الفضائل : ١٠٩ ١١١. لي إليك حاجة فإن قضيتها فلا كلام ، وإن لم تقضها فما أنا بتاركتك حتى تقضيها لي ، فقال لها : وما حاجتك؟ قالت : حاجتي أن تواقعني! فزجرها وخوفها من الله تعالى فلم يردعها ذلك ، فقالت : والله لئن لم تفعل ما آمرك لارمينك بداهية من دواهي النساء ومكرهم لا تنجو منها ، فلم يلتفت إليها ولم يعبأ بها ، فلما كان في بعض الليالي وقد سهر أكثر ليله بالعبادة فرقد في آخر الليل وغلب عليه النوم فأتته و تحت رأسه مزادة فيهازاده. فانتزعها من تحت رأسه وطرحت فيها كيسا فيه خمسمائة دينار ، ثم أعادت المزادة تحت رأسه. فلما ثور الوفد [١] قامت الملعونة من نومها وقالت : يا لله ويا للوفد ، يا وفد أنا امرأة مسكينة وقد سرقت نفقتي ومالي ، وأنا بالله وبكم ، فجلس المقدم على الوفد وأمر رجلا من المهاجرين والانصار أن يفتشوا الوفد ، ففتشوا الوفد فلم يجدوا شيئا ، ولم يبق في الوفد إلا من فتش رحله ، فلم يبق إلا المقدسي ، فأخبروا مقدم الوفد بذلك فقالت المرأة : يا قوم ماضركم لو فتشتموا رحله فله اسوة بالمهاجرين والانصار ، وما يدريكم أن ظاهره مليح وباطنة قبيح ، ولم تزل المرأة حتى حملتهم على تفتيش رحله ، فقصده جماعة من الوفد وهو قائم يصلي ، فلما رآهم أقبل عليهم وقال لهم : ما حاجتكم؟ فقالوا له : هذه المرأة الانصارية ذكرت أنها سرقت لها نفقة كانت معها ، وقد فتشنا رحال الوفد بأسرها ولم يبق منها غيرك ، و نحن لا نتقدم إلى رحلك إلا بإذنك لما سبق من وصية عمر بن الخطاب فيما يعود إليك ، فقال : يا قوم ما يضرني ذلك ففتشوا ما أحببتم ، وهو واثق من نفسه ، فلما نفضوا المزادة التي فيها زاده وقع منها الهميان ، فصاحت الملعونة : الله أكبر هذا والله كيسي ومالي ، وهو كذا وكذا دينارا ، وفيه عقد لؤلؤ ووزنه كذا وكذا مثقالا ، فأحضروه فوجدوه كما قالت الملعونة ، فمالوا عليه بالضرب الموجع و السب والشتم وهو لا يرد جوابا ، فسلسلوه وقادوه راحلا إلى مكة ، فقال لهم : يا وفد بحق الله وبحق هذا البيت إلا تصدقتم علي وتركتموني أقضي الحج و [١]ثار : هاج وارتفع وفي المصدر : فلما نزل الوفد. اشهد الله تعالى ورسوله علي بأني إذا قضيت الحج عدت إليكم وتركت يدي في أيديكم ، فأوقع الله تعالى الرحمة في قلوبهم له فاطلقوه. فلما قضى مناسكه وما وجب عليه من الفرائض عاد إلى القوم وقال لهم : أما إني قدعدت إليكم فافعلوا بي ما تريدون ، فقال بعضهم لبعض ، لو أراد المفارقة لما عاد إليكم ، فتركوه ورجع الوفد طالبا مدينة الرسول 9 ، فأعوزت [١] تلك المرأة الملعونة الزاد في بعض الطريق ، فوجدت راعيا فسألته الزاد ، فقال لها : عندي ما تريدين غير أني لا أبيعه فإن آثرت أن تمكنيني من نفسك أعطيتك ، ففعلت ما طلب وأخذت منه زادا ، فلما انحرفت عنه اعترض لها إبليس لعنه الله فقال لها : أنت حامل ، قالت : ممن؟ قال : من الراعي ، فصاحت وافضيحتاه ، فقال : لا تخافي إذا رجعت إلى الوفد قولي لهم إني سمعت قراءة المقدسي فقربت منه ، فلما غلب علي النوم دنا مني وواقعني ولم أتمكن من الدفاع عن نفسي بعد القراءة ، وقد حملت منه وأنا امرأة من الانصار ، وخلفي جماعة من الاهل. ففعلت الملعونة ما أشار به عليها إبليس لعنه الله ، فلم يشكوا في قولها لما عاينوا أولا من وجود المال في رحله ، فعكفوا على الشاب المقدسي وقالوا : يا هذا ما كفاك السرقة حتى فسقت؟ فأوجعوه شتما وضربا وسبا ، وعادوه إلى السلسلة وهو لا يرد جوابا ، فلما قربوا من المدينة عى ساكنها أفضل الصلاة والسلام خرج عمر بن الخطاب ومعه جماعة من المسلمين للقاء الوفد ، فلما قربوا منه لم يكن له همة إلا السؤال عن المقدسي ، فقالوا : يا أبا حفص ما أغفلك عن المقدسي! فقد سرق وفسق ، وقصوا عليه القصة ، فأمر بإحضاره بين يديه فقال له : يا ويلك يا مقدسي تظهر بخلاف ما تبطن حتى فضحك الله تعالى؟ لانكلن بك أشد النكال ، وهو لا يرد جوابا. فاجتمع الخلق وازدحم الناس لينظروا ماذا يفعل به؟ وإذا بنور قد سطع و [١]أعوزنى الشئ : احتجت إليه. وفي المصدر و ( م ) فأعوز. وعليه فالفاعل ( الزاد ) أى أعجزها الزاد وصعب عليهانيله. شعاع قد لمع ، فتأملوه وإذا به عيبة علم النبوة علي بن أبي طالب 7 فقال : ما هذا الرهج [١] في مسجد رسول الله؟ فقالوا : يا أميرالمؤمنين إن الشاب المقدسي الزاهد قد سرق وفسق ، فقال 7 : والله ما سرق ولا فسق ولا حج أحد غيره ، فلما سمع عمر كلامه قام قائما على قدميه وأجلسه موضعه ، فنظر إلى الشاب المقدسي وهو مسلسل وهو مطرق إلى الارض والمرأة جالسة ، فقال لها أميرالمؤمنين 7 : ويلك قصي قصتك ، قالت : يا أميرالمؤمنين إن هذا الشاب قد سرق مالي وقد شاهد الوفد مالي في مزادته ، وما كفاه ذلك حتى كانت ليلة من الليالي حيث قربت منه فاستغرقني بقراءته واستنامني ، فوثب إلي وواقعني ، وما تمكنت من المدافعة عن نفسي خوفا من الفضيحة ، وقد حملت منه. فقال لها أميرالمؤمنين 7 : كذبت يا ملعونة فيما ادعيت عليه ، يا أبا حفص إن هذا الشاب مجبوب ليس معه إحليل ، وإحليله في حق من عاج ، ثم قال : يا مقدسي أين الحق؟ فرفع رأسه وقال : يا مولاي من علم بذلك يعلم أين الحق فالتفت إلى عمر وقال له : يا أبا حفص قم فأحضر وديعة الشاب ، فأرسل عمر فأحضر الحق بين يدي أميرالمؤمنين 7 ، ففتحوه وإذا فيه خرقة من حرير وفيها إحليلة فعند ذلك قال الامام 7 : قم يا مقدسي ، فقام فجردوه من ثيابه لينظروه وليحقق من اتهمه بالفسق ، فجردوه من ثيابه فإذا هو مجبوب ، فعند ذلك ضج العالم فقال لهم أمير المؤمنين 7 : اسكتوا واسمعوا مني حكومة أخبرني بها رسول الله 9. ثم قال : يا ملعونة لقد تجرأت على الله تعالى ، ويلك أما أتيت إليه وقلت له كيت وكيت فلم يجبك إلى ذلك؟ فقلت له : والله لارمينك بحيلة من حيل النساء لا تنجومنها؟ فقالت : بلى يا أميرالمؤمنين كان ذلك ، فقال 7 : ثم إنك استنمتيه وتركت الكيس في مزادته ، أقري؟ فقالت : نعم يا أميرالمؤمنين ، فقال : اشهدوا [١]الرهج بفتح الاول والثانى : الفتنة والشغب. عليها ، ثم قال لها : حملك هذا من الراعي الذي طلبت منه الزاد فقال لك : لا أبيع الزاد ولكن مكنيني من نفسك وخذي لحاجتك ، ففعلت ذلك وأخذت الزاد وهو كذا وكذا ، قالت : صدقت يا أميرالمؤمنين قال : فضج العالم فسكتهم علي 7 وقال لها : فلما خرجت عن الراعي عرض لك شيخ صفته كذا وكذا وقال لك يا فلانة : فإنك حامل من الراعي ، فصرختي وقلتي : وافضيحتاه ، فقال : لا بأس عليك قولي للوفد : استنامني وواقعني وقد حملت منه ، فصدقوك لما ظهر من سرقته ففعلك ما قال الشيخ ، فقالت : نعم ، فقال الامام 7 : أتعرفين ذلك الشيخ؟ قالت لا ، قال : هو إبليس لعنه الله ، فتعجب القوم من ذلك ، فقال عمر : يا أبا الحسن ما تريد أن تفعل بها؟ قال : [ اصبروا حتى تضع حملها وتجدوا من ترضعه ] يحفر لها في مقابر اليهود وتدفن إلى نصفها وترجم بالحجارة ، ففعل بها ما قال مولانا أمير المؤمنين 7 ، وأما المقدسي فلم يزل ملازم مسجد رسول الله 9 إلى أن توفي 2 ، فعند ذلك قام عمر بن الخطاب وهو يقول : لو لا علي لهلك عمر قالها : ثلاثا ثم انصرف الناس وقد تعجبوا من حكومة علي بن أبي طالب. [١] ٤٠ يل ، فض : بالاسناد يرفعه إلى أبي جعفر ميثم التمار 2 أنه قال : كنت بين يدي أميرالمؤمنين علي 7 في جامع الكوفة في جماعة من أصحابه وأصحاب رسول الله 9 وهو كأنه البدربين الكواكب ، إذ دخل علينا من باب المسجد رجل طويل عليه قباء خز أدكن ، وقد اعتم بعمامة صفراء وهو متقلد بسيفين ، فدخل وبرك بغير سلام ، ولم ينطق بكلام ، فتطاولت إليه الاعناق ، ونظروا إليه بالآماق ، و قد وقف عليه الناس من جميع الآفاق ، ومولانا أميرالمؤمنين 7 لا يرفع رأسه إليه ، فلما هدأت من الناس الحواس أفصح عن لسانه كأنه حسام [١]الروضة : ٦ ٨. وتوجد الرواية في الفضائل ايضا : ١١٢ ١١٦. جذب عن غمده : أيكم المجتبى في الشجاعة والمعمم بالبراعة؟ [١] أيكم المولود في الحرم والعالي في الشيم والموصوف بالكرم؟ أيكم الاصلع الرأس والبطل الدعاس والمضيق للانفاس والآخذ بالقصاص؟ أيكم غصن أبي طالب الرطيب و بطله المهيب والمسهم المصيب والقسم النجيب؟ أيكم خليفة محمد 9 الذي نصره في زمانه واعتزبه سلطانه وعظم به شأنه؟. فعند ذلك رفع أميرالمؤمنين 7 رأسه إليه فقال : مالك يا باسعد بن الفضل ابن الربيع بن مدركة بن نجيبة بن الصلت بن الحارث بن وعران بن الاشعث بن أبي السمع الرومي؟ اسأل عما شئت ، أنا عيبة علم النبوة ، قال : قد بلغنا عنك أنك وصي رسول الله 9 وخليفته على قومه بعده ، وأنك محل المشكلات ، وأنا رسول إليك من ستين ألف رجل يقال لهم العقيمة ، وقد حملوني ميتا قد مات من مدة ، و قد اختلفا في سبب موته وهو بباب المسجد ، فإن أحييته علمنا أنك صادق نجيب الاصل ، وتحققنا أنك حجة الله في أرضه وخليفة محمد 9 على قومه ، وإن لم تقدر على ذلك رددناه إلى قومه وعلمنا أنك تدعي غير الصواب وتظهر من نفسك ما لا تقدر عليه. قال أميرالمؤمنين 7 : يا ميثم اركب بعيرك وناد في شوارع الكوفة ومحالها : من أراد أن ينظر