عليه من تعيين الخلافة في عترته ما وقع هذا الخلل والاختلاف في امته وشريعته [١].
الهوامش11
[٣]في المصدر : إلى اهمال رعيته وامته.ص 191
[٤]توجد الرواية ونظائرها في صحيح مسلم ٥ : ٧٠.ص 191
[٥]سورة البقرة : ٤٤.ص 191
[٢]القتب : الرحل.ص 192
[٣]في المصدر : مكشفات الوجوه.ص 192
[٢]في المصدر : وحرم خلق كثير. والحرم بالفتحتين ما يحميه الرجل ويدافع عنه. ما لا يحل انتهاكه.ص 193
[٣]في المصدر : فرمى الكعبة بالحجارة.ص 193
[٤]في المصدر : الذى تفأل بالمصحف.ص 193
[٥]سورة ابراهيم : ١٥.ص 193
[٦]النشتاب : السهام الواحدة : نشاية.ص 193
[٧]في المصدر : وأنشد يقول.ص 193