وقيل : أي فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى. وقيل : فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار ، وقيل : معناه أنهم لما انصرفوا عن الايمان والقرآن لزمهم ذلك حتى لا يكادوا يتخلصون منه بوجه كالمغلول والمسدود عليه طرقه. وقال
Show clickable narrator chain
في قوله تعالى : «ومن يضلل الله» أي عن طريق الجنة «فماله من هاد» أي لا يقدر على هدايته أحد ، وقيل من ضل عن الله ورحمته فلا هادي له ، يقال : أضللت بعيري إذا ضل. وقيل : معناه : من يضلله عن زيادة الهدى والالطاف لان الكافر لا لطف له. وقال في قوله تعالى : «أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين» أي كراهة أن تقول : لو أراد الله هدايتي لكنت ممن يتقي معاصيه. وقيل : إنهم لما لم ينظروا في الادلة واشتغلوا بالدنيا توهموا أن الله لم يهدهم فرد الله عليهم بقوله : «بلى قد جائتك آياتي» الآية. وقال الزمخشري : «وقيضنا له» : وقدرنا لهم ، يعني لمشركي مكة «قرناء» أخدانا[١] من الشياطين من جمع قرين كقوله : «ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين» فإن قلت : كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ قلت : معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر ، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين ، والدليل عليه ومن يعش نقيض. «ما بين أيديهم وما خلفهم» ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها ، أوما بين أيديهم [١]جمع الخدن بكسر الخاء وسكون الدال : الحبيب والصاحب. من أمر الدنيا واتباع الشهوات وما خلفهم من أمر العاقبة وأن لا بعث ولا حساب ، «و حق عليهم القول» يعني كلمة العذاب «في أمم» في جملة أمم «إنهم كانوا خاسرين» تعليل لاستحقاقهم العذاب. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله : «ليتخذ بعضهم بعضا سخريا» : معناه أن الوجه في اختلاف الرزق بين العباد في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة أن في ذلك تسخيرا من بعض العباد لبعض بأحواجهم إليه يستخدم بعضهم بعضا فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم بذلك قوام أمر العالم. وقيل : معناه ليملك بعضهم بعضا بمالهم فيتخذونهم عبيدا ومماليك. وقال في قوله تعالى : «ومن يعش عن ذكر الرحمن» أي يعرض عنه «نقيض له شيطانا» أي نخلي بينه وبين الشيطان الذي يغويه فيصير قرينه عوضا عن ذكر الله. وقيل : معناه نقرن به شيطانا في الآخرة يلزمه فيذهب به إلى النار ، كما أن المؤمن يقرن به ملك فلا يفارقه حتى يصير به إلى الجنة. وقال السيد المرتضى 2 فيما مر في سورة الاعراف من قوله تعالى : «سأصرف عن آياتي» الآية : فيه وجوه : أولها أن يكون تعالى عنى بذلك صرفهم عن ثواب الله النظر في الآيات ، وعن العز والكرامة اللذين يستحقهما من أدى الواجب عليه في آيات الله تعالى وأدلته وتمسك بها ، والآيات على هذا التأويل يحتمل أن تكون سائر الادلة ويحتمل أن تكون معجزات الانبياء : خاصة ، وهذا التأويل يطابقه الظاهر لانه تعالى قال : «ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين» فبين أن صرفهم من الآيات يستحق بتكذيبهم ولا يليق ذلك إلا بما ذكرناه. وثانيها أن يصرفهم عن زيادة المعجزات التي يظهرها على الانبياء بعد قيام الحجة بما تقدم من آياتهم ومعجزاتهم ، لانه تعالى إنما يظهر هذا الضرب من المعجزات إذا علم أنه يؤمن عنده من لم يؤمن بما تقدم من الآيات فإذا علم خلاف ذلك لم يظهرها وصرف الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون بها عنها ; ويكون الصرف على أحد وجهين : إما بأن لا يظهرها جملة ، أو بأن يصرفهم عن مشاهدتها ويظهرها بحيث ينتفع بها غيرهم. وثالثها : أن يكون معنى سأصرف عن آياتي أي لا أوتيها من هذه صفته ، وإذا صرفهم عنها فقد صرفها عنهم ، وكلا اللفظين يفيد معنى واحدا. ورابعها : أن يكون المراد بالآيات العلامات التي يجعلها الله في قلوب المؤمنين ، ليدل بها الملائكة على الفرق بين المؤمن والكافر فيفعلوا بكل واحد منها ما يستحقه من التعظيم أو الاستخفاف كما تأول أهل الحق الطبع والختم اللذين ورد بهما القرآن على أن المراد بهما العلامة المميزة بين الكافر والمؤمن ، ويكون معنى سأصرفهم عنها أي أعدل بهم عنها وأخص بها المؤمنين المصدقين بآياتي وأنبيائي. وخامسها : أن يريد تعالى : أني أصرف من رام