والثانى : أنها خاصة في بعض الاشياء دون البعض ففيها وجوه : الاول : أن المراد من المحو والاثبات نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر بدلا عن الاول. الثاني : أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولاسيئة ، لانهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل ويثبت غيره. الثالث : أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه ، فإذا تاب عنه محا عن ديوانه الرابع : يمحو الله ما يشاء وهومن جاء أجله ، ويدع من لم يجئ أجله ويثبته الخامس :
Show clickable narrator chain
أنه تعالى يثبت في أول السنة فإذا مضت السنة محيت واثبت كتاب آخر للمستقبل. السادس : يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس. السابع : يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. الثامن : أنه في الارزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة ، وفيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى. التاسع : تعير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو ، وما حضر وحصل فهو الاثبات العاشر : يزيل ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحد فهو المتفرد بالحكم كما يشاء ، وهو المستقل بالايجاد والاعدام والاحياء والاماتة والاغناء والافقار بحيث لايطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه. واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم فإن قال قائل : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قدجف بها القلم فكيف يستقيم مع هذا المعني المحو والاثبات؟ قلنا : ذلك المحو والاثبات أيضا مما قدجف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه ، ثم قال : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الامر بخلاف ما اعتقده ، وتمسكوا فيه بقوله تعالى : «يمحو الله ما يشاء» انتهى كلامه لعنه الله. ولا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى عليهم مع أن كتب الامامية المتقدمين عليه كالصدوق والمفيد والشيخ والمرتضى وغيرهم رضوان الله عليهم مشحونة بالتبري عن ذلك ، ولا يقولون إلا ببعض ما ذكره سابقا أو بما هو أصوب منها كما ستعرف ، والعجب أنهم في أكثر الموارد ينسبون إلى الرب تعالى مالا يليق به ، والامامية قدس الله أسرارهم يبالغون في تنزيهه تعالى ويفحمونهم بالحجج البالغة ، ولما لم يظفروا في عقائدهم بما يوجب نقصا يباهتونهم ويفترون عليهم بأمثال تلك الاقاويل الفاسدة ، وهل البهتان و الافتراء إلادأب العاجزين؟ ولو فرض أن بعضا من الجهلة المنتحلين للتشيع قال بذلك فالامامية يتبرؤون منه ومن قوله كما يتبر ؤون من هذا الناصبي وأمثاله وأقاويلهم الفاسدة. فأما ماقيل في توجيه البداء فقد عرفت ما ذكره الصدوق والشيخ قدس الله روحهما في ذلك [١] [١]تقدم توجيه الصدون بعد الخبر الواقع تحت رقم ٢٦ وكلام الشيخ بعد رقم ٤١. ولهما ولغيرهما من أعلام الشيعة حول مسألة البداء مقالات اخرى لا يخلو ذكرها عن فائدة. قال الصدوق في كتاب العقائد : «باب الاعتقاد في البداء» إن اليهود قالوا : إن الله تبارك وتعالى قد فرغ من الامر : قلنا : بل هو تعالى كل يوم هو في شأن ، لا يشغله شأن عن شأن ، يحيى ويميت ، ويخلق ويرزق ، ويفعل ما يشاء ، وقلنا : «يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب» وأنه لا يمحو إلا ما كان ، ولايثبت إلا مالم يكن ، وهذا ليس يبداء كما قالت اليهود واتباعهم فنسبنا في ذلك إلى القول بالبداء ، وتبعهم على ذلك من خالفنا من أهل الاهواء المختلفة ، وقال الصادق 7 : » ما بعث الله نبيا قط حتى يأخذ عليه الاقرار لله بالعبودية وخلع الانداد ، وان الله يؤخر ما يشاء ، ويقدم ما يشاء «ونسخ الشرايع والاحكام بشريعة نبينا وأحكامه من ذلك ، ونسخ الكتب بالقرآن من ذلك ، وقال الصادق 7 : «من زغم أن الله عزوجل بدا في شئ ولم يعلمه أمس فأيرء منه» وقال : « من زعم أن الله بداله من شئ بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم » اه. وقال الشيخ الطوسى في العدة : البداء حقيقة في اللغة هو الظهور ، ولذلك يقال : بدالنا سور المدينة ، وبدالنا وجه الرأي ، وقال الله تعالى : «وبدالهم سيئات ما عملوا ، وبدالهم سيئات * وقد قيل فيه وجوه اخر : الاول : ما ذكره السيد الداماد قدس الله روحه في نبراس الضياء حيث قال : البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع ، فما في الامر التشريعي والاحكام التكليفية نسخ فهو في الامر التكويني والمكونات الزمانية بداء فالنسخ كأنه بداء تشريعي ، والبداء كأنه نسخ تكويني ، ولابداء في القضاء ولابالنسبة إلى جناب القدس * ماكسبوا» ويراد بذلك كله «ظهر» وقد يستعمل ذلك في العلم بالشئ بعد أن لم يكن حاصلا ، وكذلك في الظن ، فأما إذا اضيف هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز اطلاقه عليه ومنه مالا يجوز ، فأما ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه. ويكون اطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع ، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين 8 من الاخبار المتضمنة لاضافة البداء إلى الله تعالى ، دون ما لايجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن ، ويكون وجه اطلاق ذلك فيه تعالى والتشبيه هو أنه اذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين مالم يكن ظاهرا الهم ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلالهم اطلق على ذلك لفظ البداء. وذكر سيدنا الاجل المرتضى قدس الله روحه وجها آخر في ذلك : وهو أن قال : يمكن حمل ذلك على حقيقته بأن يقال : بداله تعالى بمعنى أنه ظهر له من الامر مالم يكن ظاهرا له ، و بداله من النهى مالم يكن ظاهرا له ، لان قبل وجود الامر والنهى لا يكونان ظاهرين مدركين ، وإنما يعلم أنه يامر أو ينهى في المستقبل ، فاما كونه آمرا أو ناهيا فلا يصح أن يعلمه الا اذا وجد الامر والنهي ، وجرى ذلك مجرى أحد الوجهين المذكورين في قوله تعالى : «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم» ، بان نحمله على أن المراد به حتى نعلم جهاد كم موجودا ، لان قبل وجود الجهاد لا يعلم الجهاد موجودا ، وانما يعلم كذلك بعد حصوله فكذلك. القول في البداء وهذا وجه حسن جدا اه. وقال الامام العلامة ، معلم الامة الشيخ المفيد محمد بن النعمان في كتاب تصحيح الاعتقاد في شرح ما قدمنا من كلام الصدوق : قول الامامية في البداء طريقه السمع دون العقل وقد جاءت الاخبار به عن أئمة الهدى : ، والاصل في البداء هو الظهور ، قال الله تعالى «وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون» يعنى به ظهر لهم من أفعال الله تعالى بهم ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم ، وقال : «وبدالهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم» يعنى ظهر لهم جزاء كسبهم وبان لهم ذلك ، وتقول العرب : «قد بدا لفلان عمل حسن ، وبدا له كلام فصيح» كما يقولون : «بدا من فلان كذا» فيجعلون اللام قائمة مقامه ، فالمعنى في قول الامامية : بدا لله في كذا أى ظهر له فيه ، ومعنى ظهر فيه أى ظهر منه ، وليس المراد منه تعقب الراى ووضوح أمر كان قد خفى عنه ، وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن فهى معلومة فيما لم يزل ، وانما يوصف منها بالبداء مالم يكن في الاحتساب ظهوره ، ولا في غالب الظن وقوعه ، فأما ما علم كونه وغلب في الظن حصوله فلا يستعمل فيه لفظ الحق ، والمفارقات المحضة من ملائكته القدسية ، وفي متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار والثبات البات ووعاء عالم الوجود كله ، وإنما البداء في القدر وفي امتداد الزمان الذي هو افق التقضي والتجدد ، وظرف التدريج والتعاقب ، وبالنسبة إلى الكائنات الزمانية ومن في عالم الزمان والمكان وإقليم المادة والطبيعة ، وكما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره لارفعه وارتفاعه من وعاء الواقع فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الامر التكويني ، وانتهاء * البداء ، وقول أبى عبدالله 7 : «ما بدا لله في شئ كما بدا له في اسماعيل» فانما أراد به ما ظهر من الله تعالى فيه من دفاع القتل عنه وقد كان مخوفا عليه من ذلك ، مظنونا به فلطف له في دفعه عنه ، وقد جاء الخبر بذلك عن الصادق 7 فروى عنه 7 أنه قال : «ان القتل قد كتب على اسماعيل مرتين فسألت الله في دفعه عنه فدفعه» وقد يكون الشئ مكتوبا بشرط فيتغير الحال فيه ، قال الله تعالى : «ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده» فتبين أن الاجال على ضربين : ضرب منها مشترط يصح فيه الزيادة والنقصان ، ألاترى إلى قوله تعالى : «وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الا في كتاب» وقوله تعالى : «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض» فبين أن آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبر والانقطاع بالفسوق ، وقال تعالى ـ فيما خبر به عن نوح 7 في خطابه لقومه ـ : «استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا» إلى آخر الايات ، فاشترط لهم في مد الاجل وسبوغ النعم الاستغفار ، فلما لم يفعلوه قطع آجالهم وبتر أعمارهم واستأصلهم بالعذاب : فالبداء من الله تعالى يختص ما كان مشترطا في التقدير ، وليس هو الانتقال من عزيمة إلى عزيمة ، ولا من تعقب الرأى ـ تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا. ـ وقد قال بعض اصحابنا : ان لفظ البداء اطلق في أصل اللغة على تعقب الرأى والانتقال من عزيمة إلى عزيمة ، وانما اطلق على الله تعالى على وجه الاستعارة كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازا غير حقيقة ، وان هذا القول لم يضر بالمذهب ، اذ المجاز من القول يطلق على الله تعالى فيما ورد به السمع ، وقد ورد السمع بالبداء على ما بينا. والذى اعتمدناه في معنى البداء انه الظهور على ما قدمت القول في معناه ، فهو خاص فيما يظهر من الفعل الذى كان وقوعه يبعد في النظر «الظن خ ل» دون المعتاد ، اذ لو كان في كل واقع من أفعال الله تعالى لكان الله تعالى موصوفا البداء في كل أفعاله وذلك باطل بالاتفاق. انتهى كلامه.