ما : بالإسناد عن ابن عطية قال
Show clickable narrator chain
سمعت جدي أبا أمي بزيعا قال : كنا نمر ونحن غلمان زمن خالد على رجل في الطريق جالس أبيض الجسد أسود الوجه وكان الناس يقولون خرج على الحسين عليه السلام. ٤٧ باب أحوال عشائره وأهل زمانه صلوات الله عليه وما جرى بينهم وبين يزيد من الاحتجاج وقد مضى أكثرها في الأبواب السابقة وسيأتي بعضها ١ ـ روي في بعض كتب المناقب القديمة [١] عن علي بن أحمد العاصمي عن إسماعيل بن أحمد البيهقي عن أحمد بن الحسين البيهقي عن أبي الحسين بن الفضل القطان عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن سفيان عن عبد الوهاب بن الضحاك عن عيسى بن يونس عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال : لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام أتى عبد الله بن الزبير فدعا ابن عباس إلى بيعته فامتنع ابن عباس وظن يزيد بن معاوية عليهما اللعنة أن امتناع ابن عباس تمسكا منه ببيعته فكتب إليه أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته والدخول في طاعته لتكون له على الباطل ظهيرا وفي المأثم شريكا وأنك اعتصمت ببيعتنا وفاء منك لنا وطاعة لله لما عرفك من حقنا فجزاك الله عن ذي رحم خير ما يجزي الواصلين بأرحامهم الموفين بعهودهم فما أنسى من الأشياء فلست بناس برك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل من القرابة من الرسول فانظر من طلع عليك من الآفاق ممن سحرهم ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله فأعلمهم برأيك فإنهم منك أسمع ولك أطوع للمحل للحرم المارق. [١]قال سبط ابن الجوزى : فى التذكرة ص ١٥٥ : ذكر الواقدى وهشام وابن إسحاق وغيرهم قالوا لما قتل الحسين ، وذكر القصة بغير هذا اللفظ. فكتب إليه ابن عباس أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر دعاء ابن الزبير إياي إلى بيعته والدخول في طاعته فإن يكن ذلك كذلك فإني والله ما أرجو بذلك برك ولا حمدك ولكن الله بالذي أنوي به عليم وزعمت أنك غير ناس بري وتعجيل صلتي فاحبس أيها الإنسان برك وتعجيل صلتك فإني حابس عنك ودي فلعمري ما تؤتينا مما لنا قبلك من حقنا إلا اليسير وإنك لتحبس عنا منه العريض الطويل وسألت أن أحث الناس إليك وأن أخذلهم من ابن الزبير فلا ولاء ولا سرورا ولا حباء إنك تسألني نصرتك وتحثني على ودك وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرملين بالدماء مسلوبين بالعراء لا مكفنين ولا موسدين تسفي عليهم الرياح وتنتابهم عرج الضباع حتى أتاح الله بقوم لم يشركوا في دمائهم كفنوهم وأجنوهم وجلست مجلسك الذي جلست. فما أنسى من الأشياء فلست بناس إطرادك حسينا من حرم رسول الله إلى حرم الله وتسييرك إليه الرجال لتقتله [ في ] الحرم فما زلت في بذلك وعلى ذلك حتى أشخصته من مكة إلى العراق فخرج ( خائِفاً يَتَرَقَّبُ ) فزلزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أولئك لا كآبائك الجلاف الجفاة أكباد الإبل والحمير فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته تعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت أحد ثأري فإن شاء الله لا يبطل لديك دمي ولا تسبقني بثأري وإن سبقتني في الدنيا فقبل ذلك ما قتل النبيون وآل النبيين فيطلب الله بدمائهم فكفى بالله للمظلومين ناصرا ومن الظالمين منتقما فلا يعجبك إن ظفرت بنا اليوم فلنظفرن بك يوما. وذكرت وفائي وما عرفتني من حقك فإن