م : قوله عزوجل : «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ألم تعلم أن الله له ملك السموات والارض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير» قال الامام 7 : قال محمد بن علي بن موسى الرضا : : ما ننسخ من آية بأن نرفع حكمها أو ننسها بأن نرفع رسمها ـ وقد تلي ـ وعن القلوب حفظها وعن قلبك يا محمد كما قال : «سنقرئك فلاتنسي إلاما شاء الله» أن ينسيك فرفع عن قلبك ذكره نأت بخير منها يعني بخير لكم فهذه الثانية أعظم لثوابكم وأجل لصلاحكم من الآية الاولى المنسوخة أو مثلها أي مثلها في الصلاح لكم لانا لاننسخ ولانبدل إلا وغرضنا في ذلك مصالحكم ثم قال : يا محمد ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير فلانه قدير يقدر على النسخ وغيره ألم تعلم أن الله له ملك السموات والارض وهو العالم بتدبيرها ومصالحها وهو يدبركم بعلمه وما لكم من دون الله من ولي بإصلاحكم إذ كان العالم بالمصالح هو الله عزوجل دون غيره ، ولانصير وما لكم ناصر ينصركم من مكره إن أراد الله إنزاله بكم أو عذابه إن أراد إحلاله لكم. وقال محمد بن علي الباقر : ومما قدر الله عليه النسخ والتنزيل لمصالحكم ومنافعكم لتؤمنوا ويتوفر عليكم الثواب بالتصديق بها فهو يفعل ما يشاء ممافيه صلاحكم والخيرة لكم ثم قال : ألم تعلم يا محمد أن الله له ملك السموات والارض ، فهو يملكهما بقدرته ويصرفهما تحت مشيئته لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم ، ثم قال الله تعالى : وما لكم يا معشر اليهود والمكذبين بمحمد 9 والجاحدين نسخ الشرائع من دون الله سوى الله تعالى من ولي يلي مصالحكم إن لم يدلكم ربكم للمصالح ، ولانصير ينصركم من الله يدفع عنكم عذابه. قال 7 : وذلك أن رسول الله «ص» لما كان بمكة أمره الله تعالى أن يتوجه نحو البيت المقدس [١] في صلاته ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن وإذا لم يتمكن استقبل البيت المقدس كيف كان فكان رسول الله «ص» يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاثة عشر سنة فلما كان بالمدينة وكان متعبدا باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهرا أو ستة عشر شهرا ، وجعل قوم من مردة اليهود [٢]يقولون : والله مادرى محمد كيف صلى حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ويأخذ في صلاته بهدانا ونسكنا ، فاشتد ذلك على رسول الله «ص» لما اتصل به عنهم وكره قبلتهم وأحب الكعبة فجاءه جبرئيل 7 فقال له رسول الله «ص» : يا جبرئيل لوددت لو صرفني الله تعالى عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم ، فقال جبرئيل : فاسأل ربك أن يحو لك إليها فإنه لا يردك عن طلبتك ولا يخيبك من بغيتك [٣] فلما استتم دعاؤه صعد جبرئيل ثم عاد من ساعته فقال : اقرء يا محمد : «قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره «الآيات فقالت اليهود عند ذلك : «ماوليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها» فأجابهم الله أحسن جواب فقال : «قل لله المشرق والمغرب» وهو يملكهما ، وتكليفه التحول إلى جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر «يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» هو مصلحتهم وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم. فقال أبومحمد 7 وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله 9 فقالوا : يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع عشر سنة ثم تركهتا الآن أفحقا كان ماكنت عليه فقد تركته إلى باطل فإنما يخالف الحق الباطل ، أو باطلا كان ذلك فقد كنت عليه طول هذه المدة؟ فما يؤمننا أن تكون الآن على باطل؟ فقال ___________________ [١]وزان مسكن ويأتى أيضا على اسم المفعول من باب التفعيل. [٢]جمع المارد وهو العاصى العاتى. [٣]فيه ثلاث لغات : البغية بضم الباء وسكون الغين وفتح الياء ، والبغية بكسر الباء ، والبغية بفتح الباء وكسر الغين والياء المشددة المفتوحة ، ومعناها ما يطلب ويرغب فيه. رسول الله (ص) : بل ذلك كان حقا وهذا حق يقول الله : قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم إذا عرف صلاحكم يا أيها العباد في استقبال المشرق أمركم به ، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به ، وإن عرف صلاحكم في غير هما أمركم به ، فلاتنكروا تدبير الله في عباده وقصده إلى مصالحكم فقال رسول الله 9 : لقد تركتم العمل في يوم السبت ثم عملتم بعده سائر الايام ثم تركتموه في السبت ثم عملتم بعده أفتركتم الحق إلى باطل أو الباطل إلى حق أو الباطل إلى باطل أو الحق إلي حق قولوا كيف شئتم. فهو قول محمد ـ (ص) ـ وجوابه لكم قالوا : بل ترك العمل في السبت. حق والعمل بعده حق ، فقال رسول الله «ص» : فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ثم قبلة الكعبة في وقته حق فقالوا : يا محمد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى نقلك إلى الكعبة؟ فقال رسول الله «ص» : ما بداله عن ذلك فإنه العالم بالعواقب والقادر على المصالح لا يستدرك على نفسه غلطا ، ولا يستحدث رأيا يخالف المتقدم ، جل عن ذلك ، ولا يقع عليه أيضا مانع يمنعه من مراده ، وليس يبدؤ وإلا لما كان هذا وصفه ، وهو عزوجل متعال عن هذه الصفات علوا كبيرا. ثم قال لهم رسول الله (ص) : أيها اليهود أخبروني عن الله ، أليس يمرض ثم يصح ، ويصح ثم يمرض؟ أبدا له في ذلك؟ أليس يحيى ويميت؟ أبداله في كل واحد من ذلك؟ فقالوا : لا ، قال : فكذلك الله تعبد نبيه محمدا بالصلاة إلى الكعبة بعد أن تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس ، وما بدا له في الاول ، ثم قال : أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف والصيف في أثر الشتاء؟ أبداله في كل واحد من ذلك؟ قالوا : لا ، قال رسول الله 9 : فكذلك لم يبدله في القبلة ، قال : ثم قال : أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر؟ فبدا له في الصيف حتى أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشتاء؟ قالوا : لا ، قال رسول الله (ص) : فكذلك الله تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشئ ، ثم تعبدكم في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشئ آخر ، وإذا أطعتم الله في الحالتين استحققتم ثوابه ، وأنزل الله : «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله» يعني إذا توجهتم بأمره فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه. ثم قال رسول الله (ص) : يا عباد الله أنتم كالمرضى ، والله رب العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبره به لافيما يشتهيه المريض ويقترحه ، [١] ألا فسلمو الله أمره تكونوا منا الفائزين فقيل : يا ابن رسول الله فلم أمر بالقبلة الاولى؟ فقال : لما قال الله عزوجل : «وما جعلنا القبلة التي كنت عليها» وهي بيت المقدس ـ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه«إلا لنعلم ذلك منه وجودا بعد أن علمناه سيوجد ، وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد الله أن يبين متبع محمد 9 من مخالفيه باتباع القبلة التي كرهها ، ومحمد (ص) يأمر بها ، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمدا فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه. ثم قال : وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله إنما كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة إلا على من يهدي الله فعرف أن الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلى طاعته في مخالفة هواه.
Hadith record
bihar-1890
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث
(باب ١٢) *(اثبات قدمه تعالى وامتناع الزوال عليه)*
No. ١٨vol. 4 · pages 104-107
bihar-1890Citation
بحار الأنوار - ط دارالاحياء التراث — Volume 4, Page 104