شا : لما بلغ معاوية بن أبي سفيان وفاة أمير المؤمنين 7 وبيعة الناس ابنه الحسن 7 دس رجلا من حمير إلى الكوفة ، ورجلا من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالاخبار ، ويفسدا على الحسن الامور ، فعرف ذلك الحسن 7 فأمر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة ، فاخرج وأمر بضرب عنقه ، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فاخرج وضربت عنقه. وكتب الحسن 7 إلى معاوية : أما بعد فانك دسست الرجال للاحتيال والاغتيال وأرصدت العيون كأنك تحب اللقاء ، وما أشك في ذلك فتوقعه [١]آل عمران : ٩٩. إنشاء الله ، وبلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذوحجى ، وإنما مثلك في ذلك كما قال
Show clickable narrator chain
الاول : فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تزود لاخرى مثلها فكأن قد فانا ومن قد مات منا لكالذي يروح فيمسي في المبيت ليغتدي فأجابه معاوية عن كتابه بما لا حاجة لنا إلى ذكره ، وكان بين الحسن 7 وبينه بعد ذلك مكاتبات ومراسلات ، واحتجاجات للحسن 7 في استحقاقه الامر وتوثب من تقدم على أبيه 7 وابتزازهم سلطان ابن عم رسول الله (ص) وتحققهم به دونه ، أشياء يطول ذكرها. وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه ، فلما بلغ جسر منبج [١] تحرك الحسن 7 وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير ، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه ، ثم خفوا [ و ] معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولابيه ، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة ، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم وبعضهم شكاك ، وبعضهم أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين. فسار حتى أتى حمام عمر ، ثم أخذ على دير كعب ، فنزل ساباط دون القنطرة وبات هناك. فلما أصبح أراد 7 أن يمتحن أصحابه ، ويستبرئ أحوالهم له في الطاعة ليتميز بذلك أولياؤه من أعدائه ، ويكون على بصيرة من لقاء معاوية وأهل الشام فأمر أن ينادي في الناس بالصلاة جامعة ، فاجتمعوا فصعد المنبر فخطبهم فقال : الحمد لله كلما حمده حامد ، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد وأشهد أن محمد عبده ورسوله ، أرسله بالحق [ بشيرا ] وائتمنه على الوحي 9. أما بعد فاني والله لارجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلق [١]منبج كمجلس بلد من بلاد الشام ، وقيل : أول من بناها كسرى لما غلب على الشام ومنه إلى حلب عشر فراسخ. الله لخلقه ، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة ، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة ، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لانفسكم ، فلا تخالفوا أمري ، ولا تردوا علي رأيي ، غفر الله لي ولكم ، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال : فنظر الناس بعضهم إلى بعض ، وقالوا : ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا : نظنه والله يريد أن يصالح معاوية ، ويسلم الامر إليه ، فقالوا : كفر والله الرجل ثم شدوا على فسطاطه ، وانتهبوه ، حتى أخذوا مصلاه من تحته ، ثم شد عليه عبدالرحمان بن عبدالله بن جعال الازدي فنزع مطرفة عن عاتقه فبقي جالسا متقلدا بالسيف بغير رداء ، ثم دعا بفرسه وركبه وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ومنعوا منه من أراده ، فقال : ادعو الي ربيعة وهمدان ، فدعوا له فأطافوا به ، ودفعوا الناس عنه 7 وسار ومعه شوب من غيرهم. فلما مر في مظلم ساباط ، بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان ، وأخذ بلجام بغلته وبيده مغول وقال : ألله أكبر أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ، ثم طعنه في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ثم اعتنقه الحسن 7 وخرا جميعا إلى الارض فوثب إليه رجل من شيعة الحسن يقال له عبدالله بن خطل الطائي فانتزع المغول من يده ، وخضخض به جوفه ، فأكب عليه آخر يقال له : ظبيان بن عمارة فقطع أنفه فهلك من ذلك ، وأخذ آخر كان معه فقتل ، وحمل الحسن 7 على سرير إلى المدائن ، فانزل به على سعد بن مسعود الثقفي وكان عامل أمير المؤمنين 7 بها فأقره الحسن 7 على ذلك ، واشتغل الحسن 7 بنفسه يعالج جرحه. وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى ماوية بالسمع والطاعة له في السر واستحثوه على السير نحوهم ، وضمنوا له تسليم الحسن 7 إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به ، وبلغ الحسن 7 ذلك وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه مع عبيد الله بن العباس عند مسيره من الكوفة ، ليلقى معاوية ويرده عن العراق ، وجعله أميرا على الجماعة ، وقال : إن اصبت فالامير قيس ابن سعد. فوصل كتاب قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها : الحبونية ، بإزاء مسكن [١] وأن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس يرغبه في المصير إليه ، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الآخر عند دخوله إلى الكوفة فانسل عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته وأصبح الناس قد فقدوا أميرهم ، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في امورهم. فازدادت بصيرة الحسن 7 بخذلان القوم له وفساد نيات المحكمة فيه بما أظهروه له من السب والتكفير له ، واستحلال دمه ، ونهب أمواله ، ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعة أبيه وشيعته ، وهم جماعة لا يقوم لاجناد الشام. فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه ، واشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروطا كثيرة وعقد له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة ، فلم يثق به الحسن وعلم باحتياله بذلك واغتياله ، غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس منه من ترك الحرب ، وإنفاذ الهدنة ، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له ، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه ، وما كان من خذلان ابن عمه له ، ومصيره إلى عدوه ، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة. فتوثق 7 لنفسه من معاوية لتوكيد الحجة عليه ، والاعذار فيما بينه وبينه عند الله تعالى وعند كافة المسلمين ، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين 7 والعدول عن القنوت عليه في الصلوات وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لاحد منهم بسوء [١]مسكن بكسر الكاف موضع على نهر دجيل قريبا من أوانى عند دير الجاثليق ذكره الخطيب في تاريخه ، وفى هذا المكان قتل عبدالملك بن مروان مصعب بن الزبير وفيه قبر مصعب وابراهيم بن الاشتر النخعى. ويوصل إلى كل ذي حق حقه ، وأجابه معاوية إلى ذلك كله ، وعاهد عليه وحلف له بالوفاء له. فلما استتمت الهدنة على ذلك سار معاوية حتى نزل بالنخيلة ، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة فصلى بالناس ضحى النهار فخطبهم وقال في خطبته : إني والله ما فاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك ، ولكني قاتلتكم لاتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ، ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء ، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له. ثم سار حتى دخل الكوفة فأقام بها أياما فلما استتمت البيعة له من أهلها صعد المنبر ، فخطب الناس وذكر أمير المؤمنين 7 ونال منه ، ونال من الحسن 7 ما نال ، وكان الحسن والحسين 8 حاضرين ، فقام الحسين 7 ليرد عليه ، فأخذ بيده الحسن 7 فأجلسه ، ثم قام فقال : أيها الذاكر عليا أنا الحسن وأبي علي ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وامي فاطمة وامك هند ، وجدي رسول الله 9 وجدك حرب ، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكرا وألامنا حسبا ، وشرنا قدما ، وأقدمنا كفرا ونفاقا ، فقالت طوائف من أهل المسجد : آمين آمين [١].
الهوامش2
[٢]حجام ، خ ل.ص 45
[٢]يعنى أصحاب التحكيم وهم الخوارج.ص 46