يكن ذلك كذلك فقد والله بايعتك ومن قبلك وإنك لتعلم أني وولد أبي أحق بهذا الأمر منك ولكنكم معشر قريش كابرتمونا حتى دفعتمونا عن حقنا ووليتم الأمر دوننا فبعدا لمن تحرى ظلمنا واستغوى السفهاء علينا ( كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ) وقوم لوط وأصحاب مدين ألا وإن من أعجب الأعاجيب وما عسى أن أعجب حملك بنات عبد المطلب وأطفالا صغارا من ولده إليك بالشام كالسبي المجلوبين تري الناس أنك قهرتنا وأنت تمن علينا وبنا من الله عليك ولعمر الله فلئن كنت تصبح آمنا من جراحة يدي إني لأرجو أن يعظم الله جرحك من لساني ونقضي وإبرامي والله ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول الله صلى الله عليه واله أن يأخذك أخذا أليما ويخرجك من الدنيا ( مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) فعش لا أبا لك ما استطعت فقد والله ازددت عند الله أضعافا واقترفت مأثما ( وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ). ذكر كتاب يزيد لعنه الله إلى محمد بن الحنفية ومصيره إليه وأخذ جائزته. كتب يزيد لعنه الله إلى محمد بن علي ابن الحنفية وهو يومئذ بالمدينة أما بعد فإني أسأل الله لنا ولك عملا صالحا يرضى به عنا فإني ما أعرف اليوم في بني هاشم رجلا هو أرجح منك حلما وعلما ولا أحضر فهما وحكما ولا أبعد من كل سفه ودنس وطيش وليس من يتخلق بالخير تخلقا وينتحل الفضل تنحلا كمن جبله الله على الخير جبلا وقد عرفنا ذلك منك قديما وحديثا شاهدا وغائبا غير أني قد أحببت زيارتك والأخذ بالحظ من رؤيتك فإذا نظرت في كتابي هذا فأقبل إلي آمنا مطمئنا أرشدك الله أمرك وغفر لك ذنبك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. قال فلما ورد الكتاب على محمد بن علي وقرأه أقبل على ابنيه جعفر وعبد الله أبي هاشم فاستشارهما في ذلك فقال له ابنه عبد الله يا أبه اتق الله في نفسك ولا تصر إليه فإني خائف أن يلحقك بأخيك الحسين ولا يبالي فقال محمد يا بني ولكني لا أخاف ذلك منه فقال له ابنه جعفر يا أبه إنه قد ألطفك في كتابه إليك ولا أظنه يكتب إلى أحد من قريش بأن أرشدك الله أمرك وغفر لك ذنبك وأنا أرجو أن يكف الله شره عنك قال فقال محمد بن علي يا بني إني توكلت على الله الذي ( يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ). قال ثم تجهز محمد بن علي وخرج من المدينة وسار حتى قدم على يزيد بن معاوية بالشام فلما استأذن أذن له وقربه وأدناه وأجلسه معه على سريره ثم أقبل عليه بوجهه فقال يا أبا القاسم آجرنا الله وإياك في أبي عبد الله الحسين بن علي فو الله لئن كان نقصك فقد نقصني ولئن كان أوجعك فقد أوجعني ولو كنت أنا المتولي لحربه لما قتلته ولدفعت عنه القتل ولو بحز أصابعي وذهاب بصري ولفديته بجميع ما ملكت يدي وإن كان قد ظلمني وقطع رحمي ونازعني حقي ولكن عبيد الله بن زياد لم يعلم رأيي في ذلك فعجل عليه بالقتل فقتله ولم يستدرك ما فات وبعد فإنه ليس يجب علينا أن نرضى بالدنية في حقنا ولم يكن يجب على أخيك أن ينازعنا في أمر خصنا الله به دون غيرنا وعزيز علي ما ناله والسلام فهات الآن ما عندك يا أبا القاسم. قال فتكلم محمد بن علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إني قد سمعت كلامك فوصل الله رحمك ورحم حسينا وبارك له فيما صار إليه من ثواب ربه والخلد الدائم الطويل في جوار الملك الجليل وقد علمنا أن ما نقصنا فقد نقصك وما عراك فقد عرانا من فرح وترح وكذا