إلى ما أعطاه الله عليا أخا رسول الله وزوج ابنته من العلم الرباني فليخرج إلى النجف ، فخرج الناس إلى النجف ، فقال الامام 7 : يا ميثم هات الاعرابي وصاحبه ، فخرجت ورأيته راكبا تحت القبة التي فيها الميت ، فأتيت بهما إلى النجف ، فعند ذلك قال علي 7 : قولوا فينا ما ترون منا وارووا عنا ما تشاهدونه منا ، ثم قال : يا أعرابي أبرك الجمل وأخرج صاحبك أنت وجماعة من المسلمين ، قال ميثم : فأخرجت تابوتا وفيه وطأ ديباج أخضر ، وفيها غلام أول [١]برع براعة : فاق علما أو فضيلة أو جمالا. وفي الروضه : المعتم بالبراعة. ماتم عذاره على خده ، بذوائب كذوائب الامرأة الحسناء ، فقال علي بن أبي طالب 7 : كم لميتكم؟ قال : أحد وأربعون يوما ، قال : وما سبب موته؟ فقال الاعرابي : يافتى إن أهله يريدون أن تحييه ليخبرهم من قتله ، لانه بات سالما وأصبح مذبوحا من اذنه إلى اذنه ، ويطالب بدمه خمسون رجلا يقصد بعضهم بعضا فاكشف الشك والريب يا أخا محمد ، قال الامام 7 : قتله عمه ، لانه زوجه ابنته فخلاها وتزوج بغيرها ، فقلته حنقا [١] عليه ، قال الاعرابي : لسنا نقنع بقولك فإنا نريد أن يشهد لنفسه عند أهله لترتفع الفتنة والسيف والقتال. فعند ذلك قام الامام علي بن أبي طالب 7 فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي 9 فصلى عليه وقال : يا أهل الكوفة ما بقرة بني إسرائيل بأجل عند الله مني قدرا ، وأنا أخو رسول الله ، وإنها أحيت ميتا بعد سبعة أيام ، ثم دنا أميرالمؤمنين 7 من الميت وقال : إن بقرة بني إسرائيل ضرب ببعضها الميت فعاش ، و أنا أضرب هذا الميت ببعضي لان بعضي خير من البقرة كلها ، ثم هزه برجله و قال له : قم بإذن الله يا مدرك بن حنظلة بن غسان بن بحير بن فهر بن سلامة بن الطيب بن الاشعث ، فهاقد أحياك الله تعالى على يد علي بن أبي طالب ، قال ميثم التمار : فنهض غلام أضوء من الشمس أضعافا ومن القمر أوصافا ، فقال : لبيك لبيك يا حجة الله على الانام المتفرد بالفضل والانعام ، فعند ذلك قال : يا غلام من قتلك؟ قال : قتلني عمي الحارث بن غسان ، قال له الامام 7 : انطلق إلى قومك فأخبرهم بذلك ، فقال : يا مولاي لا حاجة لي إليهم ، أخاف أن يقتلوني مرة اخرى ولا يكون عندي من يحييني ، قال : فالتفت الامام إلى صاحبه وقال له : امض إلى أهلك فأخبرهم ، قال : يا مولاي والله لا افارقك بل أكون معك حتى يأتي الله بأجلي من عنده ، فلعن الله من اتضح له الحق وجعل بينه وبين الحق سترا ، ولم يزل بين يدي أميرالمؤمنين حتى قتل بصفين ، ثم إن أهل الكوفة رجعوا إلى الكوفة [١]الحنق : الحقد والغيظ. واختلفوا أقوالا فيه 7.
الهوامش6
[٢]في الفضائل : ويتحقق حاله من اتهمه بالفسق.ص 273
[٢]أى اسود.ص 274
[٣]برك بالمكان : أقام فيه. برك البعير : استناخ.ص 274
[٤]جمع المأق : مجرى الدمع من العين أى من طرفها مما يلى الانف.ص 274
[٢]دعس الشئ : وطئه وداسه. دعس فلانا : دفعه. دعسه بالرمح : طعنه.ص 275
[٣]في ( ك ) : والقسم المجيب.ص 275