المنع من أداء آياتي وتبليغها ، لان من الواجب على الله أن يحول بين من رام ذلك وبينه ولا يمكن منه لانه ينقض الغرض في البعثة. وسادسها : أن يكون الصرف هنا الحكم والتسمية والشهادة ، معلوم أن من شهد على غيره بالانصراف عن شئ جاز أن يقال له : صرفه عنه ، كما يقال : أكفره و وكذبه وفسقه. وسابعها : أنه تعالى لما علم أن الذين يتكبرون في الارض بغير الحق سينصرفون عن النظر في آياته والايمان بها إذا أظهرها على أيدي رسله جاز أن يقول : سأصرف عن آياتي فيريد سأظهر ما ينصرفون بسوء اختيارهم عنه ، ويجري ذلك مجرى قولهم : سأبخل فلانا أي أسأله ما يبخل ببذله ، والآيات إما المعجزات أو جمع الادلة. وثامنها : أن يكون الصرف ههنا المنع من إبطال الآيات والحجج والقدح فيها بما يخرجها عن أن تكون أدلة وحججا ، فيكون تقدير الكلام : إني بما أؤيده من حججي وأحكمه من آياتي وبيناتي سأصرف المبطلين والمكذبين عن القدح في الآيات والدلالات. وتاسعها : أن الله عز وجل لما وعد موسى 7 وأمته لهلاك عدوهم قال : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق فأراد عزوجل أنه يهلكهم ويصطلمهم ويحتاجهم على طريق العقوبة لهم ، بما قد كان منهم من التكذيب بآيات الله تعالى والرد لحججه ، وهو تعالى إذا أهلك هؤلاء الجبارين فقد صرفهم عن آياته من حيث اقتطعهم عن مشاهدتها والنظر فيها. وفي قوله تعالى : «يتكبرون في الارض بغير الحق» وجهان : أحدهما أن يكون ذلك على سبيل التأكيد والتغليظ والبيان عن أن التكبر لا يكون إلا بغير الحق. والثاني أن في التكبر ما يكون ممدوحا لان من تكبر وتنزه عن الفواحش و تباعد عن فعلها وتجنب أهلها يكون مستحقا للمدح ، وإنما التكبر المذموم هو الواقع على وجه النخوة والبغي والاستطالة على ذوي الضعف ، والفخر عليهم والمباهات لهم. ثم المراد بالغفلة في الآية التشبيه لا الحقيقة ، ووجه التشبيه أنهم لما أعرضوا عن تأمل آيات الله تعالى والانتفاع بها اشتبهت حالهم حال من كان ساهيا ، غافلا عنها كما قال تعالى : «صم بكم عمي» على هذا المعنى : انتهى ملخص كلامه رحمه الله وقد بسط الكلام فيها بما لا مزيد عليه. وقال 2 في قوله تعالى : «يخرجهم من الظلمات إلى النور» : أما النور و الظلمة المذكوران في الآية فجائز أن يكون المراد بهما الايمان والكفر ، وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار ، والثواب والعقاب ، وقد تصح الكناية عن الثواب والنعيم في الجنة بأنه نور ، وعن العقاب في النار بأنه ظلمة ، وإذا كان المراد بهما الجنة و النار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى لانه لا شبهة في أنه جل وعز هو المدخل للمؤمن الجنة ، والعادل به عن طريق النار ، والظاهر بما ذكرناه أشبه لانه يقتضي أن المؤمن الذي ثبت كونه مؤمنا يخرج من الظلمة إلى النور ، فلو حمل على الايمان والكفر لتناقض المعنى ، ولصار تقدير الكلام : أنه يخرج المؤمن الذي تقدم كونه مؤمنا من الكفر إلى الايمان ، وذلك لا يصح ; على أنا لو حملنا الكلام على الايمان والكفر لصح ولم يكن مقتضيا لما توهموه ، ويكون وجه إضافة الاخراج إليه ـ وإن لم يكن الايمان من فعله ـ من حيث دل وبين وأرشد ولطف وسهل ، وقد علمنا أنه لولا هذه الامور لم يخرج المكلف من الكفر إلى الايمان ، فتصح إضافة الاخراج إليه لكون ما عددناه من جهته ، وعلى هذا يصح من أحدنا إذا أشار على غيره بدخول بلد من البلدان ورغبه في ذلك وعرفه ما فيه من الصلاح ، أو بمجانبة فعل من الافعال أن يقول : أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني ، وأنا أخرجته من كذا وكذا ، ألا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت ، وإن لم يدل ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر للكفار ، بل وجه الاضافة ما تقدم لان الشياطين يغوون ويدعون إلى الكفر ، ويزينون فعله ، فكيف اقتضت الاضافة الاولى أن الايمان من فعل الله في المؤمن ، ولم تقتض الاضافة الثانية أن الكفر من فعل الشياطين في الكفار لولا بله المخالفين وغفلتهم؟ وبعد فلو كان الامر على ما ظنوه لما صار الله وليا للمؤمنين وناصرا لهم على ما اقتضته الآية والايمان من فعله لا من فعلهم ، ولما كان خاذلا للكفار ومضيفا لولايتهم إلى الطاغوت والكفر من فعله بهم ; ولم فصل بين الكافر والمؤمن في باب الولاية وهو المتولي لفعل الامرين فيهما؟ ومثل هذا لا يذهب على أحد ولا يعرض عنه إلا معاند مغالط لنفسه. وقال 2 في قوله تعالى : «ربنا لا تزغ قلوبنا» فيه وجوه : أولها أن يكون المراد بالآية : ربنا لا تشدد علينا المحنة في التكليف ولا تشق علينا فيه ، فيفضي بنا إلى ضيق قلوبنا بعد الهداية ، وليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى المحنة عليهم إليه ، كما قال تعالى في السورة : «إنها زادتهم رجسا إلى رجسهم». [١] فإن قيل كيف يشدد المحنة عليهم؟ قلنا : بأن يقوى شهواتهم لما في عقولهم ونفورهم عن الواجب عليهم فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا ، والثواب المستحق عليهم عظيما متضاعفا ، وإنما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة. وثانيها أن يكون ذلك دعاءا بالتثبيت على الهداية ، وإمدادهم بالالطاف التي معها يستمرون على الايمان. فإن قيل : وكيف يكون مزيغا لقلوبهم بأن لا يفعل اللطف؟ قلنا : من حيث كان المعلوم أنه متى قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقاته زاغوا وانصرفوا عن الايمان ، ويجري [١]التوبة : ١٢٥. هذا مجرى قولهم : اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا معناه لا تخل بيننا وبين من لا يرحمنا فيتسلط علينا ، فكأنهم قالوا : لا تخل بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك فنزيع ونضل. وثالثها ما ذكره الجبائي وهو أن المعنى لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك ، و معنى هذا السؤال أنهم سألوا الله أن يلطف لهم في فعل الايمان حتى يقيموا عليه ولا يتركوه في مستقبل عمرهم فيستحقوا بترك الايمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب وأن يفعل بهم بدلا منه العقاب. ورابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين والايمان ولا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل ما كان لا يحب أن يفعله ، وما لولا المسألة لجاز فعله لانه غير ممتنع أن ندعوه على سبيل الانقطاع إليه والافتقار إلى ما عنده ، بأن يفعل ما نعلم أنه لابد من أن يفعله ، وبأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم : «ولا تخزني يوم يبعثون» [١] وكما قال تعالى في تعليمنا ما ندعو به : «قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن» وكقوله تعالى : «ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به». وقال 2 في قول نوح 7 : «لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم» : ليس في هذه الآية ما يقتضي خلاف مذهبنا لانه تعالى لم يقل : إنه فعل الغواية أو أرادها ، وإنما أخبر أن نصح النبي 7 لا ينفع إن كان الله يريد غوايتهم ، ووقوع الارادة لذلك ، أو جواز وقوعها لا دلالة عليهم في الظاهر ، على أن الغواية ههنا الخيبة وحرمان الثواب ، ويشهد بصحة ما ذكرناه في هذه اللفظة قول الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما فكأنه قال : إن كان الله يريد أن يخيبكم ويعاقبكم بسوء عملكم وكفركم و يحرمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحي ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه ، إلا أن تقلعوا وتتوبوا [١]الشعراء : ٨٧. وقد سمى الله تعالى العقاب غيا فقال : «فسوف يلقون غيا» [١] وما قبل هذه الآية يشهد لما ذكرناه ، وأن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى فقالوا : «يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحي» الآية ، فأخبر أن نصحه لا ينفع من يريد الله أن ينزل به العذاب ، ولا يغني عنه شيئا. وقال جعفر بن حرب : إن الآية تتعلق بأنه كان في قوم نوح طائفة تقول بالجبر فنبههم الله تعالى بهذاالقول على فساد مذاهبهم ، وقال لهم على طريق الانكار عليهم و التعجب من قولهم : إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر والفساد فما ينفعكم نصحي فلا تطلبوا مني نصحا فأنتم على قولكم لا تنتفعون به وهذا جيد. وروي عن الحسن في هذه الآية وجه صالح وهو أنه قال : المعنى فيها : إن كان الله يريد أن يعذبكم فليس ينفعكم نصحي عند نزول العذاب بكم وإن قبلتموه وآمنتم به ، لان من حكم الله تعالى أن لا يقبل الايمان عند نزول العذاب ، وكل هذا واضح في زوال الشبهة في الآية.
الهوامش · 4⌄
[٢]الزخرف : ٣٦.ص 189
[٢]في الامالى المطبوع هكذا : بأن يقوى شهواتهم لما قبحه في عقولهم.ص 193
[٢]الانبياء : ١١٢.ص 194
[٣]البقرة : ٢٨٦.ص 194