أظن أن لو شهدت ذلك بنفسك لاخترت أفضل الرأي والعمل ولجانبت أسوأ الفعل والخطل والآن فإن حاجتي إليك أن لا تسمعني فيه ما أكره فإنه أخي وشقيقي وابن أبي وإن زعمت أنه قد كان ظلمك وكان عدوا لك كما تقول. قال فقال له يزيد إنك لن تسمع مني إلا خيرا ولكن هلم فبايعني واذكر ما عليك من الدين حتى أقضيه عنك قال فقال له محمد بن علي رضي الله عنه أما البيعة فقد بايعتك وأما ما ذكرت من أمر الدين فما علي دين والحمد لله وإني من الله تبارك وتعالى في كل نعمة سابغة لا أقوم بشكرها. قال فالتفت يزيد لعنه الله إلى ابنه خالد فقال يا بني إن ابن عمك هذا بعيد من الخب واللؤم والدنس والكذب ولو كان غيره كبعض من عرفت لقال علي من الدين كذا وكذا ليستغنم أخذ أموالنا قال ثم أقبل عليه يزيد فقال بايعتني يا أبا القاسم فقال نعم يا أمير المؤمنين قال فإني قد أمرت لك بثلاثمائة ألف درهم فابعث من يقبضها فإذا أردت الانصراف عنا وصلناك إن شاء الله قال فقال له محمد بن علي لا حاجة لي في هذا المال ولا له جئت قال يزيد فلا عليك أن تقبضه وتفرقه فيمن أحببت من أهل بيتك قال فإني قد قبلت يا أمير المؤمنين قال فأنزله في بعض منازله وكان محمد بن علي يدخل عليه في كل يوم صباحا ومساء. قال وإذا وفد أهل المدينة قد قدموا على يزيد وفيهم منذر بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن حفص بن مغيرة المخزومي وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري فأقاموا عند يزيد لعنه الله أياما فأجازهم يزيد لكل رجل منهم بخمسين ألف درهم وأجاز المنذر بن الزبير بمائة ألف درهم فلما أرادوا الانصراف إلى المدينة أقبل محمد بن علي حتى دخل على يزيد فاستأذنه في الانصراف معهم إلى المدينة فأذن له في ذلك ووصله بمائتي ألف درهم وأعطاه عروضا بمائة ألف درهم. ثم قال يا أبا القاسم إني لا أعلم في أهل بيتك اليوم رجلا هو أعلم منك بالحلال والحرام وقد كنت أحب أن لا تفارقني وتأمرني بما فيه حظي ورشدي فو الله ما أحب أن تنصرف عني وأنت ذام لشيء من أخلاقي فقال له محمد بن علي رضي الله عنه أما ما كان منك إلى الحسين بن علي فذاك شيء لا يستدرك وأما الآن فإني ما رأيت منك مذ قدمت عليك إلا خيرا ولو رأيت منك خصلة أكرهها لما وسعني السكوت دون أن أنهاك عنها وأخبرك بما يحق لله عليك منها للذي أخذ الله تبارك وتعالى على العلماء في علمهم أن يبينوه للناس ولا يكتموه ولست مؤديا عنك إلى من ورائي من الناس إلا خيرا غير أني أنهاك عن شرب هذا المسكر فإنه ( رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) وليس من ولي أمور الأمة ودعي له بالخلافة على رءوس الأشهاد على المنابر كغيره من الناس فاتق الله في نفسك وتدارك ما سلف من ذنبك والسلام. قال فسر يزيد بما سمع من محمد بن علي سرورا شديدا ثم قال فإني قابل منك ما أمرتني به وأنا أحب أن تكاتبني في كل حاجة تعرض لك من صلة أو تعاهد ولا تقصرن في ذلك فقال محمد بن علي أفعل ذلك إن شاء الله ولا أكون إلا عند ما تحب. قال ثم ودعه محمد بن علي ورجع إلى المدينة ففرق ذلك المال كله في أهل بيته وسائر بني هاشم وقريش حتى لم يبق من بني هاشم وقريش من الرجال والنساء والذرية والموالي إلا صار إليه شيء من ذلك المال ثم خرج محمد بن علي رضي الله عنه من المدينة إلى مكة فأقام بها مجاورا لا يعرف شيئا غير الصوم والصلاة وصلى الله على محمد وآله ورضي عنهم ورزقنا شفاعتهم بحوله ومنه وفضله وكرمه إن شاء الله تعالى.